عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 08-17-2006, 11:46 AM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الرابع:
المتكلمون بين ثنائيّة اللفظ والمعنى والنظم



النص الأدبي في دراسات الإعجاز قبل عبد القاهر

تراوح فهم المتكلمين للنص بين ثنائية اللفظ والمعنى، والنظم، ولم يكد الحسم يكون بيّناً في إسناد هذه الفعالية إلى النظم إلا مع عبد القاهر، في حين ظل سابقوه يقرون مزايا للفظ والمعنى مع تبني فهم للنظم بدلالات مختلفة ومتفاوتة، اقتربت عند القاضي عبد الجبار من مستوى النضج حيث بدأ الأساس اللغوي والنحوي للنظم في التشكيل.‏

ومن هنا استقام في أذهان هؤلاء رؤية النص الأدبي من منظور ثنائية اللفظ والمعنى، دون أن يتخلوا عن الضابط لهذين الشقين واللاحم لهما بطريقة الإضافة الخارجية عموماً، مصطلحين على تسمية هذه العلاقة الضامة لعناصر النص باصطلاحات تبدو مترادفة كالسبك والانتظام والرصف...‏

فقد بدأ النظم فضفاضاً قابلاً لاستيعاب دلالات مختلفة، ذلك أنه على مستوى أولي تحدد مرادفاً للطريقة، أو النوع الأدبي في نصوص كل المتكلمين السابقين لعبد القاهر، فالعادة، كما يرى الرماني "كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة: منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة"(1)، وهذا الفهم للنظم المرادف الطريقة وارد عند الخطابي في مثل قوله متحدثاً عن فصاحة العرب حيث إنهم "مقتدرون على التصرف في أودية الكلام، عارفون بنظومه قصيده ورجزه وسجعه، وسائر فنونه"(2). ولقد تواتر ذكر النظم في أعمال الباقلاني وجهاً من وجوه إعجاز القرآن، حيث "إنه بديع النظم، عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه"(3)؛ غير أن دلالته الأولى تمر عبر الفهم السالف الذكر ذلك "أن نظم القرآن على تصرف وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم"(4).‏

ومع أن القاضي عبد الجبّار يورد نصاً لشيخه "أبي هاشم" يحدد فيه فهمه للفصاحة والنظم، وهو قوله: "إنما يكون الكلام فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة"(5)، إلا أنه لا يتخلى عن هذا المستوى من فهم النظم في مناظراته وحجاجه الخصوم فهو يجمل رأيه إثر بسطه هذه الفكرة في قوله إنا "جعلنا الطريقة الخارجة عن العادة في النظم مؤكدة لكونه معجزاً إذا كان له رتبة عظيمة في الفصاحة"(62).‏

والحق أن هذا الفهم للنظم لا يعدو أن يكون شرحاً أولياً لمدلوله، يتحدد للقرآن فيه الإقرار بتميز نوعي ضمن فنون القول المختلفة. هذا التحديد الخارجي الأول الهادف إلى إخراج القرآن من كل التباسات القول الشائعة يمثل أساساً مبدئياً تقوم عليه الآراء المفرعة للقول في القرآن مضموناً وشكلاً. ومن هذا المستوى يندرج البحث في عناصر النص المشكلة لبنيته وذلك في مستوى أول لا يعدو تصوره أن يكون إحساساً بصلة بين عنصري المعنى واللفظ، أو بنوع من اللحمة السابكة للعناصر.‏

فإذا كان التلاؤم عند الرماني "تعديل الحروف في التأليف"(7)، هذا التأليف المتفرع إلى: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، فإن فائدة هذا التلاؤم في الكلام تتبدى في "حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليه من حسن الصورة وطريق الدلالة"(8).‏

وعلى الرغم من أن مبحث التلاؤم من مباحث الفصاحة يعرض للحروف وانسجامها في الكلمات، وأسباب ذلك العائدة إلى قوانين وشروط تراعي كيفية تأليف الوحدات الدالة، وإلى صور مخصوصة توفر لها حسن السمع، فإن الامتداد به إلى مستوى شامل يغطي نصاً قرآنياً أو شعرياً كشف لتصور أولي بضرورة مراعاة قدر من انسجام النص وإن بدا في شكل لفظي لا يتجاوز المستوى الصوتي، إلا أن إحساساً أولياً بخيط جامع لعناصر النص ينضاف إلى جمال الصورة أو عذوبة اللفظ يبدأ في الظهور عند الرماني، فإذ يعلل جمال بعض التشبيهات القرآنية المقر بحسنها يتساءل عن الكيفية التي يكون عليها هذا التشبيه، "إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة"(9)، والإقرار بعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، معناه إسناد الحسن إلى اللفظ والمعنى، غير أن إضافة حسن النظم كشف عن وعي بفعالية ثالثة تنضاف إلى عنصري الجمال السابقين، ومع ذلك لا يمكن ضبط مدلول النظم في النص السابق بدقة، غير أن ذكره مع اللفظ والمعنى يكاد يقرب معناه من مفهوم التأليف، الذي يبدو واضحاً في قول الرماني "والكلام لايخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم للمعنى أو صفة، كقولك: غلام زيد، فهذا التأليف يدل على الملك من غير ذكر له باسم أو صفة. ودلالة الاشتقاق كدلالة التأليف في أنه من غير ذكر اسم أو صفة، كقولك، قاتل تدل على مقتول وقتل من غير ذكر اسم أو صفة لواحد منهما، ولكن المعنى مضمن بالصفة المشتقة، وإن لم تكن له. ودلالة الأسماء والصفات متناهية، فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية، ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن لأحد أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أن الممكن من العدد ليس لـه نهاية يوقف عندها لا يمكن أن يزاد عليها. والقرآن كله في نهاية حسن‏

البيان"(10)، فالتأليف حسب هذا الفهم مؤدّ إلى حصول دلالة لا توجد في ظاهر الألفاظ المشكلة للعبارة "ظهور معنى الملك من غير ذكر لـه باسم أو صفة"، فالإضافة هنا مزج لدوال في وحدة تؤول إلى معنى واحد، من هنا ينفسح المجال لبروز نصوص أدبية كثيرة. ذلك أنها محصلة فعالية في مستوى الكلام، وتركيب تأليفي لمعطيات جزئية تتجسد في العناصر المشكلة لهذه البنية أفراداً. فمحدودية الألفاظ أفراداً، تستحيل لا نهائية تركيباً نظراً لفعالية التأليف.‏

ويأخذ هذا الإحساس الاول بمفهوم التأليف مدى أشمل لدى الخطابي، إذ يمثل أساساً في نظرته لبنية النص، إلا أنه يتعادل بداية مع فكرة التأليف الجامعة لعنصري اللفظ والمعنى، فبلاغة القرآن في نظره لا تقتصر على "مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه، وملابسه التي هي نظوم تأليفية"(11)، ذلك أن الكلام يقوم بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم(12). هذا الفهم المراكم لعناصر النص لا يعطي النظم فعالية أولى في التركيب، دون أن ننفي أن يكون له دور في ضم أجزاء الكلام غير أنه لا تتحدد في هذا المستوى الكيفية التي بها يتم هذا الانتظام، ومع ذلك يظل لرسوم النظم الأهمية البالغة "فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه بعضاً (كذا) فتقوم لـه صورة في النفس يتشكل بها البيان"(13)، ولو قصدنا الاقتراب من الكيفية التي يتحقق بها الانسجام بين وحدات النص لرأيناه يلح على ضرورة التدقيق في توظيف الألفاظ المتقاربة، في المعنى خصوصاً وتنزيلها في مواقعها التي يقتضيها فصل الكلام، ذلك أن "عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منها إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب: كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر... والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها"(14).‏

ومع كل ذلك يكشف الخطابي عن نوع من الإحساس بانتظام عناصر النص في وحدة خفية تستند إلى أساس معنوي مما يعطي مفهوم النظم فسحة ممتدة تتعادل تقريباً مع مفهوم للوحدة الجامعة لفصول النص، يظهر ذلك في رده على المعترض القائل: "أو ليس وإن توجه الكلام وصح على الوجه الذي ذكرتموه في معنى قوله سبحانه: (كما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بالحقِّ(، فقد دخله من الانتشار بتفرّق أجزائه وتباعد مابين فصوله ما أخرجه من حسن النظم الذي وصفتموه به؟ قيل: لا... وذلك لأنه لم يدخل بينه وبين أول ما يتصل به، إنما قال: (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين(، ثم وصف هذا الإيمان وحقيقته إذ كان هذا القسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، يلزم أدناه من ذلك ما يلزم أقصاه، فلو لم يستوفه بالصفة الجامعة- لـه لم يبن معه المراد، ثم عطف بالكلام على أول الفصل فقال: (كما أَخْرَجَكَ ربُّكَ من بيتِكَ بالحقِّ وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون(، فشبه كراهتهم ماجرى في أمر الأنفال وقسمها بالكراهة في مخرجه من بيته، وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو كنفس الكلام"(15)، وحجّة الخطابي في ذلك أن صلة معنوية خفية تلحم الآيات وتسقط حجة المعترض الواصف لها بالتفرق والانتشار، وبالتالي سقوط النظم، ذلك أن كراهة المؤمنين للخروج إلى القتال المعبر عنها في قوله تعالى: (كما أخرجك ربُّك منْ بيتِكِ وإن فريقَّاً مِنَ المؤمنين لكارهون(، ينتظمها ومطلع سورة الأنفال في قوله تعالى: (يسألونَكَ عَنْ الأنفال، قُلْ الأنفالُ للهِ والرَّسولِ، فاتَّقوا الله وأصلحوا ذاتَ بينِكُمْ وأطيعوا الله وَرَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مؤمنين(، وحدة تكمن في الدلالة على الكراهية الواردة في الآيات، فكان الحسم في أمر الأنفال الذي لم يتوافق مع الرغبة في اقتسامها، متطابقاً مع مخالفة رغبة المؤمنين في الميل إلى غير ذات الشوكة، التي هي غنائم بدر، فكرهوا لذلك الخروج إلى القتال، وما بينهما حديث عن الإيمان الذي يجب أن يكون انصياعاً لأمر الله، فلا انتشار في النص إنما تكامل وانتظام وتلاؤم, فامتداد نفس النظم في لحمة جامعة لآيات كثيرة إحساس بوجود رابط يلحم عناصر قد تبدو متباعدة، غير أن هذا الفهم وإن كان يعطي لبنية النص وحدة، فإن الأساس الذي يقوم عليه متروك للاجتهاد.‏

ولم يشذ الباقلاني عن إعطاء النظم هذا المدلول المرادف للتأليف غير المستند إلى أساس لغوي أو نحوي، يقول معدداً أوجه النظم، ذاكراً هذا الوجه الثالث "وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها"(16)، ثم يفسر هذا المعنى في مترادفات كالرصف في مثل قوله: "وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها، على حدٍّ واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا"(17).‏

وسواء حملنا النظم على دلالة الطريقة أم التأليف، فإنه لم يستطع أن يزيح تصور النص في ثنائية المعنى واللفظ من الحضور، ويستحوذ بالتالي على المفاتيح الشارحة لتلاؤم عناصره، بل يتجسد دور النظم في هذا المستوى في ما يشبه الخيط يأتي جامعاً لعناصر لغوية تشكلت علائقها بموجب معنى ولفظ متضامين متفاوتي الحسن أحياناً. ومن هنا ظل الحديث عن اللفظ والمعنى حاضراً رغم اللهج بالنظم ومترادفاته، وهذا الفهم سيتوافق مع تصور العناصر الفاعلة في النص، والمحدثة لمزاياه، كالصورة والموسيقى مثلاً... فالرماني إذ يستدرك على حد البلاغة بالإفهام ذلك أنه "ليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عي، ولا البلاغة أيضاً بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف. وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في حسن الصورة من اللفظ"(18). فإنما يحصر فعالية البلاغة في ثنائية المعنى والصورة اللفظية المحسنة للمعنى، ويكاد يختزل تصور فعالية الخطاب في هذه الثنائية المحددة معيارياً مزايا الطرفين. وهذا يتوافق تماماً مع فهمه للاستعارة التي هي تعليق العبارة على غير ما وضعت لـه في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة (19)، فيكون التحسين الصوري تكريساً لبلاغة اللفظ المتجسدة في كون الاستعارة نائبة عن الحقيقة التي هي أصل الدلالة على المعنى في اللغة، كقول امرئ القيس في صفة الفرس: "قيد الأوابد"، والحقيقة فيه: مانع الأوابد، وقيد الأوابد أبلغ وأحسن(20).‏

وتتسع عملية التحسين نفسها حتى تطول موسيقى النص في مستوى الفواصل والأسجاع أو الوزن الشعري والقافية، ذلك أن المنظور الثنائي يرى في خصائص الصورة الشعرية والموسيقية تراكماً يثقل الدلالة بالتحسين قد يتوافق أو يتضاد مع المعنى، فالفواصل "حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها"(21)، وأما القوافي فليست في الطبقة العليا من البلاغة، "وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن ومجانسة القوافي"(22).‏

ومثل هذا الفهم لعناصر النص، يسعف في -الاقتراب من فكرة النظم أو التأليف التي تكاد تحدد بكونها جمعاً لعناصر مكتملة - الحسن أو متفاوتة الدرجة بين القبح والحسن. ومع ذلك قد يدق هذا التصور الثنائي ويتلاحم ليتجاوز رصد بلاغة النص في معنى مسبق يلبس محسنات صورية بغية إحداث تأثير في المتلقي، يتجاوز ذلك إلى كشف ثراء الدلالة المتأتية من طاقة اللغة وقدرتها على الإيحاء الذي يتحقق في انفساح المعنى وامتداده خارج حدود اللفظ الصائغ له، فتتجاوز اللغة عندها قدرتها على الإيصال والتبليغ إلى تحقيق إمكانية الامتداد في الدلالة إلى أبعاد تستخلص من الصورة اللفظية المركزة فيما عرف بالإيجاز. وهذا الفهم يتوافق مع مبادئ الدرس الدلالي المعاصر. فالإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يمكن أن يُعبَّر عنه بألفاظ كثيرةٍ ، ويمكن أن يُعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز(23)، وهذا إقرار بتعدد إمكانية التعبير عن المعنى بأكثر من طريق، خصوصاً أن الإيجاز متحقق في تشذيب كل فائض عن المقصود، سواء في مستوى العبارة أم الغرض، وهذا إحساس بشكل من أشكال وحدة النص، ذلك أن "الإيجاز على ثلاثة أوجه: الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح، لأن المستقبح ثقيل على النفس، فقد يكون للمعنى طريقان أحدهما أقرب من الآخر كقولك: تحرك حركة سريعة، في موضع أسرع، وقد يكتنف الغرض شعب كثيرة كالتشبيب قبل المدح، وكالصفات لما يعترض الكلام مما ليس عليه اعتماد، وإذا ظهرت الفائدة بما يستحسن فهو إيجاز لخفته على النفس"(24).‏

والخطابي رغم كثرة لهجه بفكرة النظم، فإن تفكيك النص إلى معنى ولفظ ونظم متواتر عنده، بل إن هذه الفضائل الثلاث العائدة إلى العناصر الثلاثة السابقة قد توجد "على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير"(25)، ذلك أن اللفظ عند الخطابي حامل للمعنى وظرف له، ويستتبع بالتالي أن تكون معاني الأشياء "محمولة على تلك الأغراض"(26).‏

ويتفرع من مفهوم اللفظ الحامل للمعنى في دلالة احتوائية ضبط خصائص كل طرف، علماً بأن معاناة المعاني التي تحملها الألفاظ أشد "لأنها نتائج العقول وولائد الأفهام وبنات الأفكار"(27)، وهذه المعاناة إذ تؤكد ضرورة التدبّر وإعمال الفكر أثناء مباشرة عملية التعبير، فإنها تهب العقل دوراً أولياً في توليد الأفكار، ذلك أن فعل التعبير الواعي يتولد منه الاختيار في المعنى، وهذا يتماشى مع ضوابط الاختيار في اللفظ، لذلك ينفي أن تكون الغرابة من شروط بلاغة اللفظ(28)؛ وإذا كانت أجناس الكلام مختلفة ومتفاوتة، منها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، فكان أن انتظم لبلاغات القرآن بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة(29).‏

والحق أن التطبيق العملي يساعد على تحديد خصائص كل من المعنى واللفظ، ذلك أنه كما نرى ستكون ممارسة عملية الشرح للنص الشعري مثلاً تراوحاً بين خصائص الشكل أو الصورة وطبيعة المعنى، يقول الخطابي محللاً أبيات امرئ القيس في وصف الليل إثر مقارنتها بأبيات للنابغة في المعنى نفسه، "إلا أن في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة وحسن التشبيه وإبداع المعاني ماليس في أبيات النابغة، إذ جعل لليل صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وشبّه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضاً حالاً على حال، وجعل النجوم كأنها مشدودة بحبال وثيقة فهي راكدة لا تزول ولا تبرح، ثم لم يقتصر على ما وصف من هذه الأمور حتى عللها بالبلوى ونبه فيها على المعنى"(30)، وكأنه يمكن أن يستغني في وصف هذه الأمور عن تعليلها بالمعنى، من هنا فك عناصر الصورة التي هي موطن الحسن، ليردفها بالمدلول، على أن اعتباره المعنى علة قد ينمُّ عن نوع من الإدراك لوحدة الصورة والمعنى، ذلك أن الصورة الدالة معلول للمعنى، على الرغم من أن هذا الفهم لا يتنافى مع فكرة الانفصال نفسها التي تخضع تتابع الطرفين لتصور منطقي. ورأيه في الاستعارة تصديق لهذا الموقف إذ يراها صياغة بليغة مقابلة للحقيقة.(31).‏

وعلى الرغم من أن الباقلاني يصوغ للنظم مفهوماً يكاد يترادف مع مفهوم العلاقات كما سنرى، فإنه يظل مشدوداً في تحليل بلاغة النص إلى ثنائية اللفظ والمعنى، سواء تعلق الأمر بالقرآن أم بالشعر ويطغى على النظم إذ ذاك معنى الرباط الخارجي. ومع ذلك يشترط التلاؤم بين المعنى واللفظ المعبر عنه، وكلما اقترب الطرفان من إحداث التوافق بينهما كان التعبير ناجحاً، ذلك أن محصول البلاغة "الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ"(32).‏

وستمثل فكرة الكلام النفسي مستند الباقلاني في بحث الإعجاز ومنطلق كل تعبير كأس نفسي يتحقق شرط ظهوره بإيفائه حقه في اللفظ الملائم. من هنا تكاد تحصر جهوده الشارحة للإعجاز، ولبلاغة النص الشعري في الانطلاق من بحث علاقة عنصري اللفظ والمعنى وطرائق توافقهما وانسجامهما في تأدية المراد، فإذا "كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس، التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب إلى تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقاً في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه، كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً"(33)، ذلك أن تحقق البراعة إنما يكون في انسجام الطرفين، فإذا "وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر، والفصاحة أتم"(34)،فإذا كان تفاوت الطرفين في الفصل يعكر فكرة التلاؤم نفسها، فإن الإلحاح على تأكيدها يقوم على مراعاة التوافق بين الطرفين بحسب درجة الابتذال والابتكار فيهما،"ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور"(35).‏

واختلاف الأوصاف المسقطة على كلٍّ من اللفظ والمعنى يبين عن منظور خاص، في فهم فكرة الابتكار، ذلك أن ابتكار المعنى يستتبعه حتماً ابتكار في اللفظ الذي يؤديه، ويبدو في ذهن الباقلاني أن المسألة تتم في درجة من الوضوح يتيح الانتقاء المتميز للأطراف وفق مواصفات التداول أو الابتكار. ولعل من فضائله في هذا الموقف إرجاعه مسألة صعوبة تحقيق انسجام الأطراف إلى خصائص فيهما، إلا أن المسألة تظل متروكة للاختيار الواعي المنضبط وفق مزايا المعنى واللفظ. صحيح أن الإلحاح على ضرورة انسجام الطرفين وتحقيق البراعة في كليهما إيمان بضرورة تكامل ابتكار المعنى وبراعة الصياغة، غير أن الباقلاني لو فكر بأن ميلاد المعنى المبتكر هو ميلاد للفظ المبتكر أو البارع أيضاً، لما وزع المزايا على العنصرين منفردين، وألح على ضرورة تحقيق انسجام يتوافق فيه الابتكار مع البراعة، من هنا كان رأيه إعادة لقول الرماني في السجع والفواصل، ذلك "لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع. وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى، وفرقٌ بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ"(36)، فهناك اقتراب من تصور وحدة الدلالة الحاصلة من انتظام الكلام في نفسه المولد لهذه الدلالة الممتدة بامتداد اللفظ المنتظم لها، عكس المستوى الثاني الذي يبدو فيه المعنى كالمستقل عن اللفظ، ومن هنا يكون السجع تزييناً مضافاً لا فاعلية له في المعنى.‏

ومع ذلك يظل حضور العنصرين في ذهن الباقلاني حضوراً متفاوت القيمة، إذ إنه لا يمتنع عنده تصور إمكان صياغة المعنى الواحد في صور شتى دون أن يكون لهذه الصور فاعلية في تغيير المعنى أو إحداث ما سمي بصورة المعنى، من هنا تكون "إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدي معنىً واحداً من الأمر الصعب، الذي تظهر به الفصاحة، وتتبين به البلاغة، (37). فالفصاحة تكمن في الإخراج المجدد للمعنى الواحد، ومع أن هذا الرأي يرد في موقف الحجاج الهادف إلى التدليل على الإعجاز القرآني وعجز البشر عن المعارضة، إذ لو كانوا قادرين لأعادوا التعبير عن نفس القصة بألفاظ لهم تؤدي نفس المعاني، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن دعوة الباقلاني إلى تحقيق التلاؤم بين المعنى واللفظ لا تنفي إمكانية التعبير المتفاوت القيمة عن المعنى الواحد.‏

ويضبط الباقلاني حقل كل طرف بالمقابلة مع الآخر من منظور كمّي يبدو فيه التقسيم امتداداً للمألوف، ذلك أنه في "جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه، وفيه ما تقصر معانيه وتفضل العبارات. وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقاً للآخر"(38)، وفي هذا النوع الأخير الذي يتوافق فيه الطرفان تفريع يبسط إمكانية الاختلاف في البراعة وإسنادها إلى الطرفين معاً أو إلى أحدهما، لأن ما يقع وفقاً ينقسم" إلى أنه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل. وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعاً شريفاً، وغريباً لطيفاً. وقد يكون كل واحد منهما مستجلباً متكلفاً، ومصنوعاً متعسفاً، وقد يكون كل واحد منهما حسناً رشيقاً، وبهيجاً نضيراً. وقد يتفق أحد الأمرين من دون الآخر"(39).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:48 AM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



وفي هذا المقام يستفيد من حديث الرماني عن الإعجاز، مشيراً إلى إمكانات اللغة في إثراء الدلالة وتفجير طاقاتها في الامتداد بالمعنى طبقات في ما سمي بالإشارة التي هي "اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة"(40)، وإذ يضيف راوياً عن بعضهم وصفه للبلاغة بأنها "لمحة دالة"(41). يكتمل الإحساس بقدرة اللغة على تجاوز دلالتها المباشرة والصريحة لتستحيل تلميحاً بالمعنى يتطلب إدراكه تدقيق النظر مع الإقرار بالإمكانات المتعددة في فهم النص.‏

وظل القاضي عبد الجبار نفسه مشدوداً إلى فهمٍ للفصاحة يتوزع بين جزالة اللفظ وحسن المعنى، رغم أن فهمه للنظم أنضج من تصور سابقيه بل سيبدو توزيعه غير عادل بين العنصرين مما يشي باضطراب الموقف إزاءهما. ومستند في ذلك رأي شيخه أبي هاشم في قوله: "إنما يكون الكلام فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين"(42).‏

وقد تمكن الباقلاني، وتمكن القاضي عبد الجبار على وجه أخص من الاقتراب من فهم أكثر تحديداً للنظم. فقد انضبطت دلالته لدى الباقلاني في مايمكن أن يوصف بالعلاقات وطرائق ضم الكلمات بعضها إلى بعض دون أن يتسنى لـه تحديد أساس عميق للضم. ومن هنا، ومع إقراره بضرورة إحداث اللحمة بين الكلمات في السياق الواحد رافضاً اعتبار الإعجاز في وجوه البيان مستقلة عن مواقعها في النظم، إلا أن الأساس اللغوي أو النحوي الغائب الذي كان من الممكن أن يسعفه في ضبط محصل العلاقة بين الكلمات الموجدة للدلالة أوهى من فكرته في النظم حتى في هذا الطور المتقدم، ولم يتمكن عندما واجه بالتحليل النصوص الطويلة من الكشف إلا عن فهم انطباعي لنظم شامل لأجزائها.‏

فليست الوجوه البلاغية بموجدة للإعجاز وحدها، إنما تتنزل ضمن كلٍّ أشمل، لأن الآية التي فيها ذكر التشبيه "إن ادَّعي إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها، فإني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدّعي إعجازها لموضع التشبيه"(43). فهو يقر لهذه الوجوه البلاغية بميزة في الكلام إلا أنه لا يجعل الإعجاز متعلقاً بها ووقفاً عليها ومضافاً إليها(44)، فهي عناصر أسلوبية في كلٍّ أشمل يحوي سر الإعجاز ويمكن تلمس تحديد أدق للإعجاز وبالتالي للنظم في مثل قوله: "ليس الإعجاز في نفس الحروف، "حروف المعجز"، وإنما هو في نظمها وإحكام رصفها وكونها على وزن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم. وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ومترتبة في الوجود، وليس لها نظم سواها وهو كتتابع الحركات إلى السماء ووجود بعضها قبل بعض ووجود بعضها بعد بعض".(45).‏

ولو قصدنا توثيق ما يقول بالتماس نماذج تطبيقية في تفسير القرآن وشرح الشعر، لتبين لنا أن مفهومه للنظم، وإن حده بلفظ العلاقات وإحداث التقديم والتأخير وغيرها من لوازم انبناء الكلام على الموقع، واسع يتضمن معنى الوصل بين أجزاء الكلام مما ينم عن إحساس بوحدة معنوية، وينبني التحليل في أغلب فصوله على منظور نقدي ثنائي يفكك عناصر النص إلى المعنى واللفظ.‏

فهو يبدأ تحليله بالدعوة إلىتأمل السورة التي يذكر فيها "النّمل"، والنظر في كل كلمة، وفصل فصل، يقول: بدأ بذكر السورة، إلى أن بيّن القرآن من عنده، فقالوإنّك لتلقَّى القرآن من لّدن حكيم عليم((46)، ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى ناراً وذكر تواتر رؤيته النار في سور شتى ليخلص إلى القول: وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها، تامة في معناها(47). وهكذا يتحدد لبلاغة الكلمة في ذاتها مستقلة عن موقعها أساس في تحليله سيزاحم حديثه عن النظم المتحدد في وصلة بين أقسام السورة، كقولـه مواصلاً التحليل، ثم قال: (فلما جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ في النَّار ومن حولها وسبحان الله ربِّ العالمين((48)، ثم يعلق بقوله: فانظر إلى ما أجرى لـه الكلام من علو أمر هذا النداء، وعظيم شأن هذا الثناء، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصا حيّة(49).... ولكننا لا ندري كيف تم لهذا الكلام الانتظام مع الكلام الأول، وعلى أي أساس تقوم الوصلة الجامعة بين أطرافه. لكن منطلقه في اللفظ والمعنى يشكل أسَّاساً قاراً في الحديث عن بلاغة الآيات، إذ يقول مباشرة بعد ما سلف: وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة‏

(50). ثم يواصل تحليله ماراً ببعض الآيات اللاحقة فيقف مدللاً على إعجازها جامعاً في هذا الموقف مستنديه في التحليل "ثنائية اللفظ والمعنى، وفكرته عن النظم"، يقول: ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة، هل تجد كما وصفنا: من عجيب النظم، وبديع الرصف؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور لك الفصل وصلاً، ببديع التأليف، وبليغ التنزيل(51)، فاكتمال الحسن لديه يتم بتضام كلمات بديعة في ذاتها ليتم لها الحسن بمضامة أخواتها ثانياً، غير أنه لا يتضح أساس لهذا التضام عدا الحديث المسرف عن قواعد النظام، والتركيب في ما يسمى بالفصل والوصل والتقديم والتأخير، دون أن ينضبط لديه في التحليل تفاعل الوحدات اللغوية بالاستناد إلى سياقاتها الموحدة لها. ويواصل حديثه خلال عرض آيات السور بنفس الوتيرة مع ثبات منطلقه في الاعتماد على اللفظ والمعنى، مقراً أن آيات ثكيرة إن لم تراعِ البديع البليغ في الكلمات الأفراد والألفاظ الآحاد، فقد تجد ذلك مع تركّب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج، والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في بعض ذلك، ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه.(52).‏

وإذا كان هذا هو أساس النظم عنده ومن ثمة قاعدة التدليل على حقائق الإعجاز، فإن هناك آيات مثل قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عليكم أمَّهاتكم وبناتُكم وأخواتُكم وعمَّاتُكم وخالاتُكم...((53)، لا تنفك من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف(54)، وتتجسد هذه الفائدة النائبة عن الرصف والتأليف في رأي الباقلاني في اعتبار تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى(55). ولعل في هذا الموقف القائم على تبني فهم للحمة معنوية تنتظم أجزاء الآيات، أو القول، الذي يتكرر عنده وإن اختلف الأنموذج المقدم(56)، ما يكشف عن توزع الباقلاني بين درجتين في تفسير الوحدة الناتجة عن تأليف عناصر النص، تتمثل الأولى في الإقرار بنوع من الصياغة المؤلفة بين عناصر بديعة، فيحوي النص إذ ذاك البلاغة والإعجاز من كل الأطراف، بحيث تتشكل وحدته في تكامل عناصره وفق إحساس أولي بتصور للعلاقات دون أن يخرج عن إسار الانطباع عموماً، في حين ينتفي بحسب الدرجة الثانية تحقيق الحسن في الكلمات المفردة في ذاتها ولذلك التمس الباقلاني المخرج في تأكيد وحدة معنوية يتفرع من بؤرتها إشعاع دلالي واحد شامل لعناصر الآيات، ولو تيسر لـه مزج المستوى الدلالي المنبث في تتالي الآيات مع مستوى الصياغة البليغة في تصور عميق لمفهوم العلاقة، لوصل إلى تحديد شكل من أشكال الوحدة الجامعة لمستويات النص دلالياً وتركيبياً.‏

على أن الباقلاني يؤكد في تصدّيه للشعر بالتحليل انجذابه الكامل لتجزئة النص، إذ لم يتمكن من الانفلات من إسار ثنائية اللفظ والمعنى كما يبدو ذلك في تحليله معلقة امرئ القيس حيث يتواتر مثل قوله: "وفي لفظه ومعناه خلل" "معنى بديع، ولفظ حسن"(57)؛ ولو اجتزأنا رأيه في أبيات الحج المشهورة لأسعفنا في تأكيد ما قلناه. يقول بعد أن يورد الأبيات مستدلاً بها على رأي لـه في أبيات للبحتري أثناء تحليله قصيدته "هذه ألفاظ بديعة المطالع والمقاطع، حلوة المجاني والمواقع، قليلة المعاني والفوائد"(58). والواقع أن مثل هذا الموقف تكرر في نقده قصيدة البحتري مما جعله يدعمه بنموذج شعري ليعمم رأيه في بلاغة ألفاظ مثل هذا الشعر ووهن معانيه وقلة فوائده.‏

ومع كل ذلك يمكن تلمّس إحساس لدى الباقلاني بنوع من الوحدة الخفيّة التي تلحم أبيات القصيدة معنوياً، فنقده قصيدة امرئ القيس يتأسس في مواضع شتى على كشف التناقض الحاصل بين بعض أبيات القصيدة، والإلحاح على ربط البيت المشروح بالسابق مع الإشارة إلى توافقهما أو اختلافهما(59). ولعل هذا الذي دعا بعض الباحثين إلى اعتبار ذلك دلالة على تصور واضح لما نسميه اليوم "الوحدة الفنية"، إلا أنها وحدة مصدرها الشعور أو الكلام النفسي(60).‏

أما القاضي عبد الجبار، فإن للنظم عنده أساساً أكثر وضوحاً وتدقيقاً حيث "كرَّسه للدلالة على طرائق التركيب اللغوي وكيفية ضم أفراد الكلمات وقد اعتبره من أهمّ مقوّمات الفصاحة"(61)، والأساس اللغوي بيِّن لدى صاحب المغني في تحديد فاعلية الكلمات ضمن سياق محدد، فما دام الكلام من "الأفعال المحكمة، كالبناء، والنّساجة، والصياغة"(62)، فإن موقع الفصاحة يتحدد في الكلام، ذلك أن طرائق الضم والتأليف مختلفة، ويتّسع مجالها للإمكانات التي يوفّرها السياق مقابل جملة الكلام المحدودة ذلك"أن جملة الكلام وإن كانت محصورة، فتأليفها يقع على طرائق مختلفة من الوجوه التي بيّناها، فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة"(63).‏

هذا المدخل حدد للقاضي عبد الجبار حقل الفصاحة واستتبع بالتالي الإقرار بالتفاوت بين العبارات في حدود التأليف، ومن هنا التفاضل بين صياغة وأخرى ما دام الأمر لا يتعلق بالمواضعة بل ينبني على التركيب، ذلك "أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول بالضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار في كل كلمة، ثم لابد من اعتبار مثله في الكلمات، إذا انضم بعضها إلى بعضن لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزيّة الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها".(64).‏

وهذا التطور في فهم النظم وتأكيد أساسه الملتمس في طرائق الضم والتركيب اللغوي مع ما يتضمنه من نفي للفصاحة من اللفظة المفردة، وجعلها عالقة بالسياق، لا يشوش مجراه سوى معضلة المعنى، مما قد يوحي بأن طرائق التركيب هذه تنحصر فعاليتها في الألفاظ المتضامة وفق الموقع والإعراب دون اعتبار للمعنى، إذ يورد صاحب المغني رأي متسائل وهو قوله: "فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل لـه: إن المعاني، وإن كان لابد منها فلا تظهر فيها المزية، وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها"(65)، إذ تبدو المعاني منحسرة عن معاضدة اللفظ في الفصاحة، بل لاتبدو لها الفعالية قط في العبارة ولذلك "نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق"(66). فتفاوت العبارة في الفصاحة واتفاق المعنى كشف لفهم غير عميق لطبيعة التعاضد بين اللفظ والمعنى في السياق، غير أن المقابل وارد، ذلك أن أحد المعنيين قد يكون أحسن وأرفع، والمعبر عنه، في الفصاحة أدون، فهو مما لابد من اعتباره، وإن كانت المزيّة تظهر بغيره(67)، فشرط الحسن في المعنى ليس أكيداً في تحقيق الفصاحة، ذلك أن "المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها"(68).‏

ومقابلة هذه الآراء في المعنى باشتراطه الفصاحة في المعنى واللفظ يسم آراء صاحب المغني بالاضطراب، أو على الأقل بعدم وضوح الرأي في النظم الذي ينبني على أساس الصياغة، في حين يظل المعنى كالمفارق لا يتغير بتغير هذه الصياغة، ذلك أن تماديه في شرح أسس رأيه في طرائق التركيب حيث يؤكد أنها المبدأ الأوحد في الفصاحة مثير للحيرة فهو يؤكد أن الذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال الذي به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر، الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب، حتى يرى أنه لا "يمتنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى، تكون أفصح منها إذا استعملت‏

في غيره، وكذلك فيها، إذا تغيرت حركاتها، وكذلك القو ل في جملة من الكلام"(69)، فتبعية فصاحة اللفظة للمعنى المستعملة فيه كعنصر مؤثر في فصاحتها إقرار بفعاليتها في الفصاحة، وهذا قد لا ينسجم مع رأيه السابق في تفاوت العبارتين في الفصاحة وتوافق المعنى فيهما، بل إن قوله إن "حسن المعنى يؤكد كون الكلام الفصيح معجزاً، وإن كان لو انفرد لم يختص لهذه الصفة"(70)، إقرار بنسبية المعنى في تحقيق الفصاحة، وهذا يغاير قوله في أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام: "لا معتبر فيه بالمعاني، وإنما يعتبر قدره في الفصاحة"(71)، فإذا قابلنا ما سلف برأيه حيث يقول:"وبيَّن شيوخنا: أنه لو لم يكن له معنى كان لا يكون معجزاً، لأن إعجازه هو بما يحصل له من المزيَّة والرتبة في قدرة الفصاحة، ولا يكون الكلام فصيحاً إلا بحسن معناه، وموقعه، واستقامته، كما لا يكون فصيحاً إلا بجزالة لفظه، ولو أن أحداً من المتكلمين ألَّف من الكلام المهمل جملة، وتكلم بها، من غير مواضعة لم يعدّ من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة، لم يعدّ منه، وكما لو رك لفظة لم يعد في ذلك، فكيف يصح لمن أقر بأنه معجز أن يزعم أنه لا معنى لـهُ؟ وأنه لا فائدة فيه"(72)، أقول: إذا ما قابلنا آراءه تلك برأيه هذا بدا الاضطراب واضحاً والتردد بيّناً.‏

وهذا التردد في إعطاء المعنى مزية في الفصاحة وسحبها منه يبيِّن مقدار تصور صاحب المغني لفاعلية الكلمات المتضامة في السياق في إيجاد معناها. وكأن خصائص التركيب إلحاق بمعنى سالف مرةً، وإقرار بتعاضده مع مزايا أخرى. والحق أن رأي صاحب المغني في المجاز يدعم شكلاً نيته ـ إن صح الوصف ـ فالتناول المجازي للمعنى الحقيقي لا ينبني عليه تغيير في جوهره ـ حسب رأيه ـ يقول: "على أنّا قد بيّنا في أصول الفقه: أن وجه المجاز مع القرينة بمنزلة نفس الحقيقة، فإذا كان بالحقيقة يعلم المراد ويتساوى حال الجميع فيه، فبأن يعلم ذلك بالمجاز مع القرينة (أولى)، وبيّنّا: أن ذلك يحل محل قول القائل عشرة إلا واحداً، في أنه يعرف ما به يعرف، بقوله: تسعة، ولا معتبر باختلاف اللفظ في هذا الباب"(73)، فإذا نزلنا هذا الفهم ضمن تصوره الكلي للفصاحة وللنظم أمكن القول بأن المزية شكلية أساساً، وإن بدت في طابع مركب، ذلك أن المعنى الذي كان ينبغي أن يكون إفرازاً للسياق المتضام، يظل كالمنفصل تعلق به المزية طوراً وتسحب منه طوراً.‏

عبد القاهر وجدل النظم والتخييل‏

لم يكن بدّ لعبد القاهر الجرجاني، وبين يديه مقاييس في تعليل بنية النص الأدبي، وفصاحته، من أن يعيد التأسيس شأن كل ذهن عبقري يجد نفسه في ملتقى طرائق التعليل المتنوعة للظاهرة الواحدة، وأبرز رؤيتين يكون قد ورثهما تؤسسان رأياً في جمال النص الأدبي، أو تعللان ظاهرة الإعجاز القرآني بيانياً، هما نظرية التخييل الفلسفية، ومفهوم النظم الكلامي. وهما رافدان أثريا المفهوم الواحد في حضارة واحدة، وإن كانت أصولهما في خلاف، ذلك أن الأصل المنطقي لمصطلح التخييل راسخ وشهير، في حين تبدو فكرة الكلام النفسي المستند المفهومي والعقائدي لنظرية النظم.‏

والموقف العقائدي لعبد القاهر الشافعي الأشعري يهيئ السبل للاقتناع بتبني التفسير الكلامي في شقه الأشعري لظاهرة الإعجاز. من هنا يكون النظم بديلاً على المستوى المبدئي لفكرة التخييل التي هي اصطلاح اعتمده الفلاسفة الإسلاميون في تحديد تصورهم للشعر، ومستندات الفلاسفة في تحديد المصطلح الذي يضبط رأيهم في الشعر مفهوماً ووظيفةً وأداةً مؤسس على آرائهم في الفلسفة عموماً، فإذ تشكل فكرة الصورة والمادة أُسَّه الميتافيزيقي يتجذَّر أصله النفسي في تصور الفلاسفة لملكات النفس وقدراتها ضمن ترتيب القدرات في العقل والتخيير والحس، ويستقيم لهويته الكمال في البعد المنطقي، إذ ليس التخييل سوى قناة من قنوات النفس في صياغة المعرفة المترتبة في سلّم تنازلي يحتل فيه البرهان قمة الهرم، فالجدل ثم السفسطة، فالخطابة، والشعر دون أن ننسى روافد الفلسفة المختلفة وأثرها في تشكيل المفهوم كالأخلاق والسياسة وغيرها.(74).‏

فبداية لا يمكن لعبد القاهر أن يتبنى هذا الفهم للشعر فضلاً عن أن يعتمده في مقاربة القرآن، والملابسات التي حفّت بمصطلح التخييل عموماً في الثقافة العربية الإسلامية تمنع من تبنيه في درس القرآن، وموقف ابن المنير من الزمخشري ونقده لـه لاعتماده استعمال "اصطلاح التخييل"، في تعليل التشبيه في بعض الآيات القرآنية معروف.(75).‏

فإذا أضفنا إلى ذلك أن المصطلح نفسه المؤسس على المنطق ـ والفلاسفة لم يبحثوا في الشعر إلا ضمن جملة المنطق من مؤلفاتهم ـ يلتبس بالموقف العام من المنطق في بيئات الفقهاء، والأصوليين واللغويين والنحاة. واستحضار صور من صراع المنطق والنحو قبل عبد القاهر وبعده يكشف حدة هذا الخصام، ويكفي العودة إلى مناظرة السيرافي وأبي بشر متى ابن يونس القنائي التي رواها أبو حيان التوحيدي (76)، للتأكد من عمق الشرخ بين فئتي النحاة والمنطقيين.‏

وخلفيات الصراع الحضارية التي تكشف صدام الثقافة العربية الإسلامية ومعارفها الأصلية والتقليدية بالطارئ من ثقافات الآخرين وخاصة اليونانية لاتهمنا في هذا المقام، بقدر ما يهمنا أن الصراع ولد منظورين في مقاربة النص، وذلك في السياق الثقافي الواحد، يتأسس أحدهما على المنطق، ويقوم الآخر على النحو. فإذا أضفنا إلى ذلك ـ فيما يتعلق بعبد القاهر ـ آراءه العقائدية، وكونه من علماء النحو، أمكن الإقرار بأن تبنيه النحو أساساً مبدئياً في تعليل بلاغة الكلام أمر بديهي، ومسلّمة يقتضيها الحال والظرف، فإذا أدركنا أن "النحو قبل عبد القاهر كان بسبيل العناية بنظام الكلمات إلى جانب أواخر الكلمات أو الإعراب"(77)، وأن مسائل تنظيم الكلمات تشكل "مجالاً واسعاً للذود عن مكانة الدراسات اللغوية والنحوية حتى يستقيم لها صفة المناظر القوي للمباحث الفلسفية و المنطقية المعنية بالدلالات، والأصول الكلية للتفكير والوجود"(78)، أصبح من مسلّمات البحث لدى عبد القاهر إبداء الرأي في التخييل ومحاصرته ضمن ضوابطه العقائدية ومنطلقاته البلاغية المؤسسة على معاني النحو. ومن هنا يتبدى رأيه الصريح في التخييل الذي يجمله في قوله هو: "ما يثبت فيه الشاعر أمراً هو غير ثابت أصلاً ويدّعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولاً يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى"(79)؛ ويبدو مرتكزه المنطقي والعقلي واضحين في موقفه من التخييل كما بينه الرأي السابق، خاصة عند مقابلة التخييل بالقسم العقلي من المعاني، إذ تنقسم أولاً قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد منهما يتنوع، فالعقلي على أنواع. أولهما عقلي صحيح، مجراه في الشعر والكتابة، والبيان والخطابة، مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد التي تثيرها الحكماء...(80).‏

ولكن إذا كانت الملابسات الثقافية الحافة تحدد موقفه المبدئي الرافض للنهج الفلسفي في تشخيص بلاغة النص، فما الأسس الفنية التي أملت هذه القسمة للمعاني إلى عقلية وتخييلية؟ وهل كان "عبد القاهر في موازنته بين التخييل والحقيقة أبعد مايكون عن صفة البليغ وأقرب ما يكون إلى صفة المتكلم؟ فهو مع النظرة المنطقية إلى العمل الشعري حريص كل الحرص على أن ينظر إلى المعاني من جهة "الصدق والكذب"، لا من جهة حسن الصورة"(81)، وهل كان "مفهومه للتخييل ـ رغم المقارنة بالرسم ـ يدل على أنه لم يفهم منه سوى درجة من "الحيل" العقلية في التمويه"(82).‏

صحيح أن رأي عبد القاهر في التخييل ينبني على منظور منطقي أو كلامي في مستوى أول، وصحيح أيضاً أن التخييل عنده قياس خادع، غير أن لهذا الرأي نفسه أصلاً لدى الفلاسفة، ذلك أن التخييل لديهم منزّل في أدنى مرتبة في نسقهم المنطقي، ومع إقرارهم بأن جوهر التخييل أو المحاكاة هو الصياغة المتجددة والمتميزة للمعنى أو الحقيقة التي يؤسسها البرهان، فإن هذه الصياغة لا تملك إلا أن تعتمد التمويه في إيصال هذا الخطاب التخييلي إلى الجمهور الذي لا يملك القدرة على استيعاب الخطاب البرهاني الفلسفي، فضلاً عن أن المخيلة لم توضع إلا تحت وصاية العقل(83)، ومع ذلك يكشف عبد القاهر عن موقف أعمق من هذا المستوى، ذلك أنه يدرك أن نظرية التخييل الفلسفية رغم ما لابسها من منطق استطاعت أن تؤسس فهماً متميزاً للشعر مستنداً إلى خواصّه التصويرية، وقد وصلته في طورها الناضج لدى ابن سينا، وأن الإقرار بالنوعية المتميزة للشعر المؤسسة على فكرة التخييل خاصة في إحدى دلالاتها المرادفة للصورة المجازية بأنواعها، انحسار لفعالية الكشف عن سر مزايا الكلام في مستوى الصورة (84)، الذي تعضده الموسيقى أساساً، فيكون البديل لهذه النظرية اعتماد المنطق النحوي الذي ينبني منظوره بالاعتماد على المستوى التركيبي المتفاعل مع مستوى الدلالة بحسب فهم أعمق للصورة الشعرية التي تتحدد في الإثبات وليس في المثبت، أي ستتنزل ضمن علاقات السياق بين معاني الكلم. ومن هنا ركَّز على فكرة القياس الخادع وقد قدمها مدخلاً لرأيه في التخييل، وهذا الموقف يؤول إلى الإقرار بانقباض المجال أمام نظرية التخييل في مواجهة النصوص، ذلك أن مُجملْ الخطابات لا تقوم على القياس الخادع، فهي لا تستطيع أن تفي إلا بشطر من القول، فضلاً عن أنها لن تنفع في بحث الإعجاز، ولا يمكن أن يُدَّعى ـ بحسب فهم عبد القاهر للتخييل ـ أن في القرآن تخييلاً، بل لن تجدي في فهم الشعر الذي يتنزل في القسم العقلي، ومن هنا فتبنيها ضرب من المجازفة التي قد لا تسعف في مواجهة كل النصوص.‏

ومصداق ذلك أن موقفه العقلي من التخييل لم يمنعه من الإقرار بجانبه الفني الرائع الذي يراه "مفتن المذاهب، كثير المسالك، لا يكاد يحصر إلا تقريباً، ولا يحاط به تقسيماً وتبويباً(85)، وأن المقدمات التخييلية المؤسسة لكثير من الشعر تسلم كما وردت فلا "يؤخذ الشاعر بأن يصحح كون ما جعله أصلاً وعلّة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية، وأن يأتي على ما صيَّره قاعدة وأساساً ببيّنة عقلية"(86)، بل تمادى في تفريع أنواع التخييل باسطاً هذه الأنواع المختلفة حتى التبس الأمر بالصورة البلاغية صراحة، إذ يقول: "إن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتي الصفة على غرابته"(87)، خاتماً أنواعه المعللة صراحة أو خفية بقوله: "إن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه، كان موضعه من الكلام أضن به وأشد محاماة عليه وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرح بالتشبيه فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتم"(88)، ومن هنا إذ ينبني رأيه في التخييل على اعتباره قياساً خادعاً لا يمنعه ذلك من الإقرار بفنيته وخلابته، ذلك لأن هناك ثنائية في موقف عبد القاهر تحتكم إليها كل آرائه في بلاغة القول، ترتد إلى الكلام النفسي المتلائم مع العقل، الذي باكتماله في النفس يكتمل اللفظ المعبر عنه في المنطق. فالصورة الراسمة للمعنى التخييلي قد تحوز الحسن، لكن مع الإقرار بقيامها على معنى خادع، ذلك أن جمالية هذا القول لا تزيل أساسه الواهي عقلياً، يتأكد ذلك في موقفه من القبيل الأول أي العقلي، إذ يرى أن العقل بعد على تفضيله "وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وماكان العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه... هذا ومن سلّم أن المعاني المعرقة في الصدق، المستخرجة من معدن الحق، في حكم الجامد الذي لا ينمو، والمحصور الذي لا يزيد؟"(89).‏

فالمعاني العقلية يمكن أن تضاهي التخييلات بل تفوقها في تشكيلاتها الفنية، وفي تفريعاتها البلاغية القائمة على موافقة العقل، يظهر ذلك في رأيه في الاستعارة، التي يرى أن "سبيلها سبيل الكلام المحذوف في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمراً عقلياً صحيحاً ويدّعي دعوى لها سنخ من العقل"(90)، ذلك أنه يقع التوافق في الاستعارة بين السند العقلي، والصورة الاستعارية التي يتقمصها المعنى القائم على العقل، فلا تكون المسألة كالتخييل الذي هو: أظهر أمراً في البعد عن الحقيقة وأكشف وجهاً في أنه خداع للعقل وضرب من التزويق، هنا يجتمع الأساسان: "خداع العقل والتزويق"(91)، ذلك أن خلابة الصورة لا تنسي الأساس الخادع.‏

وهذا الموقف يمكِّن العقل من مواجهة النص ويقر بجدارة العقل النقدي وفائدة الكلام المنقود، خاصة إذا كانت المسألة مسألة كشف للإعجاز القرآني، فالمسلّم به أن إعجاز القرآن البياني يقوم على الحقيقة المتطابقة مع العقل، وأن فك رموزه يقتضي تقديم الفرضيتين بداهة، وأن البديل للمنطق المؤسس للتخييل إنما هو النحو الذي يتحكم في المعاني التي تعكس الفكر في نشاطه، إذ ليس النحو إلا منطقاً مسلوخاً من العربية على حدِّ عبارة التوحيدي(92).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:50 AM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


عبد القاهر وإشكال اللفظ والمعنى

يمكن أن نسلّم مبدئياً بأن نظرية عبد القاهر في النص الأدبي لها أساسها العقائدي المتجذّر في قناعات دينية وحضارية، ملتبسة بعلوم ومعارف أصيلة تقوم على سند مكين من اللغة والنحو، وأن تحديد مواصفات الكلام البليغ انطلاقاً من هذا الإطار، وبحسب ماكان يعتبر آنذاك سنة جمالية وأدبية يستدعي العناية بقضية اللفظ والمعنى، هذه القضية التي تمثل أساساً قارّاً في كل محاولة عرفها النقد العربي القديم تبتغي تأسيس رأي في بنية النص الأدبي. من هنا يصبح لزاماً الانطلاق من فكرة عبد القاهر في اللفظ و المعنى للوفاء بشروط تقصي رأيه في النظم.‏

ويمكن اعتماد مستويين في تحديد نظرته إلى المسألة، مستوىً لغوي عام، ومستوىً أدبي. ففي المستوى الأول يمكن الإقرار بأن تصور عبد القاهر للغة يقوم على التمييز بين المعاني والألفاظ، إذ تتحدد العلاقة بينهما في صلة إشارية، تختزل في مواضعة تشير إلى شيء سابق معروف، مما يجعل عبد القاهر يتساءل مندهشاً "كيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنت إذا قلت: خذ ذاك: لم تكن هذه الإشارة لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي تراها وتبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له. ومن هذا الذي يشك أنَّا لم نعرف الرجل، والفرس، والضرب، والقتل إلا من أسمائها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا قيل: زيد، أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة"(93)، وهذا الرأي أملاه تصور كيفية حدوث المواضعة، إذ تقتضي سبق الوعي بصورة المدلول الذهنية المنعكسة عن مرجع، لتنتهي العلاقة إلى دال يأتلف مع الصورة، ومادامت وظيفة اللفظ تختزل في الإشارة إلى المعلوم، فلن يكون لـه في هذا المنظور أكثر من وظيفة السمة الملحقة بالمعنى، إذ لم تكن "الألفاظ إلا من أجل المعاني وهل هي إلا خدم لها، ومصرفة على حكمها؟ أو ليست هي سمات لها؟"(94)، من هنا تكون العلاقة بينهما علاقة الوعاء بالشيء الموعى فالألفاظ "أوعية للمعاني"(95). ويستتبع ذلك أن يكون العلم باللفظ لاحقاً للعلم بالمعنى. ويستقيم هذا التدرج وفق فكرة الكلام النفسي، إذ "العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق".(96).‏

وإذا كان هذا الفهم يؤول إلى ضرورة تطابق بنية الدوال الخارجية مع بنية المدلولات النفسية الداخلية، فإن دور اللفظ يظل مركّزاً في الشفوف عن المعنى، ويفقد بذلك "فعاليته الجمالية أو أن تلك الفعالية لا تتعلق به أصلاً ولا تقتصر عليه"(97)، ما دمنا نحمل الفعالية الجمالية هنا على كل تركيز يولي اللفظ في ذاته ميزة، ذلك أن قاعدة التحرك التي ستضبط لعبد القاهر مساره المتقصي بنية النص، ستتحدد بمنطقة الصياغة التي هي خلاصة تفاعل بين المعنى واللفظ مما سيمكنه من تجاوز الثنائية التي علقت بهما طويلاً.‏

فالانتقال من الشق اللغوي العام إلى المستوى الفني سيتأسس في بناء جدالي ينبسط في حجج متتالية، يتعقب فيها عبد القاهر حجج اللفظيين المغالين في التمسك بشكلية تولي اللفظ العناية الأولى، وكذا حجج المعنويين الذين يقدّمون القول بمعناه المرادف للفائدة المستخلصة من الخطاب التي لا يكون التركيز عليها إلا إقراراً بالنجاعة الأخلاقية للمعنى دون تبيان فصاحته أو بيانه.(98).‏

من مسلّمات رأيه المؤسس على فكرته في النظم القائمة على الأساس النفسي يكون الحكم في الترتيب بين المعاني والألفاظ على مستوى المتكلم متمشياً مع فكرة سبق الكلام النفسي اللفظ الدال عليه "فإن الاعتبار ينبغي أن يكون بحال الواضع للكلام والمؤلف له، والواجب أن ينظر إلى حال المعاني معه لا مع السامع، وإذا نظرنا علمنا ضرورة أنه محال أن يكون الترتيب فيها تبعاً لترتِّب الألفاظ ومكتسباً عنه، لأن ذلك يقتضي ان تكون الألفاظ سابقة للمعاني، وأن تقع في نفس الإنسان أولاً ثم تقع المعاني من بعدها وتالية لها بالعكس مما يعلمه كل عاقل إذا هو لم يؤخذ على نفسه"(99.).‏

ومصداق ذلك فعل الفكر نفسه الذي هو فعالية في رأي عبد القاهر لا تتم إلا بالمعنى، حيث تتبدى محصلته في الدلالة المؤسسة على العلاقات المعنوية الشاملة للألفاظ الدالة. من هنا لا يتأتى اعتماد الفصاحة إلا على مستوى معنوي، ويستتبع ذلك أن تشكل الألفاظ صورة المعاني المتفاعلة، فمعلوم "أن الفكر من الإنسان يكون في أن يخبر عن شيء بشيء، أو يصف شيئاً بشيء، أو يضيف شيئاً إلى شيء، أو يشرك شيئاً في حكم شيء، أو يخرج شيئاً من حكم قد سبق منه لشيء، أو يجعل وجود شيء شرطاً في وجود شيء، وعلى هذا السبيل. وهذا كله فِكَرْ في أمور معلومة معقولة زائدة على اللفظ"(100)، فمحصلة عملية التعبير بأنواعها إنما هي فعل العقل الواعي في المعاني وفق منطق النحو، وطبيعة الفعل المؤسس للدلالة تفرض خصائصها على مستوى التلقّي. من هنا يكون إدراك الخطاب فعلاً عقلياً متدبراً، وفعل التدبر نفسه لا يقوم إلا على معانقة المعنى بالعقل، إذ "لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه دون أن يكون الغرض ترتيب المعاني في النفس ثم النطق بالألفاظ على حذوها لكان ينبغي أن لا يختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسَّان بتوالي الألفاظ في النطق إحساساً واحداً(101)..‏

من كل ما سبق يبدو تسلط المعاني على الألفاظ واضحاً وتحكمها في رقابها بيّناً، وتكاد مزية اللفظ تختزل في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى غيرها في السياق.‏

وهذا يؤكد نسبية الحسن الذي يمكن أن يعلق بأي لفظة "فقد اتضح إذن اتضاحاً لا يدع مجالاً للشك أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر..."(102).‏

وما دامت البلاغة عالقة بالمعنى وكل وصف للفظ بالمزية إنما يكون تبعاً لموقعه في سياق دال، أمكن اعتبار ثبات الصورة اللفظية الدالة وتغير المعنى دليلاً أسلوبياً آخر يؤكد سبق المعنى وأولويته "ذلك أنه لو كانت المعاني تكون تبعاً للألفاظ في ترتيبها، لكان محالاً أن تتغيَّر المعاني والألفاظ بحالها لم تزل عن ترتيبها، فلما رأينا المعاني قد جاز فيها التغيير من غير أن تتغير الألفاظ وتزول عن أماكنها علمنا أن الألفاظ هي التابعة والمعاني هي المتبوعة"(103).‏

فثراء المعنى وإمكانات فهمه متعددة بقدر ما تؤكد كون البلاغة في المعنى تزيح اللفظ عن أن يكون له أهمية أكثر من اعتباره حاملاً لهذا المعنى المتعدد الصور، وفي السياق نفسه يؤكد انتفاء المعارضة من الألفاظ المجردة عن المعاني ترسيخاً لمنحى عبد القاهر نفسه في تأكيد كون البلاغة ومترادفاتها، إنما هو في المعنى "لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخيّر اللفظ حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها وعن زيادات تحدث في‏

أصول المعاني... وأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من الوجوه"(104).‏

ويترتّب على ما سلف أن يكون اعتبار وجوه كالجناس والسّجع من فصاحة اللفظ خطأ رغم ارتباطها بالمستوى الصوتي للألفاظ، فقد "يتوهم في بدء الفكرة، وقبل إتمام العبرة، أن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ والجرس.... وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه"(105).‏

ثم يقصد عبد القاهر آراء في التراث تبدو ظاهراً في نصرة اللفظ، فيُخضعها لتأويل يساير رأيه في اللفظ والمعنى خاصة أن فهمها الحرفي الظاهري قد يشوش مسار نظريته ويجد فيه "اللفظيون" دعماً تراثياً لمقولاتهم، فمن الصفات "التي تجدهم يجرونها على اللفظ ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف في أنها ليست لـه ولكن لمعناه كقولهم: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك. وقولهم: يدخل في الأذن بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة"(106)، والأساس الذي يعتمده في التدليل على وجهة نظره في اعتبار المقصود من العبارة غير دلالة اللفظ على معناه الوضعي، أصل أسلوبي تنبني الدلالة فيه والمقصد من القول على ما أسماه "معنى المعنى"، إذ يستحيل المدلول المباشر للفظ دالاً للمدلول المقصود، ويكون التسابق بين المدلول الأخير وداله الذي هو مدلول أول، وتنزع من اللفظ في مستواه الصوتي كل قيمة في إحداث أثر ما في المتلقي، ومصداق ذلك رأيه في التذوق الفني إذ يقول "إذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ، فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب، سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي بل أمر يقع في المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده"(107).‏

وفي المسار نفسه يكون كل تخصيص للفظ بالحديث أو الوصف إنما هو من باب النيابة عن المعنى دون أن يمتد بالذهن الظن بأن المراد اللفظ في ذاته، فقولهم: "لفظ ليس فيه فضل عن معناه، محال أن يكون المراد به اللفظ، لأنه ليس ههنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو ينقص عنه. كيف وليس بالذرع وضعت الألفاظ على المعاني، وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل فكذلك... وإنما يختلُّ اللفظ عن المعنى أن تريد الدلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئاً لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه، وكذلك السبيل في السبك والطابع لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به اللفظ من حيث هو لفظ"(108).‏

ثم يقصد تكييف بعض الأقوال السابقة، مع أصول نظريته لتستوعب هذه الأصول قصد ترسيخ المسار نفسه المستدل بالتراث وتعميق هذه الأصول نفسها، وتصحيح سوء الفهم الذي أخطأ ـ في رأيه ـ فهم مقاصد الأقدمين، فهل قالوا: "لفظة متمكنة ومقبولة، وفي خلافه: قلقة ونابية، ومستكرهة، إلا وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناهما، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم، وأن الأولى لم تلق بالثانية في معناها"(109).‏

وأخيراً تبدو حجة يظهر فيها تعليق وصف الفصاحة باللفظ من باب كونها علامة لا تكون فيه إلا ليستدل بها على المزية المذكورة في غيره "فإن قيل: إذا كان اللفظ بمعزل عن المزية التي تنازعنا فيها وكانت مقصورة على المعنى فكيف كانت الفصاحة من صفات اللفظ البتة؟ وكيف امتنع أن يوصف بها المعنى فيقال: معنى فصيح وكلام فصيح المعنى؟ قيل: إنما اختصت الفصاحة باللفظ وكانت من صفته من حيث كانت عبارة عن كون اللفظ على وصف إذا كان عليه دلَّ على المزية التي نحن في حديثها!.. وإذا كانت لكون اللفظ دالاً استحال أن يوصف بها المعنى بأنه دال مثلاً فاعرفه"(110).‏

وهكذا يكاد اللفظ في ذاته أن يتجرد من كل مزية ولا يكاد يعترف للفظة بأكثر "من أن تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن". ومما يكدُّ اللسان من هنا انزاح عن الألفاظ أي دور أسلوبي في بنية النص عدا كونها ممراً للمعنى الذي ينسج في المحور التركيبي من خلال مزج دلالات الكلمات في وحدة معنوية، لذلك "لم يحفل الجرجاني بالعمليات التي يمكن أن تقع على محور الاستبدال، ونقض المبدأ الأساس الذي قامت عليه نظرية أسلافه في بلاغة النص وهو مبدأ الاختيار الذي يقوم بدوره على التسليم بأن اللغة توفر لمستعملها أكثر من إمكانية في التعبير عن المتصور الواحد".(112).‏

ولم يكن حظ المعنى بدلالة الغرض أفضل من حظ اللفظ في نقد عبد القاهر فكلاهما مادتان في مستوى خام ليس من حق طورهما الأول هذا أن ينال حظاً من مزية، فإذا انتفى عن الألفاظ كل مزية فكيف يمكن الإقرار بمثل ذلك للأغراض وأصول المعاني؟ إنما هي مادة قابلة للتشكيل ويتحدد لها الفضل والحسن طبق الشكل الذي تتلبسه والصورة التي تداخلها، ذلك "أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص أن لا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته وأن لا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصلاً به اتصالاً ما لا ينفك منه"(113).‏

ومع ذلك يرى عبد القاهر أن لبعض المعاني مزيّة ذاتيّة، فهي كالجواهر ليس للفظ فيها أكثر من التّوشية والتّحسين، وأنها كالجواهر المتفرّدة بالحسن يقر لها بالجودة والسبق تطابقها مع العقل وكونها تفريعاً من مأثور الحديث أو القرآن، فقول الشاعر:‏

وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب‏

صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب وإنما له ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه والكشف أو ضده، وأصله قول النبي صلى الله عليه وسلم: [جبلت القلوب على حبِّ من أحسن إليها](114). بل قول الله عز وجل: ( ادفع بالّتي هِيَ أَحْسَنْ فَإِذَا الَّذّي بَينَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وليٌّ حَمِيمْ(.(115).‏

هذا الإقرار يبدو ظاهرياً في نزاع مع رأيه الأسبق الذي ينفي تعليق المزية بالمعنى ويعتبرها من خصوصيات الصورة التي يتجسد فيها المعنى، إلا أن الحجاج العقلي ومرامي الطعن في التخييل مع اعتماد العقل مرجعاً في تعليل الظاهرة الأسلوبية، كانت سبب هذا الاعتراف النسبي بقيمة المعنى في ذاته وليست انزياحاً عن موقف راسخ سابق. وسيتأكد هذا الاعتراف في قوله:"إن من الكلام ماهو شريف في جوهره كالذهب الإبريز الذي تختلف عليه الصور، وتتعاقب عليه الصناعات، وجل المعول في شرفه على ذاته، وإن كان التصوير قد يزيد في قيمته ويرفع من قدره، ومنه ماهو كالمصنوعات العجيبة من مواد غير شريفة فلها مادامت الصورة محفوظة عليها لم تنتقض وأثر الصنعة باقياً معها لم يبطل، قيمة تغلو، ومنزلة تعلو، وللرغبات إليها انصباب، وللنفوس بها إعجاب، حتى إذا خانت الأيام فيها أصحابها، وضامت الحادثات أربابها، وفجئتهم فيها بما يسلبها حسنها المكتسب بالصنعة، وجمالها المستفاد من طريق الغرض فلم يبق إلا المادة العارية من التصوير، والطينة الخالية من التشكيل سقطت قيمتها، وانحطت رتبتها"(116).‏

فمن الكلام ما له شرف ذاتي، ومنه ما "يشرف" نسبياً بصنعة تغطي عواره، وهنا قد تتنوع مقاييس الحكم بالفضل والمزية، حيث قد يفرد كل عنصر من العناصر المؤسسة للنص بالفضل، هذا الفضل الذي يجب "إما لمعنى غريب يسبق إليه الشاعر فيستخرجه، أو استعارة بعيدة يفطن لها، أو لطريقة في النظم يخترعها"(117)، وهذا الذي يبدو في الظاهر كالتناقض لا يمكن إزاحته إلا بتحديد رأيه في صورة المعنى، صحيح أن هناك إقراراً محتشماً بقيمة بعض المعاني العقلية إذا اعتمدنا التسليم بأن هذا الإقرار لا ينبني عليه اعتراف بفضل بلاغة أو فصاحة، إنما هو سموٌّ معنوي نتج عن مطابقة القيم الدينية أو الأخلاقية عموماً، غير أن هذا التنويه بالقيمة الأخلاقية للمعنى لن يؤسس لدى عبد القاهر أصلاً يعضّد أصوله الفنية الأخرى المعتمدة في النقد، بل يظل اعتبارياً يؤكد اعتباريته هذه رأيه في صورة المعنى.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:52 AM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


صورة المعنى عند عبد القاهر

واعتماد مصطلح الصورة يعضده مقابلة الكلام بأشكال الصياغة والنساجة والتصوير وكل الصناعات التي تقصد إحداث الشكل الجميل في المادة الموضوعة للصناعة، بالإضافة إلى أن معاني المصطلح الفلسفية تخدم الغرض النقدي الهادف إلى جلاء بنية النص في لحمة المعنى واللفظ. علماً بأن الاصطلاح معتمد على صعيد واسع، وراسخ في بيئات البلاغيين والنقاد...‏

فالهيئة التي يتلّبسها المعنى في البيت الشعري، مثلاً، تدعى صورة، فهي على المستوى الفني خصوصية تنطبع على المعنى أما على مستوى المفهوم فهي "تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا"(118)، فهي مقولة ذهنية تكون محصلة لتجريد التجسيد العيني للمعنى في البيت، وهي تبدو في وضعها التشخيصي نظيراً لخصوصية الصورة التي يبين بها الفرد الواحد من آحاد جنسه.‏

وفي هذا المستوى يستخدم اصطلاح الصورة لغاية ضبط الخصوصيات المشكلة للشيء أو المعنى، ذلك أنه لما "وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقاً عبّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا: للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك"(119).‏

يفهم من النص السابق أن المعنى الواحد يمكن أن يتلبس بصور شتى تتمايز بسبب مراتب صياغتها، ومن هنا تكون صور المعاني المختلفة هذه تفريعات من أصل واحد يتمثل في بنية معنوية تتبدى في الغرض، وتأخذ أشكالاً متنوعة متفاوتة في الفصاحة، وفق الصياغات المتنوعة" ولا يغرنك قول الناس: قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل ههنا إلاما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسَّوارين والشنفين فهي غاية الإحالة وظنٌّ يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقتها، إذا جمعت وألف منها كلام"(120).‏

ومن هنا تنتفي من الغرض في أصله أي ميزة، بل لا يمكن أن يتصور إلا متلبساً بصياغة، بصورة تهبه خصوصية ما، وقد يعتمد أدنى هذه الصور المعنوية فصاحة أصلاً، خاصة إذا انتفى منها الخصائص الأسلوبية وصيغت في شكل لغوي مباشر لا تتجاوز الوظيفة فيه المستوى العادي من الكلام.‏

فإذ تذوب عناصر الصياغة في سياق واحد منطبعة على أصل الغرض لتبرز في صورة منفردة، تكون بذلك عناصر المعنى واللفظ قد تم لها الالتحام في شكل موحَّد يكون أساس كل عملية نقدية، ذلك "أن سبيل الكلام سبيل التّصوير والصيّاغة وأن سبيل المعنى الذي يعبرعنه سبيل الشيء الذي يقع التّصوير والصّوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أن محالاً إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه".(121).‏

ولكن إذا كان النظر في الجودة يقتضي بحث الصورة الحاملة فإن هذا لا يترتب عليه أن تكون كل صورة حاملة لمعنى جميلة (122). صحيح أن اعتماد مصطلح الصورة ومقابلته المستمرة باصطلاحات الصياغة والصنعة يشي مبدئياً بالمستوى الفني الذي يسكب فيه المعنى، يدعمه مثل قول عبد القاهر:"وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية كنسيج الدّيباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ وكل ماهو صنعة وعمل يد بعدأن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون"(123)، غير أن مقابلة الكلام بالأعمال الصناعية،" بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه "لا ينفي عن غيره الأدنى الوصف بالصورة، ومن هنا قد تلتبس الصورة في الفهم بالسبق دوماً أو على الأقل بالمستوى البلاغي للكلام، وهذا ليس مطلقاً؛ ذلك أنه إذا أدت المقارنة إلى الإقرار بترادف مفهوم الصورة مع المستوى البليغ من الكلام، فإنه في مواضع أخرى لا يعدو توظيفها التعريف بالنسج الذي تتضام عبره كلمات دالة على معنى ينتسب بدوره إلى غرض أصلي، يؤكد ذلك قوله: "إن أصل الفساد وسبب الآفة هو ذهابهم عن أن من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور، وتحدث فيها خواصّ ومزايا من بعد أن لا تكون، فإنك ترى الشاعر قد عمد إلى معنى مبتذل فصنع منه ما يصنع الصانع الحاذق إذا هو أغرب في صنعة خاتم وعمل شنف وغيرهما من أصناف الحليّ"(124)، فإغراب الصنعة الحادث في المعنى المبتذل لا ينفي تلبسه بصورة في مستواه المبتذل ذلك أن "من شأن المعاني أن تختلف عليها الصور". ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن "مصطلح الصورة" مصطلح واسع غير مرادف دوماً للكلام البليغ، بل هو مفهوم مرن يمكن أن يستوعب ألواناً شتى من الكلام تتفاوت في الحسن، وترجع مزاياها إلى خصوصيات متنوعة، يصدق ـ مثلاً ـ على الكلام المفسر والتفسير، ذلك "أن قولهم: إن التفسير يجب أن يكون كالمفسر: دعوى لا تصح لهم إلا من بعد أن ينكروا الذي بيّنّاهُ من أن من شأن المعاني أن تختلف بها الصور"(125).‏

ومفهومه لصورة المعنى هو الذي مكّنه من رفض فكرة السرقات ـ غالباً ـ وتقليص مجال الاحتذاء في نطاق أسلوبي ضيّق، فما دام "المعنى ينقل من صورة إلى صورة"(126)، فكل عودة إلى معنى عار كما هو شائع في قولهم، وكسوته لفظاً جديداً، تعني إخراجه في صورة جديدة، وإلا "فمن أين يجب إذا وضع (الثاني) لفظاً على معنى أن يصير أحق به من صاحبه الذي أخذه منه إن كان هو لا يصنع بالمعنى شيئاً"(127).‏

فتعدد الإخراج الصوري للمعنى الواحد إقرار بتعدد مستويات البلاغة والفصاحة فيه، من هنا قد يكون المعنى السابق معنى ساذجاً يعاد سبكه في صورة أرقى. يبيّن ذلك ضبط مجالات الاتفاق في السرقة بين الشعراء، ذلك أن الاتفاق قد يكون في عموم الغرض، وقد يكون في وجه الدلالة على الغرض، وإذا كان الاتفاق الأول لا يعتبر سرقة، فإن الثاني "إن كان مما اشترك الناس في معرفته وكان مستقراً في العقول والعادات فإن حكم ذلك وإن كان خصوصاً في المعنى حكم العموم الذي تقدَّم ذكره"(128)، من ذلك أصناف التشبيهات المشهورة، فالصورة الجميلة قد تفقد فضلها بالابتذال، مما يعني أن اعتماد اصطلاح الوصف بالصورة لا يعني المزية مطلقاً، علماً بأن هذا المبتذل والمشترك العامي قد تتغير قيمته فيصير بما "غيَّر من طريقته، واستؤنفَ من صورته، واستجد له من المعرض، وكسي من دلِّ التعرض، داخلاً في قبيل الخاص الذي يتملك بالفكرة والتعمل، ويتوصل إليه بالتدبر والتأمل"(129).‏

وإذا قصدنا التدليل على معنى "مصطلح الصورة" بالبحث عن مقابلاته البلاغية، أو تجسداته الأسلوبية في النص، تأكد لدينا أن أصناف الكلام المفيدة في مراتبها العادية أو الفنية تخضع لوصف الصورة، فعلى مستوى الكلام الفصيح نراه" ينقسم قسمين: قسم تعزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ وقسم يعزى ذلك فيه إلى النظم"(130)، بل "إن ههنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثاً قَرَنَ الحسن من الجهتين"(131).‏

يتجسد الترتيب في أصناف الكلام باعتماد نماذج من الصياغات للتمثيل لكل مستوى "فلو أن قائلاً قال: رأيت الأسد، وقال الآخر: لقيت الليث: لم يجز أن يقال في الثاني إنه صور المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض غير معرضه"(132). فصورة الكلام في المثال السابق لا تعدو المستوى العادي المفيد حتماً ولكنه خلو من البلاغة، ذلك "أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت لـه في اللغة ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر"(133). فالصورة المجازية إحداث للصنعة في الكلام العادي تنتقل به من مستواه إلى المستوى البليغ، حيث تتكثف الدلالة وتنتفي المباشرة من الخطاب. هذا هو المستوى الأول من التغيير؛ غير أن هناك تغييراً آخر يحدث في بنية الكلام في مستوى العلاقات الركنية أو التوزيعية يتحول فيه المعنى إلى صورة أبدع، نظراً لعلاقات التفاعل الحاصلة بين الكلم علماً بأن الألفاظ ثابتة على حالها لم تتعرض لتغير مجازي "واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً، فأما إذا تغير النظم فلابد حينئذٍ من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن أعني قولك: إن زيداً كالأسد وكأن زيداً الأسد: ذلك لأنه لم يتغير من اللفظ شيئ وإن تغير النظم فقط"(134).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:55 AM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


النظم عند عبد القاهر الجرجاني
تفيدنا هذه الوقفة مع اصطلاح "صورة المعنى"، في تأكيد أن إسقاط هذا الوصف على الكلام لا ينبني عليه الإقرار ببلاغة أو فصاحة، بل يتسع الوصف باصطلاح الصورة لمراتب الكلام المختلفة. وسيفيدنا ثانياً، إذ يلتبس بمصطلح النظم في تحديد مقاصد عبد القاهر منه. ويكشف اعتماد هذا الاصطلاح عن تطور في بحث إشكال اللفظ والمعنى، ذلك أنه يعني الإقرار بتكامل عناصر البنية دوالاً ومدلولات، بحيث يتعلق الحال ببنية النص في ذاته المتولدة من تفاعل اللفظ والمعنى مما ينم عن فهم شكلي للعبارة؛ ذلك أن التعامل هنا خارج الأغراض كأصول للمعاني وخارج المستوى الصوتي للألفاظ بل يندرج في سياق دلالة تفرزها خصوصية الصياغة، ويتأسس الفعل النقدي بالاستناد إلى معاينة بنية تتعاضد فيها وحداتها، لا يعكرها إلا غياب العناية بالمستوى الصوتي للألفاظ، وانحسارها في حدود الجملة.

غير أن بالإضافة إلى ما سبق، نؤسس على فكرة عبد القاهر في صورة المعنى رأيه فيما يتعلق بثنائية اللغة والكلام، ذلك أن اصطلاح الصورة لا يعتمد إلا في وصف الكلام المنجز، فإذا كان تفرع الكلام إلى معنى ولفظ ملحمين في صورة، يقتضي الإقرار ـ على مستوى المعنى ـ بأصل الغرض، فإنه يستوجب على مستوى الألفاظ الإقرار بأصلها الخام، المتمثل في الكلم المفردة، من هنا يمكننا التسليم بداهة بأن النظم لا يكون إلا في مستوى الكلام، وأن معانيه الملتبسة بمفهوم العلاقات والترتيب أو معاني النحو، لن تكون إلا في الكلام "فكما لا تكون الفضة خاتماً أو الذهب سواراً أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسها ولكن بما يحدث فيها من الصورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاماً وشعراً من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه"(135).

ويمكن استخلاص المقابلات التالية من النص السابق، وهي: أن الفضة أو الذهب تؤولان إلى خاتم أو سوار، بعد انطباع الصورة عليهما، وأن الكلم المفردة (أسماء، وأفعالاً، وحروفاً)، تستحيل كلاماً وشعراً بتشكلها بالنظم الذي هو توخي معاني النحو وأحكامه.

فتكون الصورة في الطرف الأول معادلة للنظم في الطرف الثاني، وتتيح لنا هذه النتيجة مبدئياً إسقاط دلالات مصطلح صورة حسب ما حدده استخدام عبد القاهر لها في ما سلف من نصوص على مصطلح نظم، مما يمكننا من تقديم هذه الفرضية المبدئية، وهي أن اصطلاح النظم لن يختص بالكلام الفني فقط، بل يعم إطلاقه كل كلام مفيد: فنياً وغير فني.

وتمثل اللغة حسب هذا التحديد المادة الخام التي تستغل في كل تركيب دال، ذلك أن الفضة في وضعها الخام ليست إلا مادة محايدة، قد تتشكل في صور شتى تبعاً لقصد الصائغ، تماماً كحال الكلم المفردة بالنسبة إلى الكلام المنجز الدال.

ويؤسس هذا التقابل الأصل اللغوي لنظرية عبد القاهر في النظم، من هنا يتميز إنجازه في إعطاء المصطلحات العامة دلالات محددة تفي بأغراض المقصد البلاغي، وتكشف عن تفرد صاحبها في الفهم. فليس اصطلاح الصورة المقابلة للمادة إلا مفهوماً فلسفياً أصوله ضاربة في الإلهيات، استغله الفلاسفة والنقاد لتشخيص علاقة اللفظ بالمعنى في النص، ولن يشذ عبد القاهر عن القاعدة، إلا أنه يأبى إلا أن يخصص هذا الاصطلاح أو يعتمد مرادفاً له أدق يكون راسخ الامتداد في منطلقاته الثقافية. فكان أن اعتمد الوصف بالحسن العائد إلى اللفظ تارة، والحسن العائد إلى النظم أو كليهما معاً تارة أخرى بدائل لمفهوم الصورة، ثم يسود مفهوم النظم منظوراً لمحاصرة كل كلام مفيد بليغ وغير بليغ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأساس النحوي للمفهوم يجرد المصطلح من أبعاده الفلسفية، أو يقلل على الأقل من أثر هذه المعرفة "الدخيلة" في فكر عبد القاهر النقدي اكتمل لعبد القاهر موقف أصيل متميز عن منحى الفلاسفة في تحليل الخطاب منطلقات وإجراء.

فانطلاقاً مما سلف، يمكن لعبد القاهر أن يدلّل على الأصل اللغوي لنظريته في النظم، ذلك أن "الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها
فوائد"(136)، فلا يترتب على الألفاظ إفادة "حتى تؤلف ضرباً خاصاً من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب"(137).

وإذا كان هذا عامّاً في كل استعمال للغة لمجرد تحقيق الاتصال بين المتخاطبين، فإن الأمر في الكلام الفني أخص. من هنا لا يكون لمعاني الألفاظ المفردة أي حظ من الوصف بالبلاغة ذلك أن "ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل ولا هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب"(138).

هذه الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب ليست إلا معاني النحو وهذا لا ينفي إمكانية التفكير في معاني الألفاظ المفردة أصلاً، ولكنه "لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو ومنطوقاً بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها"(139)، ذلك أن كل قصد للكلام إنما هو قصد لتحقيق مفهوم واحد يكون محصلة ترتيب في معاني ألفاظ مؤسس على معاني النحو؛ ذلك أن مثل "واضع الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة. وذلك أنك إذا قلت: ضرب زيد عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً لـه: فإنك تحصل من مجموع هذه الكَلِمْ كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس، وذلك لأنك لم تأتِ بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق"(140).

فالغاية من النظم إحداث تأليف بين الكلم بحيث يترتب على هذا التأليف المتوافق مع العقل بناء الدلالة ومن ثمة المفهوم الواحد، ومادام كل فعل تأليف إنما يحدث بين معاني الكلم، فإن المواد اللغوية في مستواها الخام تشكل الدلالة الموجودة بالقوة التي يخرجها النظم إلى الفعل، وتتأكد شرعية هذا التصور في بعده الأصولي المنسجم مع ثنائية اللغة والكلام وأصول الغرض وصورة المعنى. فإذا كان توخي التأليف في معاني الكلم إحداثاً للدلالة وبالتالي للصورة المعنوية، وإذا كانت تلك فعالية حادثة في الكلام مبدئياً، فإن هذا التأليف إذ يترادف مع مفهوم العلاقة والانتظام الحادثين بين الكلم في طور أول، يعود فيتخصص بمعاني النحو في طور أدق، فماذا يقصد بمعاني النحو وأين يمكن أن تتنزل ضمن نظريته في النص عامة؟

ينفي عبد القاهر مبدئياً أن يكون القصد من معاني النحو الإعراب، ذلك أنه "لم يجز إذا عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم، وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالرؤية (كذا)، فليس أحدهم بأن إعراب الفاعل الرفع والمفعول النصب والمضاف إليه الجر بأعلم من غيره، ولا ذاك المفعول به مما يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر. إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى ]فما ربحت تجارتهم[، وكقول الفرزدق "سقتها خروق في المسامع"، وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلاً على تأويل يدق، ومن طريق تلطف، وليس يكون هذا علماً بالإعراب ولكن بالوصف الموجب للإعراب"(141)، فإذا كانت المزية منتفاة من الأشكال الظاهرية للإعراب وأن معاني النحو ليست هي هذه الأشكال، فإن العلم بالوصف الموجب للإعراب كالفاعلية مثلاً من صميم معاني النحو، وهي من حقول فعل العقل حيث بواسطتها يتم إلحام معاني الكلم بمزجها في مفهوم واحد وفق التلاحم الذي تحدثه معاني النحو، باعتباره المفتاح الذي يتم به بناء علم الدلالة المحدثة بينها، ذلك أنه: "قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه".(142).

فليست دلالة الإعراب في النص السابق دلالة شكلية، ذلك أنه يتعلق بها تفتيق المعاني والأغراض من الألفاظ، وليست المعاني والأغراض نتاج الألفاظ المفردة، وإنما هي خلاصة التفاعل الحادث بين كلمتين فأكثر بحسب ما تبيحه معاني النحو، وهي أخيراً المعيار المحدد للخطأ والصواب في القول، وبما أن كل نضد للدلالة ضمن سياق معنوي تنتجه كلمات لا يتحقق إلا بتوخي معاني النحو في معاني الكلم، إذ تبلغ بها وحدة المفهوم، ومجانبة الخطأ وتحقيق الصواب رهن التزامها أيضاً، أمكن تحديد معاني النحو وفق هذا التصور بما يعرف حديثاً بالوظائف النحوية(143).

إلا أن ذلك لا يعني حصرها في الأبنية القاعدية للتركيب، فمما قد يشفع لهذا الفهم تحديد عبد القاهر معاني النحو في نص نادر، لم يقصد فيه غير ذكر نماذج للنظم البليغ الذي يتحقق به لصاحبه السبق، إذ لو لم يكن كذلك لما
"كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ والنظم لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ويضاهيه"(144).

ونستضيئ بتمثيله لندرك قصده من معاني النحو التي سبق إليها الخليل وسيبويه. ذلك أنه إذ يذكر سبق الشاعر والناثر إلى النظم الذي يعلم أن من يعقبه لا يدانيه فيه يخلص إلى القول: "ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة، فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له، فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويرددوا ألفاظهم فيها على نظامها، وكما هي وذلك ما كان مثل قول سيبويه في أول الكتاب:"وأمّا الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع لا نعلم أحداً أتى في معنى هذا الكلام بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريباً منه"(145)، فإذا كان السبق يجلوه الاستخدام المتميز لمعاني النحو لتحقيق المقاصد والأغراض، فإن المقصد هنا هو التعبير عن المعاني النحوية نفسها، والتقنين لها، وهذا لا يؤدي إلى حصرها في مستوى الأبنية القاعدية للتركيب، إذ لو كان كذلك لما كان استخدامها في ضبط بعض فصولها دليل سبق سيبويه، وليس هذا السبق سوى التوظيف الذكي لما يتلاءم مع المقصد من هذه المعاني، ويؤدي ذلك إلى الإقرار بأن تجريد أصولها في كتاب لا ينبني عليه حصر دلالتها في هذا المستوى التقعيدي، فهي تتعلق بالاستعمال مادام حمل النظم على معاني النحو يقتضي ربطها بحقل الكلام بداهة، ومن هنا توفر هذه الأبنية القاعدية إمكانات الصوغ غير المحدودة للمقاصد وفق نوايا المتكلمين بحسب الوجوه والفروق التي توفرها. ذلك أن كل نظم إنما هو تفاعل معانٍ نحوية مع معاني كلم مفردة، وإذا كانت معاني الكلم المفردة لا تعني الناظم في شيء، إلا أن تنتظم كلاماً دالاً، كذلك يخرج من حقل اهتمامه الحصر النظري للقواعد النظرية للتركيب، إنما الغاية في استغلالها في كل سلوك قولي ذلك:"أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل، ولا يخفى على أحد من الناس، وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر...".(146).

وما دام كل تعليق للكلام بعضه ببعض لا يتم إلا بتوخي معاني النحو انعدم إيجاد رباط للكلمات خارج هذه المعاني، وانضبط بموجب ذلك الأساس المعياري المؤسس لصحة القول ذلك "أنا إن بتنا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكاً ينظمها وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كل محال دونه"
(147)، ذلك أن كل استعمال للكلام عموماً لغاية تحقيق الإفادة لابد له من أن يتأسّس على السبك النحوي لمعاني كلماته المفردة وإلا انتفت عن المتكلم صفة المؤلِّف، "وذلك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضاً من غير أن تتوخى فيها معاني النحو لم تكن صنعت شيئاً تدعى به مؤلفاً"(148). وإذا كان عدم توخي معاني النحو في معاني الكلم انعداماً للدلالة كما يتأكد ذلك في قول عبد القاهر:"ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء"(149). أمكن الاستنتاج بأن معاني النحو وإن ارتبطت بالكلام، فإن ما سلف من النصوص يقر بعموميتها، وأنها قاعدة كل قول، وأساس كل كلام، ولكن عبد القاهر يؤسس على نظريته في النظم قانوناً لضبط خصائص الكلام البليغ والتدليل على الإعجاز، فالمعاني النحوية التي ينبني على مراعاتها تحقيق وحدة المفهوم الجامع لشتات معاني الكلمات المفردة في السياق الواحد، بقدر ما يتفرع منها المنظور المعياري الضابط لفساد القول وصحته ومن ثمة المنطلق في تأسيس كل قول مفيد، بقدر ما يشكل التصرف فيما توفره من علاقات منتظمة لصلات الكلم مستوى ثانياً يختص بالقول البليغ، ذلك أن الوجوه والفروق التي توفرها معاني النحو متعددة، وأن المقاصد والأغراض مختلفة، فضلاً عن أن العلائق الدلالية الملحمة للكلم تفسح المجال لتفجير طاقات اللغة الكامنة، يضاف إلى ذلك أن القول البليغ كثيراً ما يتحقق بتجاوز المستوى القاعدي لمعاني النحو.

وإذ يحصر عبد القاهر في نصه الآتي الإمكانات غير المحدودة التي توفرها وجوه كل باب من أبواب النحو وفروعه، يتأكد تركيزه أيضاً على الأساس المعياري يقول: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مفاهيمه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئاً يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق وزيد ينطلق وينطلق زيد ومنطلق زيد وزيد المنطلق والمنطلق زيد وزيد هو المنطلق وزيد هو منطلق (يذكر أمثلة في الشرط والجزاء، والحال، وبعض الحروف)، ثم يقول: وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل، ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء وموضع الفاء من موضع ثم وموضع أو من موضع أم وموضع لكن من موضع بل، ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله. وفي الحذف والتكرار أو الإضمار والإظهار فيضع كلاً من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له"(150).

ويطالعنا في بداية النص حشد من مصطلحات من مثل: الوضع، القوانين، الأصول، المفاهيم، الرسوم، محكومة بأفعال، مثل: تضع، يقتضي، تعمل، تعرف، نهجت، تزيغ، تحفظ، تخل، حيث يجمع في آخر النص النمطين من الكلمات في قولـه: "يستعمله على الصحة". ويبدو هذا الحشد تأكيداً للقيمة المعيارية ذلك أن "المعاني من هذه الجهة تنزل منزلة المعايير التي يرجع إليها في الحكم على صحة الكلام وسقمه، واطراده وشذوذه". (151)، ذلك أن توفر الصحة أساس كل قول، وينبني على هذا الإقرار بأن كل قصد للفصاحة أو البلاغة في القول لا يقوم إلا على مراعاة الصحة أيضاً، وأن انتفاء الصحة من القول انعدام للبلاغة فيه وليس انعدام البلاغة انتفاء للصحة.

إن معاني النحو إذ تشكل الأساس لكل قول يكمن ثراؤها وعدم محدودية وجوهها وفروقها، في ما توفّره أبنيتها الأساسية من إمكانات التفريع منها، ذلك أن "اللغة توفّر لمستعملها أكثر من إمكانية لصياغة نفس الوظيفة النحوية، وأن بين هذه الإمكانيات المتنوعة في البناء فروقاً معنوية، وأن كل بنية مع ما يصاحبها من خصوصيات معنوية توافق مقاماً معيناً وتخدم غرضاً دون غرض".(152)

وهنا نجد التعاضد التام للأصول المؤسسة لنظرية الجرجاني في النظم، ومفهومه لمعاني النحو، ذلك أن أصول الأغراض، واللغة كما تتجسد هنا في أقسام الكلم المفردة، والقواعد النظرية للتركيب، تشكل مواد البنية في طورها الخام، ثم تلتحم الإمكانات المتفرعة من استغلال الملائم من هذه الأصول وفق الغرض المقصود في بنية لغوية مخصوصة تشكل صورة معنوية متميزة. وهذا سيوفر إمكانات التعبير المتنوعة وفق المقاصد "المختلفة". ويمكن التمثيل لذلك بالنص التالي الذي يستشهد فيه عبد القاهر بأبيات شعرية تصديقاً لرأيه في وحدة أجزاء الكلام المؤسسة للمفهوم الواحد، وهو إذ يقر بامتناع هذا النوع من الحصر، يمثل لـه بالمزاوجة "بين معنيين في الشرط والجزاء معاً كقول البحتري:

إذا ما نهى النَّاهي فلجّ بي الهوى
أصاخت إلى الواشي فلج بي الهجر


فهذا نوع، ونوع منه آخر قول سليمان بن داود القضاعي:

فبينا المرء في علياء أهوى

ومنحط أتيح لـه اعتلاء

وبينا نعمة إذ حال بؤس

وبؤس إذ تعقبه ثراء


ونوع ثالث وهو ماكان كقول كثير:

وإني وتهيامي بعزّة بعدما
تخليتُ مما بيننا وتخلّت

لك المرتجى ظلَّ الغمامة كلما
تبوأَّ منها للمقيل اضمحلَّتِ..."(153).


فبحسب ما سلف يمكن لنظرية عبد القاهر في النظم أن تعدد فعاليتها وأن تشمل كل استعمال للكلام، سواء أكان لمجرد الاتصال أم للتأثير الفني، وهذا الفهم يبدو مخالفاً لرأي حمادي صمود في النظم إذ يحصره في الكلام الفني ولا يرى لـه علاقة بغيره(154)، وقد انبنى هذا على رأيه في مدلول النظم، إذ بعد أن دفع أن يكون في الإعراب أو في قواعد التركيب النظرية خلص إلى القول بأن النظم أو معاني النحو،" هو خضوع الكلام لنواميس الفكر وبروزه على هيئة تحاكي الروابط المنطقية التي يقيمها بين المعاني فتكون البنية اللغوية صدى لبنية عقلية، منطقية سابقة"(155). وعلى الرغم من أن هذا التحديد يتوافق مع تعليلات شتى لعبد القاهر تبتغي حصر فعالية النظم من مثل قوله: "ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل".(156). وهي تقع في الصميم من أصوله المرتدة إلى معطيات كلامية راسخة في نظرية الكلام النفسي، فإن هذا التحديد يمثل حصراً لفعالية النظم في أقصى مراتبها من منظور أساسها العقلي، حينما تكون صياغة القول صدى لفعل العقل المتدبر في العلائق اللاحمة لمعاني الكلمات في كمونها النفسي الممثلة لبنية القول العميقة، حيث ستمثل هذه الممارسة قاعدة الكلام الأدبي، لكن هذا لا يتنافى مع شمول النظرية كل مراتب الكلام، دون أن يؤدي بنا هذا إلى الادعاء بأن عبد القاهر يولي الأهمية نفسها لكل هذه المراتب، إذ إن أغراضه الأساسية محصورة في التدليل على إمكان البرهنة على الإعجاز بالاعتماد على النظم، ومن ثمة وصف خصائص "الأدبية" في النص الأدبي عموماً.

وتتبدَّى الفعاليتان اللتان تبينان عن شمول نظرية النظم صنفي الكلام العادي والأدبي في قول عبد القاهر:"فلست بواجد شيئاً يرجع صوابه إن كان صواباً وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل من موضعه... ويكفيك أنهم قد كشفوا عن وجه ما أدركناه حيث ذكروا فساد النظم، فليس من أحد يخالف في نحو قول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكا

أبو أمه حي أبوه يقاربه


وقول المتنبي:

ولذا اسم أغطية العيون جفونها

من أنها عمل السيوف عوامل


وفي نظائر ذلك مما وصفوه بفساد النظم وعابوه من جهة سوء التأليف، أن الفساد والخلل كانا من أن تعاطي الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب، وضع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار أو غير ذلك ما ليس له أن يضعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول هذا العلم، وإذا ثبت أن فساد النظم واختلاله أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه"(157).

فإذا كان تنكب الصواب في استعمال معاني النحو مدعاة للوقوع في الفساد فإن "المزية والفضيلة" التي تعرض في الكلام مردهما إليه أيضاً، ولقد حصر شكري عيّاد الفعاليتين المسندتين إلىمعاني النحو، بعد أن عرض محتوى العلاقات الحادثة بين الكلم وفق ما أسماه "بارتباط معنوي بين العامل والمعمول"، ذلك أن "هذه العلاقات بين الكلم هي ما يسميه عبد القاهر"معاني النحو"، وقد ارتقت نظرية النظم من هذا الأصل إلى البحث في وجوه التصرف في هذه العلاقات، للتوصل إلى معرفة أنحاء الحسن في الكلام".(158).

والحق أن مفهومه للصورة يسعفنا في تأكيد هذا الفهم، فبالرغم من
قولـه: "إنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصنعة"(159)، فإنه ليس كل قصد إلى صورة يقتضي تحقيق البلاغة، ذلك أننا رأينا أن المعاني تختلف عليها الصور، وأن الاصطلاح يطلق على الكلام المفسر وعلى التفسير، وأنها تتسع لتشمل في حدود دلالتها الكلام العائد حسنه إلى اللفظ والذي يعود حسنه إلى النظم، وإلى الذي يجمعهما. وإذا كنا ندرك أن الترتيب في الكلم المؤسس على "معاني النحو"، إنما هو تخصيص وتوثيق نحوي لمدلول الصورة، أصبح بالإمكان الإقرار بأن كل توخٍّ لمعاني النحو في الكلم لا ينبني عليه تحقيق بلاغة وفصاحة، بل لابد من خصوصية أخص "ولذلك اعتبر الجرجاني أن فكرة النظم هي العمود الفقري في كل طاقات اللغة على المستوى الإخباري وعلى المستوى الإنشائي كذلك"(160)، يتأكد ذلك في قول عبد القاهر الآتي: "وجملة الأمر أنه كما لا تكون الفضة خاتماً أو الذهب سواراً أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسهما ولكن بما يحدث فيهما من الصورة، كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاماً وشعراً من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخّي معاني النحو وأحكامه".(161).

فتوخي معاني النحو في الكلم تحقيق للكلام وللشعر، ولا نعتقد أن ذكره الكلام هنا من باب الترادف. ذلك أن دلالة الكلام أعم من دلالة الشعر، وهذه أخص من تلك، ذلك أنه إذا كان تحقيق الفائدة في الخطاب متعلقاً بفعالية الأساس النحوي فيه متجسداً في معانيه، فإن انتفاء هذه المعاني من القول انتفاء لإمكان إطلاق صفة المؤلف على صاحبه، ولكن هذا المستوى الأول المجسد لكل اتصال بين المتخاطبين لا ينبني عليه الجمال حتماً، إنما يتأسس الجمال في القول بمراعاة الإفادة والتحسين معاً، ومن هنا يمكن الإقرار بأن كل قول جميل مفيد أصلاً لأنه لا يمكن أن يقوم على خطأ، ودليل ذلك رأيه في بيتي الفرزدق والمتنبي السابقين إذ كان كشفاً عن سوء استعمال معاني النحو وعن الفساد العالق بالكلم الناتج عن الانحراف عن إخراج القول وفق معايير هذه المعاني، من هنا لم يكن التحليل تشخيصاً للبلاغة بقدر ماهو تدليل على تعقيد المعنى أو فساده أصلاً، وتأكيد ذلك موقف له ثانٍ من بيت الفرزدق حيث يرى أن سبب فساده في كونه "لم يرتّب الألفاظ في الذّكر، على موجب ترتّب المعاني في الفكر، فكدّ وكدّر، ومنع السامع أن يفهم الغرض إلا بأن يقدِّم ويؤخِّر، ثم أسرف في إبطال النظام، وإبعاد المرام، وصار كمن رمى بأجزاء تتألف منها صورة ولكن بعد أن يراجع فيها باب من الهندسة لفرط ما عادى بين أشكالها، وشدّة ما خالف بين أوضاعها".(162).

وتعليق "فهم" البيت بإعادة ترتيب أجزائه حصر للتحليل في مستوى الإفهام، ولكن إذا كان الخطأ يظهر جلياً في الانحراف عن معايير النحو، فكيف يمكن تحديد المزية في القول، ومن ثم ماهي حدود القول البليغ الذي يمكن اعتباره كلاماً يختص، فضلاً عن أن في هذا المستوى الفصيح نفسه يقع التفاضل؟

ومقابلة رأييه في بيت الفرزدق يسعف في الجواب: إذ يعتمد في الرأي الأول تشخيص سبب الفساد في تنكب معاني النحو، وفي الثاني في حدوث التضاد بين ترتيب الألفاظ والفكر، مما يبيح الاستنتاج بتطابق معاني النحو والفكر، وأن اللفظ ليس إلا السطح الظاهري لبنية الفكر الخفية، وأن معاني النحو إذ تؤسس قاعدة كل كلام عادي أو بليغ تجعل كل إبداع فني إنما يتم في وصاية العقل، فليس "الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل"(163).

ومادام كل كلام لا يتم إلا بمراعاة معاني النحو أي لا يتأتى إلا في وضوح فعل العقل، وأن فعل العقل في صوغ الكلام غير متواتر الدرجة والقوة، أمكن التسليم مبدئياً بأن إجهاد العقل في نضد الكلام يتماشى مع المقاصد السامية فيه، وهذا يشكل قاعدة أولى لإحداث خصوصية في الكلام ويمثل شرطاً أولياً لبلوغ الغاية الفنية فيه. ويتجسد هذا المبدأ في قول عبد القاهر معدداً أصناف القول في بحثه السرقات حاصراً نمطها الذي يخوّل لصاحبه السبق والتفرد، ويكون ذلك فيما "ينتهي إليه المتكلم بنظر وتدبّر ويناله بطلب واجتهاد ولم يكن كالأول (يقصد عموم الغرض والمشترك وإن كان ذا خصوصية)، في حضوره إياه... بل كان من دونه حجاب... نعم إذا كان هذا شأنه، وههنا مكانه، وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدعي فيه الاختصاص والسبق والتقدم والأولوية وأن يجعل فيه سلف وخلف ومفيد ومستفيد، وأن يقضي بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين وأن أحدهما فيه أكمل من الآخر وأن الثاني زاد على الأول ونقص عنه وترقَّى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحدر إلى منزلة هي دون منزلته"(164).

فالكلام الذي يتحقق بالتدبر والنظر والاجتهاد سيتخصص بمزايا تفرده عن المشترك والمتداول. ولاشك أن هذا الأساس القاعدي المتجسد في أساس الإبداع لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع ما توفره أنماط التراكيب من إمكانات لصوغ الغرض المقصود، ذلك أن المزية لا تعود إلى مراعاة الوجوه والفروق اللغوية المختلفة، بل تتجسد في الانتقاء الواعي للنمط الملائم للغرض المقصود، هذا الانتقاء الذي يتمثل في التوظيف الملائم للوجوه والفروق المختارة في مواضعها المحددة، وهنا يكون التصرف في هذه الوجوه بما يخدم الأغراض تحقيقاً لبلاغة القول حيث يتم للمعنى أن يتشكل في صورة لائقة، ذلك أنه "إذا عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازدياداً بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم بحسب موقع بعضها من بعض واستعمال بعضها مع بعض تفسير ذلك أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد"، من قوله "تثقل في خلقي سؤدد" وفي "دهر" من قوله "فلو إذ نبا دهر"، فإنه يجب أن يروقك أبداً وفي كل شيء. ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله "وأنكر صاحب" فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك هنا. بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم"(165). مما سلف يتحقق المبدأ الثاني المعتمد في إخراج القول البليغ، والمعلل لظاهرة الكلام الفني باعتباره فناً متميزاً ضمن الكلام عموماً، ويتفرع من هذا المبدأ شروط تتمثل في إحداث التلاؤم بين البنية اللغوية من جهة والغرض من جهة أخرى، مع ضبط التوافق بين عناصر القول المختلفة ضمن مواضعها المنقاة.

إذا أضفنا إلى ما سلف أن هيئات التأليف توفّر لمستعمل الكلام إمكان إحداث خصوصيات بليغة في القول، مما يخرج عن نطاق مراعاة القواعد الحرفية للوظائف النحوية أو قواعد الاستعمال اللغوي، ويتحقق ذلك في وجوه التأليف التي تحدث في الكلام بمراعاة التكرار أو الحذف، أو التقديم أو التأخير، وغيرها أمكن ضبط هذا المبدأ الثالث المهيئ لإخراج القول غير مخرج العادة، ذلك "أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم وإن وإذا وما أشبه ذلك، مما يعبِّر عنه وضع لغوي فكانت لا تجب في الفصل وترك العطف وبالحذف والتكرار والتقديم والتأخير وسائر ماهو هيئة يحدثها لك التأليف ويقتضيها الغرض الذي تؤمّ والمعنى الذي تقصد، وكان ينبغي أن لا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم يستعر لـه، وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد عُرفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلاً".(166).

فإذا أضفنا إلى ما سبق حديثه عن الابتداع في وجوه المجاز المتمثلة في التشبيه والاستعارة خاصة باعتبارها من مسوّغات السبق كما أشير إلى ذلك في آخر النص السابق، علماً بأن فهمه لهذه الوجوه البلاغية إنما يتأسس على اعتبارها من مقتضيات النظم، لأنه بدون مراعاة السياق والأحكام الحادثة بين الكلم لا يمكن إحداث هذه الوجوه "لأنه لا يتصور أن يدخل شيء منها في الكلم وهي أفراد لم يتوخّ فيما بينها حكم من أحكام النحو"(167).إذا ضممنا إلى ما سبق هذه الوجوه البلاغية قام بموجبها المبدأ الرابع، وبه تكمل حلقات المبادئ المجسمة للمسالك الموصلة إلى الكلام البليغ، وكل اقتراب من تحقيق هذه المبادئ في القول اقتراب من تحقيق السبق في حدود الكلام البليغ نفسه.

وخلاصة القول إن مواجهة النص بمفاتيح تزدوج فيها الرؤية بين اللفظ والمعنى والنظم كان الغالب على دارسي الإعجاز قبل عبد القاهر، ثم استحالت هذه المفاتيح عنده نظرية متماسكة تراهن على مبادئ لغوية وتعتمد السياق لتعليل وحدة عناصره المتفاعلة بالاعتماد على معاني النحو.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:58 AM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


هوامش الفصل الرابع:




(1)ـ الرماني، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 111.‏

(2)ـ الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 35.‏

(3)ـ الباقلاني، إعجاز القرآن، 95.‏

(4)ـ نفسه. ينظر:التمهيد.‏

(5)ـ القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج16، في إعجاز القرآن:‏

197.‏

(6)ـ نفسه: 225. وكذا: 216-321.‏

(7)ـ الرماني، النكت: 94.‏

(8)ـ نفسه: 96.‏

(9)ـ نفسه: 82.‏

(10)ـ نفسه: 107.‏

(11)ـ الخطابي، بيان: 36.‏

(12)ـ نفسه: 27.‏

(13)ـ نفسه: 36.‏

(14)ـ نفسه: 29.‏

(15)ـ نفسه: 50-51.‏

(16)ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 36.‏

(17)ـ نفسه: 37.‏

(18)ـ الرماني، النكت: 75.‏

(19) ـ نفسه: 85.‏

(20) ـ نفسه: 88.‏

(21) ـ نفسه: 97.‏

(22) ـ نفسه: 98-99.‏

(23) ـ نفسه: 76.‏

(24) ـ نفسه: 79-80.‏

(25) ـ الخطابي، بيان: 27.‏

(26) ـ نفسه.‏

(27) ـ نفسه: 36.‏

(28) ـ نفسه: 37.‏

(29) ـ نفسه: 26.‏

(30) ـ نفسه: 63.‏

(31) ـ نفسه: 44.‏

(32) ـ الباقلاني: إعجاز القرآن: 286.‏

(33) ـ نفسه: 119.‏

(34) ـ نفسه: 42.‏

(35) ـ نفسه.‏

(36) ـ نفسه: 58.‏

(37) ـ نفسه: 61.‏

(38) ـ نفسه: 119.‏

(39) ـ نفسه.‏

(40) ـ نفسه:90.‏

(41) ـ نفسه.‏

(42) ـ القاضي عبد الجبار، المغني، ج16: 197.‏

(43) ـ إعجاز القرآن: 276.‏

(44) ـ نفسه: 112.‏

(45) ـ الباقلاني، التمهيد: 151.‏

(46) ـ سورة النمل، الآية: 6.‏

(47) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 189.‏

(48) ـ سورة النمل، الآية: 8.‏

(49) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن: 190.‏

(50) ـ نفسه.‏

(51) ـ نفسه.‏

(52) ـ نفسه: 208-209.‏

(53) ـ سورة النساء: الآية: 23.‏

(54) ـ الباقلاني، إعجاز القرآن:208.‏

(55) ـ نفسه: 207.‏

(56) ـ نفسه: 193-194.‏

(57) ـ نفسه: 160 وما بعدها.‏

(58) ـ نفسه: 222.‏

(59) ـ نفسه: 159 وما بعدها.‏

(60) ـ شكري عيّاد، المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية. الأقلام: 9.‏

(61) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 493.‏

(62) ـ القاضي عبد الجبار، المغني 16-207.‏

(63) ـ نفسه: 214.‏

(64)ـ نفسه: 199.‏

(65) ـ نفسه.‏

(66) ـ نفسه.‏

(67) ـ نفسه.‏

(68) ـ نفسه:199-200.‏

(69) ـ نفسه:200.‏

(70) ـ نفسه:224.‏

(71) ـ نفسه:282.‏

(72) ـ نفسه:357.‏

(73) ـ نفسه:381.‏

(74) ـ ينظر: الفصل السابق.‏

(75) ـ ينظر: ابن المنير، هامش الكشاف 1: 292-310-586. ج3: 40-163.‏

(76) ـ ينظر: الإمتاع والمؤانسة: 1: 107....‏

(77) ـ مصطفى ناصف، نظرية المعنى في النقد العربي: 21.‏

(78) ـ نفسه: 23.‏

(79) ـ عبد القاهر، أسرار البلاغة: 253.‏

(80) ـ نفسه: 241.‏

(81) ـ شكري عيّاد، كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 259.‏

(82) ـ إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 437.‏

(83) ـ ينظر: الفصل السابق.‏

(84) ـ صحيح أن هناك من المتكلمين ـ كالرماني ـ من اعتبر الصورة البلاغية من وجوه الإعجاز، وخالفه عبد القاهر، وسبقه الباقلاني إلى ذلك، ولكن المسألة هنا تتجاوز مجرد رفض الاعتماد علىعنصر جزئي كالصورة في تعليل الإعجاز، إلى دفع فكرة التخييل نفسها نظراً لقيامها على أساس واهٍ.‏

(85) ـ عبد القاهر، الأسرار، 242.‏

(86) ـ نفسه:248.‏

(87) ـ نفسه: 262.‏

(88) ـ نفسه:295 .‏

(89) ـ نفسه:251.‏

(90) ـ نفسه: 253.‏

(91) ـ نفسه.‏

(92) ـ الإمتاع والمؤانسة، 1: 115. ولكن هذا لا يعني أن المعاني التخييلية تنفلت من إسار النحو، صياغة ومقاربة، إنما القصد أنها متهافتة من منظور المعيار.‏

(93) ـ الدلائل: 416.‏

(94) ـ نفسه:320.‏

(95) ـ نفسه:43.‏

(96) ـ نفسه:44.‏

(97) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 466.‏

(98) ـ ورأي عبد القاهر في الموضوع مطروق في كثير من كتابات الباحثين، وقد أفدنا في الموضوع من: درويش الجندي، نظرية عبد القاهر في النظم: 91.... عبد القادر المهيري، مساهمة في التعريف بآراء عبد القاهر الجرجاني، في اللغة والبلاغة، ضمن حوليات الجامعة التونسية، عدد 11، السنة 1974: 110... حمادي صمود، التفكير البلاغي: 467.... علماً بأن عبد القاهر قد دفع حجج من لا يرى للفصاحة والبلاغة أكثر من الصحة اللغوية أو يعادلها بتمام آلة البيان، أو يسوي بينها وبين أصناف الدلالات المختلفة. ينظر: الدلائل: 45.... 352-353. والمراجع السابقة على التوالي: 35: 108-109: 461.....‏

(99) ـ الدلائل: 320.‏

(100) ـ نفسه:319.‏

(101) ـ نفسه:41-42.‏

(102) ـ نفسه:38.‏

(103) ـ نفسه: 285. ينظر أيضاً: 283-284.‏

(104) ـ نفسه: 200.‏

(105) ـ عبد القاهر، الأسرار: 5-10.‏

(106) ـ الدلائل: 206.‏

(107) ـ عبد القاهر، الأسرار: 4.‏

(108) ـ عبد القاهر، الدلائل: 351-352.‏

(109) ـ نفسه: 36.‏

(110) ـ نفسه: 50.‏

(111) ـ نفسه: 36. ينظر أيضاً: الأسرار: 4-5.‏

(112) ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 470.‏

(113) ـ عبد القاهر، الدلائل: 196.‏

(114) ـ سورة فصّلت: الآية: 34.‏

(115) ـ عبد القاهر، الأسرار، 244.‏

(116) ـ نفسه: 25.‏

(117) ـ عبد القاهر، الرسالة الشافية، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 123.‏

(118) ـ عبد القاهر، الدلائل: 389.‏

(119) ـ نفسه.‏

(120) ـ نفسه: 201-202.‏

(121) ـ نفسه : 196-197.‏

(122) ـ ينظر: درويش الجندي، نظرية عبد القاهر في النظم: 74.‏

(123) ـ الدلائل: 201.‏

(124) ـ نفسه: 367-368.‏

(125) ـ نفسه: 327.‏

(126) ـ نفسه: 385.‏

(127) ـ نفسه: 369-370.‏

(128)ـ عبد القاهر، الأسرار: 313-314.‏

(129) ـ نفسه: 315.‏

(130)ـ عبد القاهر، الدلائل، 329.‏

(131)ـ نفسه: 78.‏

(132)ـ نفسه: 204.‏

(133)ـ نفسه.‏

(134)ـ نفسه: 205.‏

(135)ـ عبد القاهر، الدلائل: 373.‏

(136)ـ نفسه: 415.‏

(137)ـ عبد القاهر، الأسرار: 3. وتغنينا بعض الإشارات إلى الأصول اللغوية لنظرية عبد القاهر في النظم، إذ شكل موضوع اللغة والكلام عنده حضوراً في كثير من الأعمال، ذلك أنه يكشف وجهاً معاصراً في فكره، ينظر على سبيل المثال: عبد القادر المهيري، مساهمة...: 96... حمادي صمود، التفكير البلاغي: 50...‏

(138)ـ عبد القاهر، الدلائل: 57.‏

(139)ـ نفسه: 314.‏

(140)ـ نفسه: 316.‏

(141)ـ نفسه: 302.‏

(142) ـ نفسه: 23.‏

(143)ـ ينظر : عبد القادر المهيري، مساهمة...: 101. البدراوي زهران، عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني: 184.‏

(144)ـ عبد القاهر، الرسالة الشافية: 141.‏

(145)ـ نفسه: 140.‏

(146)ـ عبد القاهر، الدلائل: 45.‏

(147)ـ نفسه: 300.‏

(148)ـ نفسه: 283.‏

(149)ـ نفسه: 405.‏

(150) ـ نفسه: 64-65.‏

(151) ـ لطفي عبد البديع، التركيب اللغوي للأدب: 7.‏

(152)ـ حمادي صمود، التفكير البلاغي: 515.‏

(153)ـ عبد القاهر، الدلائل: 74.‏

(154)ـ التفكير البلاغي: 518.‏

(155)ـ نفسه: 517.‏

(156)ـ الدلائل: 40-41.‏

(157)ـ نفسه: 65-66-67.‏

(158)ـ كتاب أرسطو طاليس في الشعر: 271-272.‏

(159)ـ عبد القاهر، الدلائل: 278.‏

(160)ـ عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية: 330.‏

(161) ـ الدلائل: 373.‏

(162)ـ عبد القاهر، الأسرار: 21.‏

(163)ـ عبد القاهر، الدلائل: 40-41.‏

(164)ـ عبد القاهر، الأسرار: 314-315.‏

(165)ـ عبد القاهر، الدلائل: 69-70.‏

(166)ـ نفسه: 193.‏

(167)ـ نفسه: 300-301.‏













توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:00 PM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الفصل الخامس:
حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل



اللفظ والمعنى عند حازم القرطاجني

يشبه موقف حازم القرطاجنّي موقف عبد القاهر الجرجاني في ما ينبغي أن يتخذه ذو الذهن الكبير من ثقافات عصره من مواقف، وفي حسم ما يكون قد وصله من قناعات وآراء تأخذ صبغة المبادئ في الحقول المعرفية التي يتعاطاها. غير أن الشبه بينهما لا يعدو هذا المنطلق، بل يمكن الإقرار بأن حصيلة موقفيهما أقرب ما تكون إلى التباين، علماً بأن هذا التباين لم يمنع حازماً من الإفادة من عبد القاهر.‏

وأصول هذا التباين أو الاختلاف تمتد إلى خصام النحو والمنطق باعتبارهما علامتين مميزتين لمنحيين في التفكير يرفد كلاً منهما مصدر مغاير للآخر، فالأول يتمثل في الثقافة العربية الإسلامية في حدود أصالتها من منظور علماء الإسلام وعلماء اللغة خصوصاً، وما يتفرع من ذلك من شعب تتأسس على مسلمات قائمة على أساس من الشرع أو الفكر اللغوي العربي الأصيل الذي لم يكن إلا حاشية على علوم القرآن، أما الثاني فيتجسد في الفكر الفلسفي ذي الأصول اليونانية خاصة، هذا التفكير الذي اعتبر ـ عند أقطابه ـ أسّ الأسس في كل معرفة تبتغي بلوغ اليقين.‏

من هنا اعتمدوه منطلقاً فيصلاً في ضبط مناهج البحث في المعارف وتأسيس دروب التفكير العقلي الصحيح. وتم له أن يطول خصوصيات في الثقافة العربية الإسلامية كالشعر والخطابة، خاصة في أعمال شراح أرسطو من الفلاسفة الإسلاميين. فكان له أن ينظّر لهذه الحقول التي تمثل في ذهن العربي أصلاً من أصول ثقافته، باحثاً في حقيقتها مؤسساً على هذا التصور غاية لها تندرج ضمن حدود التفكير الفلسفي عامة، مفرعاً القول في تحديد خصائص الأداة الفنية، ومن هنا تحدد للفلاسفة تصور للخطابة والشعر ضمن جملة المنطق.‏

وقد بدا لنا ضمن هذا الجدال في مستوى التصور النقدي والبلاغي تشكل منظورين في سياق الثقافة الواحدة، يهتمان ببلاغة النص الأدبي ضمن إطار من التصور الشامل لماهية الأدب عموماً وغايته: هما مفهوم التخييل ومفهوم النظم، وقد بدا لنا أن اعتماد عبد القاهر النحو لوضع ضوابط رأيه في بنية النص مؤسس على موقف عقائدي يبتغي، بالإضافة إلى التدليل على الإعجاز، إيجاد البديل لنظرية التخييل القائمة على أسس من المنطق. والواقع أن هذا الاختلاف يمتد إلى المناحي المعرفية المختلفة التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية عموماً وإن تشكل بطابع العلم المدروس. وتواصل هذا الصدام منوِّعاً مرافعاته إلى آخر عقول هذه الحضارة الكبيرة، من مثل ابن رشد والقرطاجني وابن خلدون...‏

وليس مصادفةً أن يتحاور العقل و النقل في فلسفة ابن رشد لينتهي إلى ضبط حدود فعالية كل طرف، ثم إحداث التصالح بحسب المنظور الرشدي وليس التخاصم بين الشريعة والفلسفة، لتنتهي المسألة بابن خلدون الذي شكّلت مناحي المعرفة السابقة بكل تفرعاتها اللغوية والدينية والكلامية والفلسفية، ضمن إطار من التاريخ الشامل منطلقاته في استنباط النواميس الضابطة لسير الحضارة عموماً، بحسب تصوره، والإسلامية خصوصاً. وقد تم ذلك أيضاً من خلال تفاعل ذهن كبير مع إشكال الفلسفة والنحو، أو ثقافة الأسلاف الأصيلة "وثقافة الأسلاف الطارئة"، ليؤسس هو نفسه تأليفاً يلحم هذه الفعاليات ضمن تكامل دقيق يتأسس من وجهة نظرنا على التخييل ويستفيد من النظم أيضاً في إطار من تخصصه في النقد والبلاغة.‏

كان بين يدي حازم القرطاجني، تراث في البلاغة والنقد يستقطبه منظوران يتمثلان في فكرة التخييل ومفهوم النظم، ولاشك أن عوامل شتى جعلت حازماً أميل إلى رأي الفلاسفة، باعتداده حفيداً مخلصاً في حقل النقد والتنظير لنظرية التخييل، وقد يعود ذلك إلى ثقافته الفلسفية، ذلك أنه تلميذ لتلميذ ابن رشد، أبي علي الشلوبين، وقد يكون وراء امتهان التفلسف، دوافع أملتها وقائع حضارة توشك أن تأفل، فكان من مستلزمات تعليل قوانين هذا الأفول في المسرح الحضاري العام أو في أي حقل من حقول المعرفة، الاستعانة بالفلسفة إذ بوساطتها يمكن تأسيس القول على منطلقات عقلية أو مسلمات منهجية، ومن هنا يبدو التكامل بين روافد الثقافة العربية الإسلامية عموماً في نتاج ابن رشد، وحازم القرطاجني، وابن خلدون.‏

ومن هنا نعتقد أن موقف القرطاجني في تبني نظرية التخييل لتأسيس تصور للشعر، لم يكن ليمنعه من استغلال نظرية النظم، إذ نجد حضوراً فاعلاً لبعض عناصر هذه النظرية في مفاصل دقيقة من نظرية حازم، كما نجد أيضاً تأويلاً لكثير من مسلمات هذه النظرية وتفسيراً جديداً لمعطيات مختلفة من نتاجها.‏

طعن عبد القاهر في الأساس العقلي للتخييل، وهو يؤسس مفهومه للنظم لاعتبارات مختلفة عرضنا لها في الفصل السابق، وافتعل القرطاجني موقفاً غير طيب من المتكلمين لينصر نظرية التخييل. ولم يكن مصادفةً أن عرض حازم إلى المتكلمين وهو يضبط ماهية الشعر، في حدود مفهوم التخييل في المنهج الثالث من القسم الثاني من الكتاب. هذا المنهج المخصص لبحث هذا الموضوع، خاصة أن البحث في المسألة قام على الدفاع عن الصدق في الشعر، وإزاحة ما علق به من تصورات توهن من قدره وتعتبره كذباً، ولم يكن رأي عبد القاهر في التخييل إلا كونه قياساً خادعاً.‏

وأسّس حازم دفاعه عن الشعر معتمداً على استشهادات من الفارابي وابن سينا خصوصاً(1)، منطلقاً أساساً من أن الخاصية المميزة للشعر هي كونه تخييلاً، وأن لا معتبر إذ ذاك بالمعنى في ذاته، إذ العبرة بالبنية والخواص الشكلية التي يتلبّس بها المعنى، من هنا ندرك مقدار قسوته على المتكلمين، إذ يقول:"وإنما غلط في هذا ـ فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة ـ قوم من المتكلمين لم يكن لـهم علم بالشعر، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرائق الموصلة إلى معرفته، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه. فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه.(2).‏

وقد يكون وراء هذا الموقف وقائع شهدها حازم من معاصريه ولم يكن موقف كثير من علماء الأندلس ومفكريها من الشعر في صالحه(3)، وقد يكون من ملابسات هذا الرأي المستوى المتدّني الذي بلغه الشعر في نظر الجمهور عموماً، وعند كثير من متعاطي الشعر عن غير دراية بموالجه خصوصاً. يظهر ذلك في شكوى حازم المتكررة من معاصريه، ونعيه هوان الشعر على أيديهم، إذ يرى أن التفاعل مع الخطاب الشعري، إنما يقوم على استعداد مزدوج يظهر نوعه الأول في أن "تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى.. والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزّة الارتياح لحسن المحاكاة"(4)، فإذا كان الاستعداد الأول موجوداً عند كثير من الناس في كثير من الأحوال، فإن الاستعداد الثاني "الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم، و ما أكثرهم، يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة"(5). ‏

غير أننا نعتقد أن خلف هذا الموقف أيضاً رأياً حاسماً من المتكلمين عموماًِ، ومن عبد القاهر الجرجاني خصوصاً، وبالتحديد ما خص به عبد القاهر بحث التخييل في أسرار البلاغة من صحائف طوال تقوم على مسلمة خلاصتها أن التخييل قياس خادع، وإن اعترف لـه بالخلابة والرونق(6).فإذا كان: "يبدو أن حازماً عرف الجرجاني"(7)، فإن هذه المعرفة تولد منها تدعيم نظرية التخييل واعتمادها في ضبط تصور للشعر، يظهر ذلك في أمور ومواقف عديدة: أولها أنه عرض للمتكلمين وهو يبحث في القسم المخصص للتخييل، ونحن نعلم أنه في هذا القسم أيضاً من أسرار البلاغة، درس عبد القاهر التخييل وبيّن رأيه فيه.‏

ويظهر ثانيها في مواصلة حازم تعليل جهل المتكلمين بالشعر من حيث أن بحثهم فيه خارج عن اختصاصهم، ذلك أن "الذي يورّطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدَّم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة فإذا فرَّق أحدهم بين التجنيس والترديد، وميّز الاستعارة من الإرداف، ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها"(8).‏

وتجريد حازم المتكلمين من كل جهود في البحث البلاغي مدعاة إلى وصف موقفه بالعاطفي المتحيز، ذلك أن المتكلمين، عموماً، من مؤسسي البحث البلاغي عند العرب، ويكفي أن ندرك ما لمجهودات المعتزلة في حقل المجاز من تأصيل، وما للأشاعرة من الإنجازات في تأسيس بلاغة القول على مسلمة الكلام النفسي، مما يستدعي تنزيل جهودهم البلاغية في تيار مستقل خاص(9)، لنتأكد من باعهم في هذا الحقل المعرفي.‏

فإذا كان في مثل هذا الموقف من حازم ما يدعو إلى وسمه بالتحيّز، فإن في تعداده ـ ساخراً ـ تفريق أحدهم بين التجنيس والترديد، وتمييزه الاستعارة من الإرداف، ما قد يدل على اعتماد "أسرار البلاغة"، في تحديد هذه المباحث التي ذكرها حسب الترتيب السابق، ذلك أن عبد القاهر بدأ البحث في "أسرار البلاغة" بالتجنيس والسجع ليخلص إلى الاستعارة ومنها إلى التشبيه بفروعه، فالتخييل، ولا نظن أن الترتيب الذي اعتمده حازم، وهو ينطبق على فهرست عبد القاهر، كان مصادفة، بالإضافة إلى ما سبق تتردد اصطلاحات مصدرها أعمال عبد القاهر لدى حازم، من مثل: النظم، وصور المعاني وهيئتها، والمعاني الأوائل والمعاني الثواني، بل سيعتمد حازم في آخر المطاف، على النحو في ضبط بنية العبارة، علماً بأن توظيفه هذه المصطلحات لم يكن لمجرد الترديد أو النسخ بل فرَّع منها الجديد، وضخم بعضها لتمتد إلى أفق أشمل مما كانت لدى عبد القاهر، من هنا يمكننا الإقرار بأن إفادة حازم من عبد القاهر أكيدة، كما نقدمها فرضية في مدخل هذا الفصل، غير أنه أخفى مصدره في اعتماد بعض أصول نظرية النظم، وأبدى موقفاً ناقداً للمتكلمين ليعيد إلى التخييل اعتباره، وليخفي ـ كما يبدو لنا ـ اعتماده على مبادئ مستقاة من إنجاز عبد القاهر، وإخفاء حازم مصادره ليس جديداً فقد استفاد من ابن رشد، في مواضع كثيرة، من نظريته، بل وصل به الأمر أحياناً إلى حد نسخ بعض آرائه(10)، وهو أستاذ أستاذه، ولم يشر إليه ولو مرة واحدة في المنهاج، علماً بأنه ردَّد ذكر الفارابي وابن سينا واقتطع نصوصاً من شروحهما فن الشعر الأرسطي في أكثر من موضع من الكتاب.‏

اللفظ والمعنى عند حازم القرطاجني‏

يهمنا في بحثنا نظرية حازم في الشعر وآراءه في البلاغة، ما يخدم هذا البحث ويتفاعل مع منهجه، من هنا تكون قضايا البحث في الشعر: حقيقته ووظيفته وأسس كل ذلك الممتدة إلى أصول فلسفية عامة، ونفسية خاصة، وكذا اجتماعية تؤطر للقيمة، خارجاً عن حقل هذا البحث، وإن كنا سنستغل من هذه المفاهيم ما يخدم غرضنا. ذلك أن جسر التحرك عندنا هو انتظام بنية النص في مستوياته المتعددة، في وحدة متفاعلة أو متراكمة والقواعد المؤسسة لهذا التصور، حيث تتفرع هذه المستويات من محوري التأسيس لكل قول وهما اللفظ والمعنى، من هنا يكون الإلمام بتصور حازم للفظ والمعنى في مستوى مبدئي ضرورة يفرضها البحث.‏

والواقع أن حازماً أسس كتابه انطلاقاً من فكرته في اللفظ والمعنى، ذلك أن أقسام الكتاب الأربعة ليست إلا ترداداً متكرراً للفظ والمعنى في مستوى بسيط أو مستوى مركب. فالقسم الأول الضائع من الكتاب يبحث في الألفاظ، ويختص الثاني بالمعاني ليتضخم بحث الألفاظ في قسم ثالث أسماه النظم، ولتستحيل المعاني إلى قسم رابع مركّب أيضاً هو الأسلوب. وتقسيم الكتاب بهذا الشكل بقدر ما يكشف عن أثر قدامة بن جعفر في ضبط شكله ظاهراً، وقدامة حاضر في كثير من مباحث الكتاب، بقدر ما يدل على المنطلق المؤسس لثنائية اللفظ والمعنى عند حازم، وتسليمه المبدئي بكون القصيدة تركيباً متناسباً من مستويات متنوعة، ترتد إلى معان وأساليب مصوغة في ألفاظ تتلاحم في نظام جامع لشتات مركب من أغراض.‏

والأساس الفلسفي الذي يؤسّس منهج الكتاب وتفريعات موضوعه ويحصر تصور حازم المعنى واللفظ، يمتد إلى رأيه في الدلالة عموماً وفي طابعها العائد إلى فلاسفة الإسلام حيث تترتب مستويات الدلالة في تدرج نوعي يبدأ من الوجود الشخصي العيني، فالذهني، لتتقمص أثره المدلولات جسم الألفاظ، هذه المدلولات التي يمكنها ـ في رأيه ـ أن تستقر في رسم حروف تدل على ألفاظ، ذلك "أن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها، في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة‏

عليها".(11).‏

فعندما يتوفر للذهن إدراك الشيء، تكون محصلة الإدراك صورة ذهنية لما أدرك من هذا الشيء، تنطبع في الذات المدركة حسب ملابسات الإدراك وحالاته، وإذا كان حازم لا يشير هنا إلى ما يلحق الشيء المدرك من تأثر ذاتي، فإن هذا لا يعني أن ما أدرك يحتفظ بخصوصيته في وجوده العيني، من هنا لا يكون الإدراك إلا بتفاعل ذات وموضوع(12). ولاشك أن صورة الشيء الذهنية التي يكون للفظ القدرة على رسمها عند التعبير ستتشكل طبيعتها بحسب صورة اللفظ، الذي يمكّنها من أن تغادر حدود الذات إلى فسحة الخطاب، وليس من المستبعد أن رسم الخط للهيئة اللفظية الحاملة للمعنى، يشكل في حد ذاته دلالة مرنة ستتعاطى كل ذات قراءتها وفق ما يحيط بالقراءة وتكوين الذات القارئة من عوامل. وعلى كل، فهذه المراتب تضبط مستويات البحث في البلاغة لدى حازم، فوجود المعنى في الشيء خارج الذات الذي يمكن أن يشمل كل ما يدرك من الوقائع والحقائق والأشياء التي تشكل حدود القول الشعري، يحدد أصل المعاني في وجودها "الواقعي" مما يمكّن عند ممارسة النقد من مقابلة الشيء في تجسّده الحقيقي، وفي تحولاته الشعرية مثلما يظهر في مبحث الممكن والواجب والممتنع وكذا رسم المعنى في حدوده الحقيقية وغيرها...‏

هذا المستوى يمثل المرجع للمعنى المستخلص ذهنياً ليستحيل أخيراً إلى تضام للمدلول الذهني مع صورته اللفظية الدالة، ذلك أن النظر في صناعة البلاغة يتحدد "من جهة مايكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من حيث هيئاتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس"(13).‏

فهذا الفصل الحاسم بين حقول البحث البلاغي لدى حازم يؤكد الأساس "الواقعي" للشعر المتجسد في أصله الحيوي، وفعاليته المتمثلة فيكونه خطاباً يحمل إلى متلقٍّ، حيث يشكل هذا الأخير حضوراً رئيسياً في تصور حازم فعالية الشعر، إذ تقوم على المنظور الوظيفي المتأتي من كون الشعر تخييلاً وإيهاماً بخطاب تتجسد خصوصيته في كونه تأثيراً في النفس(14). ومن هنا تشكل بنيته في مستوى أول استجابة للوظيفة المسندة إليه أساساً. هذا الفصل إذ فرضه التناول المنهجي لموضوعات البحث البلاغي والنقدي، حيث تتبدى في انسجام التوزيع الظاهري للموضوعات لفظاً ومعنى ونظماً وأسلوباً، والمفهوم الخفي للدلالة في وجود المعنى في اللفظ، وفي الصورة الذهنية القائمة على الوجود العيني، يكشف عن فهم لعلاقة اللفظ والمعنى ذي مستويات متشابكة، لا يمتنع فيها مبدئياً التمييز بينهما وإن تحددت أوجه الاتصال والتلاحم بينهما في علاقات دقيقة، ذلك أن بحث اللفظ في ذاته ومن جهة هيئته وموقعه من النفوس يقوم أيضاً على بحث دلالته على المعنى، هذا المعنى الذي يتناول ضمن ما يتناول في مستوى صوره المتفرعة من أوجه التناسب بين أنماطه.‏

يقدم حازم في مستوى التمييز بين المعنى واللفظ فهماً بسيطاً لا يعدو أن يكون اجتراراً لمفاهيم شائعة يبدو فيها اللفظ كالوعاء المحتوي للشيء، فيصف رغبة الشعراء في رسم صورة لأحبابهم المقيمين في بيوت الشّعر، حيث يقصدون في الأقاويل التي يودعونها المعاني المخيّلة لأحبابهم، المقيمة في الأذهان صوراً هي أمثلة لهم ولأحوالهم، أن تكون مرتبة ترتيباً يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم، فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشتبهاً لاشتمال الأبيات المضروبة على من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له، ويكون مابين المعنى والقول من الملابسة مثل ماكان بين الساكن والمسكن.(15).‏

ويتأكد مفهوم الوعاء الذي يحتوي المعنى كالساكن والمسكن في موقفه من السرقات الذي ينحو فيه منحىً تقليدياً أيضاً، حيث يظل المعنى في هذا الفهم ساكناً خاضعاً لتعدد الإخراج الذي لا يكاد يغير جوهره، ناهيك أنه يمكن أن تتفاوت عبارتان في الفصاحة وهما تعبّران عن معنى واحد، لم يستطع حازم في هذه المسألة أن يستفيد من عبد القاهر الذي أداه فهمه لصورة المعنى إلى رفض السرقات مبدئياً، باستثناء الاعتراف بهامش ضيق يظهر في الاحتذاء الذي يكون في الأسلوب الذي هو الطريقة في النظم، ذلك أن كل معنى يصاغ في صورة ما يملك الخصوصية والتفرد ويشكل تفريعاً من أصل الغرض.‏

يقسم حازم المعاني إلى مشترك شائع ونادر ومنعدم النظير وأوسط بينهما تبعاً لارتسام درجة كل نوع من الفكر، إذ إن من المعاني ما يوجد مرتسماً في كل فكر، ومنه ما يرتسم في بعض الخواطر دون بعض، ومنه ما لا ارتسام له في خاطر، وإنما يتهدَّى إليه بعض الأذهان في النادر من الأحيان، وينتفي ادّعاء السرقة من النوع الأول إذ لا فضل فيه لأحد على أحد،" إلا بحسن تأليف اللفظ فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة المعنى إليه بإجادة نظم العبارة عنه"(16). هذا النوع الأول من المعاني المرتسمة في كل خاطر تبدو كالمكتملة وإدراكها يتم في حدود هذا الاكتمال، فهي ثابتة وارتسامها سواء في الخواطر، ومن هنا تكون مزية تعاطي هذه المعاني في تحسين تأليف اللفظ فقط، وهذا التحسين المضاف إلى معنى منته إقرار بالتفاوت بين المعنى واللفظ، حيث يتأكد هذا الإقرار في رأيه في: "القسم الثاني، وهي المعاني التي قلّت في أنفسها أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فماكان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها أن يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه، ومن ذلك أن يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من الأولى"(17).‏

لم يستطع حازم أن يوظف مفاهيمه في المحاكاة والتخييل باعتبارهما تناولاً خاصاً للمعنى يتحقق في تشكيل نوعي لمادة تستوفي خصائصها في الصورة المشكلة لها. ولو اعتمد هذا الأصل الذي يقوم عليه فهمه للشعر لاستطاع أن يضبط فهماً لتداول المعاني أنضج مما فعل، ولما تمادى في تمييزه بين المعنى واللفظ في تصوره للقسم الثالث النادر، إذ يرى أن "من أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول الفضل، إذ الفضل هو اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة للمتأخر. والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول، لأن المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئاً، وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى القائل لا المقول فيه، فإن زاد المتأخر على المتقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد استحق المعنى عليه"(18)، وهكذا يمكن للتمييز أن يتوزع بين سبق معنوي وتحسين لفظي منفصلين أو مجتمعين.‏

فتوزيع حازم مادة الكتاب وما يتصوره مبحثاً في الدلالة ورأيه في السرقات الشعرية ليست إلا أدلة لفكر يميّز المعنى عن اللفظ، ولاشك أن روافد حازم القرطاجني المتنوعة التي شملت محصلة نتائج النقاد والفلاسفة والمتكلمين قبله في حقل البلاغة والنقد، أدّت دوراً حاسماً في اعتماد هذا الموقف، إلا أن هذا لا يطول كل إنجاز حازم. وبالتالي يظل له رأي في العلائق التي يمكن أن تجمع العنصرين، فهناك اقتراب يكاد يلحمها في بنية تتضام فيها العناصر مجتمعة عندما يكون الموضوع رصداً لفعالية التناول اللفظي للمعنى، أو تفريع القول في أشكال التناسب التي تنسج للمعاني امتدادات متفرعة كثيرة، خاصة عند الاقتراب من حدود النظم في معناه النحوي عند تعليل وحدة العبارة، دون أن نغفل إلحاح حازم على أشكال التناسب بين مستويات القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً وأوزاناً.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:03 PM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الخصائص التشكيليّة لفعل المحاكاة والتخييل.




وكما أشرنا آنفاً فإنه لا يهمنا من البحث في مفهوم الشعر سوى ما تعلق بخاصيته التخييلية النوعية، كما تتجسد في المستوى الفني ذي الطابع التشكيلي الذي يكسب المادة المعنوية صبغة خاصة، وتتجسد الخصائص المحيلة للقول شعراً في مستويات النص المختلفة، في نسيج الدلالة وفي هيئة العبارة المتعلقة أساساً بما أسماه حازم بالاستجداد والتأنق، إذ الاستجداد يعطي محور الاستبدال ويتعلق باختيار المادة اللغوية في ذاتها، في حين يختص التأنق بالتركيب الرائق، وهذان المصطلحان ليسا إلا امتداداً لما أسماه الفلاسفة التحسينات والهيئات اللفظية والمعنوية(19). من هنا ينحت للشعر حده في أنه "كلام مخيل موزون، مختص في لسان العربية بزيادة التقفية إلى ذلك"(20).‏

فالبحث في المادة نفسها من منظور صدق المعنى وكذبه أو قيمته الوظيفية المتأتية من اشتراط المعاني الجمهورية، أو ضبط حدود التحرك الشعري ضمن مدارج الممكن والممتنع والمستحيل، وغيرها من عناصر البحث في المعنى الشعري في ذاته، وإن كانت من مستلزمات البحث في القيمة المؤسسة لمهمته، إلا أن التحديد النوعي للشعر المؤسس على الصياغة المخصصة لهذه المادة هي جوهره، "فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، ليس يُعدُّ شعراً من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيّل"(21)، ذلك أن "التخييل هو المعتبر في صناعته، لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة"(22).‏

فإذا كان ضبط المعنى المؤدي إلى تحقيق وظيفة الشعر الأخلاقية ضمن حدود المعنى الجمهوري الذي يستسيغه الجمهور، وإزاحة مايمكن أن يعلق به من معنى علمي ضرورة يستدعيها تأكيد مهمة الشعر في المجتمع، فإن المعتبر من منظور النوعية إنما هو المحاكاة والتخييل، فأما النظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علاقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس لـه كبير علاقة إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد واحد، إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق ذلك"(23).‏

وتتأكد هذه الخاصية التخييلية المميزة للشعر في مستوى الصياغة كتشكيل نوعي لمعنى ما في المقابلة بين الخطابة والشعر، إذ هما "يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع"(24). فليست صورة التخييل أو الإقناع مجرد انطباع صوري، أو صياغة القول وفق القياس الخطابي الذي يعضده الاستغلال النسبي للصور المجازية مع الإبقاء على المادة في وضع محايد، إنما هو تشكيل لهذه المادة تستحيل إثره شعراً أو خطابة من خلال تفاعلها مع عناصر بنيتها الجديدة. ويظهر ذلك في مثال يضربه حازم يكشف التحام الفعل الشعري والخطابي النوعيين عندما يصوغان مادة معاً، إذ يقول: "وأكثر ما يستدل في الشعر بالتمثيل الخطابي، وهو الحكم على جزئي بحكم موجود في جزئي آخر يماثله، نحو قول حبيب:‏

أخرجتموه بكره من سجيته والنار قد تنتضي من ناضر السلم‏

فالأقاويل التي بهذه الصفة خطابية بما يكون فيها من إقناع، شعرية بكونها متلبسة بالمحاكاة والخيالات"(25)، وهنا يبدو تلاحم الخطابة والشعر في صوغ المعنى، فخطابية البيت مصدرها الاستدلال المؤسس على التمثيل الذي يشكل إحدى وسيلتي الإقناع الخطابي، في حين يحقق الثانية القياس المضمر، فقد التبس القول القائم على الاستدلال التمثيلي بالصورة المتجسدة في التشبيه الضمني المبطن في معنى البيت، فكان تحقيق الإقناع معاضداً للبنية الصورية المؤسسة على محاكاة تشبيهية- حسب اصطلاح حازم- وهذه النوعية هي التي تهب الشعر خصوصيته- حسب رأيه أيضاً- وليس المعتبر في ذلك المادة سواء أكانت هذه المادة صدقاً أم كذباً، مؤسسة على مقدمات برهانية أو جدلية أو خطابية إنما المعتبر هو طريقة تشكيل المعنى.‏

ويتأكد الاقتراب من فهم البنية النوعية الصورية للمعنى من خلال الاستمرار في المقابلة بين الخطابة والشعر، ذلك أنه إذا كانت هاتان الصناعتان متآخيتين لاتفاق المقصد والغرض فيهما مما يسوّغ لهما تبادل الخصائص النوعية لكل منهما، فإن ذلك لا بد أن ينضبط وفق حدود كل نوع، لذلك نجد الخطيب أو الشاعر إذا تجاوز: "حد التساوي في كلتيهما، فجعل عامة الأقاويل الشعرية خطابية، وعامة الأقاويل الخطابية شعرية، كان قد أخرج كلتا الصناعتين عن طريقتهما، وعدل بها عن سواء مذهبها، ووجب رد قوله‏

(...)(26)، ولنسبة كلامه إلى ما ذهب به من المذاهب المعنوية لا إلى ما هيأه به من الهيئات اللفظية، وأن تعد الخطابة في ذلك شعراً والشعر خطابة، فيكون ظاهر الكلام وباطنه متدافعين، وهو مذهب مذموم في الكلام"(27).‏

فالمذاهب المعنوية لا الهيئات اللفظية هي المحددة لنوع الكلام، وعليه فالخاصية التخييلية للشعر إنما تكمن في المعنى، ولعل هذا قد يثير التباساً، ذلك أن الاعتبار- كما رأينا- هو في التخييل وليس في المعنى، والمسألة إذن هي في ضبط دلالة المعنى في المستويين، ذلك أن لا اعتبار له عندما يتعادل مع المادة المحايدة، أو يبحث في ذاته كقيمة مستقلة، ولكنه يستحيل شعراً بتشكله وفق المحاكاة. فالحديث عنه في هذا المستوى إنما هو بحث في المحاكاة والتخييل، ذلك أن المحاكاة ملتبسة بالمعنى من حيث تشكيله وفق خصوصية معينة، وحسب طرائق التناسب الواقعة في بنائه. وعليه فالهيئات اللفظية التي تنضبط هنا بالمستوى الصوتي للكلام من حيث اختيار اللفظ أو إحداث الترتيب المنسجم على مستوى تعاضد الكلام المؤدي إلى إحداث الوزن والإيقاع الشعريين، ليست صانعة للشعر وإن كانت تؤلف تحسينات له من شأنها أن تؤكد فعل التخييل في النفس "لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة"(28). فالمعنى المحاكى والمنظم وفق النسب الواقعة بين أقسامه هو المحدد لنوعية الخطاب يعضده على مستوى العبارة، الدالة طبعاً على المستوى الأول، تأليف حسن به يتكامل القول ويتدعم التخييل، غير أنه كالإضافة التي بها تكتمل البنية دون أن ينتج عنها- أساساً- تحديد نوعيتها، ذلك أنه قد يتسنى رص عبارات منتقاة وفق تناسب موسيقي موزون، دون أن يكون لمدلول هذه العبارات صفة المحاكاة فيكون الناتج قولاً منظوماً وليس شعراً(29). فأساس الشعر هو خاصيته التخييلية القائمة على المحاكاة، ذلك أنه لا تتحقق له وظيفته التأثيرية في النفس وإحداث السلوك المبتغى إلا "بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك"(30).‏

وتنبني الخاصية النوعية للشعر في تعاضد المحاكاة مع الهيئة اللفظية التي تتلبسها المحاكاة. ويتحدد المستوى هنا بخصائص في النص يتولد منها معنى مشكل وفق شروط الوظيفة المهيأ لها، محتوى ضمن هيئة تحسينية فالمعنى هنا ناتج عن لفظ مسبوك وفق بنية الشعر، "لأن الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأن صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه"(31). فالتأليف الحسن وجودة المحاكاة موضوعهما الألفاظ وما تدل عليه، فبؤرة المحاكاة تكمن في الدلالة، أما جودة التأليف فمصدرها اللفظ في ذاته، وغير هذا عرض. من هذا المستوى يتحدد خطان في بحث بنية الخطاب الشعري لدى حازم، وينضبط أولهما في مدلول الألفاظ الذي هو المعنى، ويدرس في ذاته وأشكال تناسبه ومختلف الصور الناتجة عن ذلك، ويتحدد الثاني في مستوى الألفاظ حيث تنضبط معاينته وفق المادة اللفظية في ذاتها على المستوى الإفرادي وعلى مستوى التأليف. هذان الخطّان المؤسّسان لبنية النص سيكون بحثهما في ذاتهما تناولاً نقدياً بلاغياً يدلل على الشروط النصية المؤسسة لوظيفة التأثير الشعري.‏

فعلى الرغم من المنطلق الوظيفي في تحديد خواص الشعر ومفهومه عند حازم متأثراً في ذلك بالفلاسفة الإسلاميين، فإن الأمر عندما يتعلق برصد تلاحم العناصر في النص ودرسها في ذاتها وتحديد فعاليتها النوعية يغدو ضرورياً إبعاد كل ما يمكن أن يعلق بها من أعراض، وتدقيق الخط الفاصل بين الجوهر واللواحق المساعدة، ذلك أن "الصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة إلى المفهومات التي هي شطر الموضوع، فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. كما أن كل تلك المواد تقع فيه، وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة بين المعاني"(32).‏

يميز حازم بدءاً من التصور السابق بين مستوى المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة في المعاني وبين الهيئة اللفظية المتأتية من حسن التأليف المقابلة للمستوى الأول. وهذا المستوى في حدود خاصيته التخييلية وأشكال التلاحم والنسب الواقعة بين عناصره ليس إلا مدلولاً للهيئة اللفظية الدالة، هذه الهيئة التي سيتميز بحثها في خطين: مستوى المدلول الراجع إلى المحاكاة والمعنى، ومستوى التأليف المنضبط وفق خصائص شكلية تطول العبارة في مرتبة الحروف والكلم المتعاضدة وفق مواصفات الفصاحة وشروطها الشائعة، وهذا التناول يستوعب في مرتبة أولى بنية العبارة ثم يتضخم في مستوى مركب يستحيل إثره المعنى المحاكى إلى أسلوب، وهيئة الألفاظ إلى نظم ليتسنى احتواء القصيدة كاملة في طبقاتها المتناسبة: أسلوباً باعتباره هيئة متشكلة من الاستمرار في المعاني، ونظماً هو خلاصة لتأليف الألفاظ في كيان قصيدة كاملة، ويتفرع من مستوى تناسبه الصوتي الوزن والقافية، فتكون طبقات متعاضدة متناسبة تحيل طبعاً إلى أشياء محاكاة خارج كيان القصيدة، وإلى شاعر صانع في حوزته قوى تمكّن من رسم هذا الكون المتعاضد وتشير إلى متلقٍّ، ومرجع يحدد أو يملي ضوابط اجتماعية وثقافية تحصر قنوات القول الشعري في تقاليد راسخة تراعي العرف والمقام. إلا أن هذه الاعتبارات وإن شكلت عناصر حافة بالخطاب الشعري فإن المعتبر في التناول البنيوي لكيان القول لفظاً ومعنىً هو النص في مستوياته اللغوية ومدلولاتها، وهو اقتطاع يفرضه كذلك موضوع بحثنا أساساً، دون أن نغفل الإطار الأشمل الذي يتنزل فيه الخطاب.‏

ويتحقق رصد هذه المستويات المولدة لكيان القصيدة بضبط مراحل ولادتها، وكيفية التضام الحادث في هذه المستويات في طور التكوين، فبوساطتها ندرك كيف تتلاحم هذه المستويات عند المرور بمراحل الوضع الشعري. ولكن هل تولد القصيدة كياناً مركباً دفعة واحدة تمتنع مراحله عن الضبط، أم أن للعقل القدرات على تفتيت مراحل تلك الولادة ومن ثم رصد أوجه التلاحق والتتالي ثم التناسب بين مستويات المعاني والألفاظ والأساليب والنظم والأوزان؟ وذلك يسعف على تدقيق رأي حازم في علائق المعنى واللفظ ثم الأسلوب والنظم، هذه المستويات المؤسسة لكيان القصيدة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:05 PM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


مراحل وضع القصيدة

يسلّم حازم بداية بانحصار عملية إبداع القصيدة مذ تكون فكرة إلى آخر مراحل التنقيح في أربعة مواطن هي: "1-موطن قبل الشروع في النظم. 2-وموطن في حال الشروع. 3-وموطن عند الفراغ، يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم. 4-وموطن بعد ذلك متراخٍ عن زمان القول، يبحث فيه عن معانٍ خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة في النظم وتستوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام القصائد. فأما الموطن الأول فالغناء فيه لقدرة التخيل. والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة، ويعينها حفظ اللغة وحسن التصرف والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن أن يتغير الكلام إليها ويعينها حفظ اللغة أيضاً وجودة التصرف والبصيرة بطرائق اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض. والموطن الرابع الغناء للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف"(33).‏

هذه القوى النفسية تتداخل وتتعاضد بشكل آخر، إذ إن اكتمال القول الشعري لا يكون على الوجه المختار- كما يرى حازم- "إلا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة"(34). وتبعاً لمراحل التلاحق في مستويات القصيدة من مستوى التصور الكلي لكيانها ثم التحكم في مستوياتها المعنوية واللفظية إلى حد اكتمالها كائناً، يكون لكل مرحلة من هذه المراحل قوة خاصة تتولى إنجاز ما علق بها من وظيفة، ويظهر إذ ذاك تمايز القوى التي يفصل بين فعاليتها نوع ما أنيط بها من مرحلة في تكوين القصيدة. وأمر هذه القوى العشر.. لا يهمنا تدقيقاً وإنما يكفي الإشارة إلى أنها تتتابع بدءاً من القوة على التشبيه فيما لا يصدر عن قريحة بما يصدر عنها، والقدرة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها، والقوة على تصور صورة للقصيدة كاملة والقوة على تخيل المعاني واجتلابها من جميع الجهات وكذا ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني، ثم التهدّي إلى العبارات الحسنة الوضع والتأليف والدلالة على تلك المعاني، وهكذا إلى القدرة على استخلاص الوزن وتحسين وصل بعض الفصول ببعض وكذا الأبيات وتمييز الكلام بالنظر إلى حسنه والموضع الموقع فيه...(35)" ولا جدال في أن مثل ذلك التقسيم يقوم على افتراض مؤدّاه أن العملية الإبداعية تتم على درجات متفاوتة ومراحل متباينة تخضع في كل منها لقوة نفسية أو ملكة متاميزة عن غيرها. وهذا ما يصعب قبوله، لأننا أميل إلى أن نفهم فاعلية العملية الإبداعية باعتبارها وحدة متكاملة لا تتجزأ إلى عناصر.. أو مراحل متباينة أو متعاقبة"(36).‏

غير أن ما يهمنا في موضوعنا هو كيفية تصور حازم عملية تتابع المعنى واللفظ في الصياغة، بحسب ما حددناه سابقاً من مستويات وخطوط تميز بين حقول التقصي والرصد، إذ بموجب إقراره بانفصال القوى الصانعة للقصيدة وتميز كل مرحلة بخاصية الانفصال عن السابقة واللاحقة، وكونها إفرازاً نوعياً لقوة معينة، يترتب ضبطه العلاقات التي يمكن أن تشكل لحمة المعنى واللفظ، وكذا الأسلوب والنظم مع الإقرار بولادتها المتتابعة. فهل هذا الانفصال الذي أكده تحرك حازم في حدود تصور الفلاسفة لقوى النفس يطول تصور القصيدة في كل مستوى من مستوياتها أم أن حازماً استطاع أن يلحم المستويات المعنوية واللفظية خصوصاً في بعض مواقف التحليل والتدقيق؟‏

نحاول الاقتراب من الإجابة بداية بتثبيت هذا النص الطويل الذي يتعقب فيه حازم ولادة القصيدة ليتأكد لنا عقبه رؤيته لعلاقات مستوياتها المختلفة. يقول: "إن للمتخيلين في التخييلات التي يحتاجون إليها في صناعتهم أحوالاً ثمانية، لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها.‏

الحال الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيرد أكثرها.‏

الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوباً أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على ما هي عليها.‏

الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب، ومن أهم هذه التخييلات موضع التخلص والاستطراد.‏

الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات، من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبنى الروي عليه. وفي هذه الحال أيضاً يجب أن يلاحظ ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحاً للكلام، وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد. فهذه أربعة أحوال في التخاييل الكلية.‏

والحال الخامسة: وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.‏

الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلاً له، وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى، وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عوناً له على تحصيل المعنى المقصود به.‏

والحال السابعة: أن يتخيل لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد، عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسناً لموقعها من النفوس.‏

الحال الثامنة: أن يتخيل، في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى، معنى يليق أن يكون ملحقاً بذلك المعنى، وتكون عبارة المعنى الملحق طبقاً لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها"(37).‏

وتقسيم حازم التخييلات التي يحتاجها الشعراء في صناعتهم إلى قسمين كبيرين يحتوي كل قسم على أربعة احوال حيث يتمحور القسمان الكبيران في ما أسماه التخاييل الكلية، والتخاييل الجزئية، انعكاس لمنظوره المزدوج إلى القصيدة كاملة وإلى عناصرها الجزئية المتشكلة منها التي هي المعاني في مستواها الجزئي، وهذا المنظور هو الذي تحكّم في توزيع مادة الكتاب نفسها، فإذ يتوافق القسمان الأولان وهما بحث الألفاظ والمعاني مع قسم التخاييل الجزئية، يكون انسجام القسمين الثالث والرابع من الكتاب المرصودين لبحث النظم والأسلوب مع قسم التخييلات الكلية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يكشف هذا التقسيم عن حدود البحث في كل مستوى وطبيعة الصلة بين المستويين، حيث يتوافق قسم التخاييل الجزئية مع رصد معاني الجهات في مستواها الجزئي، وضبط هيئات العبارة في حدود اللفظ وكذا التأليف الذي لا يتعدى الجملة أو الجمل المتعاضدة في حدود ضيقة، تماماً كرصده هنا مستوى التحسينات العالقة بالمعاني المتأتية من الاقترانات والنسب الواقعة بين بعضها بعض.‏

ولن يكون البحث في التخاييل الكلية إلا تضخيماً للمستوى السالف، ذلك أنها ستكون محور تصور مقاصد الأغراض الكلية وانتقاء الأسلوب الملائم للمعاني المتخيرة ليتسنى تهيئة الانتقال بين بعضها بعض، وكذا رصد المستوى اللفظي الذي يعلق به تضام الفصول واستخلاص المبادئ والتخلص والمقاطع مع انسجام الأصوات في تناغم موسيقي يشكل انتظامه وزن القصيدة.‏

ويكشف مستويا النظر هنا تصور حازم القصيدة في شكل تكرار لمعاني جزئية، وتضخيم لدوائر منتهية مكتملة، تعاضدت هيئاتها المعنوية واللفظية في نسب وتحسينات منسجمة ليؤدي تراكمها وتتاليها إلى تكوين القصيدة، من هنا يباح تعدد معاني الجهات وكذا تنوع فصول الأغراض، فاختلاف الأغراض في ما يسميه حازم بالقصيدة المركبة التي هي أفضل من القصيدة البسيطة.‏

فتصور حازم لمادة كتابه ولفصول البحث في كل موضع من مواضعه دقيق يتوافق مع ضبطه كيان القصيدة، لذلك ينتظم مراحل وضع القصيدة الخيط الناظم لعلاقات المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم، فصلة المعنى باللفظ في مراحل وضع القصيدة وكذلك صلة النظم بالأسلوب تكثيف لصلة هذه العناصر في وجودها الفاعل في كيان القصيدة المكتمل، وهاتان صورتان متطابقتان، وإن أباح التقصي في كل مستوى عند تحليله على حدة تدقيق البحث في مسائله فرادى وجماعات.‏

وتتحقق صلة المعنى باللفظ في قوله السالف "أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها"، وهذه مرحلة لاحقة لمرحلة تضبط فيها المعاني وفق الأسلوب المنتقى. وإذا كانت هذه الكيفية لا تزيح إمكان تصور تمييز بين المعاني والألفاظ، فإن حازماً استطاع في بعض مراحل البحث أن يحدث بينهما التلاحم التام، خاصة عندما يوظف النحو. أما في قوله السالف فإن في تأكيده تخيل المعاني المتصورة بداية في عبارات وألفاظ لائقة ما قد يخفف من غلواء التمييز، خاصة أن من هذه الألفاظ المنتقاة يتحدد الوزن والقافية ويتأكد ذلك في قوله في موضع آخر، إذ يرى أنه حقيق على الشاعر "إذا قصد الروية أن يحصر مقصده في خياله وذهنه والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده، ويتخيلها تتبعاً بالفكر في عبارات بدد، ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفاً أو مهيئاً لأن يصير طرفاً من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لأن تقع في بناء قافية واحدة. ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة للمعاني لا متبوعة لها"(38).‏

وعلى كلِّ تبدو أصالة حازم الحقيقية "في تحليله للقوى الإبداعية وبحثه في الانتقالات الخاطرية التي تتكون منها القصيدة، وكتابه من هذه الناحية ثمرة ناضجة للاتجاه النفسي الذي نحا نحوه النقد العربي بتأثير علم الكلام"(39). وهذا بقدر ما يؤكد استفادته من أعمال المتكلمين في نقده وبلاغته بقدر ما يكشف عن التكامل الدقيق بين مستويات البحث في نقد القرطاجني، وإن إلحاحه على العقل وضرورة حضوره الطاغي في صناعة القصيدة إذ يكاد يكون وضعها فعلاً واعياً، ليس إلا انعكاساً للاعتماد الكلي عليه في ضبط المنهاج. ومكانة العقل في أعمال عبد القاهر راسخة.‏

فعلى الرغم من أن حازماً يرى "أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه "فإنه يعقب إثر قوله السالف بأنه" قد توجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع"(40). وتتنوع درجة هذه القوة من شاعر إلى آخر في مستويات مختلفة لا يهمنا أمرها في موضوعنا(41)، ولكن في الإمكان كسب مهارة القول الشعري وترسيخ مفهوم الصنعة وآلية التأليف، فإذا كان للأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها فإنه "يتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الناقد الرائق، وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية"(42). ويتعاضد هذا المنظور مع طرائق اقتباس المعاني واستثارتها المؤسسة على الخيال وبحث الفكرة وعلى الاعتماد على ما سلف من نظم أو نثر وغيرهما، وذلك كله محكوم بتصور لذاكرة تحفظ ما أدرك في شكل انتظام العقد الذي يسعف الشاعر عند مزاولة النظم المتوزع كما أشرنا في قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة(43).‏

ولكن الذي يعنينا في موضوع بحثنا هو صلة المعاني بالألفاظ في مستوى العبارة، وفي مستوى القصيدة كاملة إذ يستحيلان أسلوباً ونظماً انسجاماً مع مرحلتي: التخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية. من هنا سيوزع حازم بحثه اللفظ والمعنى في مستوى أول عندما يرصد علائق الألفاظ والمعاني في مستوى معاني جهة واحدة، حيث لا يكاد البحث يتجاوز حدود العبارة، وفي مستوى كلي عندما يبحث تفاعل المعاني مع المعاني في الهيئة المؤلفة لها، والنظام الشامل للقصيدة في ما أسماه النظم ويكشف هذا التوزيع عن الكيفيات التي استقام بها لحازم تحديد موقفه من المعاني والألفاظ.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:07 PM   المشاركة رقم: 30
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


الاستجداد والتأنق:

تكامل محوري الاستبدال والتركيب‏

يتحرك حازم في هذا المستوى الأول من بحث الألفاظ والمعاني في حدود فاصلة بين ما أسماه اللفظ وهيئته التأليفية ودلالته على المعنى، والمعنى في ذاته وأشكال تناسبه، وهذا الفصل اقتضاه المنظور المنهجي في تناول العنصرين، ومحاولة ضبط خصائص كل طرف مع الإقرار بتعاضدهما في إحداث الوظيفة التخييلية، وكذلك تأسيس وحدة النص القائمة أساساً على التناسب دون أن يغيب عن البال تمييز حازم بعض المستويات العالقة بأحد العنصرين عن مجرى بنية النص الدالة عموماً، كالشأن مع المستوى الصوتي للألفاظ.‏

والمنطلق في هذا البحث إيمان حازم باكتمال الفعل الشعري بالمحاكاة المحددة لنوعيته التي تتجسد في التشكيل النوعي للمعنى، غير أن هذا لا يمنع من "تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية"(44). ومحاسن المحاكاة التأليفية التي تتعلق أساساً بأوجه التناسب بين المعاني تتقابل مع صيغ الألفاظ المتوافقة المحدثة للتحسين البلاغي. ذلك أن "الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصي بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله"(45).‏

إن بناء العبارة يتعاضد فيه اختيار اللفظ وفق مقاييس الفصاحة المعروفة، ثم يتكامل في هيئة تأليفية جامعة لخصائص فصاحة المركب، وكل هذا يسير في خط أفقي شامل للبنية الصوتية للفظ. ويوازي هذا الخط مسار يتقصى الدلالة التي هي إفراز للخط الأول، وهنا تكون اللحمة التي يذوب فيها كيان المعنى واللفظ معاً في مستوى دلالي تركيبي يتبدى أساساً في المحاكاة وأوجه التناسب العالقة بالمعاني.‏

ويعتمد حازم في وصف خصائص الألفاظ والمعاني من حيث تطلّب التميز في استخدامهما مصطلح الاستجداد، وبمصطلح التأنق يبحث في العنصرين من منظور الترتيب والوضع إذ يرى أن "من أصحاب الرويّة من يجهد في استجداد العبارات(...)(46) والتأنق فيها من جهة الوضع والترتيب. ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق. ومنهم من يستجد العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أوالمعنى دون العبارة. فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع بروية. وأعني بالاستجداد الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة معنى، وبالتأنق طلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات والمعاني من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك. فإن العبارة إذا استجدت مادتها وتأنّق الناظم في تحسين الهيئة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن موقع. وكذلك الحال في المعاني"(47). فتكامل الحسن في العبارة الفصيحة عنده.. يكون باعتماد الاختيار على مستوى المواد اللغوية ألفاظاً ومعاني مما اصطلح على تسميته بالاستجداد، واعتماد أشكال رائقة في الترتيب تكون بمراعاة المواضع اللائقة وفق موقع العبارات والمعاني بعضها من بعض مما أسماه بالتأنق. والحق أن وصف عملية تعاضد الوحدات اللفظية والمعنوية في السياق ووجوب مراعاة الانسجام في ذلك يبين عن إحساس ببلاغة التركيب التي تقوم هنا على كمالات جزئية أيضاً تظهر في انتقاء المواد أفراداً.‏

ويعتمد حازم التمييز بين حقل الألفاظ والمعاني لضبط مراتب الاستجداد والتأنق في كل حقل على حدة مع مراعاة خصائص كل طرف دون أن يغفل مستوى التحام العنصرين. فهو يبدأ الرصد على مستوى اللفظ بمدخل شارح لخصائص التكامل بين بلاغة العبارة وبلاغة التأليف في هذه المقارنة المقابلة بين الكلام البليغ والرسم يقول: "واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليفه من القول المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع. وبما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها، وإن كان تخطيطها صحيحاً، فكذلك الألفاظ الردئية والتأليف المتنافر، وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة، فإنا نجد السمع يتأذّى بمرور تلك الألفاظ القبيحة التأليف عليها، يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جداً"(48).‏

ونجد حازماً يقابل بين اللفظ وتأليفه وموضوع المحاكاة من جهة، والأصباغ وحسن تأليفها والصورة التي تتركب منها من جهة أخرى، وهذا بقدر ما يذكر بعبد القاهر وما درج عليه من إجراء المقارنة بين بنية العبارة وتأليف الصورة(49)، بقدر ما يكشف إمكان تجاوز هذين الشرطين المتجسدين في انتقاء المواد اللفظية واعتماد التأليف الحسن في ترتيبها، إذ يمكن للقول أن يخلو منهما مع توفره على صحة تخطيط المحاكاة، وهذا يدل على أنهما من مرتبة التحسينات المضافة إلى دلالة سليمة يشهد بذلك تأكيد سلامة الصورة المرسومة وصحة خطوطها مع الإقرار برداءة الأصباغ وتنافر الأوضاع، حيث تنسجم المقارنة في اعتماد الحس في الإدراك، إذ يكون تأذّي البصر من رؤية فساد الصورة المرسومة متطابقاً مع تأذي السمع من جرّاء تنافر الكلم المحاكى بها.‏

وعلى الرغم من ضياع القسم الأول من الكتاب المخصص لبحث الألفاظ، فإن نصاً نادراً يختصر بحث حازم الألفاظ يورده في موضع لاحق في الكتاب، يوثق لنا مقصوده الدقيق من انتقاء اللفظ وإحداث التأليف الرائق، وإن كان يجمل المبحثين معاً إلا أنه يمكن تلمس ما يخص به المواد اللفظية أفراداً في قوله محدداً الجهات التي تمكّن الشاعر من التهدّي إلى العبارات الحسنة المتمثلة في "اختيار المواد اللفظية أولاً من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ما يقبح في ذلك وقد تقدم. واختيارها أيضاً من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى الاستعمال وتجنب ما يقبح النظر إلى ذلك. واختيارها بحسب ما يحسن منها باعتبار طريق من الطرائق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك"(50). ويبدو اعتماد حازم هنا على ما حددته مباحث الفصاحة في مستوى المفرد عند السابقين، إذ يخص هنا شروطاً تتمثل في انتقاء اللفظ وفق الشيوع والاستعمال ومسايرة العرف، وكذلك مراعاة الحسن في بنية اللفظ مما يعود إلى انسجام مادته الصوتية، وانتظام صيغته وفق قواعد الفصاحة عموماً. ويسد حازم بهذه الشروط التي تراعي بنية الألفاظ وخصائص صيغها وفاء بمقتضيات الرصد الشامل لكل مستويات البنية الثغرة في إنجاز عبد القاهر الجرجاني في النظم، إذ كان غياب مبحث الألفاظ في مستواها الصوتي واعتماد المعنى المؤسس على التركيب أساساً في بحث بنية العبارة اختزالاً لمساحة البحث التي تتعلق بالمستويات الشاملة الحادثة في كل سياق مفيد.‏

ثم ينتقل حازم إلى رصد مستوى التأليف في مرتبة المواد اللفظية أفراداً ومركبة.. مكملاً حصر الحسن في العبارة، إذ يرى أنه "من ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كلمة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال.. فتكون الواحدة في نهاية الابتذال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداها مشتقة من الأخرى.. مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها"(51).‏

ويرصد حازم في هذا القسم من ضبط أشكال الانسجام في التأليف اللفظي صفات عرفتها مباحث الفصاحة قبله.. تتحدد هنا في ضرورة إحداث الانسجام بين حروف الكلمة الواحدة والكلم المتعددة بمراعاة ما عرف من اعتماد تباعد المخارج وانتقاء اللفظ أو الألفاظ.. وفق الانسجام الصوتي المتلائم الذي لا يسبب على مستوى التلفظ توعراً أو صعوبة، ليؤكد ضرورة إحداث التلاؤم وفق الدلالة بمراعاة عدم التناقض في حشد المبتذل بجوار الحوشي، أو ضرورة إحداث التناغم بمراعاة التجنيس أو الاشتقاق أو السجع أو المزدوج. والحق أن هذه المستويات الموسيقية في اللفظ تؤكد شمول فعل المحاكاة في نظر حازم إذ لا يكون التحسين اللفظي إلا رافداً يرسخ الفعل التخيلي.‏

ثم يرتقي حازم في مبحث التأليف إلى مزيد من التدقيق في رصد مواقع الكلم وضرورة مراعاة التأليف بينها، هذا التأليف الذي يوجده طلب بعضها بعض وفق التلاؤم العائد إلى الصيغة أو الموقع، وتحقيق السهولة في نسق الكلام مع تزيينه باعتماد المؤاخاة فيه.. حيث يظهر ذلك مفصلاً في شروط جماعها ضرورة مراعاة "التسهّل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بأن تكون الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض... والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعاً في الكلام منها.. وإما بتكرار، وإما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل تأديته تطول العبارة عنه. ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخي في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها أو مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام. وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ إزاء اللفظ.. الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر انتساب.. ولـه به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف الألفاظ يزيد الكلام بياناً وحسن ديباجة واستدلالاً بأوله على آخره. ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء التخاطب.. شتيتة النظم متخاذلاً بعضها عن بعض كما قال:‏

لم يضرها، والحمد لله، شيء فانثنت نحو عزف نفس ذهول(52)‏

واجتماع هذه المواصفات الواجب مراعاتها في بناء العبارة من ضرورة تحسين المفرد والمركب ينتج عنه صفات وخصائص في النص، ورغم أن هذه المادة يترجمها إحساس المتذوق، فإن التدليل على هذه الأحساسيس بكيفيات تشكل المادة توثيق للانطباع الذي توجده هذه الخصائص في النفس، ذلك أن "بقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها حسن المواد والصيغ والائتلاف والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف مصقولة وتشاكل يقع في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب بين كلمة وما يجاورها ويتقارب أنماط الكلم في الاستعمال وسائرها يتعلق بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن‏

إطراد"(53). فالعذوبة عالقة بالمادة في مستوى الصيغة وحسن حروفها واستعمالها. والطلاوة تحدثها الحروف المصقولة المتآلف منها الكلم، ثم يكون عن تطالب الكلم وصف الجزالة، وتضام هذه الدوائر وتداخلها.. إحداث لطبقات من الحسن تتعاضد في تشكيل محسنات النص في مرتبة تناسب كلماته أفراداً وتراكيب ضمن سياق طبقاتها المختلفة.‏

وإذا كان ما سلف يتعلق ببحث الألفاظ في ذاتها وهيئاتها فإن من خصائص درس الألفاظ ضبط علائقها بالمعنى في مستوى ثان في ما أسماه حازم بدلالتها. فضمن الشروط السابقة يخص هذا الموضوع بقوله: "وأن يكون اللفظ طبقاً للمعنى تابعاً له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني"(54).‏

وقد خص حازم مشكلة غموض المعاني بوقفات تتيح لنا فهم علاقة اللفظ بالمعنى عندها يعالج عوامل الغموض ووسائل توضحيه، ذلك أنه يرى "أن اشتكال المعاني وغموضها من جهة ما يرجع إليها أو إلى عباراتها يكون لأمور راجعة إلى مواد المعنى أو مواد العبارة أو إلى ما يكون عليه إجراؤهما من وضع وترتيب أو إلى مقادير ما ترتب من ذلك أو إلى أشياء مضمنة فيهما أو أشياء خارجة عنهما"(55).‏

ومعالجة الكيفيات التي يحدث عنها بيان المعاني مما يرجع إلى المعنى أو اللفظ لا تخدم غرضنا وإن كانت ستبيّن أساليب إزالة أسباب الغموض العائدة إلى الألفاظ والمعاني، إذ ليست هذه الكيفيات إلا وسائل الإبانة والفصاحة عن هذا الغموض، كأن يعتمد تسهيل العبارة لإيضاح المعنى الدقيق واللطيف والخفي.‏

"أما ما يرجع إلى اللفظ مما يوقع في المعاني غموضاً واشتكالاً.. فمن ذلك أن تكون الألفاظ الدالة على المعنى أو اللفظة الواحدة منها حوشية أو غريبة فيتوقف فهم المعنى عليها... ومن ذلك أن تكون اللفظة أو الألفاظ مشتركة فتدل على معنيين.. أو أكثر لا في حال واحدة... ومن ذلك أن تكون كلمة قد وصلت بحرف أو حذف منها حرف فتتصل بكلمة يحتمل لفظها أن يكون الحرف الموصول بالأول داخلاً عليها أو من جملة حروفها، أو يكون قد أدخل على الثانية حرف يخيل لك أنه صلة للأولى أو تتمة لما نقص منها فيعرض من هذا فهم الكلام على غير وجهه"(56).‏

ويتحدد مما سلف غموض المعنى بصفات تعلق باللفظ مما يجعل الدلالة شركة بينهما، إذ يكون الخط المدروس هنا وصلة اللفظ بالمعنى، مما سيبيح لحازم عند بحث المعاني التي هي مدلول الألفاظ.. ضبط تنوع الصور المعنوية التي يحدثها السياق اللاحم بين مستويات المعاني ونسبها المختلفة، والهيئات اللفظية الدالة.‏

وينتقل حازم في نص تالٍ إلى رصد عوامل الغموض المترتبة على اللفظ في مستوى التأليف، فيرى أن من أسباب الغموض "الإخلال بوضع الكلام وإزالة ألفاظه من مراتبها.. حتى يصير المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً فتتداخل الألفاظ بعضها ببعض فتشكل العبارة ولا يتحقق نظامها قبل التقديم والتأخير.. ولا يعلم كيف كان (...) (57) وهذا المذهب رديء جداً في الكلام. وكان همام بن غالب الفرزدق يكثر من هذا النوع -كأنه كان يقصده- ومنه قوله:‏

وما مثله في الناس إلا مملكاً أبو أمه حي أبوه يقاربه(58)‏

وتمثيله بالبيت السابق -الشائع كمثال للتعقيد اللفظي في المركب- لغموض المعنى المتأتي من التأليف اللفظي، مع التدليل على أن مركز الغموض عائد إلى بنية العبارة إلى الإخلال بوضعها، واشتراط تحقيق النظام بإحداث تغيير يتعلق بالتقديم والتأخير، اقتراب من تناول عبد القاهر البيت نفسه حيث رأى سبب فساده الإخلال بمعاني النحو مرة، وبالتضاد بين بنية العبارة الظاهرة وبنية الفكر الخفية مرة أخرى.‏

أما ما يراه حازم متعلقاً بالمعنى من أسباب الغموض فهو "أن يكون المعنى في نفسه دقيقاً لطيفاً يحتاج إلى تأمل وفهم، ومنها أن يكون المعنى قد أخل ببعض أجزائه ولم تستوف أقسامه، ومن ذلك أن يكون المعنى مرتباً على معنى آخر.. لا يمكن فهمه وتصوره إلا به، ومنه أن يكون منحرفاً بالكلام وغرضه عن مقصده الواضح معدولاً إليه عما هو أحق بالمحل منه"(59). وترجع بعض أسباب علاج الغموض في المعنى إلى اللفظ حيث تتحقق بتسهيله، وبعضها إلى المعنى نفسه، كمحاولة الإبانة عنه بأن يقرن به ما يناسبه ويقرب منه من المعاني الواضحة ليكون في وضوحها نفي لإبهام ذلك المعنى، وهي تفسح لنا المجال إلى الانتقال إلى العلائق التي يمكن أن تضبط المعاني في قنواتها، وهو مبحث يتعادل مع قسم اللفظ، إذ سيكون بحق المعنى في نفسه موزعاً بين جوهره المتحقق في المحاكاة، وأعراضه التي تتمثل في أنماط النسب والعلاقات التي تنظم المعاني.‏

والحق أن مبحث المعنى يحتل ركناً مكيناً في نظرية القرطاجني في الشعر عموماً وبنية النص خصوصاً، فمن منظور كميِّ خص المعنى بقسم من أقسام الكتاب الأربعة، ثم لم يكن القسم الرابع الذي أفرده لبحث طرائق الشعر وأغراضه والأساليب والمنازع إلا تفخيماً لمبحث المعاني نفسه.. بإقرار حازم، يضاف إلى ذلك أن القسم الثالث من الكتاب الذي أسماه النظم وعالج الأوزان الشعرية التي تعتبر من مستلزمات موسيقى الألفاظ، دون أن يغفل التعرض إلى التوافق والاحتواء بين الوزن الشعري والغرض، تعرض فيه أيضاً لقواعد الصناعة النظمية وهي خلاصة صناعة القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً. فإذا أضفنا إلى ذلك أن منهجاً من مناهج هذا القسم الخاص بالنظم خلص إلى درس وحدة القصيدة وفصولها، وهو مبحث يرصد التحام المعاني والألفاظ، أمكن اعتبار أن أغلب مادة الكتاب، باستثناء القسم الأول الضائع الخاص باللفظ، خالصة لبحث المعنى، علماً بأن من موضوعات القسم الضائع ما يبحث صلة الألفاظ بالمعاني.‏

وعلى الرغم من الإقرار بقيمة اللفظ الذاتية المتعلقة بمستواه الصوتي، والتنويه بأهمية اختيار المادة اللفظية في ذاتها، ثم اعتبار هيئة اللفظ التحسينية في مستوى انسجامها الصوتي عضداً للمحاكاة العالقة بالمعنى، وهي عناصر تسد الثغرة في إنجاز عبد القاهر الذي تجاهل أو كاد مستوى الألفاظ الصوتي، أقول رغم كل ذلك فإن المعنى حظي بالقسم الوافر من العناية، وليس من المستبعد أن يكون ذلك صدى لعبد القاهر ومفهومه للنظم، ذلك أنه رغم المراهنة في النظم على السياق المؤسس للدلالة حسب ما يوفره التركيب، فإن القصد هو المعنى المتولد من ذلك، لذلك لم يكن بدٌّ لحازم من أن يؤسس مبحثه في المعاني على مسلمة تُخوّله تأكيد فكرة التفريع الحادثة عن تضام المعاني في سياق أوجه التناسب المختلفة.‏

يشير حازم القرطاجني إلى ما يسميه بجهات الأقاويل الشعرية التي "هي ما يكون الكلام منوطاً به من الأشياء المقصود وصفها أو الإخبار عنها" ويرى أنها ضربان "ضرب يقع في الكلام مقصوداً لنفسه، وهو ما كان له بالغرض المقول فيه علقة وله إليه انتساب بوجه يوجب ذكره. والصنف الثاني ما لم يكن له بالغرض علقة.. ولكن لـه علقة ببعض الجهات المتعلقة بالغرض، فيذكر تابعاً لما ذكر معتمداً على جهة إحالة أو محاكاة أو غير ذلك، وقد يكون لـه بالغرض علقة إلا أنه لم يذكر.. إلا من حيث ما هو تابع لغيره ومتعلق‏

به"(60). وهو بذلك يضع أساساً لضبط علائق جهات المعاني من حيث الصلة بالغرض الرئيسي ومن حيث الصلة ببعض جهات الغرض بنسبة ما. وستستحيل الجهات الرئيسية أوائل والأخرى ثواني، وتفاوت الشعراء في الثواني أكثر " لأن الجهات الأولى يمكن حصرها في كل فن، وأما الجهات الثواني فقلما يتأتى حصرها لكثرة ما يمكن أن يستطرد من الشيء إليه أو‏

يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلق على الجملة به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك".(61)‏

إن حازماً يبحث عن المركز المتحكم في ثراء المعاني وغناها في النص، ولا يملك هنا أن يراهن على معاني النحو إنما يبحث عن البديل، فمعاني النحو إذ تؤسس منطلقها في التركيب بمراعاة معاني الفاعلية والمفعولية والحالية... ووظائفها في إحداث الدلالة ووحدة المفهوم الناتج عن السياق، فهي تتأسس على مسلمة مفادها أن الأبنية النظرية للتركيب تمثل الأصول التي بموجبها تحدث طرائق التركيب المختلفة؛ وليست الوجوه والفروق المرتبطة بمعاني النحو سوى أبنية سطحية كثيرة تتفرع من أصولها اللغوية لتتوافق في كل سياق مع الغرض المبتغى، من هنا يرى عبد القاهر أنها تعز على الحصر، وقد استغل حازم هذا الأساس الذي سيتأكد لنا مع مسار هذا الفصل.. ليوجد البديل لنظرية النظم على مستوى العبارة، ثم على مستوى نظم القصيدة كاملة. فكان جوهر فكره المعلل لظاهرة التناسب الحاصل بين عناصر المعاني لا يقوم في المنطلق على المعاني النحوية، وإنما يتأسس على المحاكاة ووفق كل أشكال التضام التي يمكن أن تحدثها علقة معنى بآخر من تماثل وتشابه وتناظر وتقابل.. وقد اقتضاه ذلك الاستعانة بفكرة راسخة في بلاغة عبد القاهر، وهي المعاني الأوائل والمعاني الثواني، يعتمد حازم هذا الاصطلاح في وصف صلاة الجهات الأوائل والثواني ثم في وصف معاني الجهات الأوائل والثواني في قوله: "والمعاني الشعرية منها ما يكون مقصوداً في نفسه بحسب غرض الشعر ومعتمداً إيراده ومنها ما ليس بمعتمد إيراده ولكن يورد على أن يحاكى به ما اعتمد من ذلك أو يحال به عليه أو غير ذلك، ولنسمِّ المعاني التي تكون من متن الكلام ونفس غرض الشعر المعاني الأوائل، ولنسم المعاني التي ليست من متن الكلام ونفس الغرض، ولكنها أمثلة لتلك أو استدلالات عليها أو غير ذلك لا موجب لإيرادها في الكلام غير محاكاة المعاني الأوائل بها، أو ملاحظة وجه يجمع بينهما على بعض الهيئات التي تتلاقى عليها المعاني، أو يصار من بعضها إلى بعض المعاني الثواني فتكون معاني الشعر منقسمة إلى أوائل وثوان"(62).‏

واعتماد حازم مصطلح المعاني الأوائل والثواني الذي رغم الأصول الفارابية التي يتضمنها.. فإن المصطلح نفسه يذكّر بعبد القاهر الجرجاني"(63) وهو يخفي الأساس الدقيق الذي تنبني عليه فكرته.. في الصلة بين المعاني عموماً، من هنا يحدث الانسجام بين فكرته في أوجه التناسب بين المعاني المستفيدة من رأي الفلاسفة الإسلاميين في الموضوع نفسه"(64)، واصطلاح المعاني الأوائل والثواني الذي لا يعني به: "مستويين متفاوتين في التعبير، وإنما يعني معاني متساندة يوضح تاليها سابقها"(65).‏

يتنزل مصطلح المعنى ومعنى المعنى عند عبد القاهر ضمن تناول دلالي للصورة المجازية.. حيث يستحيل المدلول الأول المباشر إلى دال يحيل إلى المدلول المقصود. فالمنظور العمودي لطبقات الدلالة استوجب استغلال الاصطلاح ليخدم هذه الحقيقة.. تمشياً مع تعليل عبد القاهر التحولات الدلالية الحاصلة في السياق..‏

إثر استغلال الصور البلاغية، وهذا يتوافق مع موقفه المغاير لموقف البلاغيين.. في التدليل على أن الصور المجازية تكون في المعنى وليست نقلاً للفظ، دون أن ننسى تنزيله هذه الصور ضمن بناء العبارة إذ يراها من مقتضيات النظم.‏

أما حازم القرطاجني فإنه يوظف الاصطلاح ليخدم به رأيه في الفصل بين المعاني الأوائل والثواني من منظور أفقي، إن صح الوصف، حيث إن المسألة تتعلق بمعان جوهرية في الغرض تنسب إليها معان أخرى ثانوية بشكل من أشكال النسبة، ولما كانت هذه طارئة قد تثبت أو تسقط، ولكنها تزيد في جمال المحاكاة، أسماها ثواني ولكنه إذ يؤكد أن هذه الثواني تعز على الحصر.. وأن قوة الشعراء تتفاوت في هذه الثواني أكثر من تفاوتها في الأوائل، يذكر برأي عبد القاهر في الفروق والوجوه الحادثة عن النظم وأنها لا نهائية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن تصوره النسب الواقعة بين المعاني.. يخول له الامتداد بنظريته إلى أن تغطي القصيدة كاملة، بخلاف نظرية النظم التي لا تتجاوز حدود العبارة، وإذا استحضرنا الأساس الذي تقوم عليه فكرته القائمة على النسبة الحاصلة بين معنى ومعنى التي تعود أساساً إلى محاكي ومحاكى، وما يتفرع من ذلك من أوجه النسب، وأن موقفه من المتكلمين كما بدا في مطلع الفصل سيرسخ إيجاد البديل لنظرية المتكلمين الأساسية كما تبدو في النظم، والاعتماد في إيجاد هذا البديل على مفهوم التخييل أو المحاكاة وهو أساس نظرية حازم، أمكن إدراك العوامل التي جعلت حازماً يفتت من معاني النحو فكرته في النسب الحادثة بين المعاني، غير أن أمره ينطلي وشيكاً.. حين يضطر إلى مواجهة ما أسماه هو أيضاً بصور المعاني (66).‏

وتقوم أسس التفريعات الحادثة بين المعاني على مبادئ متنوعة محكومة بقاعدة منطقية، وبأساس من التخاطب ذلك، "أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها القول، ووصف أحوال القائلين أو المقول على ألسنتهم، وأن هذه المعاني تلتزم معاني أخر.. تكون متعلقة بها وملتبسة بها، وهي كيفيات مآخذ المعاني ومواقعها من الوجود أو الفرض وغير ذلك ونسب بعضها إلى بعض، ومعطيات تحديداتها وتقديراتها، ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها، ومعطيات كيفيات المخاطبة"(67).‏

وإذا كان أصل المعاني وصف جهات الأشياء التي لها علقة رئيسية بالغرض وكذا أحوال الواصف.. فإن لمعاني الجهات الرئيسية صلات بغيرها تتبدى في تفريعات معنوية تكون من جهة ما له بها نسبة، أو ما يكون من جراء التعريف والتحديد للمعاني والأحكام.. التي تصدر في شأنها وكذا كيفيات المخاطبة، ثم ضبطها من منظور الحقيقة إن كانت واقعية أو متخيلة في إطار ما يربطها بغيرها في المكان والزمان. وهكذا يكمن خلف هذه التفريعات كل قول شعري، ذلك أن على كل قاصد للقول الشعري، مريد لتحسين المعاني "أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكلِّ معنى من المعاني التي ذكرتها.. معنى أو معان تناسبه أو تقاربه ويوجد له أيضاً معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاده في أكثر الأمر معنى أو معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما واتفاق موقعيهما من النفس، ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في كيفية، ولا يشترط فيها التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس، وما جعل فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالاً للآخر ومحاكياً له فهو تشبيه"(68).‏

وتفسر وجوه التناسب السابقة بما يمكن أن يعرف بإحداث التماثل بين المعاني عندما يناظر بينها.. فيوضع أحدها في حيز يقابل حيز الآخر، أو تحقيق المناسبة عندما يقترن المعنى بما يناسبه، أو إيجاد مقابلة أو مطابقة عند إحداث التضاد في المعاني أو إيجاد أوجه الاقتران الحادثة بين المتشابهين مما ينتج عنه التشبيه والاستعارة. وللمعاني صور أخرى كالتكرار، ذلك أن المعاني ضربان "صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم في أحد الحيزين ما أخُّر في الآخر، أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين، أو بأن يفهم المعنى أولاً من جهة الإبهام ثم يورد مفسراً من الجهة التي وقع فيها الإبهام، أو بأن يجمل ثم يفصل- وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد، أو بأن يورد على صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران تكون أنت للعذوبة وذلك للزعوقة.. أو بأن تبان الجهتان اللتان تواخى بهما الضدان على الشيء كقوله:‏

(...) (...) يخشى ويتّقى.. يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق.‏

فعلى هذه الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن.‏

وكثيراً ما تقع التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل"(69).‏

ويتكيف رأي حازم ودعوته إلى ضرورة التنويع في مسالك الكلام والتقاذف فيه إلى شتى أنواع النسب والاقترانات، مع منظوره لوظيفة الشعر المؤسسة على إحداث التأثير في المتلقي.. وذلك يتحقق وفق صياغة لائقة، ذلك وإن كان الأساس في إخراج الصياغة وفق أنماط التناسب والتشاكل العالقة بالمستويات المعنوية واللفظية إقراراً بخصوصيات تشكيلية عالقة بالنص، مما يقتضي فض أسرارها واعتماد العقل والتمييز والمران، إلا أنها محكومة بالمنظور الوظيفي أساساً.. لارتباطها بوظيفة التعجب الحاصلة في النفس، ذلك أنه "يجب ألا يسلك بالتخييل مسلك السذاجة في الكلام، ولكن يتقاذف بالكلام في ذلك إلى جهات من الوضع الذي تتشافع فيه التركيبات المستحسنة والترتيبات والاقترانات والنسب.. الواقعة بين المعاني. فإن ذلك مما يشد أزر المحاكاة ويعضدها، ولهذا نجد المحاكاة أبداً يتضح حسنها.. في الأوصاف الحسنة التناسق، المتشاكلة الاقتران، المليحة التفصيل، وفي القصص الحسن الاطراد، وفي الاستدلال بالتمثيلات والتعليلات، وفي التشبيهات والأمثال والحكم، لأن هذه أنحاء من الكلام.. قد جرت العادة في أن يجهد في تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها"(70).‏

ويدل الإلحاح على تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها الناتجة عن أشكال التقاذف بين المعاني المتناسبة والألفاظ الدالة عليها.. على تدقيق حازم رؤيته صلات المعنى باللفظ، إذ تبدو صلة التلاحم بينهما إفرازاً لأنماط العلائق المختلفة... وهنا يتحدد لحازم خط يشقه في حقل مشترك بين لفظ دال ومدلول، حيث سيؤول مفتاح التدقيق الراصد لعلائق العنصرين إلى اصطلاح صور المعاني المشار إليه.. في النص ما قبل السابق. وهذا الاصطلاح إذ يشكل ركناً في نظرية عبد القاهر في النظم- رغم الإقرار بحضوره في أعمال السابقين- يزيدنا تدليلاً على الاقتراب الحاصل بين الرجلين، هذا الاقتراب المتبدي في استثمار حازم لمعطيات نظرية النظم ومزجها بأصوله الراسخة في أعمال فلاسفة الإسلام لإحداث ائتلاف متناغم.‏

وينتج عن أوجه التناسب، المؤكدة في مواقف شتى لحازم، بين المعاني، صور للمعاني، ذكر بعضها كإقرار بشتى العلائق الرابطة بين المعاني في ما أسماه صلة الزمان والمكان، وأنماط التحديدات وأوجه التخاطب وكذا أشكال المحاكاة وغيرها، ولكن ما يكتنف المعاني من ملابسات وما يحيط بها من صلات يفرز صوراً أخرى جديدة، فإذا ما حددنا الصلات الزمانية والمكانية للمعاني فقط نرى أنه "يتركب من هذه الأحوال صور شتىّ من الكلام، وتكون المعاني الواقعة بهذه الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ومنصوباتها أو اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض، فتتضاعف صور المعاني بذلك تضاعفاً يعز إحصاؤه. والتركيبات التي تتنوع بها هيئات العبارات وما تحتها من المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض، في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة والأمكنة. وكثيراً ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله إلى مقادير متعادلة متناسبة"(71).‏

وتزداد صور الكلام المختلفة المتأتية أساساً من التفريعات العالقة بالمعاني المترتبة على ما يكتنفها في الزمان والمكان من وقائع وحالات ثراء بصور التكرار.. الناتجة عن تعدد المفعولات والفواعل والأفعال، وهذا تأكيد خاصية التكاثر في هذه الصور.. التي يعز إحصاؤها، حيث تتلبس بهيئات العبارات وما تحتها من المعاني، وهو إقرار بتكامل التوالد بين العنصرين، المحكوم أساساً بجوهر هذه التنويعات المحدثة لكل هذه الصور.. المتمثل في المعاني. ويمكننا أن نضيف لتأكيد ذلك رأياً آخر لحازم في أشكال من الصور الأخرى.. التي يحدثها أساس آخر تقوم عليه المعاني متمثلاً في تحديداتها من العموم والخصوص أو الكلية والجزئية وكذا الأحكام الواقعة فيها، وكيفيات التخاطب "فإن هذه الأشياء أيضاً مما تتضاعف بها الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات، بجميع ذلك وبما قد ذكر أيضاً في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور المعاني، إلى وقوع المعاني على هيئات وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها لكثرتها"(72).‏

إن حازماً أراد أن يجد أساساً آخر- غير معاني النحو- يؤسس عليه فكرته في صلة المعاني بالألفاظ، ويدلل بواسطته على أشكال التوليدات المختلفة في المعاني المرتبطة بأسس واحدة، ويكون منطلقه في بحث بنية القصيدة الكلية، ولكن في قاعدة هذا التصور.. ما قد يقترب من معاني النحو، ذلك أن الفروق والوجوه المتعددة الناتجة عن مختلف التنويعات في الأبنية الأساسية في النحو كالتفريعات عن الحال والمبتدأ والخبر وغيرها، تتيح للبليغ إمكانية التعبير عن شتى المواقف مع إحداث التطابق بين كل بنية متفرعة من بنية نواه وغرضه المقصود، وهي تمثل معتمد عبد القاهر في تشخيص بلاغة النص وفنيته. أما المقابل عند حازم لوجوه النظم وفروقه فهو صور المعاني المتفرعة من أصول تؤسس قواعد تنتظم صلات المعاني مطلقاً، ضبطت هذه الأصول وفق تحديدات منطقية وحيوية ولغوية، من هذه الأصول مثلاً حدود المعاني أو علائقها بالزمان والمكان، إذ يمكن انطلاقاً من هذين الأسين ووفق أشكال الترابط التي يمكن أن تنتظم معنى وآخر، تفريع صُورٍ شتى يبدو فيها التعاضد تاماً بين الهيئة التأليفية اللفظية التي يتلبسها المعنى، والمعنى نفسه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن أساس هذا التنويع الحادث في هذه الصور إنما هو المعاني، مثلما تحدد في نظرية النظم لدى عبد القاهر، من أن كل قصد للكلام إنما يتم بتوخي معاني النحو في معاني الكلم، وأن كل قصد للترتيب وتوخي معاني النحو في الكلم إحداث لصورة تماماً كتشكل صور المعاني لدى حازم.. من جرّاء تنويعات النسب بين المعاني، أمكن التقريب بين النظريتين وإن تمايزت المناهج المعتمدة في كل نظرية.‏

ولكن استغلال حازم لنظرية النظم(73) لا يلبث أن يبين عن نفسه صريحاً عندما يتمادى في محاصرة صور المعاني التي تتنوع مصادرها.. وإن انقسمت حسب وجودها إلى ما لها وجود خارج الذهن أو إلى التي جعلت بالفرض بمنزلة ما لها من وجود خارج الذهن، وإلى ما ليس لها" وجود خارج الذهن أصلاً، وإنما هي أمور ذهنية.. محصولها صور تقع في الكلام بتنوع طرائق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد، وذلك مثل أن تنسب الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلاً أو نحو ذلك. فالاتباع والجر وما جرى مجراها معان ليس لها خارج الذهن وجود، لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون الشيء لا نسبة له إلى الشيء. فأما أن يقدّم عليه أو يؤخّر عنه أو يتصرف في العبارة عنه نحو من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة"(74). فالنسب الحادثة بين المعاني القائمة على أشكال الإسناد والترتيب التي تحدثها خصائص بينها مردها صلة وصف أو خبر أو فعل أو غيرها كالتقديم والتأخير، هي محصلة فاعلية النحو في الكلام، ومن ثمة فهي نتاج فعل الذهن في مادة اللغة، وهي نتيجة تماثل ما يسنده عبد القاهر إلى العقل إذ يعتبره الفاعل الأول والأساسي في صياغة الكلام البليغ.‏

وقد خلص لحازم أيضاً من رأيه في صور المعاني قوانين ضابطة لأصول هذه المعاني تنسحب على كل صنف منها، يتأكد إدراكها وإدراك تفصيلاتها بالفكر، يقول: "وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية التي تنسحب أحكامها على صنف منها، ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل كيفية التفصيل، ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به"(75).‏

فإذا أضفنا إلى ضرورة اعتماد العقل في إدراك ما يلائم من هذه الصور وما لا يلائم يعاضده الذوق الصحيح، وجوب الاحتكام في ذلك إلى القوانين الكلية الضابطة لهذه الأصناف التي بواسطتها يعرف صحيح هذه الصور وفاسدها، ويميّز الحسن من القبيح، تماماً كإسناد عبد القاهر هاتين الوظيفتين إلى معاني النحو، تأكدت لنا الخطوط الخفية التي تسربت منها أسس نظرية النظم إلى آراء حازم، ويزيد ذلك إبانة تأكيده "أن الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم"(76). فهذا التأكيد يشبه إلحاح عبد القاهر على أن معاني النحو هي بمعزل عن أشكال الحركات الإعرابية الظاهرة إذ لا مزية في إدراك ذلك بين مدرك ومدرك، إنما الاعتبار للكيفيات التي تعمل وفقها معاني النحو في الكلم، وتلك وظيفة الطباع والعقل وليست بذات صلة باللسان.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:10 PM   المشاركة رقم: 31
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


النظم والأسلوب أو شكل الشكل وشكل المضمون

ليس النظم والأسلوب إلا تزيينات لاحقة بجوهر الفعل التخيلي الذي يتحقق في تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، حتى الهيئات اللفظية وأشكال الاقترانات بين المعاني المسببة صوراً مختلفة من نوع التحسينات الملحقة، ذلك أن التخاييل تنقسم "بالنسبة إلى الشعر قسمين: تخييل ضروري، وتخييل ليس بضروري، ولكنه أكيد أو مستحب، لكونه تكميلاً للضروري وعوناً له على ما يراد من إنهاض النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه. والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والأكيدة والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم، وآكد ذلك تخييل الأسلوب"(77).‏

فالمنظور الوظيفي لفعل المحاكاة هو الذي حدد التمايز بين أصناف التخييلات، وذلك في انعكاس الغاية التخييلية المتمثلة في وظيفة التأثير على خواص النص البنيوية. من هنا يعتمد حازم اصطلاح الأوائل والثواني مرة أخرى ليفرق بين صنفي التخييلات "فالتخييل الأول يجري مجرى تخطيط الصور وتشكيلها. والتخييلات الثواني تجري مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود وأحجارها"(78)، لذلك يتنزل النظم والأسلوب ضمن التوشية المزيّنتين لفعل المحاكاة المكتمل بمحاكاة المقول فيه بالقول تماماً كهيئات اللفظ التحسينية، أو أشكال التناسب الحادثة بين المعاني من جرّاء أنماط الاقترانات بينها.‏

ووظائف التحسين تتراكم وفق هذا التصور كأعراض على جوهر يتحقق في محاكاة المعنى بالألفاظ، ويكبر في دائرة أولى تظهر في هيئات الألفاظ والمعاني لتتضخم في أسلوب ونظم، إذ "الأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية"(79). ومن هنا يكون مسار البحث في علاقات المعاني بالألفاظ على مستوى الأسلوب تركيباً أو تضخيماً لما سلف من تناول العنصرين في مستوى المعنى الجزئي، كما انعكس ذلك أيضاً في ما أسماه حازم.. عند ضبط قواعد الصناعة النظمية بالتخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية. فيكون بحث الأسلوب تقصياً للمعنى عندما يمتد ليشمل جهات عدة وأغراضاً عدة، علماً بأن دراسته في ذاته هنا كهيئة متشكلة من معاني جهات عدة قائمة على حضوره في النص ضمن كيان النص المركب بغض النظر عن كونه محصلة تشكل معاني لها وجه قيمي وأخلاقي. ويكون بحث النظم تأكيداً لمسار بحث الألفاظ في ذاتها على مستوى التحسين الصوتي، أو الدلالة على المعنى، إذ ليس النظم إلا تراكماً لألفاظ يشكل انسجامها وفق التنظيم الإيقاعي لأصواتها موسيقى القصيدة، وتتحدد بدلالات الفصول المركبة منها المعاني المحاكاة، حيث يؤول تركيب اللفظ في مستوييه إلى صلة بين فصول القصيدة، ومن ثم وحدتها المركبة.‏

ويتأسس المدخل التعريفي الذي يرصد المصطلحين ودلالتهما على تقابل صورتيهما الحاصلتين في المعاني والألفاظ، لذلك "وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني كنسبة النظم إلى الألفاظ، لأن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة من جهات غرض القول وكيفية الاطراد من أوصاف جهة إلى جهة. فكان بمنزلة النظم في الألفاظ الذي هو صورة كيفية الاستمرار.. في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن كيفية النقلة من بعضها إلى بعض وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء الترتيب"(80).‏

ولما كان الأسلوب هو هيئة حادثة في المعاني من جراء الانتقال بين معاني الجهات المخيلة وفق الغرض أو الأغراض.. اقتضى ذلك التلطف في الانتقال ومراعاة حسن الاطراد والتناسب بين مقصد ومقصد، وتأكد بذلك ربط الأسلوب في تنوعه: "بحسب مسالك الشعراء في كل طريقة من طرائق الشعر، وبحسب تصعيد النفوس فيها إلى حزونة الخشونة أو تصويبها إلى سهولة الرقة أو سلوكها مذهباً وسطاً، بين ما لان وما خشن من ذلك. فإن الكلام منه ما يكون موافقاً لأغراض النفوس الضعيفة الكثيرة الإشفاق مما ينوبها أو ينوب غيرها، ومنه ما يكون موافقاً لأغراض النفوس الخشنة القليلة المبالاة بالأحداث، ومنه ما يكون موافقاً للنفوس المقبلة على ما يبسط أنسها"(81). والتفريعات الحادثة عن أشكال التركيبات بين هذه الأساليب الثلاثة كثيرة لا يهمنا ذكرها، إنما المؤكد أن الأسلوب هيئة تحصل وفق الانسجام الحادث بين المسلك المتبع الموافق للطريقة الشعرية أو الغرض الشعري، والحالة النفسية لقاصد القول المحددة بميل إلى الخشونة أو الرقة أو التوسط بينهما، إذ يبدو كل موقف من هذه المواقف ملائماً للغرض المنتقى أو الأغراض العديدة التي يمكن أن تنضوي تحت سلطان نمط من هذه الأنماط الأسلوبية الرئيسية أو أحد تفريعاتها.‏

وإذا كان الأسلوب هيئة ناتجة عن تلطف في الانتقال بين المعاني وهو لا يعدو أن يشكل دائرة أوسع تحوي دوائر كثيرة تحدثها هيئات المعاني وصورها الحادثة عن أشكال تناسبها، فإن النظم امتداد للفظ، ويجسد هذا الامتداد في جوهره القائم على العلائق بينهما قول حازم "اعلم أن الأبيات بالنسبة إلى الشعر المنظوم نظائر الحروف المقطعة من الكلام المؤلف، والفصول المؤلفة من الأبيات نظائر الكلم المؤلفة من الحروف. والقصائد المؤتلفة من الفصول.. نظائر العبارات المؤلفة من الألفاظ. فكما أن الحروف إذا حسنت حسنت الفصول المؤلفة منها إذا رتبت على ما يجب ووضع بعضها من بعض على ما ينبغي كما أن ذلك في الكلم المفردة كذلك. وكذلك يحسن نظم القصيدة من الفصول الحسان كما يحسن ائتلاف الكلام من الألفاظ الحسان إذا كان تأليفها منها على ما يجب. وكما أن الكلم لها اعتباران: اعتبار راجع إلى مادتها وذاتها، واعتبار بالنسبة إلى المعنى الذي تدل عليه، كذلك الفصول تعتبر في أنفسها وما يتعلق بهيئاتها ووضعها، وتعتبر بحسب الجهات التي تضمنت الفصول والأوصاف المتعلقة بها"(82). وهكذا يعتمد حازم مصطلح النظم في وصف بنية القصيدة كاملة هيئات شكلية ومعاني مدلولاً عليها بالفصول المنتظمة للألفاظ. والحق أن حازماً إذ يعتمد اصطلاح النظم في بحث بنية القصيدة يكيفه ليشمل مستوياتها المعنوية واللفظية في تفاعلها في أبيات الفصول لتتطابق كلها مع الغرض المقصود، ذلك أن "المنحى الشعري نسيباً كان أو مدحاً أو غير ذلك.. فإن نسبة الكلام المقول فيه إليه نسبة القلادة إلى الجيد، لأن الألفاظ والمعاني كاللآلئ، والوزن كالسلك والمنحى الذي هو مناط الكلام وبه اعتلاقه كالجيد لـه. فكما أن الحلي يزداد حسنه في الجيد الحسن، فكذلك النظم إنما يظهر حسنه في المنحى الحسن"(83).‏

ومن هنا يتسع مفهوم النظم ليشمل مستويات القصيدة موسيقى وألفاظاً ومعاني. وما بحث قواعد الصناعة النظمية لدى حازم إلا تأكيد ذلك، إذ بها تحدد رأيه في صناعة القصيدة وفق منهج في النظم تتعاضد فيه مستوياتها في الأسلوب والنظم والأوزان والمعاني والألفاظ. وهو إذ يمتد بالنظم ليشمل بنية القصيدة كاملة لا يغادر حدود عبد القاهر الجرجاني مطلقاً، وإن استطاع بالفك بين مستويي المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم أن يستغل نظرية عبد القاهر بوضوح في ضبط بلاغة العبارة، لكنه أدرك أن معاني النحو لا تطول القصيدة كاملة إذ يأسرها النحو في حدود الجملة، فكان عليه اعتماد اصطلاح يسع بنية القصيدة كاملة وليس أفضل من اعتماد النظم، إذ به يتحقق لحازم أمران: إيجاد البديل لمفهوم عبد القاهر في النظم الذي لا يتجاوز حدود العبارة، ومحاولة إلحام هذا المفهوم الواسع للنظم بمفهوم الشعر المتجسد أساساً في كونه تخييلاً، وبذلك يتم احتواء النظم ضمن هذا المفهوم الأخير حيث لا يعدو أن يكون والأسلوب من التخاييل الثواني.‏

استطاع حازم باعتماد النظم أن يبحث القصيدة معاني وألفاظاً وأن يفرع من مبحث الألفاظ رصد موسيقى القصيدة، وهكذا اكتمل لـه احتواء مستوياتها الصوتية والدلالية كلها. ونجتزئ في التدليل على ذلك ببضع مواقع البحث، منها درسه قوانين انتظام الفصول حيث يرى أن "الكلام فيما يرجع إلى ذوات الفصول وإلى ما يجب في وضعها وترتيب بعضه من بعض يشتمل على أربعة قوانين: القانون الأول: في استجادة مواد الفصول وانتقاء جوهرها. القانون الثاني: في ترتيب الفصول والموالاة بين بعضها البعض. الثالث: في ترتيب ما يقع في الفصول، الرابع: في ما يجب أن يقدم في الفصول وما يجب أن يؤخر فيها وتختم به"(84). ويتضح في القانون الأول الذي يعرض لمواد الفصول ويؤكد ضرورة استجادة هذه المواد وانتقاء جوهرها مستوى البحث في البنية العامة، إذ يجب أن تكون هذه المواد "متناسبة المسموعات والمفهومات، حسنة الاطراد غير متخاذلة النسج، غير متميز بعضها عن بعض التمييز الذي يجعل كل بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله وغيره من الأبيات بنية لفظية أو معنوية يتنزل بها منه منزلة الصدر من العجز أو العجز من الصدر"(85).‏

ويتأكد هذا المنحى الكلي في موقع آخر هو القانون الثالث الخاص بتأليف بعض بيوت الفصل إلى بعض، حيث من مقتضياته وجوب إرداف "البيت الأول من الفصل بما يكون لائقاً به من باقي معاني الفصل.. مثلاً أن يكون مقابلاً له على جهة من جهات التقابل أو بعضه مقابلاً لبعضه، أو يكون مقتضى له مثل أن يكون مسبباً عنه، أو تفسيراً له، أو محاكى بعض ما فيه ببعض ما في الآخر، أو غير ذلك من الوجوه التي تقتضي ذكر شيء بعد شيء آخر. وكذلك الحكم في ما يتلى به الثاني والثالث إلى آخر الفصل"(86).‏

فإذا أدركنا أن هذه القوانين هي نفسها التي تنظم العلائق الحادثة بين المعاني وأنها تطول هنا بنية النص كاملاً، وهي نفسها المحدثة للهيئة الأسلوبية الحادثة عن طرائق الانتقال اللطيف بين معاني الجهات التي تؤسس مجموعة منها فصلاً واحداً، أمكن ضبط هذا الخط الذي يلتحم فيه مستوى البحث الأسلوبي العالق بالمعنى بمستوى البحث اللفظي في درجته الثانية، التي هي دلالة أبيات القصيدة على المعاني.. ويمتزج المستويان ويتلاحمان في سبك عناصر القصيدة اللفظية والمعنوية، هذا السبك الذي ينجر عنه توليد الدلالة، ويترتب عليه تعاضد الأبيات والفصول بحسب الأشكال المختلفة للتلاحم والتناسب. وإذ يتأكد اقتراب النظم من الأسلوب إذ ينبغي "ملاحظة الوجوه التي تجعلهما معاً مخيلين للحال الذي يريد تخيلها الشاعر.. من رقة أو غلظة أو غير ذلك"(87). يكون الانتقال ميسوراً إلى بحث المنازع الشعرية التي في ثناياها يبدو التلاحم كأقوى ما يكون، بين بنية النص اللفظية وبنيته المعنوية ولا يتحقق ذلك إلا بالمراهنة على معاني النحو.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:11 PM   المشاركة رقم: 32
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


المنزع الشعري

وتآلف العناصر الشكلية والمضمونية‏

"والمنازع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبداً، ويذهبون به إليه، حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع من قبولها. والذي تقبله النفس من ذلك ما كانت المآخذ فيه لطيفة، والمقصد فيه مستطرفاً، وكان للكلام به حسن موقع من النفس"(88). وعلى الرغم من أن المنزع يكاد يتعادل بهذا التحديد مع الطريقة أو المنحى الذي ينتحيه شاعر ما في الكلام أبداً حتى يعرف به، وإذ ينحصر في نوع الأسلوب المعتمد في الغرض المنتقى فإن درجة التحديد المفهومي في هذه المقاربة الأولى تعلق بالمستوى المعنوي من البنية، لذلك لا يجد حازم بداً من مزيد من التدقيق ومحاصرة الحد، إذ يرى أنه "قد يعني بالمنزع أيضاً كيفية مأخذ الشاعر في بنية نظمه وصيغة عباراته وما يتخذه أبداً كالقانون في ذلك كمأخذ أبي الطيب في توطئة صدور الفصول للحكم التي يوقعها في نهاياتها، فإن ذلك كله منزع اختص به أو اختص بالإكثار منه والاعتناء به. وقد يعني بالمنزع غير ذلك إلا أنه راجع إلى معنى ما تقدم، فإنه أبداً لطف مأخذ في عبارات أو معان أو نظم أو أسلوب"(89).‏

ومن هنا يستحيل المنزع وصفاً للمنحنى المعتمد في القول الشعري على مستوى البنية المتضامة كلها، إذ لا يمكن ضبط الطريقة المعتمدة لدى شاعر إلا بملاحظة تعاضد عناصر الصياغة جميعاً. من هنا يمكن اعتبار المنزع الصورة المخصوصة المميزة لمنحى شاعر ما في الشعر، ولذلك ينبغي تحديد أنماط التآلفات المتناسبة معاني وألفاظاً، المفرزة لخصوصية الصورة التي تكون محصلة تفاعل بين مقصد نفسي وألوان من تلك التآلفات، إذ لا يخلو المأخذ في المنزع من أن يكون: "1-من جهة تبديل، 2-أو تغيير، 3-أو اقتران بين شيئين، 4-أو نسبة بينهما، 5-أو نقلة من أحدهما إلى الآخر، 6-أو تلويح به إلى جهة وإشارة به إليه"(90).‏

وتمارس هذه الأنحاء الستة من التصرف فعاليتها في المعاني الذهنية، إذ لا يخلو أن تكون متعلقة "بالتصورات منها، أو بالنسبة الواقعة بين بعضها وبعض، أو بالأحوال المنوطة بها، أو بجهة الأحكام فيها. أو بالمحددات لها، أو بأنحاء التخاطب المتعلق بها"(91)، وبتفاعل مآخذ المنازع ومسالكها بالمادة المعنوية المتعلقة بمشمول ما يفرزه الذهن وما له به صلة يتشكل مسلك تعبيري متميز فريد، إذ ستقود المقاصد النفسية الشاعر أو المعبر إلى أنحاء معينة من الاعتمادات من شأن تفاعلها مع أغراضه أن يولّد أسلوبه الخاص، ولا يكون ذلك إلا بالإقرار بالتلاؤم التام بين المعنى وأشكال صياغته. وهذه النتيجة قادت حازماً إلى النحو للتدليل على لطف المنزع، يقول: "وحسن المآخذ، في المنازع التي ينزع بالمعاني والأساليب نحوها، يكون بلطف المذهب في الاستمرار على الأساليب والاطراد في المعاني والإثلاج إلى الكلام من مدخل لطيف. فتوجد للكلام بذلك طلاوة وحسن موقع من النفس لا توجد مع وضعه على خلاف تلك الهيئة والإثلاج إليه من غير ذلك المدخل. وهذا النوع من الكلام لا يكاد يميزه إلا الناقد البصير الجيد الطبع. ولك أن تعتبر حسن المأخذ في المعاني والعبارات عنها بقول أبي تمام:‏

يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا‏

فلو أخلى المعنى من التعجب واقتصر على إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها، وكذلك أيضاً لو عبر عن معنى التعجب بغير هذه العبارة فقال: "ما أبعد غاية دمع العين إن بعدوا" لم يكن له من حسن الموقع ما له في هذه العبارة التي أورده فيها باقتران التعجب بالمعنى في صورة النداء حسن منزع في الكلام ولطف مأخذ فيه"(92).‏

فحسن وقع المعنى في النفس تترجمه صورة معناه الناتجة عن الصياغة المميزة لغرض الشاعر المقصود، وهو "إيجاب بعد غاية الدمع لبعدهم" إذ تشكل هذا الغرض في صورة مخصوصة أوجدها تفاعله مع معنى التعجب، هذا المعنى الذي أدي بصيغة النداء، فكان تعاضد مقصد الشاعر مع البنية النحوية للعبارة في صيغة النداء التي انحرفت عن أداء معناها الأصلي إلى معنى التعجب، هو السر في جمال العبارة ومن ثمة في حسن موقعها في النفس. ومن هنا يكون كل تغيير للبنية التي يوجدها تفاعل النحو مع معاني الكلم أو غرض الشاعر ذهاباً لفضل الكلام ومزيته، وليس هذا الموقف إلا استغلالاً لعبد القاهر. ثم يعمد حازم إلى رصد هذه المزية باستثمار فكرة الوضع والصيغة، وليس ذلك إلا تشخيصاً للظاهرة من خلال وصف ما يترتب على وظائفها، إذ يرى أنه "قد يرد من حسن المأخذ ما لا يقدر أن يعبر عن الوجه الذي من أجله حسن ولا يعرف كنهه، غير أنه يعرف أنه مأخذ حسن في العبارة.. من حيث أنك إذا حاولت تغيير العبارة عن وضعها والإثلاج إليها من غير المهيع الذي منه أثلج واضعها وجدت حسن الكلام زائلاً بزوال ذلك الوضع والدخول إليه من غير ذلك المدخل، واعتبر ذلك بقول أبي سعيد المخزومي:‏

ذنبي إلى الخيل كرّي في جوانبها إذا مشى الليث فيها مشى مختتل‏

فإنك لو غيرت صيغة هذا البيت وأزلتها عن موضعها، فقلت مثلاً: "كم أذنبت إلى الخيل بكرّي في جوانبها"، أو غيرته غير هذا التغيير لم تجد له من حسن الموقع من النفس، ما لـه في صيغته ووضعه الذي وضعه عليه المخزومي"(93).‏

فعلى الرغم من تجنب حازم التدليل على حسن البيت باعتماد وجه نحوي صريح فإن تعليل ذلك بالرجوع إلى وضعه وصيغته تحرك في حقل المفهوم العام المترتب على النظم.‏

والخلاصة إن حازماً استطاع أن يؤلف من محصول آراء النقاد قبله في النص وبخاصة الفلاسفة وعبد القاهر تركيبة متماسكة، انصهر في أتونها "التخييل والنظم" فولدا نظرية بالقدر الذي بحثت الشعر من جوانب عناصره الكلية التي تحدّد مفهومه وغايته، بقدر ما كيفت أداته للغاية والمفهوم، فتجسدت بنيته اللغوية في تلاحم المعاني والألفاظ في مراتب دائرية، تبدأ بمركز يترسخ في لحمة المعنى المحاكى باللفظ، ليتسع قليلاً في أشكال التأليفات والهيئات التي تنسج للجوهر بعض الامتداد التحسيني الأول، ثم تتضخم في كمال القصيدة في امتداد الأسلوب والنظم اللذين يشكلان بينتها التي تشمل أغراضاً شتى، ويلتحمان في ثنايا النسيج في تعاضد المعاني مع صياغاتها المخصوصة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:12 PM   المشاركة رقم: 33
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


هوامش الفصل الخامس





(1)-أشار المحقق إلى مواضع عديدة يستعين فيها حازم بالفيلسوفين في الهامش، مثل ما ورد في: 165 هامش 1. و: 63 هامش 1. و: 69 هامش- 1-3.‏

(2)-نفسه: 86.‏

(3)-ينظر: ابن حازم، التقريب لحد المنطق: 206. الرسائل 1: 389، جـ3: 163-164.‏

(4)-حازم، المنهاج: 121-122.‏

(5)-نفسه: 124.‏

(6)-ينظر الفصل السابق.‏

(7)-إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 370.‏

(8)-حازم، المنهاج: 87.‏

(9)-ينظر: شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ: 32.. جابر عصفور، الصورة الفنية: 123.‏

(10)-ينظر مثلاً: المنهاج: 135. وكتاب الشعر: 228.‏

(11)-نفسه: 18-19.‏

(12)-ينظر: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 305.‏

(13)-حازم، المنهاج: 17.‏

(14)-وحازم بهذا يتأثر بالفلاسفة الإسلاميين. ينظر: جابر عصفور، مفهوم الشعر: 237. الأخضر جمعي، نظرية الشعر: 27-43.‏

(15)-حازم، المنهاج: 249-250.‏

(16)-نفسه: 193.‏

(17)-نفسه.‏

(18)-نفسه: 195-196.‏

(19)-ينظر: الفصل الخاص بالفلاسفة.‏

(20)-حازم، المنهاج: 89.‏

(21)-نفسه: 63.‏

(22)-نفسه: 71.‏

(23)-نفسه: 21.‏

(24)-نفسه: 19.‏

(25)-نفسه: 67.‏

(26)-بياض بمقدار كلمتين بالأصل. المحقق.‏

(27)-حازم، المنهاج: 362.‏

(28)-نفسه: 84.‏

(29)-نفسه: 72.‏

(30)-نفسه: 71.‏

(31)-نفسه: 81.‏

(32)-نفسه.‏

(33)-نفسه: 214.‏

(34)-نفسه: 42.‏

(35)-نفسه: 199-200.‏

(36)-جابر عصفور، مفهوم الشعر: 63.‏

(37)-حازم، المنهاج: 109-110.‏

(38)-نفسه: 204.‏

(39)-شكري عياد، المؤثرات الفلسفية...: 11.‏

(40)-حازم، المنهاج: 341.‏

(41)-نفسه: 342 وما بعدها.‏

(42)-نفسه: 36.‏

(43)-ينظر: المنهاج: 37- 38- 39، 42-43.‏

إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 557.‏

جابر عصفور، الصورة الفنية: 89.‏

(44)-نفسه: 118.‏

(45)نفسه: 119.‏

(46)-بياض مقدار كلمة. المحقق.‏

(47)-حازم، المنهاج: 215-216.‏

(48)-نفسه: 129.‏

(49)-ينظر الفصل السابق.‏

(50)-نفسه: 222.‏

(51)-نفسه.‏

(52)-نفسه: 223-224.‏

(53)-نفسه: 225.‏

(54)-نفسه: 223.‏

(55)-نفسه: 175.‏

(56)-نفسه: 184-185-186.‏

(57)-بياض بالأصل مقداره ثلاث كلمات. المحقق.‏

(58)-حازم، المنهاج: 187.‏

(59)-نفسه: 177.‏

(60)-نفسه: 216.‏

(61)-نفسه: 116-117.‏

(62)-نفسه: 23.‏

(63)-جابر عصفور، مفهوم الشعر: 350.‏

(64)-ينظر الفصل الخاص بالفلاسفة في الموضع الذي تعقب أشكال الترتيبات العالقة بالألفاظ والمعاني.‏

(65)-إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي: 570.‏

(66)-دون أن ننسى الإشارة إلى أن في مصادر الفلاسفة ما يشكل منطلقات اعتمدها حازم أيضاً في تأسيس الرأي في صور المعاني. ينظر مثلاً ابن رشد. تلخيص الخطابة: 547-548.‏

(67)-المنهاج: 14.‏

(68)-نفسه.‏

(69)-نفسه: 36-37.‏

(70)-نفسه: 90-91.‏

(71)-نفسه: 34-35.‏

(72)-نفسه: 35.‏

(73)-والحق أن النقاد والبلاغيين المتأخرين لم يشذ أغلبهم من هذه القاعدة، إذ نجد في مؤلفاتهم صدى نظرية النظم، وفهم عبد القاهر لعلاقة اللفظ بالمعنى. ينظر: القزويني. الإيضاح 1: 80-81-82، 105-106. الزمخشري. الكشاف 1: 23-24، 146. ابن الأثير، الجامع الكبير: 64. المثل السائر 1: 115-116، 213، 229-230. ابن الزملكاني، التبيان: 32، 89، 147، 153-154، 195. العلوي، الطراز: 181، 157، جـ2: 166-167، 224-225.‏

(74)-نفسه: 15-16.‏

(75)-نفسه: 35.‏

(76)-نفسه: 26.‏

(77)-نفسه: 89.‏

(78)-نفسه: 93.‏

(79)-نفسه: 364.‏

(80)-نفسه: 363.‏

(81)-نفسه: 354.‏

(82)-نفسه: 287.‏

(83)-نفسه: 342.‏

(84)-نفسه: 288.‏

(85)-نفسه: 288. وقد عرض لطرق الشعر العائدة إلى طريق الجد وطريق الهزل: 320 وما ينبغي أن تختص به كل طريقة، وكذا ضرورة مراعاة الانسجام بين معاني كل غرض شعري وألفاظه على حدة كأن ينسجم لفظ المدح ومعناه: 351، وفق خصوصية الغرض. وبحث الوزن الشعري وتلاؤمه مع المعنى: 265-266. ثم مستوى الأغراض في القصيدة الواحدة وكيفيات نظم القصائد المركبة: 318-319. وكذا مواقع محددة في القصائد كالمطالع والمقاطع والمبادئ وطرق الخروج والوصل: 282-303-309.‏

(86)-نفسه: 290.‏

(87)-نفسه: 364.‏

(88)-نفسه: 365.‏

(89)-نفسه: 366.‏

(90)-نفسه: 367.‏

(91)-نفسه.‏

(92)-نفسه: 371.‏

(93)-نفسه: 371-372.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:15 PM   المشاركة رقم: 34
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


خاتمة


إنه يمكننا الإقرار في ختام هذه الرحلة بأن وعي النقاد العرب القدماء بمشكلة اللفظ والمعنى، ووجوه التناول التي أفرزتها محاولات استقصائهم الموضوع، تتجاوز مجرد الانتصار لهذا الشق أو ذاك، إلى محاولة حصر منطقة التلاحم بين العنصرين؛ ذلك أن الوعي ظل في جوهره مشدوداً إلى أشكال التآلف التي يمكن أن تلحمهما، أو التفاعل دون أن يغيب عن البال اهتمام أولئك أيضاً بمختلف المعاني.. التي استخدم فيها المصطلحان، ولكن البحث إذ ضبط منطقة استقصاء واحدة هي علائق الطرفين، أزاح ما عداها إلا بالقدر الذي تمليه شروط القراءة. من هنا يمكننا الإقرار بأن أشكال العلائق التي تنتظم المعنى واللفظ في وعي النقد العربي القديم.. تقوم على مراهنات تبدأ من ضرورة تحقيق تطابقهما إلى مستوى أعمق تبلغ فيه الصلة بين الطرفين مرحلة التفاعل الذي يكاد يحيلهما كلاً واحداً، خاصة حين تمتد المعاينة لتعانق عبارة كاملة أو نصاً بالاستناد إلى مفاتيح متطورة مثل معاني النحو.‏

وإذ نقر أيضاً بأن دعوى التآلف بين العنصرين أو تفاعلهما، إذ تبدأ من معاينة التجسد الفعلي لهذه الخاصية في مستوى إفرادي يلحم دالاً ومدلولاً، تنتهي إلى مسار معقد تتكامل فيه دوال عدة في بنية عبارة، أو تأتلف في فصول خطاب في بنية كلية، دون أن يغيب عن الرصد معاينة مستويات الخطاب المؤتلفة أو المتفاعلة دلالياً وتركيبياً وصوتياً، وإن تفاوتت عدسات الرؤية المعاينة للظاهرة بين ناقد وناقد واتجاه وآخر.‏

فلقد قدر لمقاربة الجاحظ مشكلة اللفظ والمعنى، والنظم، أن تحوي أغلب البذور التي استثمرتها المحاولات التالية، إذ إن إلحاحه على ضرورة تحقيق تطابقهما.. ووعيه الحاد بلحمة عناصر النص في الخطاب الشعري خاصة وتشكلها في نسيج متماسك، بالإضافة إلى ما أرهص به في بحث نظم القرآن وحسن تأليفه وتركيبه من إلماحات، شكلت محاور الاستقصاء المتجدد مع كل دورة نقدية فاحصة للأشكال.‏

وعلى الرغم أن من جاء بعد الجاحظ من النقاد يظل مديناً لإنجازه بالكثير، فإن تنوع ما طرح في البيئات الثقافية اللاحقة من قضايا، أملى شروطه على النقاد اللاحقين، فانطبع البحث في موضوع اللفظ والمعنى بخصوصية القضايا المطروحة، إذ ارتبط بأشكال الموازنة بين الشعراء وتداخل مع ثنائية الفصاحة والبلاغة، وشد إلى مقابلة الشعر بالنثر، ومع ذلك ظلت مباشرة النقاد القضية شاملة للطرفين، تقوم على مسلمة يقينية خلاصتها ضرورة تطابقهما وتآلفهما.‏

ولقد ازداد مسار البحث خصوصية واقتراباً من وعي البناء المتميّز للخطاب الأدبي عامة مع الفلاسفة الإسلاميين.. إذ مع الإقرار بأن اهتمامهم بالشعر والخطابة.. لم تمله إلا مقتضيات إكمال البحث في المنطق، إلا أن تكييف النص الأدبي عموماً والشعري خصوصاً بمقتضى وظيفته التخييلية، انعكس في وعي عميق ببنيته اللغوية المتميزة التي تقوم على تلاحم بنية الدلالة مع الأصوات، في إطار من التأليف التركيبي المجسد في الهيئات التأليفية، من هنا كان التناول الشعري لمعاني الحكمة مشروطاً بإخراجها وفق خصوصية الصياغة النوعية للشعر، ومع ذلك لم يتولد من هذا الإنجاز النوعي في قراءة النص الشعري إيمان باستقلاله المعرفي التام.. إذ ظل كالحاشية على الحكمة، لذلك لم يكن لبنيته اللغوية المتميزة أن تفرز دلالتها المتفردة، أو أن تفسح المجال لألوان من التأويلات، وكأن القضية ظلت أسيرة ثنائية الحقيقة المصوغة شعراً.‏

من هنا يمكننا الجزم بأن نظرية النظم كما وصلتنا في طورها الناضج عند عبد القاهر الجرجاني، تمثل محاولة عميقة عرفها التراث العربي الإسلامي، تجلو بمفاتيح متطورة إشكال اللفظ والمعنى والبنية العامة، إذ باعتمادها في تعليل الظاهرة على قاعدة تفاعل معاني النحو مع معاني الكلم، وضعت اليد على نبض دقيق وملموس يشخص الدقائق في تجسدها الفاعل، مدللة بذلك على أن تعليل وحدة المفهوم الناتج عن تفاعل الوحدات الدالة قابل لأن يؤسس.‏

وعلى الرغم مما جوبهت به هذه النظرية من مآخذ كانحسارها في بنية العبارة الواحدة، وإغفالها مستوى البنية الصوتي.. إذ انحسر بحثها في حدود العبارة تركيبياً ودلالياً بالخصوص، فإن تنزيلها في إطارها التاريخي قد يشفع لكثير من تلك المآخذ. هذه المآخذ التي يمكن التقليل من أهميتها أيضاً عند الإشارة إلى منطلقات هذه النظرية وأسسها القائمة على وعي دقيق باللغة، انطلاقاً من استغلالها ثنائية اللغة والكلام، ومستويات الكلام، وكذا الفهم المتطور للصورة الشعرية المنزلة ضمن شمول النظم، وغير ذلك من العناصر الطريفة.‏

ثم تفاعلت قواعد التخييل الفلسفية مع أسس النظم الجرجانية عند حازم القرطاجني في محاولة جادة اهتمت بالتنظير للشعر عموماً.. وأرّقها انتظام عناصر الخطاب خصوصاً، فكان تحسس مشكلات اللفظ والمعنى والأسلوب والنظم قواعد القرطاجني في مباشرة الظاهرة.. إذ أرّقه إنجاز عبد القاهر الكبير المعتمد على النحو، وجذبه الميل الفلسفي إلى "التخييل" الذي يبحث في الشعر ويلح على جدواه، فكان أن انقدح من تشابك المنظورين رأي طريف بحيث فتق وعي القرطاجني، مُولِّداً جديداً يضبط به صور التناسل المفرعة للمعاني وأشكال تناسبها، وكذا هيئات العبارات وأنماط تآلفها ثم ينتهي إلى قراءة تأويلية للنظم، إذ استحال بنية شاملة لقصيدة مؤتلفة من أغراض. وهكذا التحم النقد العربي القديم في مجرى انصهار أخير.. تفاعلت في بوتقته عناصر فكرية أفرزها النقاد وصقلها الفلاسفة وأرسى قواعدها مؤسس النظم، ثم شاء لها مجرى الأمور.. أن يؤلّف بينها القرطاجني في عصر لم يكن عنوانه إلا التفكك والانحلال.‏

وإذا كان في التراث النقدي والبلاغي العربي الإسلامي من زخم الأفكار وتنوع المصطلحات ما يستدعي القراءة المتجددة والتأويل، فإن في حيوية المناهج الحديثة ما يكفل الكشف عن مناطق خفية في هذا التراث أو غامضة، أو يعيد تأويل ما استقر له معنى في الكتابات والقناعات.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 12:17 PM   المشاركة رقم: 35
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي


المصادر والمراجع




1-المصادر والمراجع القديمة‏

الآمدي (الحسن بن بشر):‏

- الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1961م- 1965م.‏

الآمدي (سيف الدين):‏

- غاية المرام في علم الكلام، تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث، القاهرة، 1391هـ- 1971م.‏

ابن أبي الأصبع المصري:‏

- تحرير التحبير، تحقيق حفني محمد شرف، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1383هـ- 1963م.‏

ابن أبي الحديد:‏

- الفلك الدائر على المثل السائر، تحقيق أحمد الحوفي، وبدوي طبانة، دار نهضة مصر، القاهرة، 1962م.‏

ابن الأثير:‏

- الجامع الكبير، تحقيق مصطفى جواد وجميل سعيد، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1375هـ- 1956م.‏

- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر، القاهرة، 1960- 1962م، ط1.‏

ابن باجة:‏

- رسائل ابن باجة الإلهية، تحقيق ماجد فخري، دار النهار للنشر، بيروت، 1968م.‏

- كتاب النفس، تحقيق محمد صغير حسن المعصومي، مطبوعات المجمع العلمي العربي، دمشق، 1379هـ- 1960م.‏

ابن جعفر قدامة:‏

- جواهر الألفاظ، تحقيق محمد محي الدين، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1350هـ‏

- 1932م.‏

- نقد الشعر، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتب العلمية، بيروت.‏

ابن جني:‏

- الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت، 1952م، ط2.‏

ابن حزم:‏

- التقريب لحد المنطق، تحقيق إحسان عباس، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، م: 1959م.‏

ابن رشيد:‏

- تلخيص الخطابة، تحقيق محمد سليم سالم، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1387هـ- 1967م.‏

- تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973م، ط2.‏

- تلخيص كتاب النفس، تحقيق أحمد فؤاد الأهواني، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1950، ط1.‏

- تلخيص ما بعد الطبيعة، تحقيق عثمان أمين، البابي الحلبي، القاهرة، 1958م.‏

- تلخيص منطق أرسطو، العبارة، البرهان، الجدل، المغالطة. تحقيق جيرار جهامي، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1982م.‏

- فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسة والنشر، بيروت، 1981م، ط2.‏

- مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق محمود قاسم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1969م، ط3.‏

ابن رشيق:‏

- العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية، القاهرة، 1963- 1964م، ط3.‏

- قراضة الذهب في نقد أشعار العرب، تحقيق الشاذلي بويحي، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1972م.‏

ابن الزملكاني:‏

- التبيان في علم البيان، تحقيق أحمد مطلوب وخديجة الحديثي، مطبعة العاني، بغداد، 1383هـ- 1964م، ط1.‏

ابن سينا:‏

- الإشارات والتنبيهات، أقسام المنطق والطبيعيات والإلهيات، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1971م، ط2.‏

- الإلهيات من كتاب الشفاء، تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة، 1380هـ- 1960م.‏

- البرهان من كتاب الشفاء، تحقيق عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1954م.‏

- تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات، مطبعة الجوائب، قسطنطينية، 1298هـ- 1880م، ط1.‏

- التعليقات، تحقيق عبد الرحمن بدوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973م.‏

- جوامع علم الموسيقى، تحقيق زكريا يوسف، وزارة التربية والتعليم، القاهرة، 1376هـ- 1956م.‏

- رسالة في إثبات النبوات، تحقيق ميشال مرمورة، دار النهار للنشر، بيروت، 1968م.‏

- رسالة في ماهية العشق، نشر أحمد آتش، مطبعة إبراهيم خروز، استانبول، 1953م.‏

- العبارة من كتاب الشفاء، تحقيق محمود الخضيري، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1390هـ- 1970م.‏

- عيون الحكمة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، منشورات المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة، 1954م، ط1.‏

- فن الشعر، من كتاب الشفاء ضمن فن الشعر لأرسطو، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973م، ط2.‏

- القياس من كتاب الشفاء، تحقيق سعيد زايد، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1384هـ- 1964م.‏

- كتاب المجموع أو الحكمة العروضية في معاني كتاب الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1969م.‏

- مجموع (رسائل ابن سينا)، مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، الدكن، 1953م، ط1.‏

- المدخل من كتاب الشفاء، تحقيق الأب قنواتي ومحمود الخضيري وفؤاد الأهواني، وزارة المعارف العمومية، الإدارة العامة للثقافة، القاهرة، 1952م.‏

- منطق المشرقيين، تقديم شكري النجار، دار الحداثة، بيروت، 1982م، ط1.‏

- النجاة وهو في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية، مطبعة السعادة، القاهرة، 1331هـ.‏

ابن شرف القيرواني:‏

- أعلام الكلام، تصحيح وضبط عبد العزيز أمين الخانجي، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1344هـ- 1926م، ط1.‏

ابن طباطبا:‏

- عيار الشعر، تحقيق طه الحاجري ومحمد زغلول سلام، المكتبة التجارية، القاهرة، 1956م.‏

ابن طفيل:‏

- حي بن يقظان، تحقيق أحمد أمين، دار المعارف، القاهرة، 1952م.‏

ابن عباد الصاحب:‏

- الكشف عن مساوئ المتنبي، ملحق بالإبانة عن سرقات المتنبي للعميدي، تحقيق إبراهيم الدسوقي البساطي، دار المعارف، القاهرة، 1961م.‏

ابن عبد ربه:‏

- العقد الفريد، تحقيق أحمد الزين وأحمد أمين وإبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1403هـ- 1983م.‏

ابن فارس:‏

- الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق مصطفى الشويمي، مؤسسة أ. بدران للطباعة والنشر، بيروت، 1383هـ- 1964م.‏

ابن قتيبة:‏

- تأويل مشكل القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، عيسى الحلبي، القاهرة، 1373هـ- 1954م.‏

- الشعر والشعراء، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1966م- 1967م، ط2.‏

- عيون الأخبار، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1346هـ- 1928م، ط.‏

- كتاب المعاني الكبير، مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند، 1368هـ- 1949م، ط1.‏

ابن القيم الجوزية:‏

- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.‏

ابن المدبر:‏

- الرسالة العذراء في موازين البلاغة، ضمن رسائل البلغاء، اختيار وتصنيف محمد كرد علي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1365هـ- 1946م، ط3.‏

ابن مسكويه:‏

- كتاب الفوز الأصغر، طبع في بيروت، 1319هـ.‏

ابن منقذ أسامة:‏

- البديع في نقد الشعر، تحقيق أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد، البابي الحلبي، القاهرة، 1380هـ- 1960م.‏

ابن المنير:‏

- الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، بهامش الكشاف للزمخشري، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1367هـ- 1948م.‏

ابن وهب:‏

- البرهان في وجوه البيان، تحقيق أحمد مطلوب، وخديجة الحديثي، مطبعة العاني، بغداد 1387هـ- 1967م، ط1.‏

أبو عبيدة:‏

- مجاز القرآن، تحقيق محمد فؤاد سزكين، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1401هـ- 1981م، ط2.‏

إخوان الصفا:‏

- رسائل إخوان الصفا وخلان الوفاء، تصحيح خير الدين الزركلي، المكتبة التجارية، القاهرة، 1347هـ- 1928م.‏

الأشعري:‏

- مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الحداثة، بيروت، 1405هـ- 1985م، ط2.‏

الأصفهاني (أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن):‏

- الواضح في مشكلات شعر المتنبي، تحقيق محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس، 1968م.‏

الباقلاني:‏

- إعجاز القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، دار المعارف، القاهرة، 1981م، ط5.‏

- الإنصاف، تحقيق محمد زاهد بن الحسن الكوثري، مؤسسة الخانجي للطباعة والنشر، القاهرة، 1382هـ- 1963م، ط2.‏

- التمهيد، تحقيق الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، منشورات جامعة الحكمة في بغداد، بيروت، 1957م.‏

البغدادي (أبو طاهر محمد بن حيدر):‏

- قانون البلاغة في نقد النثر والشعر، تحقيق محسن غاض عجيل، مؤسسة الرسالة، بيروت 1401هـ- 1981م، ط1.‏

التوحيدي (أبو حيان):‏

- البصائر والذخائر، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد صقر، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1373هـ- 1953م، ط1.‏

- البصائر والذخائر، تحقيق إبراهيم الكيلاني، مكتبة أطلس ومطبعة الإنشاء، دمشق، بدون تاريخ.‏

- كتاب الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد الزين وأحمد أمين، لجنة التأليف والترجمة والنشر، المكتبة العصرية، بيروت- صيدا، 1373هـ- 1953م.‏

- مثالب الوزيرين، تحقيق إبراهيم الكيلاني، دار الفكر بدمشق، 1961م.‏

- المقابسات، تحقيق حسن السندوبي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1347هـ- 1929م، ط1.‏

- الهوامل والشوامل، نشر أحمد أمين والسيد أحمد صقر، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1370هـ- 1951م.‏

الجاحظ:‏

- البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1348هـ- 1961م.‏

- رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون (دون نص)، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1964- 1965م.‏

- العثمانية، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي بمصر، ومكتبة المثنى ببغداد، 1374هـ- 1955م.‏

- كتاب التربيع والتدوير، تحقيق شارل بلات، المعهد الفرنسي بدمشق للدراسات العربية، دمشق، 1955م.‏

- كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1388هـ- 1969م، ط3.‏

- مجموعة رسائل (ساسي)، مطبعة السعادة، القاهرة، 1324هـ 1907م. ط1.‏

- مجموع رسائل الجاحظ، تحقيق محمد طه الحاجري (بنص) دار النهضة العربية، بيروت، 1983.‏

الجرجاني (عبد القاهر):‏

- أسرار البلاغة، تحقيق هـ. ريتر، مطبعة وزارة المعارف، استانبول، 1954م.‏

- دلائل الإعجاز، تحقيق السيد محمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1398هـ- 1978م.‏

- الرسالة الشافية، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، 1387هـ- 1968م، ط2.‏

الجرجاني (علي بن عبد العزيز):‏

- الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1386هـ- 1966م، ط4.‏

الجمحي (ابن سلام):‏

- طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، 1974م.‏

الحاتمي:‏

- الرسالة الموضحة، تحقيق محمد يوسف نجم، دار صادر، دار بيروت، بيروت، 1385هـ- 1965م.‏

الخطابي:‏

- بيان إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، 1387هـ- 1968م، ط2.‏

الخفاجي (ابن سنان):‏

- سر الفصاحة، تحقيق عبد المتعال الصعيدي، مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، 1389هـ- 1969م.‏

الخوارزمي:‏

- مفاتيح العلوم، تصحيح ونشر ح. فان فلوتن، مطبعة بريل.. ليدن، 1895م (طبعة مصورة عن الطبعة الأولى، 1349هـ- 1930م.‏

الرماني:‏

- النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، 1387هـ- 1968م، ط2.‏

الزركشي:‏

- البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، البابي الحلبي، القاهرة، 1376هـ- 1957م، ط1.‏

الزمخشري:‏

- تفسير الكشاف، تحقيق محمد موسى عامر، دار المصحف، القاهرة، 1397هـ- 1977م، ط2.‏

السكاكي:‏

- مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون تاريخ.‏

سيبويه:‏

- الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، جـ1، دار القلم، القاهرة، 1966م، جـ2، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1968م.‏

السيوطي:‏

- المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي ومحمد أحمد جاد المولى، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ.‏

الشهرستاني:‏

- الملل والنحل، تحقيق محمد سيد كلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، 1395هـ- 1975م، ط2.‏

- نهاية الإقدام في علم الكلام، تصحيح الفرد جيوم، مكتبة المثنى ببغداد، بدون تاريخ.‏

الصولي:‏

- أخبار أبي تمام، تحقيق صالح الأشتر، دار الفكر بدمشق، 1384هـ- 1964م، ط2.‏

عبد الجبار (القاضي أبو الحسن):‏

- إعجاز القرآن، الجزء السادس عشر من المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق أمين الخولي، دار الكتب، القاهرة، 1380هـ- 1960م، ط1.‏

- قضية القرآن، الجزء السابع من المغني... قوم نصه إبراهيم الأبياري، الشركة العربية للطباعة والنشر، القاهرة، 1380هـ- 1961م، ط1.‏

العسكري (أبو هلال):‏

- ديوان المعاني، مكتبة القدسي، القاهرة، 1352هـ.‏

- كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1971م، ط2.‏

العلوي:‏

- كتاب الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، مطبعة المقتطف، القاهرة، 1332هـ- 1914م.‏

الغزالي:‏

- قواعد العقائد، تحقيق سعيد زايد، القاهرة، 1960م.‏

- كتاب الاقتصاد في الاعتقاد، تصحيح مصطفى القباني، الطبعة الأدبية، القاهرة، بدون تاريخ.‏

- المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، تحقيق فضلة شحادة، دار المشرق، بيروت، 1971م.‏

- منطق تهافت الفلاسفة المسمى معيار العلم، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، 1969م، ط2.‏

الفارابي:‏

- إحصاء العلوم، تحقيق عثمان أمين، دار الفكر العربي، القاهرة، 1949م، ط2.‏

- رسالة في قوانين صناعة الشعراء، ضمن كتاب فنّ الشعر لأرسطو، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973م، ط2.‏

- رسالة للفارابي في الرد على يحيى النحوي في الرد على أرسطوطاليس، ضمن رسائل فلسفية للكندي والفارابي وابن باجة وابن عدي، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار الأندلس، بيروت، 1983م، ط3.‏

- شرح لكتاب أرسطوطاليس في العبارة، نشر ولهلم كوتش اليسوعي وستانلي مارو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1960م.‏

- فصول منتزعة، تحقيق فوزي متري نجار، دار المشرق، بيروت، 1971م.‏

- فلسفة أرسطوطاليس وأجزاء فلسفته ومراتب أجزائها والموضوع الذي منه ابتدأ وإليه انتهى، تحقيق محسن مهدي، دار مجلة شعر، بيروت، 1961م.‏

- كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، 1982م، ط4.‏



- كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق حسن مهدي، دار المشرق، بيروت،‏

1968م.‏

- كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1970م.‏

- كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، تحقيق فوزي متري نجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1964م، ط1.‏

- كتاب الشعر، تحقيق محسن مهدي، مجلة شعر، المجلد الثالث، العدد 12، بيروت، 1959م.‏

- كتاب في المنطق، العبارة، تحقيق محمد سليم سالم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976م.‏

- كتاب الموسيقى الكبير، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، بدون تاريخ.‏

الفراء:‏

- معاني القرآن، تحقيق محمد علي النجار، أحمد يوسف نجاتي، عالم الكتب، بيروت، 1403هـ- 1981م، ط3.‏

القرطاجني (حازم):‏

- منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981م، ط2.‏

القزويني (محمد بن عبد الرحمن المعروف بالخطيب):‏

- الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1395هـ- 1975م، ط4.‏

الكندي (يعقوب بن إسحاق):‏

- رسائل الكندي الفلسفية، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريدة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1950م.‏

المبرد:‏

- الكامل، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم والسيد شحاته، مطبعة نهضة مصر، القاهرة، م: 1376هـ- 1956م.‏

المرتضى (الشريف علي بن الحسين):‏

- أمالي المرتضى، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ- 1967م، ط2.‏

- الشهاب في الشيب والشباب، مطبعة الجوائب قسطنطينية، 1302هـ، ط1.‏

- طيف الخيال، تحقيق حسن كامل الصيرفي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة، 1381هـ- 1962م، ط1.‏

المرزوقي:‏

- شرح ديوان الحماسة، تحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القسم الأول، القاهرة، 1371هـ- 1951م، ط1.‏

النواجي (شمس الدين محمد بن حسن):‏

- مقدمة في صناعة النظم والنثر، تحقيق محمد بن عبد الكريم، دار مكتبة الحياة، بيروت، بدون تاريخ.‏

2- المراجع الحديثة‏

إبراهيم طه أحمد:‏

- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405هـ- 1985م،‏

ط1.‏

انيس إبراهيم:‏

- دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963م، ط2.‏

البشير المجدوب:‏

- تحليل نقدي لمفهوم النثر الفني عند القدامى، ضمن قضايا الأدب العربي، نشر مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، 1978م.‏

جمعي الأخضر:‏

- نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين، مخطوط بمكتبة جامعة الجزائر.‏

الجندي درويش:‏

- نظرية عبد القاهر في النظم، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1960م.‏

الحاج صالح عبد الرحمن:‏

- مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلة اللسانيات، معهد العلوم اللسانية والصوتية، جامعة الجزائر، المجلد الأول، عدد1، 1971، عدد 2، 1971، المجلد الثاني، عدد 1، 1972، العدد 4، 1973- 1974.‏

الحاج كمال يوسف:‏

- في فلسفة اللغة، دار النهار للنشر، بيروت، 1967م.‏

راضي عبد الحكيم:‏

- النقد اللغوي في التراث العربي، مجلة فصول، المجلد السادس، العدد 2، القاهرة، 1986م.‏

الروبي ألفت كمال:‏

- نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1983م، ط1.‏

زهران البدراوي:‏

- عالم اللغة عبد القاهر الجرجاني، دار المعارف، القاهرة، 1981م.‏

زيدان محمود فهمي:‏

- في فلسفة اللغة، دار النهضة العربية، بيروت، 1405هـ- 1985م.‏

سلام محمد زغلول:‏

- تاريخ النقد العربي إلى القرن الرابع الهجري، دار المعارف، القاهرة، 1964م.‏

صمود حمادي:‏

- التفكير البلاغي عند العرب، أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، السلسلة السادسة، الفلسفة والآداب، مجلد عدد 21، تونس، 1981م.‏

- ملاحظات حول مفهوم الشعر عند العرب، ضمن قضايا الأدب العربي، نشر مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، 1978م.‏

ضيف شوقي:‏

- البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، القاهرة: 1965م، ط2.‏

عاصي ميشال:‏

- مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ، مؤسسة نوفل، بيروت، 1981م، ط2.‏

عباس إحسان:‏

- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، بيروت، 1404هـ- 1983م، ط4.‏

عبد البديع لطفي:‏

- التركيب اللغوي للأدب، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1970م، ط1.‏

عصفور جابر:‏

- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1983م، ط2.‏

- مفهوم الشعر، المركز العربي للثقافة والعلوم، 1982م.‏

عياد شكري:‏

- كتاب أرسطو طاليس في الشعر، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1967م.‏

- المؤثرات الفلسفية والكلامية في النقد العربي والبلاغة العربية، مجلة الأقلام، العدد 11، السنة الخامسة عشرة، بغداد، 1980م.‏

غرنباوم غوستاف فون:‏

- دراسات في الأدب العربي، ترجمة: إحسان عباس وآخرين، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1959.‏

فاخوري عادل:‏

- علم الدلالة عند العرب، دار الطليعة، بيروت، 1985م، ط1.‏

كوربان هنري:‏

- تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصيرة مروة، حسن قبيسي منشورات عويدات، بيروت، 1983م، ط3.‏

المسدي عبد السلام:‏

- البيان والتبيين بين منهج التأليف ومقاييس الأسلوب، ضمن قراءات مع الشابي والمتنبي والجاحظ وابن خلدون، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1981م.‏

- التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، 1981م.‏

- اللسانيات وأسسها المعرفية، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس- الجزائر، 1986م.‏

المهيري عبد القادر:‏

- مساهمة في التعريف بآراء عبد القاهر الجرجاني في اللغة والبلاغة، ضمن حوليات الجامعة التونسية، العدد 11، 1974م.‏

موهوب مصطفاي:‏

- المثالية في الشعر العربي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982م.‏

ناصف مصطفى:‏

- دراسة الأدب العربي، دار الأندلس، بيروت، 1401هـ- 1981م، ط2.‏

- نظرية المعنى في النقد العربي، دار الأندلس، بيروت، 1401هـ- 1981م، ط2.‏

النشار علي سامي:‏

- المنطق الصوري منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة، دار المعارف، القاهرة، 1971م، ط5.‏

- مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار الفكر العربي، القاهرة، 1367هـ- 1947م، ط1.‏

يونس عبد الحميد:‏

- الأسس الفنية للنقد الأدبي، دار المعرفة، القاهرة، 1966م، ط2.‏

المراجع الأجنبية‏

BEN CHEIKH Jamal Eddine:‏

- Poétique Arabe, ed. Antropos, Paris, 1975.‏

BENVENISTE Emile:‏

- Problèmes de linguistique Générale, t.2, Gallimard, 1974.‏

CHAUCHARD Paul:‏

- Le langage et la pensée, P.U.F., Paris, 1968, 7éme ed.‏

COHEN Jean:‏

- Structure du langage poétique, flammarion, Paris, 1966.‏

DE SAUSSURE Ferdinand:‏

- Cours de linguistique générale, publié par charles Bally et Albert Sechehaye, ed. Critique preparée par de Mauro, Payot, Paris, 1981.‏

DUCROT Oswald, Todorov TZVETAN:‏

- Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, ed. Seuil, Paris, 1972.‏

JAKOBSON Roman:‏

- Essais de linguistique générale, t1, ed. de Minuit, Paris, 1963.‏

- Six leçons sur le son et le sens, ed. de Minuit, Paris, 1976.‏

MADKOUR Ibrahim:‏

- l’ Organon d’Aristote dans le monde Arabe, librairie philosophique, Paris, 1969, 2éme ed.‏

MARTINET André:‏

- Eléments de linguistique générale, Librairie Armand Colin, Paris, 1970.‏

MOUNIN Georges:‏

- Clefs pour la singuistique, ed. Seghers, Paris, 1971.‏

- La linguistique du 20éme siecle, P.U.F, 1972.‏

KRISTEVA Julia:‏

- Le langage cet inconnu, ed. du seuil, Paris, 1981.‏

LEROY Maurice:‏

- Les grands courants de la linguistique modérne, ed. de l’Université de Bruxelles, 1980, 2éme ed.‏

SCHAFF Adam:‏

- Langage et connaissance, traduit du polonais par claire Brendel, ed. Anthropos, 1969.‏

TRABULSI Amjad:‏

- La critique poétique des Arabes jusqu’ au 5éme siécle do l’hégire, Institut Francais de Damas, 1955.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 08-17-2006, 11:51 PM   المشاركة رقم: 36
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

.






تمَّ.





.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 11:29 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009