عالم من الإبداع

 

    

آخر 15 موضوع
لبيكَ لبْيكَ يارحمن           »          اليوم الوطني ذكرى للرقي           »          ثرثرة / بلا قيود           »          (أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)           »          ماذا تقول لمن يخطر على بالك الآن..؟           »          بين أحضان العيد           »          شهرُ الغفران والقرب من الرحمن           »          تجربة الفراق __ وهاب شريف __ العراق           »          ياليل ياطولك           »          تدثيرة شتوية           »          من جِد           »          عاشق عنيـد           »          ـــ أبقيـ معيـ ـــ           »          وحِضنُ الحوضِ من خزفِ           »          وأشرب ُ شايا جديدا /للشاعر العراقي : وهاب شريف



حصريات المنتدى

                                            

العودة   شبكة قامات الثقافية > قامات الفكرية الثقافية > اقرأ

موضوع مغلق
قديم 07-05-2006, 09:18 PM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



العصر الحميري : والدولة الحميرية الأولى 115ق.م-300/.‏

يعود تاريخ نشأة الدولة الحميرية الأولى، وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية إلى العام 115/ قبل الميلاد، وقد خاض الحميريون حروباً طاحنة ضد حكم الدولة السبئية الحميرية، واستطاعوا الاستيلاء على مأرب بعد حملة الرومان، وكذلك حملات الحبش على اليمن، حيث كانت الحكومة السبئية الحميرية تعاني من الضعف والهوان، جراء حروب التطاحنات الكبرى بين الزعامات الاقطاعية والارستقراطية العليا على العرش ،"وهم سادات (همدان) وسادات (حمير) اصحاب (ريدان)، وسادات حضرموت وقتبان، واقيال واذواء وأصحاب اطماع وطموع، ارادوا اهتبال الفرص، واغتصاب السلطة لتوسيع املاكهم وتقوية نفوذهم، وكان الخاسر الوحيد في منازعات الامراء الاقطاعيين جماهير الكادحين، الفلاحين المسخرين والعبيد، وفقراء الحرفيين والعمال والفعلة"(28).‏

والحميريون كانوا على صلة شديدة بالدولة السبئية، بل أنهم يمثلون أحد فروعها، التي تناوبت على السلطة معها، حيث كانت علاقات حمير سبأ علاقات صراع وخصومة في أغلب الاوقات، إلى ان انتقلت السلطة نهائياً إلى الحميريين، بعد أن دب الضعف في أوساط الارستقراطية السبئية، وبذلك ورثوا أمجاد الحضارة السبئية- المعينية.‏

وكان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من اليمن، أي أن تمركزهم في المدن الساحلية المطلة على البحر الأحمر، واحتكارهم التجارة والملاحة في البحر الأحمر جعلهما يبنيان قوة حقيقية اقتصادية وتجارية، وبالتالي سياسية، الأمر الذي مكنهم لاحقاً من الحاق الهزيمة بأخوانهم السبئيين الذين اتحدوا معهم بعد زوال الدولة السبئية. وقد لقب ملك الحميريين بلقب " ملك سبأ وذى زيدان"، وريان، هي اسم" ظفار" ولاسيما حصنها الشهير المعروف باسم حصن ذى ريدان، الذي يرمز إلى ملك حمير، والذي يحمي العاصمة من غارات الاعداء." وقد أخذ حصن (ريدان) أسمه من حصن أقدم عهداً منه كان في قتبان بني عند ملتقى أودية في جنوب العاصمة( تمنع عرف بـ (ذى ريدان) (ذ ريدان) وقد بني على جبل سمي بـ (ذى ريدان) يؤدي إلى (حدنم) (حدن). ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة بـ (ذى ريدان) وذلك حيثما كانوا اتباعاً لمملكة قتبان، لذلك اطلقوا على الحصن الذي بنوه بـ، ظفار/ اسم حصن/ ذى ريدان/، تيمناً باسم قصرهم القديم، واطلقوا (ذى ريدان) على وطنهم الجديد الذي اقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان، ليذكرهم باسم وطنهم القديم"(29).‏

وهكذا اتخذ الحميريون ظفار عاصمة لهم، التي كانت تسمى في آداب الرومان واليونان سيفاً وسفار، واحتلت بذلك مكان مأرب عاصمة السبئيين وقرن عاصمة معين في ازدهاريهما، وعظمتيهما الحضاريتين. واستمرت الدولة الحميرية الأولى في البقاء حتى 300 م.‏

الدولة الحميرية الثانية (300-525م).‏

تأسست الدولة الحميرية الثانية حوالي 300 ميلادية، وأصبح ملكها يلقب بـ" ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات"، إذ توسعت الدولة الحميرية بضمها بعضها واخضاعها لحضرموت، التي فقدت استقلالها. وفي هذه الاضافة الجديدة دلالة على ان الدولة الحميرية قد توسعت كثيراً بهذا الضم، فكلمة يمانت في رأي كلاسر" كلمة عامة تشمل الأرضين في القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب، من باب المندب حتى حضرموت... ومن( يمنت) ولدت كلمة اليمن التي توسع مدلولها في العصور - الاسلامية حتى شملت أرضين واسعة، لم تكن تعد من اليمن قبل الاسلام"(30). وفي عهد الدولة الحميرية الثانية، تعرضت العربية السعيدة لغزو الاحباش، الذين احتلوا اجزاء من البلاد، ومكثوا فيها من عام 340 إلى 378م، واستعادت مملكة حمير سيادتها على البلاد بعد مقاومة وطنية باسلة، طرد على اثرها الاحباش، واسترد الحميريون القابهم الضخمة.‏

لقد امتد العصر الحميري من عام 115 ق.م وانتهى بانقراض دولة حمير في عهد الملك ذى نواى525م، وبذلك استمرت الدولة الحميرية في حكم اليمن زهاء 640 عاماً.‏

ان الحديث عن العصر الحميري يقودنا إلى نشأة ونمو ملحوظ لقوى الانتاج، ولتبلور نظم الطبقات، وقيام الدولة التي تقودها الطبقة الارستقراطية، والتي تمتلك وسائل الانتاج الرئيسية، والمتكونة من رؤساء القبائل والتجار والقوافل ورجال المال والقيادات الذين يتولون وظائف عامة. غير ان قيام الدولة الذي يشكل مرحلة تاريخية متقدمة بالمقارنة مع النظام القبلي والعشائري، الذي كان سائداً، لايعني أنها حققت القطعية مع هذا الأخير.‏

فالحضارة التي شهدتها الدولة الحميرية ذات ابعاد متماثلة بالنسبة إلى حضارات الشرق المتحضر خلال حقب دول البابليين والفينيقيين والآشوريين والمصريين.‏

" وكان قيام الدولة تحقق لضرورة تاريخية بعد نشوء التمايز الاجتماعي الطبقي في مجتمعنا ذاك. وهذه الضرورة هي مايلازم تكوين الدولة من صفة الاستقرار وصفة التراكم اللتين هما في علاقة جدلية مع التطور الاجتماعي. وكانت شروط هذه الضرورة متوفرة في اليمن والعربية الجنوبية، التي مر زمن طويل عليها منذ أخذ الاقتصاد الطبيعي والروابط الجماعية القبلية فيها بالتفكك، وشرعت تحل محلها روابط اقتصادية جديدة وعلاقات انتاج أرقى أي أن التطور التاريخي كان حينذاك قد قطع شوطاً طويلاً في مسار حركته إلى نشوء نظام اجتماعي يقوم على الملكية الخاصة والاستغلال والتفاوت في توزيع الثروة والتمايز الاجتماعي كان نشوء الدولة ضرورياً لحماية هذا النظام وتعزيزه"(31).‏

بالتلازم مع قيام الدولة العربية السعيدة، تطور المجتمع المديني مع ممارسة الزراعة وتطورها بفعل الشبكة الرائعة من السدود لحفظ المياه، والتربة الغنية التي تتمتع بها أراضي اليمن، وتوسيع الأراضي الزراعية، وازدهار التجارة، باعتبار ان المجتمع المديني هذا كان قائماً بصورة أساسية على التجارة البحرية والقوافل، والزراعة، وتطور القوى المنتجة.‏

ان تبلور الأوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية في المجتمع المديني اليمني قاد إلى تفكك الروابط الجماعية القبلية فيه، وإلى ظهور مجال جديد للتنظيم الاجتماعي والأشكال السياسية، والتبادل اللغوي والثقافي الديني والفلسفي. وبرزت في هذا المجتمع المديني نتاج تبلور نظام اجتماعي قائم على الملكية الخاصة، طبقة ارستقراطية مؤلفة من الاقطاعيين اصحاب الأراضي الكبيرة، والتجار الأثرياء، ووجهاء القبائل، وكهان المعابد.‏

وفد بلغت هذه الطبقة درجة كبيرة من الثراء ساعدها على ذلك طبيعة الدولة الاوليغارشية التي تعتمد على هذه الارستقراطية، حيث أن الحكم والثروة والنفوذ والجاه، هو بيد هذه الطبقة المالكة للثروة، فضلاً عن أن الاسر الحاكمة كانت تأتي من هذه الطبقة، وكذلك الامر بالنسبة لاعضاء مجالس (المزود) (المسود) و( حكومات المدن) و( المجالس القبلية) وقادة الجيش، و( الكبراء) ،و(الأقبان) و( الاقيال)،" ويشبه مجلس المزود مجالس المدن والمجالس القبلية التي تكون داخل القبيلة الواحدة من وجهائها واثريائها، وكان رؤساء القبائل أصحاب الاملاك يتقلدون الوظائف العالية القيادية في الدولة ويتولون جمع الضرائب وادارة الأقاليم"(32).‏

وفي عهد الدولة الحميرية الثانية أخذت المسيحية تتسرب إلى اليمن، وانتشرت النصرانية القائمة على المذهب المنوفيزي منذ عهد قديم. وتشكلت طائفة نصرانية كبيرة اقامت بنجران، واستغلها الاحباش كسند في اطار حملتهم على اليمن عام 340م. وبسبب هذا الموقف، الذي اتخذه النصارى، تولد عند اليمانيين الحميريين ردة فعل عنيفة، وعداء شديد أزاءهم. وبالمقابل انتشرت اليهودية في اليمن في عهد الدولة الحميرية الثانية، وقد دخلت عن طريق شمال الجزيرة العربية، وأصبحت الديانة اليهودية قوية جداً في اليمن حتى ان آخر ملوك الدولة الحميرية ذي نواس (515-525) كان يهودياً. وفي سياق الصراع التنافسي بين الديانتين الموحدتين، تحولت العلاقة بينهما إلى عداء سافر وهذا ما قادى الملك ذو نواس إلى شن حملة دموية عنيفة على النصارى بهدف ترك دينهم والقضاء على المسيحية في اليمن. فقام بمذبحة نصارى نجران في تشرين أول عام 523 م، وحرق الانجيل، ودعا من نجا منهم إلى اعتناق اليهودية" فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل". غير ان اضطهاد ذو نواس للمسيحيين وتعصبه لليهودية أثار البيزنطيين فاوعزوا إلى الاحباش بالهجوم على اليمن انتصارا للنصارى، وكان أن جهز الاحباش حملة على الدولة الحميرية، واستطاعوا أن يقضوا عليها، فقتلوا أهلها وهدموا حصونها، أما ذو نواس فقد رمى بنفسه في البحر وقال الموت في البحر أحسن من الأسر، ولكن لم يلبث أهل اليمن طويلاً حتى استنجدوا بالساسانيين الفرس وهم أعداء البيزنطيين فأنجدهم اوشروان بقوة استطاعت أن تخرج الأحباش منها وبذلك تحررت اليمن رغم محاولة الفرس البقاء فيها "(33).‏

لقد كان لحركة التجارة المزدهرة بين اليمن وبلاد الشام، وبين الخليج العربي ومؤانئ البحر المتوسط، اسهام كبير في ظهور وتبلور مجتمعات مدينية عربية على تخوم صحراء الجزيرة العربية والعراق، وفي قلب بادية الشام، تميز البعض منها بطابع زراعي، وتميز البعض الآخر بطابع تجاري وبخاصة في مدن غرب الجزيرة، وجنوبها، وقامت دويلات عربية على أطراف الجزيرة مثل دولة الانباط، ومملكتي الغساسنة والمناذرة ودولة تدمر.‏

المجتمع المديني التدمري:‏

تعتبر تدمر واحدة من أمهات مدائن الشرق في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ويكاد صعودها إلى قمة مجدها الاقتصادي يضاهي صعود بعض مدائن أوروبا الغربية وايطاليا في عصر النهضة الأوروبية. وقد ساعدتها العوامل الاقليمية المحيطة على اعتلاء قمة المجد الاقتصادي، والسياسي هذا، خصوصاً بعد تدهور كيان دولة الانباط وسقوطها ،وافول نجم عاصمتها البتراء في العام 106م/، وورثت تدمر المكانة الرئيسية التي كانت تحتلها البتراء، فأصبحت بذلك مركزاً مهما للنشاط التجاري، وللطرق التجارية الدولية، التي تربط الشرق( بلاد الساسانيين- ايران والهند، والصين من جهة) بالغرب - أوروبا من جهة أخرى. وغدت حلقة أساسية في طريق الحرير الهامة بين الصين والعالم الروماني التي كانت من مسالك التفاعل الحضاري في العالم القديم، فتوسعت تجارتها وزاد عدد قوافلها، وحصلت على ثروة طائلة. وهكذا عرفت تدمر أكبر قدر من الازدهار الاقتصادي، فأكملت بناء معابدها الجديدة، وجددت بناء القديمة منها أو وسعتها وحسنتها، وانجزت بناء السوق العامة( الاغوارا) وأنشأت الشارع الرئيسي ومدته نحو معبد بعل وجعلت له بوابة رائعة التي اشتهرت بأسم " قوس النصر" وأخذت تنشئ المدائن الضخمة،" ووصلت تدمر في جمالها وفخامة عمرانها إلى مصاف مدن العهد الروماني في سورية وخارجها"(34).‏

وتبلورت في تدمر طبقة ارستقراطية كبيرة وشديدة الثراء تضم التجار أصحاب القوافل، والوسطاء، والوكلاء والصيارفة، وكنتاج لثرائها، كانت هذه الطبقة شديدة الولع ببناء المعابد الضخمة والتماثيل التي لاتحصى، والحمامات، والمسرح وقاعات الولائم، والمجالس العديدة، وهذا دليل قوي على اهتمام هذه الطبقة بالجوانب الثقافية والروحية، فضلاً عن حبها للبذخ والترف والجاه.‏

يتميز المجتمع المديني التدمري بخصائص معينة، نوجزها على النحو التالي:‏

1- إن التجارة عامة، وتجار القوافل بخاصة هم الذين يقومون بالنشاط الاقتصادي الأساسي في المدينة، وقد أطلق على اسم تدمر مدينة القوافل، ولما كان تجار القوافل يحتلون المركز الأول في النشاط الاقتصادي، فإنهم بالمقابل يقومون بالمهمات العظمى داخل المدينة، مثل الكهانة والسدانة، وعضوية مجالس الشيوخ والوظائف العامة، والقيادات الرئيسية، وعامة الاحزاب الدينية. ولقد زاد من دور تجار القوافل، تنامي قوة حركة القوافل الوافدة من مصر، ومن الجزيرة العربية، وساحل الخليج العربي، ومن مرافئ دجلة والفرات، وهذا ما جعل لمدينة تدمر مستودعات ووكالات وجاليات تابعة في كل هذه المناطق.‏

2- ان تدمر شكلت مركزاً مهما بين الشرق والغرب، وكانت عقدة من العقد الخطيرة في العمود الفقري لعالم التجارة بعد الميلاد، تمر القوافل تحمل اثمن البضائع في ذلك الوقت، كانت على اتصال بأسواق العراق، وما يتصل بالعراق من اسواق في ايران والهند والخليج والعربية الشرقية. كما كانت على اتصال بأسواق البحر المتوسط، ولاسيما ديار الشام ومصر، كما كانت على اتصال بالعربية الغربية وباسواقها الغنية بأموال افريقية والعربية الجنوبية والهند، ان هذه التجارة هي التي احيت تلك المدينة، كما ان تغير طرق المواصلات بسبب تغير الأوضاع السياسية هو الذي شل جسم المدينة، فاقعدها عن الحركة بالتدريج.(35).‏

3- ان المجتمع المديني التدمري هو خليط من تجار ومزارعين، في حين ان أطرافها كانوا أعراباً ورعاة، ومع ذلك فان الأعمال التجارية الواسعة هي التي كانت تغلب عليه. ولما كانت العلاقات التجارية مع الدول المجاورة قوية، فقد كان لتدمر علاقات سياسية مع الفرس والرومان والروم، والقبائل العربية في البادية" التي لم يكن من الممكن مرور قوافلها في أرضها بسلام مالم يتفق مع سادتها على دفع اتاوة سنوية.وهذا ما دفع هذه المدينة التجارية والمتوقفة حياتها على التجارة، التي هي عرضة لأطماع الطامعين من قبل الدول القوية التي تخوض صراعاً تنافسياً للسيطرة عليها إلى بناء جيش ضخم قوي،" وقد منحت (تدمر) درجة مستمرة رومانية عليها، فاكتسبت بذلك حق الامتلاك التام والاعفاء من الخراج والحرية الكاملة في ادارة سياسة المدينة، ونالت الحقوق الايطالية منحت هذه الدرجة في أيام (هدريانوس) على رأي،، أو في أيام (سبتيموس سويروس) (193-211م) على رأي آخر.. ولكن منحها درجة (مستعمرة) لايعني أنها صارت مقاطعة رومانية مئة بالمئة ن بل كانت في الواقع حكومة مستقلة ذات سلطة واستقلال في ادارة شؤونها خاضعة خضوعاً شكلياً لحكم الرومان"(36).‏

كما وفي ظل تمتع التدمريين بهذا الاستقلال النسبي، استغلوا فرصة انشغال الدولة الرومانية بمقاومة الغزوات الجرمانية التي باتت تهدد دولتهم في أوروبا الغربية، لكي يقوموا بتوسيع دولتهم، التي أصبحت تضم عدداً من الدول الصغيرة المجاورة.‏

4- لقد كان لقيام الدولة الساسانية في العام 266 م، بعد انقلاب ثورة (اردشير بن بابك بن ساسان) على الملك (أرطبان) الخامس ملك البرث، وعلى ملك أرمينية، اثر كبير في حياة الدولة التدمرية، ذلك ان الصراع بين الساسانيين والرومان سرعان ما انفجر على أشده، فتاستغلت أحدى اسر تدمر العريقة هذا الصراع المتجذر أحسن استغلال، وزعيم هذه الاسرة هو (لذينة) من(بني السميدع) إذينه من اسرة قديمة معروفة تولى رجالها رئاسة تدمر والزعامة عليها، واستطاعت بفعل تأييدها للرومان وتقربها اليهم ان تكتسب ود القياصرة وعطفهم عليها والانعام على افرادها بالالقاب والاوسمة وبالمال في معظم الاحيان، وبالقوة والمعرفة وهي غاية كل سيد قبيلة وامنية كل رئيس في مجتمع قبلي يقوم النظام السياسي والاجتماعي فيه على مفهوم الحكم القبلي في كل زمان ومكان.‏

ولم يتعرض الرومان لحكم افرادها على المدينة اذ كانت أحكامهم لا تعارض أحكام (رومه) ولاتصطدم بها وتركوهم يديرون شؤونهم على وفق السياسة الرومانية وارادة القياصرة وأوامرهم التي يصدرونها إلى (المشيخة) فكانوا يعدونهم لدى قياصرة الرومان (37).‏

غير ان هذه الحرب التي اندلعت بين الفرس الساسانيين بقيادة ملكهم شابورا الأول ابن اردشير (241-272) والجيش الروماني بقيادة فالريانوس، قادت إلى انتصار الفرس الرومان، فاجتاح ملك الفرس أسيا الصغرى، وشمال سورية وعاثى فيها فساداً وخراباً. وما أن عرف اذينة باتنتصار شابور على الامبراطور الروماني واسره له، حتى نظم جيشه، وزحف على طيسفون وتقابل مع جيش شابور في معركة عنيفة على ضفاف الفرات، انتهت بهزيمة شابور هزيمة نكراء" وكافأ الامبراطور الجديد جالينيوس بن فالبريانوس اذينة على هذا الانتصار الذي احرزه على الفرس فأنعم عليه بلقب قائد عام على جميع جيوش الشرق في سنة 262 م، وبدأ أذينة يسترجع أراضي الامبراطورية من الفرس فهاجم شابور في طيسفون ونجح في استرداد البلاد الشرقية. وكانت لهذه الانتصارات أثرها العميق في نفس الامبراطور، فكافأه على أخلاصه مرة ثانية في سنة 264م/ بان منحه لقب " امبراطور على جميع بلاد المشرق"، ولم يكتف اذينة بما ناله من تكريم فلقب نفسه ايضاً بلقب " ملك الملوك" ومنحه مجلس الشيوخ الروماني لقب أغسطس، وهو لقب أباطرة الرومان"(38). وعلى الرغم من هذه الانتصارات التي حققها أذينة ضد الساسانيين، إلا أنه قتل غدراً من قبل ابن أخيه حيران وقتل معه هيرود بن اذينة في سنة 266-267م).‏

5- تولت قيادة الدولة التدمرية بعده زوجته الثانية زينوبيا، وتتمتع (الزباء) بشخصية قوية وفائقة في ادارة شؤون الدولة الكبيرة في الشرق الأدنى القديم، هذه الدولة التي تمتلك جيشاً قوياً يخيف الفرس، ويلحق بهم الهزائم العسكرية، ويحظى باحترام وتقدير الرومان. وقد ورثت الزباء مملكة كان لها أثرها الكبير في النزاع السياسي العسكري بين المعسكر الشرقي وهو معسكر الفرس، والمعسكر الغربي وهو معسكر الرومان، يساعدهم في ذلك التدمريون، وانتهجت الزباء سياسة عربية بعد" ان رأت أن الرومان هم أعداء تدمر وأنهم لايفكرون إلا في مصالح الرومان الخاصة".‏

استغلت الزباء حالة الضعف التي بدأت تدب في جسم الامبراطورية الرومانية، نتاج الصراعات الداخلية في روما، واستنزاف الرومان في حروب مدمرة مع الساسانيين، وغزو البرابرة( الجرمان والقوط) للقسم الغربي من الامبراطورية الرومانية، فوضعت استراتيجية للاستيلاء على مصر بهدف توسيع رقعة بلادها شمالاً وجنوباً، خصوصاً وان هذه الاستراتجية الحربية والسياسية كانت دوافعها تخدم مصالح تدمر الاقتصادية، الا أن السيطرة على مصر المشرفة على طريق الهند عبر الاحمر يجعلها متحكمة بصورة فعلية في طريق المواصلات بين الهند وعالم البحر المتوسط.‏

وهكذا استغلت الزباء حالة الارباك في روما هذه، خصوصاً بعد انتصارها على الجيش الروماني ومقتل هرقلينانوس قائد هذا الجيش، ثم مصرع جالينوس عام 268 وانتقال عرش الامبراطورية إلى اوريليوس كلوديوس، فاستولت على مصر والحقت بالجيش الروماني هزيمة كبيرة، وآلت مصر إلى زنوبيا.‏

وفي المرحلة التالية أرسلت جيشها إلى آسيا الصغرى، فاحتل الاناضول ووصل إلأى مضيق البوسفور. وبامتلاك مصر وسورية ومضيق البوسفور معاً، وضعت تدمر تحت سلطتها كل منافذ وطرق المواصلات البرية والبحرية مع الشرق الأقصى والمصادر الرئيسة لتموين روما في الوقت نفسه.‏

وبذلك بلغت تدمر قمة مجدها السياسي في الربع الثالث من القرن الثالث الميلادي (39).‏

ومع تعاظم قوة تدمر السياسية والعسكرية والاقتصادية قررت الامبراطورية الرومانية بقيادة امبراطورها الجديد وضع حد لحلم الزباء في تدمر، فزحف أورليان بجيشه على تدمر وواجه الغزاة مقاومة وطنية عنيفة، غير ان اسر الزباء ونضوب المواد التموينية بسبب الحصار المفروض على المدينة، جعل تدمر تسقط في أيادي الرومان في خريف 272م.‏

تعتبر الدولة التدمرية أكثر دول الشرق القديم تنظيماً وتقدماً، اذ ان مؤسسات هذه الدولة تتكون من مجلس الشيوخ، الذي يضم أعضاء من كبار التجار، ورجال المال، ورؤساء القوافل والوجهاء، وله رئيس وأمين سر، ومن مجلس الشعب الذي يضم أفراد القبائل البالغين. وتنامي نفوذ مجلس الشعب، بحكم الثراء الفاحش للطبقة التجارية التدمرية المتنفذة على صعيد الحكم ، فضلاً عن أن الارستقراطية الحاكمة قد ركزت السلطات المدنية والعسكرية لمصلحة هذه الطبقة، مقلصة بذلك سلطات المجالس الشعبية. كما ان القانون المالي التدمري يؤكد لنا مدى تطور هذا المجتمع المديني، وبخاصة في جانب الجهاز الاداري للدولة، وكذلك في جوانب الأوضاع الاقتصادية والمالية والادارية والسياسية للدولة التدمرية، دولة مدينة القوافل...‏

r هوامش الفصل الثالث‏



(1)- أنظر:‏

Huko Wincller The history, Of Bahy Ionia and Assyria Tr James Agraig (New York 1907) (pp 18 - 22) .‏

مقطع مستشهد به فيليب حتى بأعتبار هذا العالم من الأوائل الذين شرحوا نظرية الهجرات السامية القديمة.‏

(2)- الدكتور فيليب حتى- الدكتور أوارد جرجي- الدكتور جبرائيل جبور- تاريخ العرب دار غندور للطباعة والنشر والتزوزيع - الطبعة الخامسة 1974-(ص29).‏

(3)- المصدر السابق( ص34).‏

(4)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام- الجزء الأول دار العلم للملايين بيروت- مكتبة النهضة- بغداد 1976 (ص233).‏

(5)- المصدر السابق(ص295).‏

(6)- المصدر السابق(ص354-355).‏

(7)- المصدر السابق( ص375).‏

(8)- بونفارد ليفين - الجديد حول الشرق القديم- ترجمة جابر أبي جابر - دار التقدم (ص219-220).‏

(9)- فيليب حتي- مصدر سابق( ص64).‏

(10)- م. ب- بيوترفسكي - اليمن قبل الاسلام والقرون الأولى للهجرة- تعريب محمد الشعيبي دار العودة، بيروت - الطبعة الأولى 1987(ص161).‏

(11)_ موسل لوسيب- شمال الحجاز، مطابع رمسيس بالاسكندرية 1952(ص1).‏

(12)- المصدر السابق ذاته.‏

(13)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام- الجزء الثاني (ص 130).‏

(14)- الدكتور جواد علي مصدر سابق (ص258).‏

(15)- المصدر السابق (ص260-261).‏

(16)- المصدر السابق (ص 262).‏

(17)- المصدر السابق- مقطع يستشهد به الدكتور جواد علي ص(269).‏

(18)- مقطع استشهد به فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب - مصدر سابق (ص87).‏

(19)- محمد عبد القادر بافقيه تاريخ اليمن القديم (ص 65).‏

(20)- الدكتور صالح أحمد العلي محاضرات في تاريخ العرب- (ص23).‏

(21)- عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية( ص10).‏

(22) - تاريخ العرب في العصر الجاهلي الاسكندرية 1968، (ص 137 - 140)‏

(23)- الطبري- التاريخ ج2 (ص492) البلاذرى- انساب الاشراف ج1 (ص374) د جواد علي المفصل 44(ص545).‏

(24)- يذكر د. جواد على في المفصل" ان النقوش اليمنية القديمة المكتشفة تظهر أن ملوك اليمن قد اسسوا دوراً للنسيج، تأتي بالمال إليهم من جملة الموارد الأخرى".‏

ط الثانية بغداد 1978 الفصل، ج 5(ص261).‏

(25) - عبد العزيز سالم - دراسات في تاريخ العرب،، الاسكندرية 1968 (ص199).‏

(26)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام ج2 (ص177).‏

(27)- محمد عبد القادر بافقية- تاريخ اليمن القديم (ص92).‏

(28)- - برهان الدين دلو- جزيرة العرب قبل الاسلام- دار الفارابي - الطبعة الأولى - كانون الثاني 1989(ص315).‏

(29) - د. جواد علي- المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام - الجزء الثاني- الطبعة الثالثة مكتبة النهضة بغداد (517).‏

(30) - المصدر السابق (ص530-531).‏

(31) - برهان الدين دلو - مصدر سابق (ص319).‏

(32)- المصدر السابق( ص321).‏

(33)- أحمد سوسة- العرب واليهود في التاريخ- منشورات وزارة الثقافة والعلوم. الجمهورية العراقية 1981-( ص185-186).‏

(34) سد عدنان البني - تدمر والتدمريون- منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي دمشق 1978، (ص74).‏

(35)- د. جواد علي تاريخ العرب قبل الاسلام (م3) (ص8).‏

(36)- المصدر السابق (ص87-88).‏

(37)- المصدر السابق (ص90).‏

(38) الدكتور السيد عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية- تاريخ العرب منذ عصر الجاهلية حتى سقوط الدولة الأموية- دار النهضة العربية 1986(ص122).‏

(39) - برهان الدين دلو - مصدر سابق (ص343).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:22 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

القسم الرابع

الفصل الأول : المجتمع المديني في العهد التأسيسي:‏




أولاً: المجتمع المديني في مكة والمدينة قبل الهجرة:‏

تتطلب دراسة المجتمع المديني، خصائصه ومؤسساته في العهد التأسيسي، الحديث عن بلاد الحجاز، من الناحتيين الاقتصادية والدينية، وبالتالي الحديث عن مجتمع المدينة قبل هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم....‏

ان الحجاز هي تلك السلسلة الجبلية الممتدة من خليج العقبة حتى عسير التي تحجز هضبة نجد العالية عن ساحل تهامة الواطئ، ومن أهم مدنه مكة، والمدينة، والطائف. ثم أن الموقع الاستراتيجي المهم للحجاز بين الشام واليمن، وظروف تاريخيته من الناحيتين السياسية والاقتصادية، جعله بحكم أوضاع الجغرافيا والاقتصاد يشكل شرياناً رئيسياً من شرايين التجارة العالمية تتفرع من شرايين تتجه صوب الشرق والشمال الشرقي وفي موازته شريان رئيسي آخر كان له خطره في عالم التجارة ذلك الزمن،" ونقصد بهذا الشريان الثاني طريق البحر الموصل إلى الهند، ولذلك كان الحجاز جسرا يربط بلاد الشام وحوض البحر المتوسط باليمن والحبشة والصومال والسواحل المطلة على المحيط الهندي، وكان لذلك أعظم الأثر في قيام مدن تجارية بالحجاز تعتبر محطات تجارية واقعة على هذا الطريق البحري، وفي قيام ثغور تجارية تتزود منها سفن الروم بالبضائع ومنتجات الهند مثل ثغر الشعيبة "(1).‏

ونظراً لهذه الأهمية التي يتمتع بها الحجاز، كان محط أطماع الرومان، الذين كانوا يريدون السيطرة على الطريق التجاري المؤدي إلى الهند عبر البحر الأحمر، وذلك في اطار صراعهم التنافسي مع الساسانيين الفرس، الذين كانوا يسيطرون على مفاتيح المواصلات في آسيا الوسطى" على الرغم من المحاولات الفاشلة التي قام بها البيزنطيون لتحطيم الستار الحديدي.‏

ومع أن البيزنطيين أثبتوا نجاحهم في السيطرة على الطريق البحري عبر البحر الأحمر بفضل حلفائهم الأحباش الذين استولوا على اليمن، فأنهم أخفقوا عندما حاولوا بسط نفوذهم على الحجاز عن طريق الأحباش، وكذلك، فشلت حملة ابرهة فشر ذريعاً"(2).‏

وتعتبر مكة عقدة تجمع للقوافل التجارية القادمة من اليمن والمتوجهة إلى الشام والمشرق، أو القادمة من بلاد الشام، والتي تريد العربية الجنوبية. وقد ساعد موقع مكة كملتقى تجاري بين الشام واليمن على طريق التجارة بين الشمال والجنوب، أهل وتجار مكة لكي يضطلعوا بدور ريادي في هذه التجارة العالمية، من خلال احتكارهم التجارة في العربية الغربية، والسيطرة على حركة النقل التجارية التي تربط بين اليمن وبلاد الشام والعراق. ومنذ نهاية القرن السادس الميلادي احتكرت قريش تجارة الهند بفضل جهود زعيمها هاشم بن عبد مناف الذي يعتبر أول من سن رحلتي قريش: رحلة الشتاء إلى الشام ورحلة الصيف إلى الحبشة(...).‏

وقيل رحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، ورحلة الصيف إلى الشام"(..)، وذكر البلادري ان هاشم ابن عبد مناف أخذ لقريش" عصما من ملوك الشام، فتحروا آمنين، ثم أن أخاه عبد شمس أخذ لهم عصما من صاحب ملوك الحبشة، واليه كان متجره، وأخذ لهم المطلب بن عبد مناف عصما من ملوك اليمن، وأخذ لهم نوفل بن عبد مناف عصما من ملوك العراق، فألفوا الرحلتين في الشتاء إلى اليمن والحبشة والعراق، وفي الصيف إلى الشام".‏

ولما كانت مكة تقع في واد غير ذي زرع بين جبلين متقابلين، فقد اعتمد أهلها في حياتهم على التجارة لكسب المال، وتأمين رزقهم، وقد علمت التجارة سادة قريش الأمور الكثيرة من التمدن والتحضر والتثقف، بسبب احتكاكهم بأقوام وحضارات أخرى. وقد" علمت الطبيعة أهل مكة أنهم لايتمكنون من كسب المال ومن تأمين رزقهم في هذا الوادي الجاف، الا اذا عاشوا هادئين مسالمين يدفعون الاساءة بالحسنة، والشر بالصبر والحلم والكلام السيء البذيء بالكلام الحسن المقنع المخجل فتتغلب حلمهم على جهل الجاهلية، وجاءت نجدتهم في نصرة الغريب و الدفاع عن المظلوم والدفاع عن حق المستجير بهم، بأحسن النتائج لهم، فصار التاجر والبائع والمشتري يقد على سوق مكة، يبيع ويشتري بكل حرية، لأنه في بلد آمن، أخذ سادته على أنفسهم عهداً بألا يعتدي أحد منهم على غريب، لأن الأضرار به، يبعد الغرباء عنهم، وإذا ابتعد الغرباء عن مكة خسروا جميعاً موردا من موارد رزقهم يعيش كل واحد منهم بلا استثناء، لذلك كان الغريب اذا ظلم نادى ياآل قريش، أوياآل مكة، أوياأل الفلان، ثم يذكر ظلامته، فيقوم سادة أو من نودى باسمه بأخذ حقه من الظلم له"(3).‏

أنه لايمكن فصل مكة عن نشاط قريش التجاري، باعتبار أن صيرفها من أهم المراكز التجارية والمدينية، في العربية الغربية. ويجمع أهل الأخبار على أن قريش كانوا من أدهى العرب، وكانوا يعتمدون على سياسة اللين والمفاوضة والمسالمة، من أجل خدمة وتمشية مصالحهم التجارية، وفي سبيل أرضاء الاعراب واسكاتهم" وقريش جماعة استقرت وتحضرت واشتغلت بالتجارة وحصلت منها على غنائم طيبة. ومن طبع التاجر الابتعاد عن الخصومات والمعارك والحروب. لأن التجارة لايمكن أن تزدهر وتثمر إلا في محيط هادئ ومستقر. لذلك صار من سياستها استرضاء الاعراب وعقد( حبال) مع ساداتهم لتأمين جانبهم، ليسمحوا لقوافلها بالمرور بسلام. كما صار من اللازم عليها عقد احلاف مع المجاورين لهم من الأعراب، مثل (قريش الظواهر والاحابيش) وأمثالهم للاستعانة بهم في الدفاع عن مكة والاشتراك معهم في حروبهم التي قد يجبرون على خوضها مع غيرهم، بالاضافة إلى عبيدهم (الحبش) الذين اشتروهم لتنمية أمورهم وليكونوا حرساً وقوة أمن لهم"(4).‏

أن تاريخ مكة قبل ظهور الاسلام مرتبط بتاريخ رئيس قريش إلاوهو قصي، حيث ينسب أهل الأخبار قريش كلها إلى نسل رجل أسمه (فهر ابن مالك ابن النظير ابن كنانة أبن خزيمة ابن مدركة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان). وقريش تنتمي إلى القبائل العدنانية، إلى مجموعة العرب المستعربة، ويعتبر قصي رئيس قريش، وأول رئيس من رؤساء مكة، فهو الذي " ثبت الملك ففي عقبه، ونظم شؤون المدينة، وقسم الوظائف والواجبات على أولاده حين شعر بدنو أجله، فلما أشرق الاسلام كانت أمور مكة في يد قريش ولها وحدها الهيمنة على هذه المدينة حتى عرف سكانها بآل قصي"(5).‏

لقد لعب الغزو والنهب دوراً تاريخياً مهما في عملية الاندماج وذلك من خلال الاحلاف التي عقدتها قريش بين القبائل، والصلح والزواج المختلط مع قريش الظواهر (الدين ينزلون خارج الشعب) وهم الساكنون خارج مكة في أطرافها وكانوا على مايبدو من وصف أهل الاخبار أعراباً أي أنهم لم يبلغوا مبلغ قريش البطاح في الاستقرار وفي اتخاذ بيوت من مدر. وكانوا يفخرن على قريش مكة بأنهم أصحاب قتال، وأنهم يقاتلون عنهم وعن البيت، وأنهم كانوا دون (قريش البطاح، في التحضر وفي الغنى والسيادة والجاه لأنهم أعراب فقراء، لم يسكن لهم عمل، يعتاشون منه غير الرعي) (6).‏

ومع حلف الأحابيش ،" وقد وصف (اليعقوبي حلف الاحابيش) بقوله، ولما كبر عبد مناف بن قصي جاءته خزاعة وبني الحارث بن عبد مناف بن كنانة يسألونه الحلف ليصونوا به.‏

فعقد بينهم الحلف الذي يقال له حلف الاحابيش... وقد بحث (الاماش) في موضوع الاحابيش فرأى أنهم قوة عسكرية ألفت من العبيد السود المشردين من افريقية ومن عرب مرتزقة، كونتها مكة للدفاع عنها(...) وقد يساهم الاحابيش في الدفاع عن مكة عام الفتح. وكانوا قد تجمعوا مع (بني تير) و( وبني الحارث بن عبد مناف) ومن كان من الاحابيش أسفل مكة كما أمرتهم قريش بذلك. فأمر رسول الله خالد بن الوليد أن يسير عليهم فقاتلهم حتى هزموا ولم يكن بمكة قتال غير ذلك ولم يذكر الطبري إلى سيد الاحابيش في هذا اليوم.(7).‏

فالمجتمع المديني في مكة بدأ مع نفي الحرب إلى خارج قريش، ومع تنظيم شؤون المدينة وادارتها من جانب رئيس قريش الذي قسم الوظائف والواجبات على أولاده. وتعتبر دار الندوة البذرة للوحدة المجتمعية في مكة اذ أنها كانت تشكل " دار مشورة في امور السلم والحرب، ومجلس المدينة التي عرف رؤساؤها كيف يحصلون على الثروة، وكيف يستعيضون عن فقر أرضهم بتجارة تدر عليهم أرباحاً عظيمة، وخدمة يقدمونها إلى عابدي الاصنام، جاءت إليهم بأموال وافرة من الحجيج في هذه الدار يجتمع الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور والبت فيها. وفي هذه الدار أيضاً تجري عقود الزواج، وتعقد المعاملات، فهي دار مشورة ودار حكومة في آن واحد يديرها (الملأ)، وهو مثل أعضاء مجلس شيوخ (اثينا) الذين كانوا يجتمعون في المجلس للنظر في الأمور " يمثلون زعماء الأسر، ورؤساء الأحياء، ,اصحاب الدين والمشورة للبت فيما يعرض عليهم من مشكلات(8) .‏

أن مكة المدينة التجارية العريقة كانت تشكل مجتمعاً، لأن سكانها في الأساس كانوا من أصل مديني القالب ولكن مدنيتها لم تكن تامة بالمعنى المدني الحضاري الذي هو سائد في حياتنا المعاصرة والمدنية. ولأن هذا المجتمع المديني كانت تسود فيه العصبية القبلية، اذ أنه كان منقسماً إلى شعاب، والشعاب كما يجمع أهل الأخيار، تشكل واحدات اجتماعية مستقلة تحكمها العائلات الثرية المالكة، الأمر الذي كان يولد على الدوام منافسات وصراعات بين هذه العائلات على الجاه والنفوذ، حيث أن هذه المنافسات والصراعات كان لها أثرها الخطير، لا على صعيد الحياة الاجتماعية، وأنما أيضاً على مسيرة دولة الدعوة المحمدية أيام الاسلام الأولى، ولاحقاً. ثم أن هذا المجتمع المديني القائم على اساس العصبية القبلية كان يحكمه وجهاء مكة من أمثال (بنو مخزوم وبنوعبد شمس وبنو زهرة وبنو سهم وبنو المطلب، وبنو هاشم، وبنو نوفل، وبنو عدي، وبنو كنانة، وبنو أسد، وبنو تيم جحش، وبنو عبد الدار، وبنو عامر بن لؤى، وبنو محارب بن سمر، وبنو محارب بن فهر). غير ان الشرف والرياسة في قريش باعتبارها القبيلة المهيمنة في هذا المجتمع المديني كانا لبني قصي، لو أستأثرت قريش بست مآثر أساسية منها الحجابة والسقاية والرقادة، والندوة، واللواء، والرياسة. وعلى الرغم من تطور هذا المجتمع المديني، الا أنه لم يترافق معه تبلور مجتمع سياسي بالمعنى المدني، أي قيام حكومة مركزية بمعنى المفهوم المتعارف عليها،" فلم يكن فيها (أي مكة) ملك له تاج وعرش، ولا رئيس واحد يحكمها على أنه رئيس الجمهورية أو رئيس مدينة ولا مجلس رئاسي يحكم المدينة حكماً مشتركاً أو حكماً بالتناوب، ولاحاكم مدني عام وحاكم عسكري ولم يتحدث أهل الأخبار عن وجود مدير عام فيها واجبه ضبط الأمن، أو مدير له سجن يزج فيه الخارجين عن الانظمة والقوانين، أو ماشابه ذلك من وظائف نجدها في الحكومات. وكل أمرها أنها قرية تتألف من شعاب. كل شعب لعشيرة، وأمر كل شعب من رؤسائه، هم وحدهم أصحاب الحل والعقد والنهي والتأديب فيه، وليس في استطاعة متمرد مخالفة أحكامهم. وألا أدبه حيه، وملؤه أي أشرافه هؤلاء الرؤساء هم الحكام الناصحون وهم عقلاء الشعب"(9).‏

وتشكل يثرب نقطة تاريخية مهمة في حياة المجتمع المديني قبل الهجرة أي عند ظهور الاسلام.‏

ويجمع الاخباريون أنها سميت يثرب نسبة إلى( يثرب من قائية بن هلائيل بن أرم بن عبيل بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ) وهو أول من نزلها عند تفرق ذرية نوح (10). وذكر بعض الاخباريين أن اسم يثرب مأخوذ من الثرب بمعنى الفساد أو التثريب أي المؤاخذة بالذنب، وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تسمية يثرب بيثرب، وسماها طيبة وطابة كراهية للتثريب(11). وفي كتاب (اصطيفان البيزنطي) عرفت باسم (مدينة يثرب)، ثم اختصرت فقيل لها (مدينتا) (Medinta)، وهو الأسم الارامي، وقد يكون معناها الحمى أي(المدينة). وحين هاجر الرسول، إليها ونزل بها سميت بمدينة الرسول في الاسلام، لأنه كان ينفر من اسمها القديم " سواء كان بمعنى التثريب أو الافساد أو لأنه أسم رئيس من العمالقة الذين نزلوا بها في العصور القديمة فيما يقرب من سنة 2600 ق.م على حد قول بعض الباحثين المحدثين" (12).‏

أما على صعيد سكان يثرب، وبخاصة منهم اليهود، فاننا نجد بعض التباينات حول أهل يهود المدينة، من حيث المكان الذين هاجروا منه، والزمان الذي قدموا فيه. فهناك بعض الاخباريين من يزعم أن أول من زرع بالمدينة وأتخذ بها النخيل، وعمر بها الدور والاطام، واتخذ بها الضياع، العماليق، وهم بنو عملاق بن أرفخسد بن سام بن نوح. وكان يسكن المدينة منهم بنوهف، وسعد بن هفاف، وبن مطرويل (13)، ثم نزل اليهود بيثرب، وكان سبب نزولهم يثرب، وأعراضها وفقا لروايات الاخباريين بأن موسى بن عمران بعث بعثاً منهم إلى العماليق وقاتلوهم حتى قتلوهم، وكان هذا أول سكنى اليهود بالحجاز ويثرب(14). غير ان النظرية التي تحظى بإجماع نسبة قوية من الاخباريين تقر بأن اليهود قد نزحوا من بلاد الشام في القرنين الأول والثاني بعد الميلادبعد أن سيطر الروم على الشام ومصر، وعلى اليهود ودولة الأنباط في القرن الثاني بعد الميلاد، الأمر الذي جعل اليهود يهاجرون إلى الحجاز.‏

ويميل الدكتور جواد علي إلى تبنى هذه النظرية، لان بني قريظة يزعمون ان" الروم ظهروا على الشام فقتلوا من بني اسرائيل خلقاً كثيراً، فخرج بنو قريظة والنفير وهدل هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو اسرائيل ليسكنوا معهم، فلما فصلوا من الشام وجه ملك الروم في طلبهم من يردهم، فاعجزوا رسله وقاتلوهم"(15) .غير ان هجرة اليهود إلى الحجاز اشتدت بعد فشل الثمود اليهودي ضد الرومان والتي أخمدها الامبراطور تيتوس في عام 70م، وقد وصل بعض هؤلاء اليهود المهاجرين إلى يثرب كما وصلت مجموعة أخرى من اليهود إلى يثرب بعد فشل ثورة أخرى قاموا بها في زمن الامبراطور هادريان بين عامي 132-135م وشكل هؤلاء اليهود الجالية اليهودية من المدينة والحجاز(16).‏

لقد سيطر اليهود على المجتمع المديني في يثرب سيطرة اقتصادية وسياسية وفكرية. فكان يهود يثرب يتاجرون مع بلاد الشام، اذ أنهم نقلوا منها فكرة بناء الاطام حيث بلغ عددها في يثرب تسعة وخمسين أطماً. كما حمل اليهود معهم خبراتهم الزراعية والصناعية مما أثر في ازدهار بساتين يثرب حيث النخيل والاعشاب والرمان وبعض الحبوب، كما ظهر الاهتمام بتربية الدواجن والماشية وبرزت صناعات النسيج الذي تحوكه النسوة إلى جانب الأراضي المنزلية وبعض الأدوات الأخرى اللازمة للمجتمع الزراعي.‏

وكما أثر اليهود على مجتمع المدينة فقد تأثروا بالعرب من حولهم فظهرت طوابع الحياة القبلية على يهود بما فيها من عصبية وكرم واهتمام بالشعر وتدريب على السلاح. وطغيان النزعة القبلية على اليهود جعلهم لايعيشون ككتلة دينية واحدة بل قبائل متنازعة لم تتمكن من توحيد صفها حتى في عصر السيرة عندما واجهت أحداث الجلاء(17). واذا كان لليهود الغلبة على القبائل العربية التي كانت تسكن يثرب والتي يعود نسبها إلى العماليق، باعتبار أن اليهود كانوا يمتلكون السلطة الاقتصادية والمتمثلة في الأموال والاطام والنخيل، الا أن هذا الاتجاه تغير مع قدوم الاوس والخزرج إلى يثرب.‏

وكان قدوم (الاوس) والخزرج) الذين ينتمون إلى قبيلة الازد اليمانية الكبيرة، التي هاجرت من اليمن باتجاه الحجاز في فترات مختلفة على اثر أنهيار سد مأرب، وحدوث سيل العرم. فأجمع (عمر بن عامر بن حارثة بن ثعلبية)، الخروج عن بلاده وباع ماله بمأرب، وتفرق ولده، فنزلت الاوس والخزرج(يثرب) وارتحلت (غسان) الى الشام، وذهبت (الازد) إلى عمان وخزاعة إلى تهامة.‏

واقامت الاوس والخزرج بالمدينة ووجدوا الاموال والاطام والتخيل في أيدي اليهود ووجدوا العدد والقوة معهم، فمكثوا معهم أمداً وعقدوا معهم حلفاً وجوارا يأمن به بعضهم بعضاً ويمتنعون به من سواهم فلم يزالوا على ذلك زمناً طويلاً حتى نقضت اليهود عهد الحلف والجوار، وتسلطها عل يثرب، فاستعان الاوس والخزرج بأقربائهم على اليهود، فغلبوهم، وصارت الغلبة للعرب على المدينة منذ ذلك العهد (18).‏

على الرغم من العلاقات الأخوية التي كانت قائمة بين الاوس والخزرج أثر تغلبهم على اليهود، وانتقال مركز السيطرة الاقتصادية والمالية لمصلحة العرب، الذين ازداد عددهم وثروتهم، الا أنه سرعان ما دبت الخلافات والحروب بين القبيلتين، وعمل اليهود على بث الفرقة والشقاق بين العرب، بهدف تفتيت وحدتهم... وقد نجح اليهود في اذكاء نار العداوة والحروب بين الاوس والخزرج، فتحالف الاوس مع يهود قبيلة بني قريظة وبني النضير، وهزمت الخزرج في "يوم بعاث"، وذلك قبل الهجرة، بخمس سنوات. وكانت نتيجة هذا الصراع لمصلحة الاوس، الا أنه بالمقابل لم يؤد إلى القضاء نهائياً على الخزرج، وفطن كل من الاوس والخزرج ما كان يسعى إليه اليهود من تفريق صفوفهم، بهدف استعادة سيطرتهم على يثرب، لذلك عمد الجانبان إلى تحقيق المصالحة وابرام اتفاق نهائي بهذا الشأن.‏

ولا شك أن وقائع أيام العرب بين الاوس والخزرج ولدت شعوراً بالمرارة عند الطرفين، ورغبة قوية في العيش بهدوء وسلام- وهذا الشعور كان يرافق استقبال يثرب للاسلام حاملاً معه بشائر التآخي والسلام، وقد عبرت السيدة عائشة زوجة الرسول عن أثر الحروب والمنازعات في اقبال أهل المدينة على الاسلام بقولها" كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم فقد رسول الله عليه وسلم، وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم وجرحوا، قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم الاسلام "(19).‏

أننا حين نعود إلى التفكير والتحليل في التاريخ العربي قبل الاسلام، لتعميق البحث في المجتمع المديني على الصعيد العربي، الذي عرف نموذجاً موحداً، فليس هدفنا المقارنة بين المجتمع المدني الحديث الذي نشأ مع ظهور الديمقراطية الكلاسيكية الغربية، والذي يتقاطع مفهومه مع المفاهيم السياسية الأخرى التي جاءت بها الايديولوجية الليرالية، وبخاصة فيما يتعلق بالنظر إلى الدولة كتعاقد اجتماعي، واعتبار مفاهيم المجتمع المدني في حالة تناقض مع الطابع الديني والممارسات الدينية للدولة، والسياسية المدنية، والنظر إلى الفرد في المجتمع باعتباره مواطناً بكل ما تتضمن هذه الكلمة من مفهوم المواطنة: حقوقها وواجباتها، وبين المجتمع المديني القديم الذي كان قائماً على اساس انتظام المدينة كمحطة تجارية قوية- في انماط التنظيم العمراني والسكاني وانماط من تنظيم الصناعات الحرفية، وعلاقات التبادل مع المدن الأخرى في الدول المجاورة. ويمثل هذا النشاط المديني على صعيد الانتاج الحرفي والتجارة المتقاطع مع توزع ديموغرافي قبلي- عائلي، اساس المجتمع القائم على اساس وحدة اجتماعية سياسية قبلية متماسكة، حيث تمثلت فيه روح المحافظة الاجتماعية، واستقرار التقاليد والأعراف القبلية، وحيث سادت فيه المفاهيم القانونية والاخلاقية والسياسية القبلية.‏



ثانياً :- ظهور الاسلام وقيام الدولة‏

الاسلام ودوره في قيام المجتمع المديني في المدينة.‏

من المعروف تاريخياً ان الاسلام جاء بثورة شاملة، كانت تمثل الاستجابة التاريخية الضرورية لحاجة المجتمعات العربية، التي يغلب على البعض منها الطابع التجاري في مدينة مكة، والتي يغلب على البعض الآخر الطابع الزراعي، في حين يغلب على البعض الثالث منها الطابع البدوي الرعوي خصوصاً وسط الجزيرة العربية- والتي كانت تعاني من أزمة حادة في القرن السادس الميلاد. وكانت تواجه أخطار محدقة بها، خصوصاً بعد انقطاع التجارة الهندية بسبب تغير الطريق التجاري الأوروبي الآسيوي، والغزوات الفارسية القادمة من الشمال والتي كانت تهدد مكة. غير ان التهديدات الكبيرة على العرب كانت تمارسها الدولتان الكبيرتان آنذاك، البيزنطية في الغرب والساسانية (الفارسية) في الشرق، فاستولى الأحباش البيزنطيون على اليمن، ورافق ذلك زوال كيان كنده، وضرب البيزنطيون كيان الغساسنة في الشام، كما قضى الساسانيون على كيان المناذرة في العراق ومدوا سيطرتهم المباشرة عليه وعلى جهات من الخليج العربي، وبقيت اليمن ساحة صراع بين الدولتين حتى مدّ الساسانيون نفوذهم إليها. وهكذا زالت الكيانات العربية وواجه العرب التهديد الاجنبي مباشرة"(20).‏

وكانت المجتمعات العربية التي تعصف بها الازمات تعيش حالة مخاض تاريخية إذانا ببروز حدث ثوري عظيم ذى عمق كوني. فجاء الاسلام وثورته الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية بفكرة الاله الواحد، وقام بثورته على " ايديولوجية " الطبقة الاجتماعية المسيطرة المتمثلة بسادة مكة القريشيين، التي تتخذ من شكل وعيها الديني" الوثني والمحافظ علىحسية الرموز الدينية وعلى الاوثان كتعبير عن التجزؤ والتشرذم والتبعثر لقوى الجاهلية، بين دوائر قبلية منفصلة بعضها عن بعض"(21).‏

إذا كان الاسلام مثل ثورة دينية كبيرة من خلال جعله للعرب ديناً واحداً يدعو إلى الوحدانية، فإن الثورة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي جاء بها الاسلام، تشكل الانتقال الحاسم في كل التاريخ العرب، من النظام الذي كان قائماً على العصبية القبلية حيث أن القبيلة وحدة سياسية قائمة بذاتها، لها دينها الخاص، ولها عصبيتها التي تتضمن التماسك بين أفرادها والاعتزاز بها بالانتساب إليها، والعصبية على هذا النحو هي مصدر القوة السياسية للقبيلة (22)، إلى التخطي الجدلي التاريخي لهذه المجتمعات العربية التي لم يكن لها نزعة قومية شاملة، بحكم تفتتها من الناحية السياسية إلى وحدات سياسية قائمة بذاتها، حيث كانت القبائل المختلفة ممثلة لهذه الوحدات .‏

وفضلاً عن ذلك، فان هذه الثورة السياسية تمثلت أيضاً في يقظة الشعور القومي العربي، خصوصاً وان الاسلام والعربية لغة وثقافة لعبا دوراً مهماً في " تكوين مقومات القومية العربية بركيزة حضارية قوية جداً" هذا من جهة. ومن جهة أخرى كانت هذه الثورة السياسية تتمثل في المشروع السياسي والاجتماعي والثقافي الواضح التي كانت تحمله الدعوة المحمدية منذ بدايتها، وبخاصة فيما يتعلق، القضاء على دولتي الفرس والروم والاستيلاء على كنوزهما. "(23).‏

والمشروع السياسي للدولة المحمدية يؤكد على ان الوعي القومي العربي لمحمد في رسالته، والثورة العربية الاسلامية التي قام بها، حاضر أنه أسس وبنى حركة قومية عربية رفعت شأن العرب، وانقذتهم من براثن التخلف، وعززت مكانتهم في اطار الصراع الدولي المحتدم آنذاك مع الامبراطوريات المجاورة، واحتلال موقع الريادة، في قيادة السياسة الدولية. ويتجلى الوعي القومي، واعتزاز محمد بانسابه إلى القومية العربية في قوله " الذين يتبعون الرسول النبي الأمين الذي يجدونه مكرماً عندهم في التوراة والأنجيل..." (24) ويضيف".. ان ما يعلمه البشر، لسان الذي يلحدون اليه اعجمي، وهذا لسان عربي مبين"(25). وكقوله" قل لئن اجتمعت الانس والجن ان يأتوا بمثل هذا القران لايأتون بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً." ولقد ضربنا للناس في هذا القران من كل مثل فأبى أكثر الناس الا كفوراً"(26) باعتبار أن القران الذي جاء به محمد " تنزيل رب العالمين" نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين"(27).وبذلك غدا الاسلام حسب مفهوم ذلك الزمان ثورياً بالنسبة لمرحلة التشرذم القبلي، واستخدمه محمد في ثورته القومية العربية كعقيدة ايديولوجية وسياسية من أجل مواجهة ودرء أخطار ومطامح الامم الممجاورة الفارسية، والحبشية، البيزنطية، والتي كانت تهدد الجزيرة العربية ومركزها التجاري مكة، والطريق التجاري، الذي يقود إلى البحر الأسود عبر فارس، وإلى سوريا وآسيا الصغرى والطريق، الذي كان يمر بالبحر الأحمر.‏

وككل ثورة دينية وسياسية كبرى، كان لابد ان تسبقها الدعوة، ولقد اتخذت الدعوة المحمدية في البداية طابعاً دينياً، الذي يتمثل في نشر العقيدة الاسلامية، ثم ما لبثت ان اكتسبت الطابع السياسي.‏

وبذلك أصبحت الدعوة المحمدية في آن واحد نشر الدين الاسلامي وتأسيس الدولة والمجتمع المديني على اساس عقيدة الاسلام. ومرت الدعوة المحمدية كما هو معروف بمرحلتين رئيسيتين في مسار تطورها، مرحلة بمكة ومرحلة بالمدينة. غير أن ما يهمنا في بحثنا ليس عرض العقيدة الاسلامية الذي نجده معروفاً جداً في الكتب التاريخية العربية والاسلامية، وانما التحقيب في حفريات المعرفة لابراز الجانب المتعلق ببحثنا ألا وهو اثر الاسلام في تكوين المجتمع المديني في المدينة، أولاً ثم في علاقته الجدلية مع تأسيس الدولة العربية الاسلامية ثانياً.‏

الدعوة المحمدية بدأت في مكة عاصمة الوثنية العربية والمركز التجاري العالمي، حيث تسيطر فيها قبيلة قريش، التي مارست معارضة قوية ضد الدعوة، لما كانت تشكله هذه الدعوة المحمدية من أخطار محدقة على المصالح الاقتصادية واصحاب الأموال لقريش، من خلال هجومها على الاصنام. و" كان الهجوم على الاصنام" يعني المس بصورة مباشرة بعائدات الحج إليها ومايقترن به من مكاسب التجارة العربية، المحلية منها والدولية. والغنيمة اذا أو بالأخرى الخوف من اقتصادها هو الذي جعل الملأ من قريش يقاومون الدعوة المحمدية يتحالفون ضدها ويضيقون الخناق عليها من كل جانب... اما الجانب الآخر من المسألة فهو أن الحصار الذي ضربه الملأ من قريش على الدعوة المحمدية في مكة بأحكامهم الطوق القبلي ضدها وممارستهم الضغط الاقتصادي على الميسورين والتعذيب الجسماني على المستضعفين منهم، قد جعل نجاحها مرهوناً بالقدرة على توجيه الضربات إلى ماكان يدافع عنه ذلك الملأ في حقيقة الأمر، إلى " الغنيمة " ذاتها.‏

ومن هنا كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لاخوفاً ولا هرباً بل كانت من أجل مواصلة الدعوة بوسائل أخرى توجيه السرايا وقيادة الغزوات لاعتراض قوافل قريش التجارية، الشيء الذي يعني ضرب الحصار الاقتصادي على مكة وصولاً إلى استسلامها السياسي، وبالتالي الدخول في الاسلام .‏

ولما كان ضرب" الغنيمة" يعقبه حتماً الاستيلاء عليها وتوظيفها، مادياً، ومعنويا لاعداد ضربات أخرى، فانه لامناص من ان يكون لها حضور ما في المرحلة الجديدة من الدعوة "(28).‏

اذا العداء الذي مارسته قريش ضد الدعوة المحمدية كان مصدره خوف قريش على آلهتها وأصنامها باعتبارها مصدرا للثروة واساساً للاقتصاد والتجارة، ومركزاً دينياً مهماً يستقطب القبائل العربية، فضلاً عن ان العقيدة الاسلامية رفضت العصبية القبلية، ونادت بفكرة الأمة بدل القبيلة، وجاء الاسلام بمفهوم القانون (أو الشريعة) ونبذ العرف القبلي، وهاجم الاستغلال والجشع المادي، وأكد على العدالة الاجتماعية. وقد رأت قريش في كل هذا ضرباً لمصالحها الاقتصادية وتمزيقاً لهيبتها السياسية والمعنوية والقبلية، وحربا على مواردها الاقتصادية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:24 PM   المشاركة رقم: 23
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



وفي هذا السياق التاريخي من الاستعداد للحرب والقتال تمت البيعة الأولى، التي سميت بيعة النساء، أو العقبة الأولى في العام الثاني عشر من النبوة، حين قدم إلى موسم الحج عشر من الخزرج واثنان من الاوس، وقد عاهدهم النبي محمد على الا يشركوا بالله شيئاً، وان يتجنبوا السرقة والزنا وقتل الاولاد، والا يأتوا ببهتان يفترونه بين ايديهم وأرجلهم، والا يعصوا النبي في معروف(29).‏

وكانت لهذه البيعة الأولى أعظم الاثر في انتشار الدعوة المحمدية في المدينة. وما ان جاء موسم الحج أي في العام الثالث عشر من البعثة النبوية حتى تمت البيعة الثانية مع الانصار، والتي عرفت ببيعة العقبة الثانية أي بيعة الحرب، حيث أن الرسول بايع انصار يثرب على حرب الاسود والاحمر" وقد حددت بيعة العقبة الثانية وضع النبي بين أهل يثرب، فقد اعتبرته واحداً منهم، دمه كدمهم وحكمه كحكمهم، وقضت أيضاً بخروج النبي من أهل مكة فانتقلت تبعية النبي لذلك من مكة إلى يثرب، ولهذا السبب حرص المسلمون على إخفاء أمر هذه البيعة والتكتم عليها حتى لاتعلم بها قريش، اذا أن حماية الاوس والخزرج للنبي لاتبدأ إلا بعد وصوله إلى يثرب"( 30).‏

وهكذا انتقلت الدعوة المحمدية من مرحلة الدعوة إلى الله والصبر على الاذى والسفح عن الجاهل في مكة، إلى مرحلة جديدة، هي مرحلة الهجرة إلى المدينة، والتهيئة للقتال والحرب ضد قريش، فبين ذلك قول الله سبحانه وتعالى:" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين. أو اقتلوهم حيث تثقفتموهم وأخرجوهم من حيث اخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولاتقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فان قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين"(31).‏

لقد شكلت مرحلة الهجرة إلى المدينة تطوراً نوعياً في الدعوة المحمدية على أكثر من صعيد، ولكن يظل أهمها مسألة تأسيس الدولة بالمدينة، أو قيام دولة الرسول بالمدينة وظهور المجتمع المديني للوجود مع هذه الدولة في آن معاً، وانتقال الدعوة المحمدية من الدفاع إلى الهجوم، حين عبر الرسول محمد بقوله" الآن نغزوهم ولا يغزوننا".‏

الهجرة إلى المدينة أحدثت نقلة نوعية شاملة في حياة المجتمع المديني، الذي كان خاضعاً للوحدة السياسية والاجتماعية التي هي القبيلة، حيث كانت تسود البدواة والقبلية وما تفرزهما من تنازعات وصراعات وتفكك. فلما جاء الرسول محمد، وأصبح رئيساً لاحزاب غير متجانسة، فان أولى مهماته كانت تتمثل في أرساء الأسس التي يجب أن تقوم عليها دولة الرسول بالمدينة. فالمهاجرون إلى المدينة، التي كانت هجرتهم دليلاً على الاخلاص في سبيل نشر العقيدة الاسلامية، كانوا في البدء من عشائر مختلفة من قريش، واستمرت هذه الهجرة وأصبحت حقاً على كل المسلمين الجدد من أرجاء الجزيرة، وكنتاج لهذه الهجرة، المستمرة دخلت المدينة في مرحلة التنوع والتعدد السكاني، حيث لم يعد سكانها يقتصرعلى الاوس والخزرج، واليهود، بل اختلط معهم المهاجرون من قريش وقبائل العرب الأخرى.‏

وكانت المهمة الأولى التي واجهت الرسول تنظيم حياة المهاجرين بالمدينة، التي ولدت هجرتهم مشاكل اقتصادية واجتماعية معيشية، تتطلب مواجهتها بارساء قواعد جديدة للمجتمع المديني، تقوم بنيانه على أساس روابط العقيدة الاسلامية، وفكرة الأمة الواحدة المدعوة للجهاد. وكانت أولى الأسس التي قام عليها المجتمع المديني والدولة المحمدية على حد سواء، هو بناء المسجد الجامع بالمدينة، باعتبار أن المسجد أصبح يشكل " مجتمع المؤمنين في الاسلام"، ولم يكن مسجد الرسول في المدينة الذي احتذته مساجد الاسلام في العصور التالية فحسب، بل كان تخطيطه ونظام بنائه أساساً لسائر أنواع العمائر الاسلامية المتأخرة كالمدارس والخوانق والقصور والوكالات والفنادق. فمن نظامه التخطيطي اشتقت هذه الابنية نظمها التخطيطية، يضاف إلى ما سبق أن المسجد أصبح في العصر الاسلامي أساساً للتنظيم العمراني في المدينة الاسلامية، والمركز الديني الذي تلتف حوله بقية مراكزها العمرانية، والقلب الذي ينبض بالحياة، ويهبها النشاط والحركة، وهو الذي يطبع المدينة الاسلامية البناء أو المدينة المفتوحة بالطابع الاسلامي، باعتباره المركز الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي للمدينة (32). فقد كان مسجد الرسول في المدينة مركزاً لصلاة المسلمين، ودار ندوة لهم في نفس الوقت، ففيه كان يتشاور النبي مع الصحابة في شؤون جماعة المسلمين وعلاقتهم بقريش، وما يتصل بذلك من سلم أو حرب، وفيه كانت تستقبل وفود العرب إلى المدينة(33). فكان القادمون يعقدون رواحلهم في فناء المسجد عند خروجهم أما للاستطلاع أو للغزو، وكان المسجد بالاضافة إلى ذلك مركزاً علمياً وثقافياً، فكان الصحابة يتولون تعليم القرآن والسنة لمن اراد أن يتعلمها من وقود العرب على المدينة(34).‏

واصبحت المساجد الاسلامية بعد ذلك مراكز علمية يحصل فيها طلاب العلم علومهم، وتقوم بوظيفة المدرسة التي استحدثت في عصر متأخر(35).‏

وكان المسجد مركزاً اجتماعياً، يؤمه المؤمنين كلهم، باعتبارهم أخوة، يتوجب عليهم الموالاة لبعضهم والتناصر في الحق بينهم، وانتهاج سلوك المؤاخاة، الذي شرّع ونظم الحقوق والواجبات بين المؤمنين داخل هذا المجتمع المديني الوليد.‏

نظام المؤاخاة الدعامة الثانية للمجتمع المديني في المدينة‏

كان على النبي محمد ان يواجه المشاكل المتنوعة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، التي تعرض لها المهاجرون في المدينة، الذين تركوا أهليهم ومعظم ثرواتهم بمكة، وتوطيد علاقات الأخاء والوئام بين الصحابة من المهاجرين، وبين الحلفاء الجدد والمستجدين من سكان المدينة وهم الانصار. فالدولة المحمدية الناشئة كان عليها أن تواجه القضية المعيشية للمهاجرين، بصرف النظر عن الكرم والتضحية والضرب بالايثار، الذي اتسم به الانصار، الذين لم يتخلوا عن تقديم العون للمهاجرين، وحتى تقسيم نخلهم معهم، باعتبار أن النخل مصدر رزق ومعيشة للغالبية العظمى منهم _ فقام الرسول بتشريع نظام المؤاخاة، باعتباره دعوة واضحة إلى التضامن والتكافل بين جميع المسلمين، بين الانصار والمهاجرين.‏

وكان المهاجرون قد نزلوا عند أخوانهم في الدين، الانصار، في دورهم ومنازلهم. ولكي يجسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة إلى واقع اجتماعي ملموس سن نظام" المؤاخاة " فأخي المهاجرين بعضهم مع بعض، وبينهم وبين الانصار، وكانت المؤاخاة على الحق والمساواة بما في ذلك حق التوراث (36)". وقد ترتب على تشريع نظام المؤاخاة حقوق خاصة بين المتأخين كالمساواة بين الاثنين، والمساواة ليست محدودة بأمور معينة بل مطلقة لتعني كل أوجه العون على مواجهة أعباء الحياة سواء كان عوناً مادياً أو رعاية ونصيحة وتزاورا ومحبة. كما ترتب على المؤاخاة أن يتوارث المتأخين دون ذوى أرحامهم مما يرقى بالعلاقات بين المتأخين إلى مستوى أعمق وأعلى من أخوة الدم(37).‏

وهكذا فان نظام المؤاخاة تم على ثلاث مراحل : الأولى بين الانصار بعضهم لبعض (الاوس والخزرج الذين بايعوا النبي)، والثانية بين المهاجرين بعضهم لبعض، والثالثة بين المهاجرين والانصار، حيث أحلت هنا الأخوة في الدين لتقوية وحدة المسلمين في المدينة محل علاقات الاخوة القائمة على النسب والقرابة والدم." وبذلك حلت " الأمة"و" الملة" محل القبيلة والعشيرة، ومع ذلك فإن تجاوز " القبيلة " بصورة كاملة ونهائية لم يكن ممكناً، فالدعوة إلى" الأمة" مازلت في بدايتها. ولذلك كان لابد من ان يبقى شيء ما من " القبيلة". لقد نزل المهاجرون ابناء القبائل على ابناء القبائل من الانصار، أصدقاء أو اقارب.... إلخ. أما الفقراء من المهاجرين الذين لم تكن لهم قبائل، وهم المستضعفون الذين تحدثنا عنهم في المرحلة المكية، فقد اذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بان يناموا في المسجد وتكفل هو والقادرون من أصحابه بأطعامهم، وقد عرف هؤلاء باسم أهل الصفة" لأنهم كانوا يأوون إلى صفة المسجد، أي المكان المسقوف منه وكان من بينهم أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر، والمقداد وابو حذيفة بن اليمان الخ (38).‏

ان المجتمع المديني الذي تأسس وتبلور في ظل الدولة المحمدية الناشئة في المدينة كان قائماً على أواصر العقيدة، باعتبار أن رابطة العقيدة هي القاعدة الأساس في توطيد روابط الناس، وتآلفهم عقيديا بصرف النظر عن انتمائهم القبلي والعشيري أو لونهم، أو جنسهم، شريطة ان يتجردوا كليا من صفاتهم الجاهلية وان يكتسبوا صفات الشخصية الاسلامية المدنية الجديدة. لقد أقام الاسلام المجتمع المديني على أساس الحب والتكافل، كما جاء في الحديث الشريف" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الاعضاء بالسهر والحمي"(39).‏

اذا كانت قضية تنظيم " عيش " المهاجرين هي المهمة الأولى التي واجهت النبي محمد، فان قضية تنظيم الحياة الاجتماعية، أي مسألة، التعايش السلمي" بين مختلف الفئات الاجتماعية في المدينة، وبالتحديد بين فئات المسلمين، وبين اليهود القاطنين في المدينة أصبحت المهمة الثانية التي كانت من أجلها الهجرة إلى المدينة، أي مواصلة مسيرة ثورة " الحضارة الاسلامية". وفي هذا السياق جاءت الصحيفة/ المعاهدة، باعتبارها وثيقة مهمة، بل أنها تمثل أول دستور يصور لنا أحوال المجتمع المديني في المدينة، الذي طرأت عليه تغيرات غاية في الجذرية والعمق، واصبح قائماً على أسس وقوانين جديدة تنظم حياته الاجتماعية والسياسية وفيما يلي نص الوثيقة:‏

1- هذا كتاب من محمد صلى الله عليه وسلم بين المؤنين والمسلمين من قريش( وأهل) يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.‏

2- أنهم أمة واحدة من دون الناس.‏

3-المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

4- وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

5- وبنو الحارث (بن الخزرج) وعلى ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف‏

6- وبنو ساعدة وعلى ربعتهم يتعاقلون معاقلتهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف.‏

7- وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

8- وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

9- وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم ألأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

10- بنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

11- وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.‏

12- وان المؤمنين لايتركون مفرحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف- من فداء أو عقل (12 ب) وان لايحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.‏

13- وان المؤمنين المتقين (ايديهم) على (كل) من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو أثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، ان ايديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم.‏

14- ولايقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولاينصر كافراً على مؤمن.‏

15- وان ذمة الله واحدة يجير عليهم ادناهم، وان المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.‏

16- وان من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم.‏

17- وان سلم المؤمنين واحدة، ولايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواه وعدل بينهم.‏

18- وان كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.‏

19- وان المؤمنين يبيء بعضهم عن بعض بما نال دمائهم في سبيل الله.‏

20- وان المؤنين المتقين على أحسن هدى واقومه(21ب) وانه لايجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولايحول دونه على مؤمن.‏

21- وأنه من اعتبط مؤمناً قتلا عن بينة فانه قود به الا أن يرضى ولي المقتول (بالعقل) وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم الا قيام عليه.‏

22- وانه لايحل لمؤمن اقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر ان ينصر محدثاً أويأويه، وان من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايؤخذ منه صرف ولا عدل.‏

23- وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده إلى الله وإلى محمد.‏

24- وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.‏

25- وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم الا من ظلم نفسه وأثم فانه لايوقع الا نفسه وأهل بيته.‏

26- وان ليهود بني النجار مثل ماليهود بني عوف‏

27- وان ليهود بني الحارث مثل ماليهود بني عوف‏

28- وان ليهود بني ساعدة مثل ماليهود بني عوف.‏

29- وان ليهود بني جشم مثل ماليهود بني عوف.‏

30- وان ليهود بني الاوس مثل ماليهود بني عوف.‏

31- وان ليهود بني ثعلبة مثل ماليهود بني عوف الا من ظلم واثم، فانه لايوقع الا نفسه وأهل بيته.‏

32- وان جفنه بطن من ثعلبة كأنفسهم.‏

33- وان لبني الشطية مثل ماليهود بني عوف وان البردون الاثم.‏

34- وان موالي ثعلبة كأنفسهم.‏

35- وان بطانة يهود كأنفسهم.‏

36- وانه لايخرج منهم أحداً الا باذن محمد.‏

(36ب) وانه لاينجز على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته إلا من ظلم وان الله على أبرِّ هذا.‏

37- وان على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وان بينهم النصر على حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبردون الاثم.‏

(37ب) وانه لايأثم أمرء بحليفه وان النصر للمظلوم.‏

(38ب) وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين.‏

(39) وان يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.‏

(40)- وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.‏

(41)- وأنه لاتجار حرمة إلا بإذن أهلها.‏

(42) وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وان الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وابره.‏

43- وانه لاتجار قريش ولا من نصرها.‏

44- وان من بينهم النصر من دهم يثرب.‏

45- واذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فأنهم يصالحونه ويلبسونه، وانهم اذا دعوا إلى مثل ذلك، فان لهم على المؤمنين الا من حارب في الدين.‏

(45ب)- على كل اناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.‏

46- وان يهود الاوس مواليهم وأنفسهم على مثل مالأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة وان البردون الاثم لايكسب كاسب الا على نفسه وان الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وابره.‏

47- وانه لايحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وان من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، الا من ظلم وأثم، وان الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم..‏

في قراءة علمية لهذه الوثيقة، التي تعتبر دستور الدولة المدينية بالمعنى الحديث لكلمة دستور، وبالتالي نظام للحياة المشتركة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، في المدينة، تبين لنا أنها تتكون من طرفين، وتتحدد هوية الطرف الأول في هذه الوثيقة بفئتين، هما : المؤمنون.. والمسلمون من قريش ويثرب ومن لحق بهم وجاهد معهم، أمة واحدة دون الناس. وبهذا التمييز بين المسلمين..والمؤمنين، يمكن القول أن" المؤمن" هو من كان اسلامه عقائدياً، أي هو مسلم عن عقيدة، وبالتالي فهو" مواطن" في" الأمة". وأما مجرد " المسلم" فإسلامه " سياسي"( الاعتراف بالدين الجديد وسلطة دولته). وكان هناك في المدينة مايبرر هذا التمييز: كان هناك المؤمنون الصادقون وهم المهاجرون والانصار، وكان هناك " المنافقون " وهم جماعة من أهل يثرب أظهروا اسلامهم ولكنهم يبطنون العداوة والحقد لمحمد وأصحابه(40).‏

1- ان الصحيفة الوثيقة، التي هي بمنزلة النظام الداخلي لجماعة المؤمنين والمسلمين، أكدت" أنهم أمة واحدة من دون الناس" وكما جاء في قوله تعالى:" كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله"(41).‏

ان الصحيفة تطلق على جماعة المسلمين والمؤمنين لقب الأمة ،و" الأمة " من "آلام" أي القصد والاتجاه، ومنه أيضاً" الامام" الذي يؤم بالجماعة. ان مفهوم الأمة يتخطى جدلياً وتاريخياً القبيلة من دون أن يلغيها، بيد أنه يلغي الحدود والفواصل القبلية.‏

ان الأمة تتكون من المسلمين على اختلاف قبائلهم وعشائرهم، الذين اندمجوا في الجماعة، واصبحت العلاقات والروابط فيما بينهم قائمة على اساس العقيدة الاسلامية، وليس الدم، تعززها روح التضامن والتكافل، ونصرة المظلوم على الظالم، وولائهم لله لا للقبيلة، واحتكامهم للشرع لا للاعراف والتقاليد القبلية.‏

لقد ميزت الصحيفة، بذلك المسلمين عن باقي الفئات التي لم تعتنق الاسلام، لأن هذه الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم، من الاوس وطائفة اليهود الذين يوالون المسلمين ويحاربون معهم، وان كانوا لاينتمون انتماء وثيقاً إلى الأمة الاسلامية، انتماء المهاجرين والانصار، اذ ان درجة الانتماء إلى الأمة الاسلامية كما حددتها الصحيفة كانت تتفاوت بين طبقات سكان المدينة، فقد فرقت بين أصحاب الحق الكامل وبين غيرهم من تابع ونزيل(42).‏

2- ان المجتمع المديني في عهد الدولة المحمدية، التي كانت الصحيفة دستوره، أي ان نظامه الداخلي مثلما كانت شهادة ميلاد لهذه الدولة، تجاهل وقفز على القبيلة، خصوصاً مع انتشار الاسلام، بفعل الغزوات، حيث اندمجت طوائف وعشائر المدينة في الأمة الاسلامية، وأخذ الاندماج والانتماء إلى " الأمة" يتمان عن طريق " القبيلة"، بما ان القبائل دخلت " الأمة" بتنظيماتها القبلية. وهذا ما جاءت به الصحيفة في البنود من(3) إلى (11) حين عددت الكيانات العشائرية خصوصاً لجهة الانصار، ملثما حرصت على ذكر قبائل اليهود.‏

ولكن ذكر أسماء القبائل والعشائر، يعني ان القبيلة باعتبارها الاطار الاجتماعي الداخلي لهؤلاء المسلمين الذين مازالوا مرتبطين بها، يمكن الاستفادة منها في نطاق تحقيق التكافل الاجتماعي، وبالتالي تكيف الروابط القبلية وفق أهداف المجتمع المديني الجديد، ولأن العلاقات في هذا المجتمع المديني لاتقوم على النسب كما هو الحال في القبيلة، بل أنها تقوم على الاشتراك في القصد والاتجاه، والأهداف لهذه الدولة المحمدية، التي حرم فيها الاسلام الابقاء على العصبية القبلية والعشائرية.‏

" ان التكافل الاجتماعي يحتم على العشيرة أن تعين أفرادها. ومن ذلك اذا قتل فرد منها أحداً خطأ فأنها تدفع دية القتيل بالتضامن بين أفرادها، وقد كان ذلك متعارفاً عليه في الجاهلية فأقرته الوثيقة لما فيه من التعاون:" على بعثهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي على شأنهم وعاداتهم من أحكام الديات: وكذلك تعيين العشيرة الأسرى بين افرادها بمفاداتهم بالمال" وهم يفدون عانيهم- أي الاسير، بالمعروف". كما أكدت الوثيقة على المسؤولية الجماعية، وأعتبرت سائر المؤمنين مسؤولين عن تحقيق العدل والأمن في مجتمع المدينة. أن أهمية ذلك كبيرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم/ لم يشكل قوة منظمة كالشرطة لتعقب الجناة ومعاقبتهم(43).‏

3- ان المجتمع المديني في المدينة الذي قوامه الدستور / الصحيفة، شرع مبدأ القصاص والأخذ بالعقاب، بدلاً من حق الأخذ بالثأر، كما كان في القبيلة. ان انتقال حق التأديب إلى الجماعة بدلاً من الفرد يمثل نقلة نوعية في حياة هذا المجتمع المدني الوليد، الذي أصبح يسود قانون العقوبات، والتشريعات والقوانين التي تنظم عمل وحياة المجتمع والدولة. وهذا يشكل تخطيها جدلياً لحق الأخذ بالثأر على المستوى الفردي في المجتمع القبلي، مثلما ان هذا الانتقال النوعي جَنَّبَ هذا المجتمع المديني الوليد الوقوع في أتون الحرب القبلية الداخلية. 0‏

ونظرا لكون الحدود على الجرائم مصدرها الله تعالى، لذلك فإن السعي إلى تطبيقها واجب ديني على المؤمنين، وهذا يكسب الاحكام قدسية ويعطيها قوة كبيرة، ويمنع ماينشأ في نفوس بعض الناس من الرغبة في تحديدها والخروج عليها كما يحدث في ظل القوانين الرفيعة. ان اهتمام الوثيقة بابراز دور المؤمنين يتضح من البند رقم(13) والبند رقم (31) حيث ينص البند (13):" وان المؤمنين المتقين ايديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو أثماً أو عدواناً أو فساداً بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان ولد أحدهم". فهي تعتمد على المؤمنين في الأخذ على يد البغاة والمعتمدين والمفسدين والمرتشين، ومعنى (دسيعة ظلم) أي طلب عطية من دون حق "(44).‏

وتخصيص المتقين بتحمل المسؤولية لأنهم أحرص من سواهم على تنفيذ الشريعة لكمال ايمانهم ولأن من اتصف بأصل الايمان قد يرتكب الحرام فيبقى ويخالف الحدود فيمنع من ذلك (45). أما البنذ رقم (21) فنصه:‏

" ومن اعتبط مؤمناً فتلاعى بيته فانه قود به "أي أن من قتل بلا جناية كانت منه ولا جديدة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل إلا إذا اختار أهل القتيل أخذ الدية بدل القصاص أو وقع بينهم العفو سواء اختار أهله القتل أو الدية فان المؤمنين كافة- بضمنهم أهل القاتل- يتعاونون في تطبيق الحكم عليه وعدم حمايته مهما بلغت درجة قرابته لهم اذ" لايحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر ان ينصر محدثاً أويؤويه، وان من نصره أو آواه، فان عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل"(46).‏

4- ان المجتمع المديني الجديد هو مجتمع تعددي، حيث تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين، وحيث أصبح الناس الذين يعيشون فيه تحكمهم علاقات انتماء جديدة، أنها علاقات انتماء إلى" الوطن" الذي يحتم على كل المندمجين فيه رابطة الولاء الوطنية، ومايترتب عليها من حقوق الموالاة الوطنية، ومن تضامن المسلمين والمؤمنين على قاعدة تحقيق الوحدة الوطنية، في نطاق مواجهة التهديدات والاخطار الخارجية التي تهدد سلامة الدولة المحمدية في المدينة، التي هي في حالة حرب مع قريش. ومن ذلك ما أكدته الصحيفة:" وان المؤمنين بعضهم موالي لبعض دون الناس"، وان بينهم النصر على كل من دهم يثرب".‏

و" ان المؤمنين يسيء بعضهم عن بعض بما نال دمائهم في سبيل الله" ويقر البند رقم (17):" ان سلم المؤمنين واحدة لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله الا على سواء وعدل بينهم" ومسؤولية اعلان الحرب والسلم لايقرره الافراد بل النبي صلى الله عليه وسلم/ فاذا أعلن الحرب فان سائر المؤمنين يصبحون في حالة حرب مع الخصم ولايمكن لفرد منهم مهادنته لأنه مرتبط بالسياسة العامة للمؤمنين كما أن عبء الحرب لايقع على عشيرة دون أخرى بل ان الجهاد فرض على جميع المؤمنين وهم يتناوبون الخروج في السرايا والغزوات " واذا غازية غزت يعقب بعضها بعضاً" بند رقم (18).‏

5- أما الطرف الثاني في المعاهدة، هم اليهود فقد أوضحت الصحيفة موقف المسلمين من يهود المدينة، من خلال تأكيدها على احترام العقيدة الدينية، وعلى اعطاء اليهود حريتهم الدينية في المدينة " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ". وفي هذا الموقف، لم يشترط دستور المدينة على اليهود الدخول في الاسلام مقابل بقائهم في المدينة، بل ان المعاهدة تنص على التعددية، وبالتالي تؤكد على قبول التعايش السلمي بين المسلمين واليهود. ولما كانت المعاهدة تنص على ان المسلمين في حالة حرب مع قريش، فقد قررت الصحيفة عدم جواز لليهود من أهل يثرب أن يساعدوا قريش" وانه لاتجار قريش ولا من نصرها" كما أكدت الصحيفة على الزام اليهود بموالاة المسلمين وعدم التآمر عليهم، مثلما أفسحت لهم في المجال الدخول في الاسلام للراغبين منهم" وانه من تبعنا من يهود فان له النصر والاسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم". فالصحيفة أشركت اليهود في الدفاع عن المدينة بدون تفرقة، وبما أن اليهود في حالة تبعية للمسلمين في سياق الحرب ضد قريش، فانه يباح لهم أن يجلسوا على نفقة اشتراكهم مع المسلمين في الحرب"وان اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين".‏

" وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ان بينهم النصر على من حارب هذه الصحيفة، وان من بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم".‏

غير ان يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، نقضوا المعاهدة التي بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأظهروا روح عدوانية للاسلام والمسلمين خصوصاً بعد غزوة بدر، وأخلوا بالأمن داخل المدينة، وحاولوا قتل الرسول( بني النضير) الذين هددتهم قريش بالحرب" أن لم يقاتلوا الرسول، فاستجاب بنو النضير لهم وعزموا على الغدر، فاستحق اليهود الجزاء جراء خيانتهم جميعاً في معارك الدفاع المشترك عن المدينة، باعتبارها عاصمة الدولة المحمدية، ونقضهم للمعاهدة عن طريق غدرهم بالمسلمين، واخلالهم بدستور المدينة الذي ارتضوه حينئذ حكم النبي باجلاء اليهود عن المدينة.‏

لقد أكدت الصحيفة على ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو حاكم المدينة والمرجع لنبي" ارتضاه أهل الصحيفة ليرعى الالتزام بها ويفرض أحكامها، وبالتالي يفض في الخلافات بين المؤنين والمسلمين بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين اليهود، بقوة أهل المدينة جميعاً. وهكذا توجه الخطاب للمؤمنين-" وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فان مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد ". ثم تؤكد الخطاب لليهود" فانه ما كان بين هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فان مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم/ وان الله على ما اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره".‏

تمثل الصحيفة دستوراً وضعياً للمجتمع المديني الوليد، وللدولة المحمدية، سواء بسواء. وهي بمنزلة نظام داخلي لجماعة المؤمنين والمسلمين في شؤون الجنايات والحرب خاصة، من جهة، ومعاهدة بين الرسول وبين اليهود من جهة ثانية" معاهدة حربية بالأحرى"، وهي تمثل في جانب ثالث " عقدا اجتماعياً تأسست عليه دولة الدعوة المحمدية، باعتبارها عقداً حربياً على حد رأي الدكتور محمد عابد الجابري.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:26 PM   المشاركة رقم: 24
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

ثالثاً






ان تجاوز اللحظة التدشينية إلى ماسبقها في التاريخ العربي في مجال نشوء ونمو المجتمع المديني، يجعلنا نرى أن الثورة المحمدية بكل مالهذه الكلمة من معنى دقيق مارست استراتيجية قتالية ضد قريش من خلال ضرب مصالحها التجارية عبر الغزوات المنظمة التي قام بها الرسول، والتي كانت تهدف إلى اعتراض القوافل التجارية القرشية، من أجل الاستيلاء على مكة." ذلك أن فتح مكة لم يكن من الاحداث العادية التي كانت تجري في جزيرة العرب بين القبائل بل كانت حدثاً دولياً، فمكة كما بينا قبل مركز ديني وتجاري دولي، والدعوة المحمدية لم تعد مجرد دعوة بل لقد أصبحت دولة. واذا فالطرق التجارية الدولية أصبحت مهددة في أحدى محطاتها الرئيسية، فكان من الطبيعي أن يأتي رد فعل الروم الذين تهمهم مكة كمحطة تجارية ضرورية"(47). كما ان هذه الثورة المحمدية كانت في بداياتها اعادة انتاج للحياة المدينية العربية سواء منها ماكان على تخوم الجزيرة العربية مزامناً للدعوة المحمدية، أو ما كان يضرب جذوره في ماضي عريق. هذه الحياة المدينية قوامها التجارية مؤسسة على الزراعة والحرفة. وهذا مايبرزه الدكتور هشام شرابي في قوله: ارتكزت البنية البطركية، في تطورها الاجتماعي والاقتصادي، على تكوين قبلي يتسم بالروح التجارية، ويتميز بتجارة المسافات الطويلة بدلاً من الانتاج الزراعي المحض وقد تبلور هذا التكوين في ماسماه سمير أمين تبعاً لتحليل ماركس في كتابه (Grundisse) نمطاً رافداً " غير اقطاعي من الانتاج "(48).‏

هل نستطيع التوصل إلى تفسير منطقي لظهور الاسلام كرسالة أو ثورة متجاوزة كل من اليهود والمسيحية؟ ولماذا العرب لم يتبنوا اليهودية أو النصرانية وهي في ايديهم؟ وماهي مقتضيات تقدم الاسلام في بيئة عربية حجازية، هل لأن الرومان قد تبنوا المسيحية ديناً لدولتهم؟‏

ان النظام البطركي القبلي في المجتمع الجاهلي، الذي تهيمن فيه القبيلة باعتبارها الوحدة السياسية عند العرب في العصر ما قبل الاسلام، والذي كان الوعي السياسي فيه ضيقاً ومحدوداً، فضلاً عن ان هذا المجتمع العربي البطركي كان مجتمعاً مفتتاً من الناحية السياسية، سبب التنافر بين القبائل المختلفة، التي يعود سببها في جزء رئيس إلى طبيعة الشروط الاقتصادية والاجتماعية لحياة هذه القبائل (جدب الأرض، التنقل، قلة المرعى) الفاقدة لسلطة مركزية من نوع الدولة، والتي تشكل العصبية مصدر قوتها السياسية، أصبح يتفطن إلى مطامع الروم والفرس في الجزيرة العربية، ويحس بأخطار وأطماع هذه الأمم الاجنبية، التي أصبحت تهددها. من هنا كانت يقظة الروح القومية وانبعاثها " في اليمن على أثر استيلاء الاحباش عليها، وتكون هزيمة ابرهة في مكة باعثاً على إلهاب الشعور القومي وتجرؤ العناصر الوطنية في اليمن على مناوئتهم، ويقع على كاهل سيف بن ذى يزن الحميري/ عبء العمل على طردهم من أرض العرب. كذلك كان انتشار عرب الحيرة على الفرس في موقعة ذى قار سنة 609 م انتصاراً للعرب جميعاً. وهو أول انتصار للعرب على العجم الذين كانوا يرفضون عليهم سلطانهم. وفي هذا الانتصار قال النبي ص) " هذا أول يوم انتصفت العرب فيه من العجم وبني نصروا"(49)، وقد عبر رسول الله(صلهم) بهذه العبارة الموجزة عن امال العرب جميعاً، ورغبتهم في التحرر المطلق من سيطرة الفرس. وقد حقق الاسلام وحدة العرب في الجزيرة وفي الشام وفي العراق، حيث كانت تنزل بعض القبائل العربية "(50).‏

ان تطور الشعور القومي عند العرب قبيل ظهور الاسلام، وتهيئهم لتحقيق نقلة نوعية في تاريخهم السياسي، هو الذي جعل الاسلام باعتباره ديناً جديداً توحيدياً ومتماسكاً ودقيقاً في نصوصه القرآنية يلعب دوراً أساساً في تكوين الدولة العربية الاسلامية في عهد النبي والخلفاء الراشدين، التي توطدت دعائمها انطلاقاً من الدعوة المحمدية، حيث يقول ابن خلدون وبكامل الوضوح " ان الدين كان شرطاً ضرورياً لقيام دولة " العرب. ولكن تستهدف في الغالب تغيير الاوضاع القائمة الاخلاقية منها والاجتماعية، ثم السياسية أيضاً، لاتتم ولا تنجح الا عندما تتبناها جماعة قوية بعددها، ملتحمة بعصبيتها:" بان الدعوى الدينية من غير عصبية لاتتم"( 468ج2).‏

ان عصبية النبي عصبية بني هاشم، وعصبية قريش عموماً هي التي مكنت الدعوة المحمدية من الانتصار بين صفوف القبائل العربية، التي تشلكت منها بعد اسلامها، عصبية عربية جامعة قوة عسكرية ضخمة، نشرت الاسلام شرقاً وغرباً بالجهاد والفتح، واقامت دولة الاسلام قوية واسعة أن العصبية عصبية قريش اولاً: وعصبية العرب جميعاً- كانت شرطاً ضرورياً في نجاح الدعوة الاسلامية وقيام دولة العرب"(51). لقد كان الاسلام عنصراً ضروريا وشرطاً أساساً في التئام وتوحيد العصبيات العربية المتنافرة، التي لم تنجح الديانتين المسيحية واليهودية في تحقيقهما، مثلما ان الاسلام والعصبية شكلا شرطين رئيسيين بالاضافة إلى عنصر الغنيمة في تأسيس الدولة العربية الاسلامية.‏

وبذلك بقيت القبيلة حية في نفوس الناس بما أنها كانت ولا تزال خاصية أساسية من خصائص تكوين الدولة العربية في مستوييها الديني والقومي على حد سواء." والواقع أن البنية القبلية بدل من أن تتفكك بظهور الاسلام، قدمت بالأحرى، اطاراً جاهزا للثورة النبوية الاسلامية. وهكذا أصبح المجتمع الاسلامي مؤلفاً من قبائل وعشائر تعتنق الاسلام، بحيث أصبح أضيق أنماط الهوية حجر الزاوية في حركة مبنية على الاخاء البشري، والأمة بمعناها القومي كما حددته الحركات القومية للدلالة على الوطن وهويته، قد شملت في آن العنصرين الديني والقومي وادرجتهما في النظرية القومية العربية مما يفسر الازدواجية القائمة في صلب التفكير القومي وممارساته في عصرنا هذا(52).‏

ونعود إلى موضوع المجتمع المديني لنؤكد بأنه شكل لحظة تاريخية في تطور المجتمع المدني، من المدنية الدولة إلى الدولة- المدينية اليونانية، حيث ولد مفهوم الساحة، ومفهوم القصر، علماً بأن هذين المفهومين ليسا غريبين عن المدنية العربية. وكان دائماً هناك تضاد بين مجتمع الساحة ومجتمع القصر. هذا التضاد كان يتجلى في مركب جدلي أو حالة توسطية هي البنية القبلية (الديمقراطية) حيث كان وجهاء العشائر يشكلون مجلس العشيرة، الذي يتشاورون فيه في السراء والضراء. قد يكون هذا الشكل القبلي تعبيراً عن انحطاط المدينة الدولة العربية القديمة وانهيارها، لكنه ظل مستقراً في الوعي واللاوعي الجماعي. ثم" ان اجتثاث" مفعول القبيلة" من أسس مختلفة تماما عن تلك التي تكرسها " القبيلة"و" الغنيمة". لقد بقيت القبيلة" حية في النفوس حتى زمن الدعوة وفي صفوف أهلها "(53). ولايستبعد أن تكون القبيلة العنصر الحاسم في اعادة بناء الدولة العربية الاسلامية، وبالتالي اعادة بناء المدينة والحياة المدنية وفق الشروط الجديدة التي أحاطت بظهور الاسلام وتطوره.‏

هل كان يمكن أن تكون تجارة المسافات الطويلة لو لم تكن ثمة انتاج؟‏

صحيح ان مكة كانت مركزتجاري، هل هي مجرد وسيط بين الهند والحبشة، ومن الجزيرة وبلاد الشام، ام ان التجارة كان لها جانب محلي؟ هذا يحيلنا إلى الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي سبقت ظهور الاسلام، وساعدت على نموه وتقدمه. حتى النهب والغزو ما كان ممكناً حدوثهما لو لم يكن هناك مايمكن نهبه حسب ماركس. غير ان ابن خلدون يقدم لنا تحليلاً مختلفاً عما سماه ماركس ب" النمط الاسيوي للانتاج": حين يقول:" أن القوى التي يقوم عليها هذا النوع من الاقتصاد- اقتصاد الغزو- ليست قوى اقتصادية خالصة، بل هي على العموم" قوى حربية" الصفات الجسمية والمعنوية التي كانت تجعل من الرجل في القديم محارباً جيداً (القوى العضلية الخبرة الحربية، الشجاعة الخ).‏

2- ومن ثمة فان العلاقات السائدة في هذا النمط ليست علاقات انتاج بالمفهوم الماركسي، بل هي علاقات من نوع خاص، وعلاقات عصبية، تفصل بين الطرفين اللذين تقوم المواجهة بينهما، بقدر ماشد افراد كل طرف، بعضهم إلى بعض، مادامت المواجهة قائمة".‏

ويعلن الدكتور الجابري معلقاً على ذلك بقوله" من هنا كانت " البنيات الفوقية " على العموم، غير مرتبطة كبير ارتباط ب" البنيات التحتية". السلطة السياسية ليست نتيجة السيطرة على قوى الانتاج، بل هي نتيجة التلاحم العصبي الذي يؤطر، ويقنع، سعي الجماعات البدوية، المحرومة والمستقلة، نحو أقصى السلطة وأوسع الامتيازات الناتجة عنها، وفي مقدمتها/ الثروة الجاهزة: " الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك".‏

هذا النوع من الاقتصاد، اقتصاد الغزو، هو الذي تأسس عليه في شكله البسيط، خشونة البداوة " كما تقوم عليه أيضاً، في شكله " المتطور " كما لاكيفا رقة" الحضارة ". لقد فرضت هذا النوع من" الانتاج" على أصحابه في حال" خشونة البداوة" طبيعة مناطق سكناهم" الطبيعة القاسية التي تبخل القليل من الخيرات والرزق، كما نمته وغذته أيضاً، طبيعة الموقع الجغرافي الذي جعل من تلك المناطق طريقاً للقوافل التجارية التي تمكنهم الرسوم التي يفرضونها عليها، سواء مقابل السماح لها بالمرور، أو مقابل حمايتها، من الحصول على نصيب مهم من الثروة الجاهزة دوماً... هذا النوع من" الكسب أو من الانتاج القائم على الغزو، كان مسؤولاً في نظر ابن خلدون- عن النمط العام للحضارة العربية الاسلامية سياسياً واجتماعيا وعمرانياً وثقافياً..(54).‏

ان الحياة المدنية هي حياة العمل والانتاج. ومن هذا المنظار، فالمجتمع المديني هونتاج النمو والتطور المعرفي للجماعة البشرية، تطور معرفة الانسان بالعالم الطبيعي الحيواني والنباتي المحيط به. والمجتمع المديني في الاسلام، الذي كان سكان المدن التجارية والبدو يمثلان طرفين مسيطرين تاريخياً على السمات الحضارية للدولة العربية الاسلامية، وبخاصة في مجالي التجارة و السلطة السياسية، في حين ان الفلاحين استمروا خاضعين لهاتين الفئتين، يتسم بالخصائص التالية:‏

1- اعادة انتاج الموروث المديني الحضاري الموجود قبل الاسلام، وطبعه بطابع اسلامي،" لقد طرأ تغيير كبير على حياة القبائل العربية بعد انتقالها إلى الأمصار ذلك ان اقامتها في المدن جعلتها تتجه إلى الاستقرار وإلى الحياة الحضارية، ومع ان الكثير من القيم والمفاهيم القبلية بقيت الا ان القبائل أصبحت جزءاً من مجتمعات مستقرة. ولم تبق دور الهجرة مراكز عسكرية، بل تحولت إلى مجتمعات حضارية نشطة بمختلف الفعاليات المدنية...‏

وقد سبق في ذلك التحول العرب الذي جاؤوا من المدن في الجزيرة، اذ نشطوا في التجارة في البدء وادركوا أهمية الأرض واتجهوا إلى الملكية الزراعية".(55).‏

2-تطور الزراعة والحرفة والتجارة: اذ ان " أشراف القبائل كانوا أسرع من غيرهم واقدر على فهم أهمية الأرض وماتجلبه من ثروة، فسارعوا إلى امتلاك الأراضي والحصول عليها بشكل أو بآخر. وأما عامة أفراد القبائل فلم يكن لهم هذا الادراك المبكر أو الامكانيات المادية بالنسبة لامتلاك الأراضي مما ولد فجوة اقتصادية واضحة بينهم وبين الاشراف، فكانوا أدعى للتذمر وأسرع لمتابعة الحركات الثورية من غيرهم". (56).‏

3- تطور الحياة الفكرية‏

4- مسألة الفتوحات بما يعنيه توسيع سيادة الاسلام وتوجيهه لقوى القبائل، وبزوغ الدو رالسياسي للمؤسسة العسكرية.‏

في ظل هذه المؤسسة العسكرية كيف بدأت تتكون مؤسسات المجتمع المدني: لقد كان للنشاط التجاري دور كبير في تنشيط المؤسسات المالية والصيرفية، مثلما لعبت معاملات الائتمان دورها الكبير في التجارة. ومع ذلك فقد كانت التجارة تجارة كماليات، اذ كانت هناك فئة اجتماعية منتعشة خصوصاً وان السلطة كانت دائماً مصدراً للثروة من خلال توظيف موقعها في الجغرافية السياسية. وهناك مستويات للسلطة كأساس للثروة:‏

- الفئات الحاكمة أو ماينطوي تحتها من القبائل أو العشائر وحتى البعض من بين موالي المدن الذين يشتغلون في التجارة والصيرفة أو في العلم، وبينهم الباعة والصناع وأصحاب الحرف من مختلف الاصناف. ويبدو أن العرب لم يشاركوا في هذه الفترة في أكثر الفعاليات الاقتصادية وخاصة الصيرفة والحرف، كما أن جل النشاط التجاري صار بيد الموالي بعد أن أنصرف العرب إلى الحكم والادارة والجهاد. وكان للتجار والصيارفة شأن يذكر في الحياة العامة"(57).‏

- الجيوش: ففي الدولة المحمدية لدى نشوء دولة المدينة أو ما يمكن تسميته بالحقبة المدينية كان ثمة مستويات مستوى متعلق بنسبة القوى، المستوى الواقع القائم الذي تعبر عنه العلاقات العشائرية والزعمات القبلية، ومستوى الواجب وهو مايمكن تسميته بجنين الدولة الاسلامية الذي كان محمد يريدها دولة اخلاقية، دولة الحق والعدل والسلام الاجتماعي، على الرغم من الانقسامات الطبقية، حيث كانت السماء ماتزال متصلة بالأرض، وحيث البشر يستمدون تشريعاتهم من السماء أي من العقيدة. هذا في عهد الرسول، اما في عهد الخلفاء الراشدين، فالدولة اتخذت تنمو في المرحلة اللاحقة فهي محاولة للتوفيق بين دولة الرسول والملك السياسي. فالدولة الاسلامية دولة واقعية اذ علق الخليفة عمر الكتب من الاحكام السابقة، وتساهل في العمل بالحدود وظهرت بذلك المؤسسات لتعلن عن الاسلام التاريخي، أي الاسلام المعين في مؤسسسات وممارسات اقتصادية واجتماعية. هذا الاسلام يدحض كل ايديولوجية اسلامية تضع الاسلام خارج الزمان والمكان. وبزغت مؤسسات سياسية، مؤسسة الخلافة، وقضائياً القضاء الاسلامي، وادارياً الدواوين، واقتصادياً المؤسسات الصيرفية التي تقوم بدور البنوك في العصر الحاضر.‏

وهكذا نجد في المجتمع المديني أن الصراعات العشائرية والاجتماعية والايديولوجية أخذت تتحول إلى المستوى السياسي، وعبر عن ذلك الصراع على السلطة في اجتماع سقيفة بني ساعدة، لأن العلاقات القبلية بدأت تفقد هيمنتها في الحياة الاجتماعية والسياسية بالتدريج. ولابد من التأكيد على ان بروز المعارضة السياسية بأسم المبادئ الاسلامية، عقب نهاية الحرب الأهلية الأولى متمثلة في حزبين عربيين هما الشيعة والخوارج التي ارتبط ظهورها أساساً بمسألة الخلافة ومفهوم الحكم،" ذلك أن الاحزاب السياسية بدأت تنتشر مبادؤها بين أفراد القبائل ودخلت مجموعات كبيرة منهم في هذه الاحزاب من شيعة (خاصة في الكوفة) وقدرية( خاصة في البصرة) وخوارج (وخاصة في الجزيرة وعثمانية)، في حين أن الاشراف كانوا أقرب للسلطة وابعد عن الاحزاب".(58)، كل هذا يؤكد على تكوين المجتمع المدني، مثلما أن الصراع بين التجارة والزراعة وانتصار التجارة يدل على بداية تكون المجتمع السياسي.‏

والحال هذه، اصبح الفضاء الاجتماعي والسياسي والثقافي والاخلاقي فضاءاً اسلامياً. هذاالفضاء لون العلاقات القبلية التي كانت سائدة قبل الاسلام، وارتقى بالعرف القبلي إلى مستوى القانون الاسلامي ،" وهذا يعني سيطرة الدولة واعتبارها الضمان للمشاركة في المجتمع، كما يعني تخلخل العصبية القبلية يقابلها قوة المبادئ الاسلامية التي تؤكد على المساواة"(59).‏

ان الاسلام شأنه شأن غيره من الاديان هو مسألة مدنية، مسألة حضارة. فكان البدو أو الاعراب أبعد مما يكونون عن الاسلام، سواء في العقيدة أو في الثقافة. ولذلك أستمر القانون القبلي السائد في أوساطهم رغم أدعائهم الانتماء إلى الاسلام. وهذا مايفسر لنا استمرار البنى القبلية والعشائرية إلى يومنا هذا، لأن النظام البطركي القبلي أثبت منذ الثورة النبوية الاسلامية، وفي عصر الامبراطوريتين الاموية والعباسية مقاومته الداخلية للتغيير. ولأن الاسلام لم يستطع استيعاب البنى القبلية، بدلالة أنه لم تنجز عملية برامج اجتماعية واقتصادية ثورية تلغى هذا الانتماء القبلي والعشائري على صعيد الاقتصااد والثقافة والسياسة.‏

أن تطور المجتمع المديني عبر الحضارات العربية قد بلغ ذروته في المجتمع العربي الاسلامي، حيث أن هذا المجتمع المديني في عهد الرسول قد تحول إلى مجتمع مدني بالمعنى الدقيق للكلمة، عندما تأسست الدولة الأموية بالمعنى العقلاني. فالدولة في عهد الفتوحات كان مركزها مكة. ولكن مع انفجار الصراع على السلطة بين علي ومعاوية- حيث أننا ننقد الرواية السياسية التي تنحاز دائماً إلى علي، باعتباره يمثل ايديولوجية الفقراء والمضطهدين- انتقلت الخلافة إلى دمشق، التي كانت تعبيرا عن الدولة العقلانية، بما أنها دشنت لحظة المجتمع السياسي بفضل ماتنطوي عليه بلاد الشام من محرز حضاري، ومن تقدم في مجال الانتاج الزراعي والحرفي والتجاري في معظم مدنها، ولا سيما دمشق المدينة التجارية بامتياز، ولهذا كان خط معاوية يمثل خط التقدم والتاريخ، وخط التاريخ ليس خط الفقراء.‏

هوامش الفصل الأول:‏



(1)- الازرقي- اخبار مكة-ج 1(101)‏

(2)- جواد علي - ج4 (165).‏

(3)- الدكتور جواد علي- الجزء الرابع (20-21).‏

(4)- د- جواد علي الجزء الرابع(ص36).‏

(5)- د/ جواد علي الجزء الرابع(ص22).‏

(6)- د/ جواد علي- الجزء الرابع(ص28).‏

(7)- المصدر السابق (ص31،32،33)‏

(8)- المصدر السابق(ص47).‏

(9)- المصدر السابق (49).‏

(10)- السعودي، مروح الذهب، ج2 (ص148) ثايقوت معجم البلدان(ص430)- عمد الاخبار،(ص41).‏

(11)-. ياقوت المرجع السابق- السمهودي، ج1 (ص1) - عمدة الاخبار (ص42).‏

(21)- مولاي محمد علي، محمد رسول الله، ترجمة الاستاذ مصطفى فهمي، القاهرة 1945 (ص8).‏

(13)- السمهودي، ج1 (ص110).‏

(14) السمهودي - المصدر السابق (ص112).‏

(15)- ياقوت - المصدر السابق- السمهودي (ص112).‏

(16)-د. جواد علي، الفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام 6/ 514 (بيروت 1968-1971)د. محمد بيومي مهران، دراسات في تاريخ العرب القديم (نشر جامعة الامام محمد بن مسعود الاسلامية بالرياض 397/ هـ 1977م/ (ص 488-450).‏

(17)- د. اكرم ضياء العمري- المجتمع المدني في عهد النبوة- الطبعة الأولى 1983- الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة (ص59-60).‏

(18)-د.جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام -الجزء الرابع- دار العلم للملايين مكتبة النهضة بغداد (ص128-129).‏

(19)- دكتور أكرم ضياء العمري- المجتمع المدني في عهد النبوة - مصدر سابق (ص 62).‏

(20)- د. عبد العزيز الدوري- مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي- دار الطليعة - الطبعة الخامسة آب 1987(ص9).‏

(21)- حسين مروه- محمود كروب- محمود أمين العالم- سمير سعيد - دراسات في الاسلام - دار الفارابي- الطبعة الأولى 1980- الطبعة الثانية 1981 (ص13).‏

(22)- الدكتور عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية- مؤسسة الثقافة الجامعية- الاسكندرية 1968(ص39).‏

(23)- د. محمد عابد الجابري - العقل السياسي العربي- مركز دراسات الوحدة العربية- الطبعة الأولى شباط فبراير 1990 (ص57).‏

(24)- مصحف الحرمين - سورة الاعراف - الآية (157).‏

(25)- المصدر السابق - سورة النحل - الآية (103).‏

(26)- المصدر السابق - سورة الاسراء- الآيتين (88-89).‏

(27)- المصدر السابق - سورة الشعراء- الآيات (192-193-194-195).‏

(28)- د- محمد عابد الجابري مصدر سابق (ص100).‏

(29)- ابن هشام ج1 (ص434)، ابن سعد (ص220)، ابن كثير (ص180).‏

(30) احمد الشريف، الدولة الاسلامية الأولى (ص 54).‏

(31) - القرآن الكريم - سورة البقرة 2، آية (190-191).‏

(32)- السيد عبد العزيز سالم، التخطيط ومظاهر العمران في العصور الاسلامية الوسطى- مقال بمجلة المجلة- العدد التاسع، سبتمبر 1957) تخطيط مدينة الاسكندرية وعمرانها في العصر الاسلامي - مقدمة عامة للمدن الاسلامية - بيروت 1963).‏

(33)- ابن سعد ،ج1 ص (294،314،316،331،338،357).‏

(34)- المصدر السابق (ص316، 336).‏

(35)- ظهرت أولى المدارس في مصر الاسلامية كبناء مستقل عن المسجد الجامع في الاسكندررية في العصر الفاطمي (السيد عبد العزيز سالم، تاريخ الاسنكدرية وحضارتها في العصر الاسلامي، الاسنكدرية 1969( ص218، 219) كما ظهرت في نفس الوقت تقريباً خراسان في عهد السلاجقة( راجع السيد عبد العزيز سالم- بيوت الله مساجد ومعاهد القاهرة (1960).‏

(36)- د- محمد عابد الجابري مصدر سابق (ص92).‏

(37)- د. اكرم ضياء العمري- مصدر سابق (ص 76). استشهد به من البخاري الصحيح 3/ 119 و6/55- 56و8/190-191.‏

(38)- د- محمد عابد الجابري - مصدر سابق (ص92-93)، هذا المقطع استشهد به الجابري من كتاب الطبقات الكبرى للسيد محمد بن سعيد ج1 (255- 256).‏

(39)-د أكرم ضياء العمري مصدر سابق (85).‏

(40)- د محمد عابد الجابري مصدر سابق (ص93).‏

(41)- القرآن الكريم سورة آل عمران 3 آيو (110).‏

(42)- دكتور السيد عبد العزيز سالم-تاريخ الدولة العربية مؤسسة الثقافة الجامعية- الاسكندرية (ص87-88).‏

(43)-د. اكرم ضياء العمر- مصدر سابق (131-132).‏

(44)- المصدر السابق (ص132)- مستشهد بابن الاثير - النهاية في غريب الحديث والاثر 2/117. وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 4/ 168 وابن منظور: لسان العرب مادة (دسع)‏

(45) - المصدر السابق (ص 132) مستشهد بشرح الزرقاني على المواهب اللدنية للقسطلاني 4/168.‏

(46)- المصدر السابق (ص133).‏

(47)- د محمد عابد الجابري مصدر سابق (ص 121-122).‏

(48)- د- هشام شرابي- البنية البطركية- بحث في المجتمع العربي المعاصر - دار الطليعة - الطبعة الأولى كانون ثاني 1987 (ص48-59).‏

(49)- السيد عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية مصدر سابق (ص40).‏

(50)- المصدر السابق عينه مأخوذ عن المسعود ج1 (ص 287- ابن الاثيرج ص 285.‏

( 51)- د- محمد عابد الجابري- العصبية والدولة- دار الطليعة الطبعة الثالثة - نيسان 1982-(ص393).‏

(52)- د- هشام شرابي - مصدر سابق (ص 58).‏

(53)- د- محمد عابد الجابري - العقل السياسي العربي- مصدر سابق (ص 97).‏

(54)- د- محمد عابد الجابري - العصبية والدولة - مصد رسابق (ص 407-410).‏

(55)- د- عبد العزيز الدوري - مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي- مصدر سابق (ص22).‏

(56)- المصدر السابق (ص39).‏

(57)- المصدر السابق (ص 41).‏

(58)- المصدر السابق (ص38-39).‏

(59)- المصدر السابق (ص44) .‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:29 PM   المشاركة رقم: 25
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني




بدأ في العصر الأموي بالظهور ما يمكن تسميته بالمجتمع المدني، وذلك لتبلور دولة " الملك السياسي" بوجه خاص، التي أعاد معاوية تأسيسها تأسيساً جديداً بعد حروب الردة أولاً، ثم حروب الفتوحات الكبرى ثانياً، وتبلور ظاهرة التنوع والتعدد في المجتمع للعربي الاسلامي مع مارافقتها من بدء الخلافات الفقهية، وبدأ" التأويل " ثالثاً، ولتبلور الحقل السياسي، أو المجال السياسي بوجه عام. ويقول الدكتور الجابري بهذا الصدد : اذا نحن نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية أولاً وقبل كل شيء، فأننا سنجد أن" ملك " معاوية كان فعلاً " دولة السياسة" في الاسلام، الدولة التي ستكون النموذج الذي بقي سائداً إلى اليوم. ونحن عندما نصف" ملك" معاوية بأنه " دولة السياسة" فأننا لانقصد بذلك تلك المظاهر التي عرف بها سلوك معاوية، من الدهاء والحلم والقدرة على المفاوضة، ومايعرف ب" شعرة معاوية " فان هذه المظاهر، على أهميتها وإيجابيتها من الناحية السياسية، تبقى مما ينتمي إلى السلوك الشخصي، وليس إلى بنية الدولة. أننا نقصد بذلك أن معاوية قد أوجد بالفعل من خلال سلوكه الشخصي كسياسي محنك، وبفعل التطورات الاجتماعية التي حصلت في عهده مايعبر عنه علماء الاجتماع والسياسة اليوم بـِ" المجال السياسي"(1). والحقل السياسي، أو المجال السياسي، يشمل الدولة باعتبارها تعبيراً سياسياً وحقوقياً عن علاقات الانتاج، ويشمل السلطة والمعارضة في آن معاً، ويشمل كذلك سائر التيارات السياسية والاتجاهات الفكرية التي تغذيها.‏

هذاالتبلور مؤشر على تبلور حقول أو مجالات المجتمع المدني الأخرى القاعدية إذا أصح التعبير، المجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي، أو لنقل المجال الاقتصادي -الاجتماعي، والمجال الثقافي، والمجال الايديولوجي، وان كنا نسقط هذا المفهوم على الحياة الفكرية في ذلك الزمان، وأخيراً المجال السياسي.‏

أن طابع العلاقة بين هذه المجالات أو الحقول، هو الذي يحدد سمات المجتمع المدني. ويمكن القول أن المجال السياسي"( ونحن هنا نستعير هذ المفهوم من الفكر السياسي الغربي، حيث أن المجال السياسي ظهر مع نشوء النظام الراسمالي، وانجاز الثورة الديمقراطية البراجوازية، وانقسام المجتمع إلى بنيتين، بنية فوقية قوامها أجهزة الدولة،، ومؤسساتها والايديولوجيات المرتبطة بها، وبنية تحتية تمثل القاعدة الاقتصادية التي تشكل الصناعة عمودها الفقري)، باعتباره النتاج الأعلى للحقول الأخرى، هو الذي يحدد طابع المجتمع، وهو الذي تتركز فيه سائر المجالات الأخرى، وهو يبدو للوهلة الأولى مجرداً من ملامحه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بمعنى آخر أن السياسي هو الاقتصادي وقد ضمر فيه طابعه الطبقي المباشر، وأصبح أكثر تجريداً وغموضاً. ولما كان للحقل السياسي أو المجال السياسي هذه الأهمية، بات من الضروري أن نفرز هذا في هذا الحقل، مجال الدولة، ومجال السلطة، ومجال المعارضة. فالمجتمع المدني لايحقق توازنه واتساقه الا بتوازن هذه المجالات واتساقها، كذلك من المهم أن نتساءل عن طبيعة الدولة الأموية بدلالة العلاقة بين السلطة والمعارضة.‏

أن طابع الدولة وطابع نظام الحكم يتحددان بالعلاقة بين السلطة والمعارضة، تلك العلاقة التي يمكن ان تجعل من الدولة أما دولة استبدادية حصرية تقوم على اقصاء المعارضة ونفيها، أو دولة تعددية يجري في مؤسساتها صراع اجتماعي - سياسي مفتوح يسمح بتداول السلطة سلمياً.‏

وهذا الشكل الثاني لم يكن معروفاً بالتاريخ السياسي العربي، لاسيما منذ تولي معاوية السلطة، وتحويله الخلافة إلى ملك عضوض". وهكذا انقلبت الخلافة ملكاً لما انغمس العرب في النعيم بكثرة الغنائم والفتوح، اصبحت طبيعة الظروف الجديدة تفرض" الانفراد بالمجد واستئثار الواحدية" وكان ذلك على عهد معاوية. ولذلك فان ماحدث في عهد معاوية من مظاهر الملك لم يكن باختياره أو تدبيره، فلم يكن في امكانه" أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه، فهو أمر طبيعي ساقته العصبية بطبيعتها. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتاليفها أهم عليه من أمر ليس وراءه كبير مخالفه" (544 ج2) (2).‏

لاشك ان معاوية قد حول الخلافة إلى ملك، والملك كما يقول أبن خلدون هو الحكم الطبيعي حيث الحاكم بمقتضى الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم"، واقام الدولة السياسية العقلانية ولكن ينبغي التحرر من اطلاق هذا الحكم، ذلك ان السياسة كانت ماتزال مثقلة بأشكال سياسية ماقبل دولتية، وبعلاقات سياسية ما قبل دولتية.‏

صحيح ان دولة معاوية تمثل نقلة نوعية لجهة انبثاق فيها مجال خاص تمارس فيه السياسة كسياسة، ومشروعه السياسي كانا يدفعان بالمجتمع نحو التقدم، الا أن بنى المجتمع وطابع الصراعات الاجتماعية والسياسية كانت تفرض عليه التوسل بالعلاقات القبلية، والنزاعات مابين القبائل لتحقيق ضرب من التوازن السياسي يضمن توطيد حكمه. فقد استقوى مثلاً بقبائل الجنوب ليعوض أو يتلافى انفضاض بعض قبائل الشمال عن حكمه، واصطفافها خلف المعارضة السياسية. لقد تغير الوضع تماماً مع الدولة الأموية. وكان انتصار معاوية على علي يمثل، حسب تعبيره هو، انتصارا ل" أهل الجزاء.. والغناء" في الأعمال والوظائف " على أهل الاجتهاد، والجهل بها". وباصطلاحنا الخاص لقد انتصرت " القبيلة" على" العقيدة": في القمة انتصر مروان بن الحكم على عمار بن ياسر(بوصفهما رمزين) وفي القاعدة انتصرت " قريش" على" السبئية". وهكذا حكم معاوية باسم " القبيلة " وليس باسم" العقيدة" فانفصل في شخصه " الأمير عن" العالم"، وامتد ذلك إلى اجهزة الدولة فصار " الامراء" فريقاً و" العلماء " فريقاً أخر. هذا في القمة، اما القاعدة التي كانت تؤطرها القبيلة " فقد انقسمت زمن الفتنة إلى معسكرين: معسكر قريش، ومعسكر " العرب"( من اليمن وربيعة) وعلى رأسه علي، وبينهما أفراد وجماعات قررت اعتزال الفتنة. وبانتصار معاوية صارت القبائل التي قاتلت معه وانضمت اليه هي وحدها" الجند " وقد بلغ تعدادها ستين الفا، أما المجموعات التي قاتلت ضده، فقد أصبحت هي والتي كانت متمردته أو معتزلة، أصبحت " رعية" وهكذا انقسمت القاعدة " بدورها إلى جند ورعيته"(3).‏

ان المضمون الواقعي والتاريخي لدولة معاوية باعتبارها دولة كلية، يتمثل في اتخاذها عصبية قبلية بني أمية بخاصة، واتخاذ القبيلة بوجه عام اطاراً لتوليد وتبلور الطبقة الارستقراطية الجديدة واعادة انتاج البنية القبلية، كبنية اجتماعية وسياسية، حيث دخلت العلاقات القبلية في السياسة، على أنه لا يمكن الزعم بان معاوية باعتباره رمزاً للسلطة الأموية قد استبعد المعارضة كلياً من مجال العمل السياسي، ومجال السلطة، بل أنه وضع نفسه في مركز السلطة، وفي موقع السيطرة على التراتبات الاجتماعية من جهة، وعلى التعارضات القبلية والاقوامية والطبقية في تجلياتها السياسية من جهة أخرى. وهو معروف ب" العقد السياسي " الذي اقترحه على خصومه السياسيين بعد ان انتصر عليهم بالقوة، فضلاً عن عدم قطعه قنوات التواصل مع الآخرين (شعرة معاوية)، وعدم استبعاده المعارضة السياسية الا تلك التي كانت لاتقبل باقل من اقصائه عن الحكم.‏

فَـ" المرويات عن معاوية من أقوال وأفعال تشير إلى الطابع السياسي" لحكمه هي من الكثيرة والتواتر بحيث لايستطيع الباحث الا أن يقبلها في جملتها ويعتبرها تعكس واقعاً كان قائماً بالفعل. يؤكد ذلك ماعرفه العصر الأموي عموماً من حرية التفكير والتعبير طالت شرعية الحكم الأموي نفسه، هذه الشرعية التي جعلها المعارضون للأمويين، من محدثين وفقهاء وغيرهم موضوع " كلام" ونقاش مما اضطر معه الخلفاء الأمويون وولائهم وانصارهم إلى الدفاع عنها ب" كلام " مضاد، فربطوا القوة والغلبة اللتين انتزعوا بهما السلطة بارادة الله وصادق علمه أي بقضاءه وقدره، ناشرين بذلك أيديولوجيا جبرية" عقيدة " اتخذوا منها غطاء لسلوكهم، مما أفسح المجال في، في أطار " الليبرالية الموروثة" من" سياسة معاوية"، لقيام أيديولوجيا مضادة نشرتها حركة تنويرية حقيقية، تستحق هذا الاسم فعلاً... على أنه اذا كان " العقد السياسي " الذي اقترحه معاوية وطبقه بصورة واسعة، على الأقل في مجال " المواكلة"، والاشراك في " الغنيمة" (العطاء السياسي) والتعامل مع الخصوم السالكين مسلك المعارضة السلمية بهذا النوع من" الليبرالية" قد فتح الباب أمام قيام " مجال سياسي " تمارس فيه الحرب ضد الامير بواسطة" الكلام " أي السجال الايديولوجي، فانه لامعاوية ولا حلفاؤه من بعده استغنوا عن" القبيلة". نعم لقد مارسوا فيها" السياسة " كما سنرى ولكنهم لم يعملوا على تجاوزها. والمجال السياسي لايستحق هذا الأسم الا اذا كان هناك اختراق " القبيلة". وقد حصل ذلك فعلاً، ومنذ عهد معاوية، ولكن لا من طرفه هو، بل من طرف خصومه. ومن هنا العامل الثاني في انبثاق المجال السياسي في الدولة الأموية(4).‏

لقد شكل الخطاب السياسي الجديد في ذلك الحين ممثلاً بمجموعة الخطب والآراء التي صدرت عن معاوية، مثل شعرة معاوية المشهورة، حين قال ذات يوم" لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل وكيف ذلك؟ قال: كنت اذا مدوها خليتها واذا خلوها مددتها "، نقلة نوعية في تطور العقل السياسي العربي، ففي تلك الخطب والأفكار، تبدو جملة المقولات السياسية، وجملة القواعد والمبادئ العقلانية التي اعاد ميكافيلي بنائها بعد مايقرب من تسعة قرون. فمعاوية على سبيل المثال كان يحرص ان يكون مَهِيباً، أكثر من حرصه على ان يكون محبوباً.‏

أذا كانت علاقة السلطة بالمعارضة تحدد طابع الدولة، فهل كان وضعية الاقصاء المتبادل والصراع التعادمي أو التنافي بين السلطة والمعارضة في عهد معاوية، تقع مسؤوليتها على الدولة أم على المعارضة؟ فمع الانشقاق الاسلامي الأول في صفين، تبلورت ثلاثة تيارات أساسية ملئت الحقل أو المجال السياسي: تيار معاوية أو الحزب الأموي، وتيار علي أو حزب الشيعة، وتيار الخوارج.‏

وقد كان الصراع بين هذه التيارات في لحظته الأولى واضحاً وعارياً، باعتباره صراعاً على السلطة، يحمل في ثناياه سائر التعارضات الاجتماعية، ومن أبرزها في ذلك التعارضات القبلية. وتجدر الاشارة في هذا الصدد، بروز ظاهرة انفصال الامراء عن العلماء، حيث أظهرت فئة جديدة من الفقهاء والمحدثين والمفسرين، اعتزلت الصراع حين كان محتدماً بين علي ومعاوية، وبالتالي اعتزلت القبيلة. وقد أصبحت هذه الفئة الجدية تمثل قوة مؤثرة في الراي العام، وازداد دورها بالاتساع في الوقت الذي أصبحت فيه تناقش القضايا السياسية والدينية خارج أطار " القبيلة ". "إنه شكل من أشكال اختراقها" وكان لها دورها في قيام مجال سياسي/ ديني مستقل. وهذه الفئة، أخذت تبرز منذ عهد معاوية" كقوة اجتماعية تحظى باحترام الناس ويخصها الخليفة بالعطاء وكان اعضاؤها يرتبطون فيما بينهم بروابط المهنة( قراءة القرآن، التعليم، الوعظ، القصص..... الخ) التي تعززها روابط المصلحة (عطاء الخليفة خاصة")، وهي روابط مستقلة عن إطار القبيلة وقد استقطبت هذه الفئة عدداً من العلماء والاشراف والتحق بها عدد من الموالي، أما رغبة في التعليم وأما بدافع المصلحة. وقد كان لفئة القراء" دور سياسي بارز في كثير من الاحداث، تناصر تارة هذا الفريق وتارة الفريق الآخر، صادرة في ذلك، لا عن مفعول القبيلة بل عن حوافز دينية أو اعتبارات مصلحية، لنضف في هذا الا طار ما كان يتمتع به القضاء من استقلال زمن معاوية وخلال العصر الأموي عموماً " (5).‏

ومع استتباب الأمور لمصلحة معاوية، قامت هذه التيارات الانفة الذكر بنقل الصراع السياسي إلى الحقل الايديولوجي، فتمذهبت التيارات السياسية، وفتحت احتمالات وامكانية التعدد المذهبي في الاسلام. وقد قدم التأويل والقياس وغيرهما من مبادئ العقل البياني حسب الدكتور الجابري العدة الايديولوجية تعبيراً عن انتصار معاوية، ورضوخ خصومه، واذعانهم. واتخذت المعارضة في أهم جوانبها اذا استثنينا الخوارج معارضة في الحقل الايديولوجي، والدين .‏

فكان تكفير الخصم وإخراجه من ملكوت الملة الناجية هو التعبير عن الرغبة في اخراجه من السلطة. لذلك لم يكن الصراع الايديولوجي بأشكاله المذهبية والقبلية سوى شكل ايديولوجي للصراع السياسي، أخرج الصراع من أطره الواقعية العقلانية إلى أطر غير عقلانية، وسمت الفكر والسلوك سواء في صفوف المعارضة أو في صفوف السلطة.‏

ان السياسة باعتبارها المستوى الأعلى والارقى في بنى المجتمع، أو هي البيئة العليا بامتياز تتسق مع منطق التاريخ وايقاعه الداخلي بما هو توقيع الممكنات، أي تحويل الممكن إلى واقعي، ونقل الصراع الاجتماعي بكل اشكاله وتلاوينه من المستوى السياسي إلى المستوى الايديولوجي، هو نكوص من العقلانية إلى اللاعقلانية، تستوي في ذلك أطراف الصراع على اختلاف في النسب والدرجات...‏

فالصراع على السطة عل سيبل المثال بين علي ومعاوية حسمته في الحقل السياسي نسبة القوى وليست الخديعة وأسطورة التحكيم، الا اذا اعتبرنا ان عملية التحكيم هي القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي تعطينا تعليلاً بسيطاً ومريحاً لانتصار طرف على طرف آخر... ومن هذا المنظار فان معاوية قد انتصر بحكم التاريخ، وليس بحكم الخديعة والاحتيال( والقلا- قلا). فهل يمكن لخديعة أن تصنع التاريخ؟‏

الا ان سائر أطراف الصراع في صفين كانت مضطرة بعد ذلك إلى تسويغ وضعيتها أيديولوجيا، من خلال اعادة انتاج الصراع في مستوى أدنى من مستوى السياسة العقلانية، مستوى تغلب عليه الرغبات والمشاعر واحكام القيمة، والتعليلات الغير منطقية، والتي تدخل فيها في كثير من الاحيان قوى وعناصر غيبية. إنه من العسف بمكان أن نوسم معارضة ما أو سلطة ما باللاعقلانية على الاطلاق، فسلوك السلطة يتحدد بقوة المعارضة، وسلوك المعارضة يتحدد بقوة السلطة. والدولة تكتسب ملمحها وخصائصها وتبني مؤسساتها في ضوء هذه العلاقة، التي هي غالباً علاقة غير مباشرة، أو ضمنية.‏

ولكن حين تسقط اللسطة في عسفها، وتعمد إلى تصفية المعارضة جسدياً تنزع الدولة إلى الاستقلال أكثر فأكثر ليس على المجتمع فحسب، بل عن الفئة الاجتماعية التي أنتجتها، ويعاد انتاج الحقل السياسي الدولتي بمعزل عن مستويات المجتمع الأخرى، وتلك هي سمة الدولة الاستبدادية. وبالمقابل تتخذ المعارضة شكلين متكاملين، شكل العنف المطلق وتكفير السلطة والنزوع إلى تدميرها والغائها كلياً، أو شكل القعود والانكفاء على الذات وانتاج ايديولوجيا معارضة أبرز سماتها اللاعقلانية والباطنية، والتقية. وعلى هذا الأساس يمكن القول أن تقدم المجتمع وازدهاره يقاسان بوضعية المعارضة فيه لأن المعارضة مكون أساس من مكونات المجتمع المدني، والمجتمع الذي يلغي المعارضة السياسة أو يقبل بالغائها إنما يلغي ذاته أو يقبل بالغاء ذاته، ويبسلم نفسه لغول السلطة.‏

* أهم قسمات المعارضة في العهد الأموي وخصائص الدولة الأموية‏

أن الدولة الأموية قامت على أساس سياسة عقلانية، أي على اساس دولة السياسة في الاسلام، حيث أن القبيلة لا العقيدة هي التي قامت بدور محدد للممارسة السياسية في العصر الأموي- وكانت بنية هذه الدولة بنية قبلية، ف" القبيلة " في العصر الأموي لم تكن تؤطر سوى الفاتحين العرب، وهم وحدهم كانوا" أهل الدولة" وممارسة السياسة في" القبيلة " كانت تتم في صفوف هؤلاء وليس خارجهم. واذا نحن اردنا أن نجسم المسألة تجسيماً قلنا: لقد كان هناك " جند" وهم الفاتحون العرب، أصبحت له دولة، فالدولة كانت دولة الجند ولم يكن الجند الدولة. هذا بينما كان الوضع في عهد الخلفاء الراشدين يختلف تماما كانت هناك دولة، هي دولة الدعوة التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وخلفها عليها الاربعة الراشدون، وكان لهذه الدولة جيش يتألف في بداية الأمر من المتطوعين من المهاجرين والانصار ثم منهم ومن قريش وغيرها ممن اسلم بعد فتح مكة إلى نهاية حروب الردة. وعندما جنّد عمر بن الخطاب القبائل للفتح كانت هذه القبائل جنداً لدولة المدينة. غير ان الثورة التي قامت ضد عثمان وانتهت بالحرب بين علي ومعاوية قد غيرت الوضع تماماً. ان مقتل عثمان كان بمثابة عقد وفاة لدولة المدينة التي كان لها " جيش" والحرب بين علي ومعاوية كانت حرباًَ أهلية داخل جيش دولة المدينة، فانتصر فريق على فريق واقام الفريق المنتصر من هذا الجيش دولته.‏

لم يكن من الممكن أن تبرز هذه الدولة" دولة عسكرية" من نوع دولة بختنصر أو الاسكندر، لأن الجيش الذي اقام دولته زمن الامويين لم يكن جيشاً محترفاً وانما كان مجموعة من القبائل المجندة"(6).‏

وعلى الرغم من ان دولة الدعوة المحمدية قامت على أساس العقيدة، حيث ان الاسلام جاء ليحقق العدل الاجتماعي وينصف الفقراء والمعدمين من استغلال الطبقة التجارية الاحتكارية السائدة في مكة، الان ان المغزى العام للتاريخ في العصر الأموي هو تكوين الدولة الامبراطورية، التي استلم التجار المكيون أنفسهم قيادة هذه الدولة، بسبب نضج الظروف والشروط لولادة هذه الدولة المركزية، حيث أعاد معاوية توحيد الفئات الغنية التي تركزت ثروات هائلة في ايديها، مع تضافر عنصر الغنيمة في مرحلة حركة الفتح المتنامية. و" لقد تمثلت النقلة النوعية في التطور بتركيز سلطة مركزية آخذة في التحول إلى طبقة ارستقراطية شبه اقطاعية. تلك السلطة وتلك الطبقة هي ما يطلق عليه اسم الاقطاع المركزي أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم اقطاع الدولة المركزي .... ان تطور تقسيم العمل، تطور الحرف كما ونوعاً، وتطور التجارة وكافة وجوه الاقتصاد النقدي، وكذلك تطور الزراعة بتحسين وسائل الري، وتطور السلطة المركزية مؤسسات واجهزة وجيشاً وادارات، ان كل ذلك قد شكل دفعاً هاماً للانقسام الطبقي والاجتماعي على حساب المشاعية القبلية. وقد أدى ذلك إلى حدوث اختلال هام في الاساس المادي للقبيلة المشاعية ألا وهو الملكية المشاعية الجماعية الا أنه، أي التطور، لم يستطع أن يحسم المعركة معها ولا أعدمها أساساً مادياً تستند إليه، لأنه غالباً ما ترافق التطور مع استمرار لون من الملكية الجماعية للأرض أو نوع من الكيان الاقتصادي الاجتماعي المميز والذي يشكل الأساس المادي لظهور نوع جديد من الانقسام القبلي (ديار بكر ديار ربيعة).(7).‏

لقد أعاد معاوية انتاج البنية القبلية، وعمل على تطوير اقطاع الدولة المركزي، الذي كان يزاوج بين الاقتصاد النقدي، وبين الاقطاع الزراعي، وحول الأراضي التي كانت ملكاً للدولة الاسلامية إلى ملكية خاصة استفاد منها أخص أقربائه وبطانته الذين تحولوا إلى كبار ملاكين عقاريين، التي تشكلت منهم الارستقراطية الاقطاعية الجديدة. كما اتسمت مرحلة معاوية بالتنابذ القبلي، وانعكس ذلك في تفاقم التناقضات الاجتماعية الطبقية " التي تراوحت أشكالها بين الصراعات القبلية أو صراعات القبائل المستضعفة مع السلطة، وبين الصراعات الاجتماعية الأكثر قرباً من الطبقة حين اتخذت شكل مقاومة لفساد السلطة المتمثل باستغلال الخلافة لتحويل الأموال والأراضي العامة إلى ملك فردي وامتياز طبقي". ومع تبلور وتطور اقطاع الدولة المركزي، حين فرض الامويين الخراج على الذين يسلمون من غير العرب متجاوزين بذلك المبدأ القائل:" ان الجزية والخراج حقان أوصل الله سبحانه وتعالى المسلمين إليهما من المشركين " وحين أعادوا الكثير من الضرائب التي كان يرهن بها اقطاع البلاد المفتوحة كاهل الفلاحين قبل الفتح الاسلامي مما دفع هؤلاء لاستقبال المسلمين استقبال المحررين، وحين اضافوا إلى هذه الضرائب ضرائب جديدة"(8). هذه التناقضات الناشئة في ظل البنية المركبة للدولة العربية انتجت آليات مركبة للصراع، استمرار الصراع القبلي أو المنابذات القبلية، وظهر الصراع القومي، وظهرت التيارات والاحزاب الاسلامية الخالصة، التي شكلت جميعها قوة معارضة للحكم الأموي.‏

ولما كان الطابع القومي للدولة الأموية محكوماً بعاملين أساسيين أولهما مستوى الوعي الاجتماعي العام والثاني درجة التدامج القومي والاجتماعي، واذا أضفنا إلى ذلك العقلانية السياسية المنقوصة للدولة الأموية، بحكم موقف السلطة من المعارضة، فان النزعة القومية يمكن أن تتحول إلى نزاع أقوامي، اذا افتقرت إلى وعي مناسب بذاتها، واذا افتقر مجتمعها إلى الاندماج القومي، واذا كانت من أشكال المعارضة التي عملت خارج حقل السلطة، واتخذت مظهراً ايديولوجيا تحولت فيما بعد إلى مظهر سياسي مباشر، أي تحولت إلى قوة معارضة للدولة الأموية، هي التالية:‏

أولاً، حزب الخوارج‏

لقد قامت هذه المعارضة بأسم المبادئ الاسلامية وتحركت باسم" العقيدة".‏

وعلى الرغم من أن الخوارج كانوا اقرب إلى تمثيل النزعة القبلية، ذلك أن علي بن أبي طالب كان يلقبهم بأنهم " اعاريب بكر وتميم"، الا أنهم كانوا ينادون بمبدأ الانتخاب الواسع، من خلال رفعهم شعارهم الشهير " لاحكم الا لله". فعلى نقيض ما كانت تقوم به القبيلة من حيث تأثير فعلها على صعيد الاشراف ورجال الدولة الأموية، أي على صعيد المجتمع السياسي، كان مفعولها على صعيد المجتمع أقل تأثير، بحكم تبلور المجال السياسي باعتباره تعبيراً عن تبلور المجتمع المدني، حيث ان عناصر هذا المجال السياسي هي ثلاث: الدولة، السلطة، والمعارضة. وبالفعل فقد تحركت هذه المعارضة السياسية للدولة الأموية في اطار هذا المجال السياسي، وتلونت بألوان المجتمع المدني الناشئ، والمتنوع، بدلاً من ان تتحرك في اطار " القبيلة"، والحال هذه ظهر الخوارج كتحالف (لاقبلي) ضد قريش القبيلة، وكان لابد لهم لتبرير هذا " الخروج" عن قريش من اقرار مبدأ يتجاوز مبدأ الايمة من قريش" فقالوا في البداية: الخلافة حتى لكل عربي حر، وعندما أخذت تلتحق بصفوفهم جموع من الموالي طوروا مبدأ هم هذا فجعلوا منصب الخلافة من حق كل مسلم عادل، حرا. كان أو عبدا... وهكذا أثار الخوارج بمواقفهم مسائل لم تكن قد اثيرت من قبل. ان شعار " لاحكم الا لله" قد صار يحمل مضمونا أخر عندما ترجم إلى الشعار " الأمر شورى والبيعة لله عزوجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ثم إلى مبدأ الخلافة لكل مسلم عادل" وهو المضمون الذي انتقل بمسألة الحكم من اطار " القبيلة إلى مستوى" العقيدة"، وبذلك حدث نوع من التعالي بالسياسة لم يحدث حتى في مناقشات الصحابة خلال مؤتمر سقيفة بني ساعدة، حيث طغت حجج القبيلة على الحجج الأخرى.. وهذا النوع من التعالي بالسياسة سيؤدي بدوره إلى تسييس المتعالي، إلى طرح قضايا العقيدة، قضايا الكفر والايمان والجنة والنار طرحاً جديداً تؤطره خلفيات سياسية...(9).‏

لقد استمر الخوارج في" ثورة دائمة" حتى سقوط الدولة الأموية". وعلى الرغم من ان ثبات طابع مؤسسات الدولة الأموية كان يسمح لضرب من الصراع الاجتماعي -السياسي في مؤسسات الدولة ذاتها، الا ان معارضة الخوارج بحكم تطرفهم وايغالهم في ايديولوجيتهم التي تربط موقفهم السياسي بالدين، والتي تعالت بالسياسة لتحكم عليها بالدين، عزلت نفسها ذاتيا، مستجيبة لفعل السلطة الأموية الاقصائي، واضفت على ذاتها صفات الحق والمشروعية، من خلال تكريسها ايديولوجيا " التكفير " لكل من سواها. وبذلك قبلت لنفسها بوضعية هامشية ألغت إلى حد بعيد دورها السياسي، وتعلقت بمشروعها السياسي في النطاق الايديولوجي، واقامت حاجزاً بينها وبين غيرها لايمكن اجتيازه.‏

ثانياً : فئة الموالي‏

أما الفئة الثانية من المعارضة التي عملت في حقل السلطة، فهي فئة الموالي، التي اعتبرت أن مجال الصراع السياسي هو مجال الدولة، لذا تشبثت بهذا المجال، وضمنت لنفسها حضورا سياسياً دائماً. فمع انتشار الاسلام بواسطة الفتوحات، تشكلت " طبقة " الموالي، الذين كانوا مسلمين أحراراً، أرادوا أن يحتلوا موقعاً مهماً في الخارطة الاجتماعية. ولما كان المجتمع العربي في العصر الأموي تسيطر عليه الارستقراطية القبلية، وأنواع من السلوك الارستقراطي، فقد كان الموالي يعتبرون، ويعاملون في مرتبة دنيا على مستوى العلاقات الاجتماعية. ففي عهد الدولة الأموية كانت الارستقراطية القبلية تعيش من غنائم انفتاح الاسواق والافاق أمام ثرواتهم وتجارتهم، في بذخ ورغد العيش، بينما كان الموالي محرومين من أي نصيب من الغنيمة، ولذلك انصرف موالي المدن للعمل في التجارة والصيرفة أو بالعلم، في سبيل الحصول على صبوة اجتماعية محترمة، وبالتالي مركزاً محددا في السلطة، وقد انبثق منهم العديد من الكتاب والفقهاء الذين يتمتعون بمنزلة محترمة .‏

ومع ان الموالي شاركوا في القتال، الا ان السلطة الأموية لم تدخلهم في ديوان الجند، لكي يحصلوا على العطاء، لأن القبائل ما كانت لتقبل المساواة بينها وبين الموالي في العطاء، في حين أن الموالي يرون أنهم وحدهم قاموا بالفتوح. وفي نطاق هذا الاقصاء من جانب المجتمع السياسي، تغلغل الموالي في تشكيلات المجتمع المدني الناشئ، من ذلك، أنهم أصبحوا الفئة المسيطرة على الحرف اليدوية والصنايع في المدن، فضلاً عن ان الكتاب في الدواوين كانوا في معظمهم من الموالي.‏

" ومن دون شك فأن بروز الموالي كقوة اجتماعية يحسب لها الأمويون حساباً ويخشون أنضمامها إلى صفوف الخوارج الذين حملوا السلاح ضدهم في" ثورة دائمة" وإلى الشيعة الذين لم يستسلموا ولم يستكينوا بل بقوا يقاومون الحكم الأموي تارة جهرا، وتارة سرا، إلى أن تمكن العباسيون بالتحالف معهم من اسقاطه. لاشك أن بروز الموالي بهذه القوة قد دفع الأمويين إلى سلوك سياسة" ليبرالية" نسبيا مع من كان يكتفي في معارضتهم بالقول دون الفعل متبعين في ذلك سياسة مؤسس دولتهم معاوية. وهكذا ستشهد الحياة الاجتماعية والفكرية تطورات سريعة بالغة الأهمية: فمن جهة سيزداد دور الموالي في الحياة العامة وسيواصلون اختراق " القبيلة" أما بالحلف والموالاة طلباً للمكانة الاجتماعية وأما بواسطة دورهم كـ" خبراء " في التجارة والصيرفة والأعمال الحرة. ومن جهة أخرى ستبرز فيهم نخبة في مجال الفكر والدين والسياسة، وسيلتحق كثير من أعضائها ببلاط الخليفة وحاشية الأمراء وسلك الموظفين، وسيحاولون التأثير في سياسة الدولة. وهكذا سنرى مجموعة منهم يبرزون كـ" انتلجنسيا" للعصر كله، العصر الأموي، هؤلاء الذين جعلوا من" الكلام" في القضايا الدينية وسبيله لممارسة السياسة بواسطة " العقيدة" ضدا على " القبيلة" وايديولوجيتها، فقادوا بذلك حركة تنويرية عكست بوضوح ذلك الصراع الذي خاضته القوى الاجتماعية الصاعدة المضطهدة، ولكن الطموحة، والتي كانت تتألف أساساً من الموالي، حركة تنويرية استطاعت بالفعل أن تخترق سياج القبيلة، وتؤثر في جانب من ارستقراطيتها وتستقطب بعض زعماء القبائل من داخل التحالف القبلي الأموي ذاته، بل أنها استطاعت أكثر من ذلك، أن تفسح المجال لقيام تنظيمات ثورية بعضها فشل وبعضها حقق نجاحاً ما بينما استطاع فصيل منها ان يقوده باسم" العقيدة" ثورة عارمة على " القبيلة" ونظام حكمها " الثورة العباسية" (10).‏

ثالثاً : المعارضة الشيعية‏

درج في التداول السياسي والايديولوجي على الصعيدين العربي والاسلامي ان حزب الشيعة هو حزب اليسار في صدر الاسلام، باعتباره حزبا يمثل العدل الاجتماعي، وباعتباره أيضاً الحزب الأكثر ايغالاً وتشددداً في التمسك بالايديولوجية الاسلامية، ولكنه الاكثر تأويلاً فيها.‏

والمعارضة الشيعية التي شيدت على اساس ميثولوجيا الأمامة، التي تبلورت فكرتها، وجعلت " الخلافة.. لا في أهل البيت بشكل عام فعندئذ تصح خلافة العباسيين، بل في علي وذريته"... أن المرتكز الايديولوجي للمعارضة الشيعية هو ميثولوجيا الامامة أي أن الامام علي هو الامام بعد الرسول محمد.. ويليه الائمة من ذريته بترتيب من الله. من هنا ألهت المعارضة الشيعية الامام علي، وأضفت عليه صفة القدسية والالوهية. ولهذا، فان الامام عند المعارضة الشيعية يتحلى بشيئ من الالوهية ومن طبيعة ألأمور أن يكون طاهرا معصوماً عن الخطا لا أنانياً يستطيع أن يزيل الفساد والظلم في المجتمع الانساني فمن غير الممكن التصور أن الله لايريد اماما كهذا لأن مثل هذا التصور يدل على ان الله لايهتم بازالة الفساد"(11). ومن هنا تبلورت نظرية الغلاء في النبوة والالوهية، وفكرة المهدي، باعتبارها ايديولوجيا المساكين والمحرومين، والضعفاء الذين لايملكون القدرة على رفع الظلم المسلط عليهم، فيحولون عزاءهم وخلاصهم من اليأس والفشل والسقوط إلى عملية انتظاريه تأملية لفكرة المهدي المنتظر الذي يبعثه الله" ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً " ويقول الدكتور الجابري في هذا الصدد. ان فكرة " المهدي" ليست فكرة دينية وانما هي وسيلة لرفض الهزيمة والانهيار، وسيلة للتمسك بالأمل. ان الضعفاء وبسطاء الناس يربطون مطامحهم وآمالهم بأشخاص،" رموز " التمسك بالأمل والرجاء في التخلص من الظلم يقتضيان التمسك بالرمز بعناد.. ان الغلو وميثولوجيا الامامة منظورا اليهما من هذه الناحية يقدمان نموذجاً ناطقاً عن عناء الضعفاء على صعيد مخيالهم الاجتماعي الديني واصرارهم على رفض السقوط النهائي. أنها" اللاعقلانية" التي يواجه بها الضعفاء المنهزمون عقلانية الأقوياء المنتصرين.. في كل زمان"(12). ولالشك أن المعارضة الشيعية التي استقطبت المستضعفين، وخاصة منهم عمار بن ياسر وابي ذى الغفاري والمقداد) ومن المحرومين، ومن اللامنتمين( خارج القبيلة) قد عبئت المخيال الاجتماعي الديني لهؤلاء الضعفاء على أساس" العقيدة"، وايديولوجية " العلم بالغيب"، باعتبارها ايديولوجية المحرومين. وفي الواقع كانت ممارسة المعارضة على أساس العقيدة اختراقاً كبيراً لـ" القبيلة" التي شكلت عماد الدولة الأموية. ولكن المعارضة الشيعية مارست سياسة المعارضة خارج نطاق السلطة والدولة في آن معاً، وبالتالي مارست سياسة الاقصاء، والضدية النافية والتعادمية للسلطة الأموية. وبذلك مارست المعارضة الشيعية السياسية بواسطة ايديولوجية" ميثولوجيا الامامة" ضد الدولة الأموية وايديولوجييتها الجبرية، أي ايديولوجية القبيلة". والمعارضة الشيعية التي رفضت اعتبار مجال الصراع السياسي هو مجال الدولة، كانت معنية بانتاج خطاب سياسي متوغلاً في الايديولوجية، الأمر الذي جعلها تغلب مشروعها السياسي في النطاق الايديولوجي، من خلال ممارسة اللاسياسة في السياسة، وهذا لم يفسح لها في المجال لامكانات نجاح مشروعها السياسي. والحال هذه، فان المعارضة الشيعية التي رفضت الانظمة القائمة في الامبراطوريتين الاموية والعباسية في مراحلها المختلفة، انقسمت بدورها إلى شيع وفرق كثيرة. ولهذا كان من البديهي أن يجري تمايز داخل تيار الشيعة الواسع بسبب التغيرات المستمرة في توازن القوى الطبقية في المجتمع العربي الاسلامي... والعلاقات العينية بين ابناء الشعب العربي و الشعوب الأخرى.. وطبيعة القوى الاجتماعية التي التقت حول الائمة.. كما كان من الطبيعي ان تتلون الدعوة الشيعية بالظروف القائمة في الاقليم المعين." وهذا التمايز ظهر في الفرق الشيعية واجنحة الفرق والفروع الثانوية الكثيرة التي كانت تختفي باختفاء داعيتها.. وهكذا يفسر عنف الاضطهاد والتضييق الشديد على الشيعة لاظهور " المهدية " فحسب بل نمو التقية أو الباطنية".. (13).‏

رابعاً: فرق المعارضة العقلانية التنويرية‏

تتمحور القضايا التي اثارتها فرق المعارضة العقلانية التنويرية حول حرية الانسان في الاختيار بين الخير والشر، وتمثل فرقة القدرية رافداً من روافد هذه المعارضة العقلانية، اذ أنها " كانت تذهب إلى ان الانسان حر مخير في كل ما يصنع له قدرة على ايجاد الفعل، مستقلة عن الله"(14).‏

وكان العلامة الحسن البصري هو أول من بدأ في تشييد ايديولوجي مضاد لايديولوجيا الجبر وقوامه القول" بالقدر"، فضلاً عن انه كان يمثل الأب الروحي لمختلف المعارضة العقلانية المستنيرة، التي تستظل بظله..." وكان الحسن البصري يمثل المعارضة السياسية التي كانت تبحث عن منزلة بين المنزلتين: منزلة الدولة الأموية الظالمة المكرسة لايديولوجية الجبر والاستسلام للأمر الواقع، ومنزلة الخوارج الحاملين لايديولوجية التكفير، والرافضة المستلبين في ميثولوجيا الامامة، المنزلة التي تبحث عنها عادة القوى الوسطى داخل الاغلبية صانعة التاريخ"(15).‏

ان قادة القدرية أو حرية الاختيار، وعلى رأسهم الحسن البصري، وضعوا خطابا جديداً في المعارضة، ووعياً جديداً متناقضاً جذريا مع ايديولوجية الجبر الأموي، حيث أن قوامه يتمثل في قدرة الانسان على ممارسة الحرية ازاء فكرة قضاء الله المسبق، وانه يمتلك القدرة على ان يفعل بارادته واختياره، وان الله لايرضى الظلم فكيف يجبره على فعله". والأهمية التي تكتسبها هذه المسألة ليست في مضمونها السياسي وحسب، بل أيضاً في طريقة وضعها وتقديرها: كيف يأمر الله الناس بعبادته ثم يجبرهم على فعل المعاصي؟ سؤال يدعو إلى تحكيم العقل، إلى جعل احكام الدين معقولة. وهذا تدشين لخطاب تنويري جديد تماما في عصر كان حقل التفكير فيه محاصراً بايديولوجيات ثلاث لاعقلية، بل تعرض عن العقل اعراضاً وتلغيه الغاء: ايديولوجيا الجبر الأموي، وايديولوجيا" التكفير " الخارجي، وميثولوجيا الامامة الشيعية"(16).‏

لقد شكلت هذه العقلانية التنويرية اساسا قوياً لتبلور معارضة سياسية ضمنت لنفسها حضوراً سياسياً في المجال السياسي- الفكري للمجتمع المدني، من خلال انتاج خطاب أقل ايغالاً في الايديولوجية، أي أكثر واقعية وعقلانية، خطاب يعتمد الصراع الفكري والسياسي بأدوات فكرية وسياسية فقط، أي يعتمد على مقارعة الحجة بالحجة بدل الخروج، والقبول بوضعية معارضة مسلحة، أو معارضة اقصائية، تعزل نفسها هامشياً، وتلغي إلى حد ما دورها السياسي.‏

على نقيض هذه الايديولوجية التنويرية " القدرية " نشأت الايديولوجية" الجبرية" التي ر فضت الاختيار، وهي الأخرى وجدت آيات قرآنية تثبت رأيها من مثل:" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم".. و"لاينفعكم نصحى ان اردت ان انصح لكم ان كان الله يريد أن يغويكم، هو ربكم وإليه ترجعون"..و" لقد بعثنا في كل أمة رسولاً ان أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى ومنهم من حقت عليه الظلالة".‏

وبالمقابل خاض أحد زعماء القدرية غيلان الدمشقي تلميذ معبد الجهني الصراع السياسي والايديولوجي ضد الايديولوجية الجبرية، وأسس المدرسة الفقهية المرتكزة على نشر الدراسات التنويرية، النقدية التي كان لها تأثيرها الواسع في المجتمع المدني، وقام بالتحريض للثورة في أرمينيا، والتي كانت من أحدى الاسباب التي أتخذها الخليفة هشام بن عبد الملك بقتل غيلان الدمشقي" بقطع يديه ورجليه وقتله وصلبه". ويدل ما نقل عنه من آراء ونشاط أنه كان يقود معارضة سياسية وايديولوجية ضد الأمويين في أهم القضايا التي كانت تمارس فيها السياسة في ذلك الوقت: قضايا " القبيلة" (الشرعية القرشية للخلافة) وسائل " الغنيمة"(= السياسة المالية الأموية) وأمور " العقيدة "(= القدر، الايمان) فبخصوص آرائه في الخلافة نقل عنه أنه كان يقول :" أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائماً بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، ,انها لاتثبت باجماع الأمة"(17).‏

وهذا موقف متميز جداً: فهو يعارض الأمويين الذين يحصرون الخلافة في قريش وحدها، ويخالف الشيعة الذين يجعلونها في علي وذريته فقط، ويختلف مع الخوارج لاشتراطه " الاجماع". ومعلوم ان الخوارج لايعترفون بـ" الاجماع" بل يضعون جميع مخالفيهم من المسلمين في" دار الكفر". أنه موقف متقدم جداً لأنه يجعل مسألة الحكم من اختصاص الأمة وليس من احتكار " القبيلة" ولا من حق " الورثة"و" الاحياء" وحدهم(18).‏

اذا كان زعيمي القدرية أو" المرجئه الخالصة" معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي قد تم قتلهما من جانب الأمويين، لأن الايديولوجية الجبرية التي كانت عماد وأساس الدولة الأموية، قد أفسحت في المجال لظهور تمردات اعتمدت عليها، انطلاقاً من ان هذه التمردات في نظرهم هي ايضاً قضاء وقدراً من الله.. ولاطاقة لبشر على دفعه... و" هكذا ظهرت " المرجئة الجبرية"، التي كان مؤسسها الجهم بن صفوان، أي مؤسس الجناح الجبري في جناحها" الجهمي" التي كانت معادية للأمويين. وعلى الرغم من ان عهد هشام بن عبد الملك يعتبر العصر الذهبي أو قمة الصعود في عظمة الدولة الأموية، الا أن هذا العهد عينه شهد معارضة بارزة ضد الأمويين، كان تمرد الحارث سريج وجهم بن صفوان أحدها. وقد نادت هذه المعارضة بالشورى، والمساواة بين العرب والموالي، واسقاط الجزية عن المسلمين الجدد من العجم الذين لايعرفون العربية ولايؤدون الشعائر الدينية، خصوصاً في تلك المناطق التي كان يتحرك فيها صفوان الجهمي، والتي كانت مسرحاً لثورات الشعوب المغلوبة ضد السلطة المركزية، حيث كانت تطالب هذه الشعوب انطلاقاً من فهمها " للايمان " بالمواطنة الكاملة في أمة الاسلام، ودار الاسلام بما انهم قبلوا الاسلام، وخضعوا له، حتى وان كان خضوعاً سياسياً.‏

ويمكن تصنيف اراء الجهم بن صفوان حول ثلاث مسائل:‏

الارجاء،" الجبر" نفي الصفات. ففي نطاق معارضة جهم لايديولوجيا الجبر الأموي، فتح باب التأويل على مصراعيه، كقوله بعدم خلود الجنة والنار، باعتبار ان الله وحده خالد.." وفي هذا الاطار ايضاً يجب ان نفهم قوله وقول استاذه الجعد بن درهم بـ " خلق القرآن " القرآن كلام الله والكلام هو افصاح عن العلم وتعبير عنه. وإذن فاذا كان العلم محدثاً وجب ان يكون الكلام محدثا ايضاً، وبالتالي فالقرآن مخلوق (باعتبار ان القول بأزلية القرآن يعني أنه وجد منذ القديم ومعاذ الله ان يكون لله شريك في القديم). أما اذا كان القرآن قديماً، وهو كلام الله، فان ذلك سيؤدي بناء إلى قدم علم الله وبالتالي إلى" الجبر" وبالتالي إلى اسقاط المسؤولية. والقول بـ" خلق القرآن "و" حدوث علم الله" معناه أن جميع مايقوله القرآن عن الافعال انما ينصرف معناه إلى زمن الفعل إلى" اسباب النزول " وهذا يفسر النسخ، بما يفسر ما يحكيه عن الاقوام الماضية أو الحاضرة التي تعصي أوامره، ثم يأتي بأوامر أخرى. وبكيفية عامة فالحوار والجدال في القرآن يجري مع مخلوقات تتغير أفعالها ويتنوع سلوكها، فكيف يمكن فهم ذلك اذا قلنا أنه قديم أزلي. هناك جانب أخر وهو ان في القرآن آيات تفيد " الجبر : وأخرى تفيد الاختيار. وحسب نظرية جهم يمكن القول: ان التي تفيد " الجبر" في تجليات الضرورة التي خلقها الله في الكون، وان التي تفيد الاختيار تعبر عن مظاهر حرية الارادة والقدرة التي خص الله بها الانسان"(19).‏

خامساً : ظهور فرقة المعتزلة‏

لقد تأسست فرقة المعتزلة في ظل الصراعات الفكرية والسياسية والدينية التي شهدها العصر الأموي، من ايديولوجيا التكفير التي حمل الخوارج لواءها، إلى ميثولوجيا الامامة عند الشيعة، إلى ايديولوجية فرق" "القدريين". ويعتبر واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد من مؤسسي فرقة المعتزلة بعد ان كانا من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الازارقة(=أقوى فرق الخوارج وأكثرها تطرفاً) حسب مايصفه كتاب الشهرستاني، الملك والنحل. وكانت نقطة الخلاف بينهما، وبين الحسن البصري تتمثل في الموقف من مسألة " مرتكب الكبيرة". لقد اتخذ الحسن البصري الذي قاوم ايديولوجية الجبري الأموية، موقفاً قريباً من جمهور أهل السنة، أي أن مرتكب الكبير ة" مؤمن عاصي ان شاء الله غفر له"، أي أنه منافق حسب وجهة نظره، وفي هذا الموقف نجد ان الاستاذ حسن البصري يتخذ موقفاً مرناً في ادانته للأمويين، وبالتالي موقفاً متساهلاً ازاء مسألة الوعد والوعيد. فالتساهل في الوعد والوعيد كما يقول الجابري ،" يؤدي حتما إلى تزكية ادعاء الخلفاء الأمويين بأنهم لايجري عليهم حساب ولا عقاب..الخ‏

وهكذا نعود إلى وضعية أما.... واما: اما ايديولوجية التكفير، وأما ايديولوجية الجبر ومايرتبط بها من القول باستثناء الخلفاء الأمويين من العقاب "، بينما تتلخص أراء المعتزلة في مخالفتهم رأي الحسن البصري في مرتكب الكبيرة، بعدم تكفير مرتكب الكبائر. فخالف بذلك وأصل الثنائية التي كانت قائمة آنذاك بين موقف المرجئية، التي تقول أنه مؤمن، وبين موقف أزارقة الخوارج التي كانت تقول أنه كافر، واتخذ موقفاً ثالثاً لامؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، أي بين المؤمن والكافر.‏

ان المعتزلة القدريين مارسوا ضغوطات سياسية- دينية على الحكم الأموي، انطلاقاً من ايمانهم بان مرتكب الكبيرة مادام" في الدنيا حيا يرزق دون ان يتوب فحكمه حكم الكافر"، لذا كانوا يهدفون إلى اشتراط التوبة للأمويين، في سبيل اضفاء شرعية على حكمهم. ويقول الجابري في موقف المعتزلة من الصراع بين علي ومعاوية، لقد كان على واصل بن عطاء ان يجد صيغة للحكم على ذلك الصراع تنسجم وتتكامل مع قوله بـ" المنزلة بين المنزلتين" وذلك ما فعل، فبدلاً من تخطئة معاوية وأصحابه بالذات أو علي وأصحابه بالذات، وبدلاً من القول بـ" الارجاء" الذي يقضي بتعليق الحكم وتفويض المسألة إلى الله، الشيء الذي ينطوي على تأييد ضمني للأمويين، بدلاً من ذلك كله قال واصل" في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين ان أحدهما مخطئ لابعينه، وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه. قال: ان أحد الفريقين فاسق لامحالة. كما ان أحد المتلاعنين فاسق لامحالة لكنه لابعينه".‏

وكما ان المعتزلة لم يحددوا موقفاً صارماً من طرفي الصراع، بين علي وطلحة والزبير أولاً، ثم بين علي ومعاوية ثانياً، نظراً للملابسات المعقدة، التي يصعب تحديد الخطأ من الصواب فيها، فانهم (أي المعتزلة) في الوقت عينه لم يصطدموا بالحكم الأموي كما اسلفنا سابقاً، بل انهم ايضاً اعتزلوا الصراع الذي كان قائماً آنذاك بين الدولة الأموية والمعارضة الشيعية، وبين الأمويين والخوارج. " واعتقد الكتاب ان انتقاد المعتزلة علياً ومعاوية قربهم من الأمويين، الذين رأوا في المساواة بين الاثنين كسباً لهم ولهذا اعتنق بعض الخلفاء الامويين المتاخرين كيزيد بن الوليد (744م-127) ومروان بن محمد (مروان الثاني 744-750م 127-133هـ) مذهب الاعتزال"(20).‏

ويقوم مذهب الاعتزال على أسس خمسة : القول بالتوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعتزلة نادوا بسلطان العقل، وهم يقولون باسبقية" العقل"" على" النقل"، ولذا كانت فلسفتهم التنويرية تقوم على الجمع بين التفكير الديني والتحليل الفلسفي. فالمعتزلة قالوا بالتوحيد و هو الاساس الجوهري، الذي نادى به الاسلام. فمن خلال قولهم بالتوحيد(= التنزيه) نفى المعتزلة ان يكون لله صفات أزلية، فقد اعتقدوا" ان الله واحد ليس كمثله أحد وليس بجسم ولاشبح، ولاجثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولاجوهر.. ولا طول ولا عرض ولا عمق.. معتمدين في ذلك على الآيه، التي تقول" ليس كمثله شيء".‏

ان نفي وجود الصفات لله عند المعتزلة، منسجم مع التحليل الذي ينفي وجود الموصوف. ذلك ان وجود صفات لله يفترض وجود موصوف وهذا يتناقض مع فلسفة المعتزلة التي تقول ان الله قادر وسميع وبصير، وقائم بذاته. كما ان المعتزلة نفوا قدرة الله على الظلم، في تأكيدهم على مسألة العدل( الله لايظلم، ولايجبر أحد بفعل شيء ثم يعاقبه عليه)." ولذلك جاء تصورهم العدل وهو الاصل الثاني أو مبدأ المعتزلة الثاني من حيث الأهمية تصوراً انسانياً يقوم على ثلاث دعائم: ان الله يسير بالخلق إلى غاية وهو يريد خير مايكون لخلقه ولايريد الشر أو يأمر به.... ولذلك فهو لم يخلق أفعال العباد لاخيراً ولا شراً فارادة الانسان حرة وهو خالق أفعاله.. وأهمية هذا الموقف أنهم لم يروا الشرور في العالم قضاء وقدراً كما اراد خصومهم أن يبرهنوا.. بل رأوا أنها من صنع المجتمع وفي وسع المجتمع أن يصلحها.. وبعض المعتزلة حين ربطوا بين الله والمجتمع لم يكتفوا بالقول : الله يقصد في أفعاله إلى اصلاح العباد بل قالوا يجب على الله ان يعمل مافيه صلاح عباده" (21).‏

أما فيما يتعلق بالمبدأ الخامس للمعتزلة " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فهو يحدد موقفهم من النظام الأموي، ولكن مبدأهم هذا مستمد من الآية القرآنية و" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون".‏

ان المعتزلة قاموا بنشاط تنويري في سياق رؤيتهم لممارسة الضغط السياسي- الديني على الحكم الأموي، الذين كانوا يؤيدونه، ولكن ممارسة هذا النشاط السياسي المعارض في المجتمع المدني، كان يقوم على التشديد على سيادة العقل وتنصيبه سلطاناً، اذ رأوا ان" لاحدود له الا براهينه... ولازلل ولا خطأ متى صح البرهان". كما افرزت حركة المعتزلة التنويرية الفيلسوف ابراهيم بن سيار بن هاني النظام البصري، الذي سبق فلاسفة القرن الثامن عشر في أوروبا حين قال" الشك أقرب اليك من الجاحد، ولم يكن يقين حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى غيره يكون بينهما حال شك".‏

ان حركة المعتزلة حركة معارضة سياسية تنويرية وعقلانية احتكمت إلى العقل في معالجتها للقضايا السياسية في العصر الأموي، وابتعدت عن المغامرة واللجوء إلى العنف أو الدعوة إليه، وطورت فكراً سياسياً دينياً تنويرياً متناقضاً مع ايديولوجيا الجبر الأموي، وايديولوجيا التكفير للخوارج، وميثولوجيا الامامة للشيعة، والتيارات المانوية والغنوصية. يقول الجابري في هذا الصدد" واذا كان لكل ثورة كبيرة انتليجنسيا خاصة بها، أي مفكرون متنورون يحملون مشروعها ويبشرون به، فانه يمكن القول بدون تردد ان رجال حركة التنوير هذه هم الممهدون الحققيون للثورة العباسية. لقد عملوا على اختراق " القبيلة" باستقطاب الناس في فرق واحزاب وراء اطروحات تناهض اطروحات الجبر والتكفير وتبشر بالشورى والمساواة الخ. فنشروا بذلك ايديولوجيا تنويرية عقلانية تؤكد الحرية والاختيار والمسؤولية والجزاء"(22).‏

لقد ضمنت حركة المعتزلة، باعتبارها معارضة سياسية حضوراً سياسياً دائماً، في عهد الدولة الأموية، منطلقة من مبدأ ان حق المعارضة هو مكمل لحق الحاكم في السلطة، وهذا ما جعل بعض الخلفاء الأمويين ينتسبون إلى حركة المعتزلة، فضلاً عن ان هذا الحضور السياسي في مجال الدولة، وانتهاج المعتزلة سياسة عقلانية وواقعية فتح لهم امكانات النجاح لمشروعهم، يكفي ان القيادة الفكرية للثورة العباسية كانت لهم، أو على الأقل اسهموا فيها إلى حد بعيد. كما ان المعتزلة تحولت في العصر العباسي، وتحديدا ابتداء من المأمون إلى ايديولوجية الدولة العربية الاسلامية في أوج قمتها الذهبية، وعظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.‏



r‏

هوامش الفصل الثاني:‏



(1)- د- محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي -مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى شباط 1990 (ص233-234).‏

(2)- المقطع المذكورة استشهد به الدكتور الجابري في كتابه عن العصبية والدولة - مصدر سابق (ص315).‏

(3)- د- محمد عابد الجابر - العقل السياسي العربي- مصدر سابق (235).و 234‏

(4)- المصدر السابق (ص238).‏

(5)- المصدر السابق (ص243).‏

(6)- المصدر السابق (ص249).‏

(7)- حسن بزون- القرمطية بين الدين والثورة- دار الحقيقة الطبعة الأولى 1988(ص24- 25).‏

(8)- المصدر السابق (ص26) الماوردي الاحكام السلطانية (القاهرة 1978، دار التوفيقية للطباعة(ص161).‏

يذكر حسين قاسم العزيز الضرائب الباقية على أبناء الشعوب المغلوبة ويذكر ضرائب اضيفت إلى ضريبتي الجزية والخراج وهي" ضرائب النكاح وأجور الضرابين وأجور البيوت ورسوم العرائض وهدايا الأعياد، مثل عيد النوروز والمهرجان (بلغت هدايا النوروز والمهرجان في عهده معاوية عشرة ملايين درهم من منطقة السواد وحدها).‏

انظر العزيز، حسين قاسم: البابكية( رسالة لنيل الدكتوراه من جامعة موسكو 1966، بغداد مكتبة النهضة وبيروت: دار الفارابي (ص80-81).‏

(9)-د- محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي- مصدر سابق (ص239-240).‏

(10)- المصدر السابق (ص247).‏

(11)-د- أميل توما: الحركات الاجتماعية في الاسلام، دار الفارابي- 1980(ص72).‏

(12)-د- محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي - مصدر سابق (ص288).‏

(13)-د0 أميل توما- مصدر سابق (ص77).‏

(14) - عبده الشمالي- دراسات في " تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية (ص133).‏

(15)-د- محمد عابد الجابري - العقل السياسي العربي مصدر سابق (ص308).‏

(16)- المصدر السابق (ص310).‏

(17)- المصدر السابق (ص313) هذا المقطع استشهد به الجابري من كتاب الشهرستاني الملل والنحل (ج1، ص 143).‏

(18)- المصدر السابق (ص313).‏

(19)- المصدر السابق (ص321-322).‏

(20)-أحمد أمين فجر الاسلام (ص295)‏

(21)- أحمد أمين - ضحى الاسلام- الجزء3 (45).‏

(22)-د- الجابري - العقل السياسي العربي- (ص328).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:33 PM   المشاركة رقم: 26
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث

لبنية المجتمع العربي الاسلامي‏





ان الصراعات الاجتماعية في العصر الأموي انسحبت في المجتمع المدني، وشكل ذلك نوعا من تباعد بين الدولة والمجتمع. فالخلافات القبلية دبت في أوصال الخلافة الأموية، ونخرت عظامها، ويكفي على سبيل ذلك حالة العداوة المستحكمة بين المضرية واليمانية التي انتقلت إلى خراسان منطلق مركز الدعوة العباسية. وليس خافياً على أحد من ان السلاح القبلي الذي استخدمه الأمويون لمصلحتهم من أجل البقاء والمحافظة على السلطة في دمشق، قد كان ذو حدين، اذ ان أبو مسلم الخراساني الذي تولى شؤون الدعوة العباسية في خراسان ودفعها حثيثاً إلى الامام قد اشتهر بمهارته في استثمار هذه الخلافات القبلية، وقام بدوره في التفريق بين اليمانية والنزارية بخراسان. فالتباعد بين الدولة والمجتمع المدني، هو الذي قاد إلى تجليات هذه القبلية الفاحشة التي " يسخرها الأمويون لصالحهم، ثم غدت طعنة نحلا في نحر ملكهم"، وهو مايفسر لنا أيضاً الطابع الامبراطوري للدولة الأموية. ومع ذلك، فان الصراعات الاجتماعية مالبثت ان انتقلت إلى مستوى الدولة الأموية مع حركات التمرد على الأمويين التي قادتها حركات الخوارج والشيعة والموالي. وقد أدت هذه التمردات إلى اندلاع انتفاضات ضد السلطة الأموية، " اصطبغت بطابع المعارضة المبدئية أو السياسية، فانهكت الأمويين وحفرت في خاصرتهم جرحاً فاغراً لايلتئم"(1).‏

لحظة الاعداد للانقلاب العباسي أتسمت المعارضة بتحالف قوي بين العباسيين والعلويين (الشيعة). وكلاهما من بني هاشم، الذين جمعتهم المعارضة للامويين- والفرس. ولقد شكلت هذه القوى الاساسية الثلاث، العباسيون والشيعة، والفرس، أقوى معارضة للأمويين بهدف استرداد منصب الخلافة، وانتزاع السلطة. وكانت لكل من هذه القوى مواقعها، واستطاع العباسيون الاستفراد بالسلطة دون استبعاد فرق المعارضة من المجتمع. والثورة العباسية قامت على أساس هذا التحالف السياسي العريض بين مختلف فرق المعارضة، وهذا ما جعل الجابري يقول " امن الزوج: فرس/ عرب أو عرب/ عجم لايستوعب ولايستطيع أن يستوعب كلية الثورة العباسية. ان مفهوم " الكتلة التاريخية " هو في نظرنا، وحده القادر على التعبير عن القوى التي قامت بذلك الانقلاب التاريخي الذي أدى إلى سقوط دولة الأمويين وقيام دولة البعاسيين.و" الكتلة التاريخية" لاتعني مجرد تكتل أو تجمع قوى اجتماعية مختلفة. ولا مجرد تحالفها بل تعني كذلك التحام القوى الفكرية المختلفة (الايديولوجيات...) مع هذه القوى الاجتماعية وتحالفها من أجل قضية واحدة. ان الفكر يصبح هنا جزءاً من بنية كلية وليس مجرد انعكاس أو تعبير عن بنية ما. ذلك ما حصل بالفعل : لقد شاركت الثورة العباسية جميع القوى الاجتماعية التي كانت لها مصلحة في التغيير: عرب/ موال، زعماء قبائل عربية، دهاقين الفرس، فلاحون، حرفيون/ تجار ضعفاء الناس، اغنيائهم.. الخ والتحمت مع هذه القوى كل الايديولوجيات المعارضة: ميثولوجيا الامامة( الفكرية والعباسية) حركة التنوير، فقهاء... الخ (2).‏

ان الدعوة العباسية استقطبت الموالي، الذين يحتلون من الناحية الطبقية، مرتبة تتوسط بين الاحرار والعبيد، وعلى الرغم من دخولهم الاسلام، والتحاقهم بالقبائل العربية عن طريق الموالاة، الا أنهم لم يأخذوا حصتهم من العطاء وغنائم البلدان المتفتحة. علماً بأنه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب الذي أحدث الديوان السنة 20 لتوزيع العطاء فرض المال على حد سواء للعرب والموالي، فهم أسوة في العطاء ولافرق بين حر وعبد، ولابين عربي وأعجمي. وقد اجزل عمر العطاء للدهاقين وذلك أنهم كانوا عوناً للعرب وعيوناً لهم في فتوحهم. وعندما بلغ عمر ان أحد عماله أعطى العرب وترك الموالي، كتب اليه يقول ."" أما بعد، فبحسب المرء من الشر ان يحقر أخاه المسلم، والسلام"(3).‏

لقد استطاعت الدعوة العباسية استقطاب جميع القوى المعارضة للامويين من العرب، والموالي والدهاقين الفرس، من اقطاعيين الأرض وكبار الملك، الذين أسلموا اسلاماً سياسياً المحافظة على امتيازاتهم الطبقية، والذين تحولوا إلى جباة للخراج، وأصبحوا أدوات السلطة الأموية في نطاق سيطرتها على الفلاحين المزارعين،- والعلويين. وهكذا كان استقطاب جماهير الموالي والشيعة، عندما اكدت الدعوة العباسية ونادت بالخلافة إلى الرضا من آل محمد، من غير تسمية أحد (وكان أبو مسلم يقول: أني رجل ادعو إلى الرضا من آل محمد، فهو داعية إلى رجل عباسي من بني هاشم) كما أكدت على المساواة بين المسلمين عرب/ عجم، والسير على الكتاب والسنة في الحكم، الأمر الذي مكنها من استقطاب رجال الدين من مختلف الفرق.. وهذا ما جعل الدعوة العباسية تبني" كتلة تاريخية" حقيقية من المعارضة للأمويين، خصوصاً عندما أصبحت فلسفة هذه الدعوة فيما يتعلق بـ" الغنيمة" " لم تعد تعني مجرد التوزيع " العادل" للفيء والعطاء باشراك الجند من الموالي فيها، بل باتت تعني ايضاً اسقاط الجزية على كل من اسلم من العجم والعمل بما كان جارياً من قبل بالنسبة للعرب الذين امتلكوا " أراضي الخراج" أي اعفاؤهم من ضريبة الخراج واعتبار أراضيهم هذه أراضي العشر. وهكذا أصبحت " الغنيمة تعني المصلحة الاقتصادية لكل فئة من الفئات التي تضررت من السياسة المالية الأموية وتقلباتها"(4).‏

ان تأكيد الدعوة العباسية على العمل بالكتاب والسنة، واقامة حكم اسلامي، يؤكد على حاجة العباسيين الى انتزاع المشروعية العليا. كما ان هذه الدعوة العباسية حاولت أن تجتذب لتأييدها اتجاهات وجماعات متباينة الأهداف، في سبيل الثورة ضد الأمويين. فقد حاولت كسب القبائل اليمنية وربيعة خاصة دون أن تستثني مضر في خراسان، وحاولت كسب الجماعات الدينية الاسلامية، كما حاولت الـأثير على عواطف الشيعة العلوية، وافادت من الغلاة في الدعوة السرية، وأثارت النزعات الايرانية، ولم تمتنع عن قبول اتباع فئات ايرانية يشك في اسلامها، لتزيد في اعداد مؤيديها، فكان لذلك اثاره بعد وصولهم إلى الحكم(5).‏

ولكن بعد انتصار العباسيين وتداعي الحكم الأموي، كيف نفسر استئثار هؤلاء العباسيين بالحكم والدولة التي تم بها هذا الاستئثار : اسْتُبْعِدَ الشيعة من السلطة ونُكِبَ البرامكة، واستبعدت العناصر الفارسية سياسياً في حين لم يستبعد العناصر الاجنبية من مؤسسات السلطة، ولاسيما في الجانب الاداري والثقافي. وعلى الرغم من الحلف الذي كان قائماً بين العباسيين والعلويين والاتفاق الذي تم بينهما على مبايعة محمد نفس الزكية بحضور السفاح والمنصور وغيرهما من آل العباس وموافقتهم - وكان محمد هذا، ابن عبد الله المحض، علوياً من سادات بني هاشم نبلاً وديناً وشجاعة وفصاحة.‏

وكان الناس شديدي الميل إليه، وقد قدمهّ أشراف بني هاشم على أنفسهم، ورشحوه وعاضدوه (6)- الا ان تقسيم أو تقاسم السلطة بين العباسيين والعلويين الذي يعكس ميزان القوى الاجتماعي والسياسي، قد حسم لمصلحة الاوائل. واستأثر العباسيون بالحكم دون العلويين في تناقض كلي مع الاتفاق الذي كان من المفترض بهما ان يكون أمر الخلافة شورى بينهما" مادامت الخلافة كانت في نظر بني هاشم الذين ينتمي إليهما البيتان (العباسي، والعلوي)، مغتصبة".. وهكذا ما ان انتصرت الثورة العباسية، حتى تغلب منطق الدولة على منطق الثورة، ,أصبح العلويون عقبة سياسية يجب التخلص منهم نهائياً، كما يتطلبه ذلك شروط وأشكال انتقال السلطة " فالثورة تعني التغيير النوعي العميق، والطبقي الناجز، والاجتماعي الجذري، في حين ان السلطة العباسية كانت تاريخياً، استمراراً صاعداً ومتطوراً كماً وكيفاً ضمن ظروف موضوعية أرقى وارحب واينع، لمؤسسة الخلافة الاسلامية التي لم ينص عليهما صراحة، القرآن ولا السنة وانما استحدثتها القائمون على الأمر من المسلمين عقب وفاة النبي ومشوا بها وطوروها، كنتاج اجتماعي، مع توالي عهود الخلافة ".( 7)‏

* من أهم سمات المجتمع المدني في العصر العباسي‏

أنه مجتمع يجسد مفهوم الأمة، وتظهر فيه تعبيرات سياسية عن قومية القوم الأكثر، والقوميات المتعايشة معها. في العصر العباسي أنضج حركة وتبلور القوميتين العربية والفارسية، وقد اكتسبت كل منهما مضموناً جديداً من الاسلام، أي أصبح الاسلام دين الأكثرية الساحقة من العرب ومن الفرس أيضاً.‏

أن تبلور الحركات القومية بوصفه من سمات المجتمع المدني، ومن الظواهر المرافقة لنموه، كان يجري في العصر العباسي في اتجاهين/ تبلور الشعور القومي العربي في جانب، وتبلور الحركة القومية الفارسية، التي يئست من الاستيلاء على السلطة المركزية الامبراطورية في الجانب المقابل. وقد كانت الحركة الشعوبية، ومظهر التهاجي في الادب والثقافة بين العرب والفرس تعبيراً عن ذلك التبلور الذي مالبث أن تحول إلى واقع سياسي، هو انفصال الفرس وإعادة بناء دولتهم في أرضهم التاريخية، ولكن بقومية فارسية مسلمة. فالحركة الشعوبية كما يقول الدكتور/ عبد العزيز الدوري/ حركة ثقافية اجتماعية قام بها غير العرب وخاصة الفرس. وقد حاول هؤلاء نقل التراث الايراني إلى المجتمع العربي ساعين إلى طبع المجتمع بطابعهم الحضاري القديم. وعملوا على التقليل من شأن العرب والزراية بثقافتهم التي ازدهرت بالاسلام والدعوة إلى نبذها واطراحها. وقد ساهم في الحركة أدباء وشعراء، وكان لكتاب الدواوين من الفرس دور يذكر في هذه الحركة. وقد ظهرت بوادر الحركة الشعوبية في أواخر العصر الأموي، ولكن دعاتها لم يكونوا يجرؤون على التصريح فتستروا وراء الدعوة إلى المساواة الاسلامية، وتظاهروا بالتسوية، فلما جاء العباسيون ودعوا للمساواة وعملوا لها كشفوا القناع وراحوا يهاجمون العرب ويركزون على تسوية تاريخهم وأدبهم، ويتهمونهم بالبربرية قبل الاسلام وبالبداوة بعده، ويفضلون الشعوب الأخرى عليهم ويمجدون ثقافتهم على حساب الثقافة العربية الاسلامية .."(8).‏

وعلى نقيض من ذلك، نجد الهوية العربية منفتحة على العناصر الثقافية واللغوية التعددية، ومتحولة هي ذاتها إلى هوية تعددية. وثمة مستويات من التعددية في المجتمع المدني في العصر العباسي : المستوى الأول، التعدد في عناصر الهوية العربية والاسلامية ذاتها، والتي تجمع الولاء العشائري والسياسي والديني والاجتماعي الطبقي والثقافي واللغوي العربي الاسلامي ويمكن الحديث عن ظهور الاقليات.‏

فالتعددية تعدديتان: تعددية خاصة بالهوية العربية الاسلامية، وتعددية مجتمعية هي تعددية الشعب، نسوق على سبيل المثال ماأورده الجابري فيما يتعلق بالمنازل الثلاث الواضحة والمتميزة مع انتصار الثورة العباسية" منزلة الخليفة، منزلة الأمراء من أهل بيته والوزراء وكبار أهل دولته من العلماء والفقهاء ورؤساء القبائل وكبار التجار، وهؤلاء يشكلون " الخاصة" يأتي بعد ذلك بقية الناس وهم" العامة"، أما الصنف الرابع من الناس وهم" الجند" فرؤسائهم منزلتهم منزلة الخاصة وعامة العسكر منزلتهم منزلة العامة. كانت هناك اذن منازل ثلاث هي عبارة عن مراتب اجتماعية/ سياسية متدرجة على النحو التالي: الخليفة في القمة، والخاصة في الوسط (منزلة بين المنزلتين) ثم العامة في قاعدة الهرم، وتقوم بين هذه المنازل الثلاث شبكة من العلاقات، الثابتة، في اطار بعض التحولات، مما يجعل منها بنية هي" البنية السطحية" للهرم الاجتماعي، ونحن نصنفها بأنها" سطحية" لابالمعنى الوضيع للكلمة بل بمعنى أنها المعطي المباشر الذي يخفي وراءه معطى أخر غير مباشر ما ندعوه" البنية العميقة " للمجتمع التي اليها ينتمي " اللاشعور السياسي،" في مثل هذه الحال، والتي تتحدد العلاقات فيها بالمحددات الثلاثة:" القبيلة" " الغنيمة" العقيدة" (9).‏

ومن الواضح أنه ليس هناك من سور صيني بين هذين المستويين، اذ أنهما يتبادلان التأثر والتأثير. ومن هنا أصبح العنصر الايديولوجي والثقافي الفارسي متضمن في الهوية العربية الاسلامية. والحق ان الايديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية منقولة في معظمها من الادبيات السلطانية الفارسية. وهنا نجد انفسنا أمام مسألة على جانب كبير من الأهمية: مسألة نقل ايديولوجيا معنية نبعت في واقع معين إلى مجتمع أخر بهدف التعبير بواسطتها عن معطياته،ومستجداته.. وما حدث في العصر العباسي الأول هو ما حدث ويحدث في الوطن العربي المعاصر: في العصر العباسي الأول تم نقل الايديولوجيا السلطانية من الفرس لتعبير عن واقع المجتمع العربي الاسلامي واتجاه تطوره آنذاك. وفي العصر الحاضر ننقل نحن العرب ايديولوجيا الطبقات الاجتماعية في أوروبا الحديثة والمعاصرة( الليبرالية، الاشتراكية، الماركسية) لنجعلها تعبر عن مطامع الطبقات عندنا( 10).‏

في الواقع التاريخي، ان الفكرة القومية حتى في العصر العباسي لم تكن محددة بالجانب العرقي، بل على العكس من ذلك، ان هوية العرب القومية هي بالأحرى تعددية وغير عرقية، خصوصاً مع تمازج الثقافات، وتعايش العناصر القومية المختلفة في نطاق المجتمع المدني، الذي اتسمت حيوته انذاك بتعدد الفرق والتيارات الفكرية، وبالتالي السياسية، بصرف النظر عن كل ما الم بحياة هذا المجتمع من تعارضات وتوترات.‏

واذا كانت الدولة العباسية فيها ظلم، فانها في الوقت عينه دولة، وكانت عامل انصهار من عوامل المجتمع المدني، لأن الاعتراض على الظلم والعسف، لايعني الاعتراض على هذه الدولة، التي اتسعت رقعتها واستمرت في الزمان، وشيدت عمراناً حضارياً عظيماً. وكل ذلك راجع إلى طبيعتها كمركز سياسي واحد، ومركز حضاري واحد، من حيث استيعابها وتجسيدها للوحدات الحضارية الكبرى، بدءاً بالاسلام باعتباره العقيدة العامة السائدة، مع وجود تعددية مذهبية كبيرة فقهية عديدة( السنة، الشيعة، الخوارج، المعتزلة، ولكل منها مدارس فقهية مختلفة)، وباستئثار العرب باللغة العربية، التي تتضمن بداخلها تعددية على صعيد اللهجات المحلية، وبالاضافة إلى التعددية الأثنية والقومية التي تختلف عن القومية الأكثرية إن على صعيد الدين( دور المسيحيين في الترجمة واليهود في الصيرفة)، وأما على مستوى القوميات (الفرس وعملية انصهارهم في المجتمع المدني).‏

والمجتمع المدني لايظهر للوجود الا بالدولة، ومع الدولة، وضد الدولة في آن معاً، والعصر العباسي مثل أوج أزدهار هذا المجتمع المدني، على الصعيد العربي، ونحن نستخدم مفهوم المجتمع المدني مجاز وبتحفظ، لأن الدولة والمجتمع ما لبثا ان تعسكرا. ففي العصر العباسي بدأت فكرة الاستبداد بالضمور، ولايجوز أن نرى التاريخ استبداد فقط، وانما صارفيه حضور للمجتمع المدني، تجسد على النحو التالي:‏

أولاً- حضور أصحاب الحرف والمهن‏

ان ظهور الحرف مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المدن الاسلامية. فمع توسع المدن، ازداد نشاط الحرف والمهن، وتميزت بالتقسيم الاجتماعي للعمل في داخلها، وكذلك بالتخصص حيث أصبح لكل حرفة سوق خاص بها. ولما كان لأصحاب الحرف والمهن ثقل نسبي في المجتمع المدني، فانه اصبحت لديهم تمثيليات تنظيمية تعبر عن مصالحهم وعن تعاونهم، وأصبحوا يلقبون في المجتمع بـ" الاصناف"، و" أصحاب المهن"، وأهل الصنايع". وقد اكتسبت الحرف مع تطورها وانتشارها أصولاً وأعرافاً، ,أصبح القاضي والمحتسب يقومان بفض المشاكل المهنية للحرفيين، وكذلك مراقبة معاملات البيع والشراء، ومنع الغش في الصناعة الخ. ويعطي الدكتور عبد العزيز الدوري صورة واضحة عن هذه الحرف، التي كانت مفتوحة للناس من الديانات المختلفة، وتعتبر المهنة رابطة أساسية بين اصحابها، فهم يتساندون ويتعاونون وللحرفة شيخ أو رئيس، تعترف به الحكومة أوتختاره أحيانا، وتنظر إليه ممثلاً للحرفة. وقد شمل تعاون أصحاب الحرف، ضمان سوية مقبولة للمهنة، واقرار مستوى اسعارها الصيانة، وحماية أصحابها من التعدي. وقد يقوم الصنف بدوره في أوقات الازمات لحماية أعضائه، ولدينا أشارات إلى وقوف الاصناف ضد السلطة لحماية أصحابها من التعسف(11).‏

ان هذا النشاط الحرفي المديني انتظم في " الاصناف" أي في التنظيمات الاجتماعية التراثية المتماسكة، حيث أن كل تنظيم يعبر عن مصالح المنتظمين في هذه الحرفة أو تلك. ونجد أن داخل هذه التنظيمات تراتبية معينة ومحددة، تبتدي من المبتدئ( المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، الى شيخ السوق. وعادة ينتخب شيخ السوق باجماع التجار والحرفيين، ويفترض ان تتوافر فيه صفات الاخلاق الحسنة، والتعقل والحكمة. وكانت مهمة هذا الشيخ تشمل" الاشراف على كل الطوائف الحرف ومشايخها، ويقوم بصلة الوصل ما بين الوالي والقاضي من جهة، والطوائف الحرفية من جهة أخرى، ولايتم أي تغيير فيها الا بعلمه ورأيه، وكان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون بتزكيته"(12).‏

ومن المعروف تاريخياً أن طوائف الحرف شكلت حركة اجتماعية داخل المجتمع المدني، اتخذت في بعض الاحيان دور المساند للسلطة الحاكمة، وفي احيان أخرى لعبت دوراً معارضاً باندماجها مع حركة المعارضة السياسية للشعب، أو انتظامها جزئياً معها. ومع ذلك، فان الطوائف الحرفية كان لها حضورها السياسي المستقل عن السلطة الحاكمة داخل المجتمع المدني. فالطوائف الحرفية كانت الملاذ للعامة، ولكل المواطنين الأقل شأناً في المجتمع، لكي يعبروا بحرية عن تطلعاتهم الاجتماعية من دون ان يتعرضوا إلىأي أذى، فضلاً عن أنها تفسح لهم في المجال لكي يحتلوا صبوة اجتماعية في النظام الاجتماعي القائم. وكانت وظائفية الطائفة الحرفية على الصعيد السياسي حسب قول المستشرقان غب وبرون تتمثل في أنها خلقت المجال السياسي لهؤلاء المواطنين الأقل شأناً." لكي يمارسوا فيه حق المواطنة، فهو وان لم يكن يستدعي الا نادراً لكي يلعب أي دور في الحياة السياسية الخارجية، الا أنه من الناحية المقابلة كان في مأمن من ان يتدخل حكامه السياسيون في شؤونه الا بشكل طفيف، اذا كانوا بوجه عام يحترمون الطوائف وطرائقها التقليدية. ومما كان ينمي للوظيفة الاجتماعية للطوائف ليس كلها بل معظمها طوائف الحرف، وما لها من ارتباطات مع احدى الطرق الدينية الكبرى "(13).‏

ثانياً - حضور التجار‏

لقد ترافق مع تطور الحرف، والانتاج الحرفي، واتساع لالاسواق، تطور التجارة الداخلية والخارجية، وتوسع فعاليتها.‏

ففي هذه الدولة الامبراطورية المهيمنة بلا منازع على الطرق التجارية البحرية والبرية، الممتدة من الشرق الاقصى مروراً بالهند، إلى المغرب الاقصى، وشرق أفرقيا، والاندلس وأوروبا الشرقية، وصولاً إلى روسيا وحوض البلطيق، شهدت التجارة ازدهارا قل نظيره في التاريخ العربي الاسلامي. وامام ازدهار هذه الحركة التجارية من الاستيراد والتصدير مع العالم الخارجي، أصبح للتجار وكلاء ومراكزا تجارية في مختلف البلدان، الذين يتاجرون معها، كما تأسست مؤسسات مالية وصيرفية لتسهيل العمليات التجارية، وبالتالي القيام بدور مهم في تسليف التجار" وقد لعبت معاملات الائتمان دورها الكبير في التجارة وظهرت مؤسسات صيرفية تقوم بدور البنوك في العصر الحاضر، ومن هذه بيوت الجهاذبة( جمع جهبذا) الذين خدموا التجارة كما دعموا اقتصاد الدولة في بعض الفترات. واذا كان الاسلام يحرم الربا واخذ الفائدة في النقد على المسلمين، فان أهل الذمة تولوا ذلك، اضافة إلى اللجوء إلى بعض المخارج والحيل الفقهية لتسيير بعض أنواع التعامل الائتماني (مثل بيع العينة) (14) .‏

وقد استمرت هذه في بعض البلاد إلى أواخر القرن التاسع عشر(15).‏

ولما كانت التجارة الحرة تتطور مع تقدم المجتمع المدني، والدولة على حد سواء، حتى ابن خلدون يسمى الدولة" السوق الاعظم للتجارة "، فأنها والحال هذه افسحت في المجال لبروز طبقة تجارية في هذا المجتمع المدني، راكمت أموالاً طائلة ولعبت دوراً رئيساً في النشاط التجاري.‏

ثالثاً - حضور العلماء والمثقفون في بلاطات الحكام‏

مع انتصار الثورة العباسية، تمكن العرب مرة أخرى من اقامة دولة امبراطورية واحدة مستقرة الحدود في البلدان المفتوحة، واستحق بني العباس الخلافة بعد استبعاد المعارضة السياسية والعسكرية الشيعية العلوية من السلطة، وتصفية قواها.؟ ولما كانت المعارضة الشيعية تعتبر من أكثر الحركات تشعباً وتنوعاً في فرقها، في التاريخ العربي الاسلا مي، حيث كانت تضم مختلف وأشكال المعارضات للسلطة العباسية، من المعارضة المطالبة بالثورة العباسية الهادفة إلى الاستقلال عن السلطة المركزية، أو المطالبة بالثورة الاجتماعية الهادفة إلى تحرير الطبقات المستغلة من جور الحكام وطغيان وعسف الولاة والجباة"، فأنها بالمقابل افسحت في المجال " لتسلل نزعات شعوبية مكبوتة، واديان متلاشية أو مضطهدة، وتيارات فكرية وفلسفية....‏

وفي هذا العصر العباسي نشطت الحركة الشعوبية، على غرار حركة الزندقة باعتبارها حركة مانوية من أخطر سماتها تظاهرها بالاسلام- وهي حركة ثقافية اجتماعية اتخذت من الصراع الفكري - الثقافي المحور الجوهري في نشاطها على أساس تمجيد التفوق في الشعر والأدب لغير العرب والدعوة إلى التسوية بين شعوب الامبراطورية الاسلامية، و التمسك بالتاريخ الفارسي القديم الذي بلغ أوجه عظمته في امبراطورية الأكاسرة. وفي سياق هذا الصراع الثقافي الذي تمارسه الحركات الشعوبية ضد الماضي العربي والطعن فيه كفكر وثقافة وحضارة، مخفية بذلك مضمونها السياسي القومي الفارسي،" كان رد الفعل العربي هو الدفاع عن الهوية القومية، لابل الدفاع عن الوجود وأسباب الوجود.... لقد ادرك الخلفاء العباسيون هذه الحقيقة وعملوا على ضوئها وبوحي منها: أنه البناء الثقافي الشامل الذي أصبح يطرح نفسه كضرورة تاريخية. لم تكن عملية أعادة بناء الماضي العربي- الجاهلي منه والاسلامي- من صنع الافراد وحدهم، بل كانت أساساً من المهام التي قامت بها الدولة"(16).‏

وهكذا شهدت الحركة الفكرية والثقافية في العصر العباسي ازدهارا كبيراً، وشملت مجالات العلوم الفقهية، واللغوية، والعلوم العقلية كالفلسفة والفلك والرياضيات، والعلوم الطبيعية، وأصبحت مجالس المناظرات الفكرية والثقافية في بلاطات الخلفاء والأمراء، وفي الدور الخاصة والمساجد، تقليدا سائداً في المجتمع المدني.‏

ان الصراع الذي خاضه المثقفون والعلماء في العصر العباسي في سبيل بناء النظام الثقافي والمعرفي العربي بدءاً من عصر التدوين، الذي شكل بحق الاطار المرجعي للعقل العربي، هو الذي قرر موقعهم في هذا المجتمع المدني من جهة، وحضورهم الدائم داخل بلاطات الخلفاء العباسيين من جهة أخرى. وكانت مسألة الخليفة باعتباره " سلطان الله في أرضه " هي المنطلق لتنظير الخلافة وتشريع الحكم، من جانب الايديولوجيين، الذين أسسوا وبنوا الايديولوجيا السلطانية في الثقافة العربية، على الرغم من أنها منقولة عن الفرس. وهذه الايديولوجيا السلطانية هي بالدرجة الأولى لمصلحة " الأمير " والأمراء"، ولفائدة فئة" الخاصة"، التي تحتل منزلة بين منزلة الخليفة أو الأمير ومنزلة عامة الشعب. فالمثقفون عامة، والايديولوجيون بخاصة، الذين عاصروا مرحلة الدعوة العباسية وقيام دولتها قاموا بالتنظير والبناء للايديولوجيا والاداب السلطانية، وأصبحوا بذلك مقربين من" الأمير"و" رجال الدولة " باعتبارهم ينتمون إلى " طبقة " الخاصة كشريحة اجتماعية جديدة من فئة الكتاب والمثقفين الخ. وقد كان ابن المقفع أول من قام بعملية التنظير هذه للايديولوجيا السلطانية، حيث يقول الجابري معلقاً على هذا الموضوع:" الاداب السلطانية"، اذن، قوامها ثلاثة أنماط من السلوك يؤسسها جميعاً مبدأ " انزال الناس منازلهم ": الترفع على" العامة" والنفور منها، الانبساط مع" الخاصة" وبناء المعاملة معها على المجاملة والتودد، الانصياع التام لـ " السلطان" والسير على طاعته وتقدير الأمور على هواه الخ.. وهذه الانماط الثلاثة من الاداب تعكس ليس فقط الطابع الطفيلي الارستقراطي لفئات " الخاصة" بل تعبر أيضاً عن الوظيفة التي تعطيها هذه الشريحة الاجتماعية لنفسها والتي بها تبرر ان تطيع مهمة" الخاصة " اذن الأمير الذي يجب ان يطاع ومنزلة " العامة" التي يجب أن تطيع مهمة" الخاصة " اذن هي حمل" العامة" على طاعة الأمير، أنها تقوم بالسلاح الذي تمتلكه، سلاح الكلمة و" العلم" - الايديولوجيا- بنفس المهمة التي يقوم بها الجند باسلحتهم المادية: الجند يقهر الاجسام " والخاصة" تطوع النفوس بالكلمة"(17).‏

لقد نظر المثقفون للدولة السلطانية العادلة الشرعية، المرهونة بالمشيئة الربانية وحدها، القائمة على فلسفة " التوحيد والعدل،" باعتبارها الركيزة التي بنيت عليها النظرة التماثلية بين ارادة الله وارادة الخليفة. وقد كانت فلسفة " التوحيد والعدل"، التي شكلت المحتوى النظري لاطروحة حركة المعتزلة، باعتبارها حركة تنويرية في العصر الأموي ،و دافعت عن قدرة الانسان على الفعل، وعن حرية اختياره، وعن قدرته على تحمل مسؤولية أعماله واثبات الثواب والعقاب له، في تناقض جذري مع ايديولوجيا الجبر ألأموي، قد تحولت إلى مذهب للدولة السلطانية في عهد ابو جعفر المنصور، الذي نزع المضمون السياسي المتمثل في شجب اطروحات حركة التنوير في العصر الأموي، فان اسقاط هاتين الصفتين على الخليفة من أجل أن يبلغ كماله، كما يبلغ الله كماله بهما، يقضي بان لايكون له- أي الخليفة- شريك في الحكم والا يتصف بالصفات التي يتصف بها مطلق الناس بل يجب أن يكون " فوق التصور" في هذا المجال"(18).‏

ما ان تحول المذهب الاعتزالي إلى ايديولوجية السلطة ابتداءا من المأمون، وبالتالي أصبح ايديولوجية الطبقة الحاكمة، التي تتكون من التجار ومالكي الأراضي الكبيرة، ومتخلياً تدريجياً عن طابعه التقدمي، حين كان مذهباً للمعارضة السياسية العقلانية والتنويرية، وبالتلازم معاً تغلغل بنية النزعة التماثلية بين الله والخليفة في" اللاشعور السياسي عند المتكلمين"، ضمرت العناصر العقلانية، في ظل هيمنة الايديولوجيا السلطانية، وميثولوجيا الامامة في فقه السياسة، وفي الخطاب الادبي، الذي هيمنت فيه ايديويلوجية مدح الأمير على أرضيته تأكيد نزعة المماثلة بين الاله والخليفة. في هذه الحال، اكتسبت ايديولوجية المعتزلة طابعا استبدادياً، أو مناصراً للاستبداد، ورافضاً للتعدد والاختلاف. ثم ان سلوك المعتزلة أصبح متناقضاً كلياً مع دورهم التقدمي والريادي، الذين قاموا به في الحركة التنويرية سابقاً، حين تحول مذهبهم الايديولوجي المدافع في حرية الانسان الفكرية، والتمسك بالجدل بحثاً عن الحقيقة، إلى ايديولوجيا طبقية تبرر وتنظر للنموذج المثالي للحكم، الذي حكم منطق العقل السياسي العربي منذ القديم إلى اليوم من نموذج " المستبد العادل". وهذا ما أدى بهم إلى سقوطهم العنيف في عهد الخليفة المتوكل(233-247-847-(86م)، الذي افسح في المجال لنمو وسيطرة الايديولوجيا المحافظة التقليدية، التي ترافقت مع بداية عهد التراجع والانحطاط للامبراطورية العربية الاسلامية.‏

والحال هذه، هل نستنتج مما هو ثابت في ميدان الفقه السياسي في التاريخ العربي الاسلامي، الذي يجد نموذج" المستبد العادل" سواء من جانب ميثولوجيا الامامة عند الشيعة، أو الايديولوجيا السلطانية عند السنة، وبين التيارات الفلسفية المختلفة، سواء كانت معتزلة أم أشعرية، وايضاً مما هو ثابت في درس الماركسية المعاصر، ان التيار العقلاني في إيديولوجية السلطة، يكتسب مضموناً سلطوياً، أو استبدادياً دون أن يكسب السلطة عينها مضموناً فكرياً عقلانياً؟.‏

ان النظرة التاريخية لحضور المثقفين في بلاطات الأمراء، وفي قلب المجتمع المدني في العصر العباسي، تجعلنا نرى الوظيفة المزدوجة، التي يقوم بها هؤلاء المثقفين داخل المجتمع الذي كانت تشقه تناقضات ايديولوجية حادة- حيث كانت مصدر قوة الدولة العربية الاسلامية آنذاك تكمن في المجال الايديولوجي بالدرجة الأولى (وهو هنا الدين الاسلامي)- وصراعات اجتماعية وسياسية متعددة.‏

فمن جهة ازدهرت الثقافة العربية في عصر التدوين، وهذه دلالة كبيرة على حيوية المجتمع المدني آنذاك، وقد جند هؤلاء المثقفون أنفسهم في خدمة وبلورة النظام الثقافي المعرفي، واعطوا الاولوية للغة العربية، من خلال جمعها ووضع قواعد لها، باعتبار ان اللغة العربية تعكس خصائص الأمة العربية التي تتكلمها، وهي القالب الذي يتشكل فيه الفكر على حد قول الجابري، وكما يقول المفكر الالماني هردر" ان ربات المعرفة البشرية: الحقيقية والجمال والفضيلة قد اصبحت آلهة قومية بمقدار ما هي اللغة القومية كذلك".‏

وكان من رواد المضطلعين بجمع اللغة العربية، ووضع قواعدها النحوية، ووضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه. ومن جهة أخرى، كان هناك التوظيف للفلسفة العربية الاسلامية، ولايديولوجية المعتزلة التنويرية، في الصراع الايديولوجي، الذي كان محتدماً مع الايديولوجية الشعوبية الفارسية، حيث كان للمنهج العقلي الذي من مبادئه قياس الغائب على الشاهد من جانب المعتزلة أثره الكبير في مقارعة الايديولوجية الفارسية الغنوصية القائمة على " العرفان" أو الالهام الالهي " الذي لاينقطع بانقطاع الرسل أنه " الوحي المسترسل الذي لايترك أي مجال لاللعقل ولا للنقل". فإلى جانب الانتاج العلمي والثقافي الذي أعطى دفعاً قوياً بالتطور إلى الأمام للمجتمع المدني في عهد المأمون، كان المثقفون منخرطين بشكل مباشر في الصراع الايديولوجي، الذي كان محتدماً مابين المعتزلة (إيديولوجيي الدولة العباسية )، وبين ايديولوجيا الغنوصية الفارسية، حيث شنت الارستقراطية الفارسية المؤثرة هجوماً إيديولوجياً واسع النطاق مستعملة تراثها الثقافي الديني الزرادشتي - المانوي- المزدكي، والهدف هو التشكيك في الدين العربي وهدمه وصولاً إلى الاطاحة بسلطة العرب ودولتهم. وقد تصدت الدولة العباسية من جهة وعملت على استقدام كتب العلم والفلسفة من خصوم الفرس التقليديين (الروم- اليونان) وترجمتها ونشر محتوياتها من جهة أخرى. ان" حلم " المأمون- سواء كان حقيقياً أو مصطنعاً- لم يكن حلماً برئياً.. لم يكن من أجل أرسطو ذاته بل من أجل مواجهة زرادشت وماني"( 19).‏

وليس من شك ان المأمون الذي أعاد انتاج ايديولجية المعتزلة، وعمل على تسييسها، كان قد حولها إلى حقيقة ايديولوجية تعكس حدة الصراع الايديولوجي، بين القومية العربية، التي انتجت ردود فعل قومية عند الأخرين، منذ العصر الأموي، وبين القومية الفارسية، التي ركبت موجة التشيع لـ " آل البيت" في الثورة العباسية على الدولة الأموية وتتجسد في ثلاث مستويات:‏

1- مستوى سياسي يدخل في الصراع على السلطة.‏

2- مستوى ثقافي وايديولوجي له علاقة بالشعوبية في الأدب، ولاسيما العرب والفرس.‏

3- مستوى قومي : تبلور ايديولوجية الدولة القومية العربية بالتضاد مع ايديولوجية القومية الفارسية الغنوصية، وبالعكس في داخل المجتمع المدني.‏

ومع سيادة الايديولوجية الاشعرية، أي بعد الانقلاب السني على المعتزلة، الذي وجه ضربة قوية للفكر العقلاني المستنير، حيث يتفق الكتاب الاحرار على ان هزيمة المعتزلة افقدت الحرية الفكرية أقوى معين (20)، وحيث كتب أحمد أمين،" وفي رأيي أنه لوسادت تعاليم المعتزلة في هذين الأمرين- أعني سلطان العقل وحرية الارادة -بين المسلمين من عهد المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد اعجزهم التسليم وشلهم الجبر وقعد بهم التواكل(21)، مضيفا ان ضعف شأن المعتزلة أدخل المسلمين في مرحلة وقعوا فيها تحت تأثير حرب المحافظين نحوا من ألف سنة حتى جاءت النهضة الحديثة(22)، فانه والحال هذه، شهد التعدد في المجتمع المدني في العصر العباسي نكوصاً واضحاً، ولم تتوافر له الفرص للاحياء من جديد عندما تشظت الدولة العربية إلى دويلات متنافسة ومتناحرة، وانقسمت على أساس اقوامي، واستمرت الصراعات الايديولوجية، واشتدت المنابذات مع كثرة المذاهب والملل.‏

لقد شكل انتصار الايديولوجية الاشعرية بداية الردة الفكرية في الدولة العربية. وكان أبي الحسن علي بن اسماعيل الاشعري(260-325هـ، 873-936م) هو الذي أرسى أسس ومبادئ المذهب السني في الخلافة. واذا كان الشافعي هو الذي حدد أصول الفقه أو التشريع - أو بالأحرى " قواعد المنهج " للفكر السني- والمتمثلة في الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس،فان ابي الحسن الاشعري، سيلتجأ إلى السلطة المرجعية للشافعي، في نطاق بلورة مشروعه القاضي بالرد على ايديولوجية المعتزلة في مسائل العقيدة من ناحية، وعلى ايديولوجية الامامة عند الشيعة من ناحية أخرى، ومن أجل التنظير لأهل السنة في الخلافة، أو على الأصح التنظير لمواقفهم السياسية السابقة، ونظام الحكم، بالارتكاز على" اصول" الشافعي، جاعلاً من الكلام في السياسة تشريعاً للماضي مثلماً جعل الشافعي من الاجتهاد في الشريعة تقنيناً للرأي، مكملاً بذلك صاحب" الابانة" ماقصر فيه صاحب" الرسالة"(23). ويجسد موقف الاشاعرة هذا، دعماً للسلطة العباسية في بغداد، التي تعرضت لتحدي من جانب الشيعة الفاطمية، التي نجحت في اقامة الخلافة الفاطمية في القاهرة، وأصبحت بذلك تنافس الدولة العباسية المنهارة، في بغداد.‏

ومن المعلوم تاريخياً ان مذهب المعتزلة كان قائماً على معارضة الفكر والايديولوجية السلفيين أولاً، وعلى استخدام المنهج العقلاني، الذي كانت أهم سمة رئيسة له هي " عقلنة" قضايا الدين الاسلامي كلها، واعطاء العقل البشري الاولوية الرئيسة في قضية المعرفة، ثانياً.‏

ولهذا أعطى المعتزلة الأولوية للعقل على النقل، أي" العقل قبل ورود السمع" فضلاً عن ان علم الكلام المعتزلي كان يسيطر عليه المنهج العقلاني، وتعرض لجذور أهم الأسس والقضايا التي تقوم عليها ايديولوجية الخلافة أساساً، ونظراً لتناقضه مع الايديولوجية السلفية في عصره، فقد كان يحظى بجاذبية خاصة وتجاوب من جانب الوضع الاجتماعي، الذي كان معارضاً ايديولوجية النظام القائم في العصر الأموي، ثم في بداية العصر العباسي قبل مجيء المأمون إلى السلطة العليا للدولة، الذي حول مذهب المعتزلة إلى مذهب رسمي لدولة الخلافة، استمر ثلاثة عهود من الخلفاء العباسيين- كما حرص المأمون على ان لاتنكس راية الفكر الحر المتمثل بعلم الكلام المعتزلي بعده، لذلك كتب في وصيته إلى المعتصم قوله:" وخذ بسيرة أخيك في القرآن " يقصد مسألة " خلق القرآن المعتزلية". غير أنه حين ندرس موضوع علم الكلام الاشعري، نجد ان الاشاعرة تسلحوا بالمنهج العقلاني للمعتزلة في نطاق حربهم ضدهم، ولكن بعد أن أفرغوا من مضمونه، ومن عقلانيته الجوهرية. فاذا كانت العقلانية تنطلق من المنطلقات العقلية في سياق الاستدلال المنطقي، فإن هذه المنطلقات كلها عند الاشاعرة تنحصر في مضامين النصوص الدينية، ولاشيء غيرها ". ولهذا، فان الاشاعرة لم يكونوا يؤمنون بضرورة العقل كمصدر حقيقي للمعرفة، بل ان مبدأهم يرفض أولوية العقل على النقل، ولذلك اختار الاشاعرة" الملائمة لجعلها مقدمات للنتائج التي يؤمنون بها سلفاً"، وقادهم هذا إلى الوقوع في التناقض التالي: استخدام الجدل المنطقي للمعتزلة، والاخذ بمنهجهم في محاولة للتوفيق بين الفكر العقلاني والسنة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى انكار مبادئ العقل والعودة إلى التمسك بالقرآن، والسنة، والحديث الخ.. والحال هذه " رفض الاشاعرة ان يكون القرآن مخلوقاً كما أكد المعتزلة، وأصروا على أن يكون أزلياً، إلا أنهم بعد هذا التقديس الظاهري وفي سبيل خدمة مقاصد الحكم وتمشياً مع حاجاته دعوا إلى الأخذ بالسنة في حالة الخلاف بينها وبين القرآن واعلنوا" السنة قاضية على القران وليس القرآن بقاضي على السنة"(24). واعتمدوا في ذلك على الآيتين" ياأيها النبي بلغ ما انزلنا اليك من ربك".. و" مااتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا وتفسيرهما" ان الرسول وسيلة توصل الوحي إلى الناس ولا يجوز عقلاً ان ينقل الينا الوحي وبنقصه، وانما أهل الرأي على ان النبي قد فوضت اليه العناية الربانية بيان النصوص القرآنية وتفصيل ما أجمل الكتاب"(25).... وعند هذا الحد يصح تحديد فكرة الاشعرية السياسية كما جسمها الغزالي(محمد الغزالي المكنى بابي حامد والملقب بحجة الاسلام(450)-505هـ 1058-1111م) حين كتب " ولو انتهى لهذا الأمر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء ولكنه مع ذلك يراجع العلماء ويعمل بقولهم فماذا ترون فيه؟ ايجب خلعه ومخالفته أم يجب طاعته؟ قلنا الذي نراه ونقطع أنه يجب خلعه ان قدر على ان يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير اثارة فرقه وتهيج قتال، وان لم يكن ذلك الا بتحريك قتال وجبت طاعته وحكم بامامته"(26). ومعنى هذا القول مناصرة الحكومة السيئة أفضل من الثورات الشعبية لتغيير النظام.." واعمق"(27). معاصر الغزالي اعرب عن مناصرته جور الملوك وتفضيله له على ما ما تحدثه الثورة من فوضى (28).‏

مع انتصار الايديولوجية الاشعرية في عهد الخليفة العباسي، التي شكلت ردة فكرية لجهة سيطرة علم الكلام الاشعري، المتناقض مع علم الكلام المعتزلي، الذي كان" متوافقاً مع الفكر الفلسفي من حيث فسحه للعقل مجالات التفكير وتحصيل المعرفة حتى في ماوراء الطبيعة، كان من الطبيعي- وفقاً لقوانين التطور العامة- ان يتخلى علم الكلام للفلسفة عن مكانه في حركة تطور الفكر العربي- الاسلامي بناء على كونه- أي علم الكلام- قد استوفى حاجة وجوده واستنفذ مهماته التاريخية وحان الوقت لأن يتحول إلى كيفية فلسفية خالصة"(29). وكانت خطورة ردة الفعل هذه المحافظة في نطاق مواجهة الفكر المعتزلي، تمثلت في احتلال علم الكلام الاشعري مكان علم الكلام المعتزلي، والحركة الفلسفية المنفصلة عن علم الكلام في آن معاً.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه، مالعلاقة بين سقوط الفكر المعتزلي الذي ظل على هامش المجتمع وبين اضطهاد الفلسفة طوال قرون عديدة في المجتمع العربي الاسلامي؟ وهل يمكن القول ان عودة " الأمة" إلى التقليد الديني والفقهي والفكري والثقافي للموروث القديم، هو ضرب من الدفاع عن الذات أم سيرورة انحطاط وانغلاق على الذات؟‏

ليس من شك، ان علم الكلام، والفلسفة، شكلا كل واحد منهما مرحلة معينة في طريق تطور الفكر العربي الاسلامي. فاذا كان علم الكلام يقوم بالبحث الديني في مسائل العقيدة المثارة في المجتمع العربي بعد انتصار الاسلام، فان الفلسفة كانت تبحث في قضايا الوجود والطبيعة والمجتمع، والتفكير. وتميزت الفلسفة عن علم الكلام كما يقول الدكتور حسين مروه بأمرين أساسيين: أولاً، بأنها انطلقت من المفاهيم، لامن من القضايا المثارة في المجتمع بصورة مباشرة. ثانياً بأنها لم تتخذ من عقائد الاسلام قاعدة للبحث، وان حاولت تخفي التناقض بين النتائج التي يصل إليها البحث الفلسفي وبين العقائد الايمانية الاسلامية. والحال هذه كان علم الكلام المعتزلي متوافقاً مع الفكر، غير أنه مع انتصار علم الكلام الاشعري، أصبح التناقض بين علم الكلام" الما بعد المعتزلة " والفلسفة بمختلف مكوناتها ومذاهبها من" حركة أخوان الصفاء" وحتى فلسفة ابن رشد، تناقضا عدائياً.‏

" فالتناقض العدائي بينهما اذن قائم على اساس ايديولوجي من حيث أسباب نشوئه ذاتها اذ- كما رأينا- بدأ علم الكلام الاشعري يشكل عودة إلى السلفية السنية بهدف هدم البنيان العقلاني الذي شيده الفكر المعتزلي.... ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً أن الصراع بين علم الكلام والفلسفة هو- في الواقع- صراع ايديولوجي بالدرجة الأولى: صار علم الكلام معبرا عن الايديولوجية" الرسمية" وصارت الفلسفة- بالاضافة إلى التصوف - معبرة عن ايديولوجية مختلف الفئات المعرضة للسلطة الحاكمة المركزية"(30).‏

ان تحول العلاقة بين علم الكلام والحركة الفلسفية إلى علاقة إقصائية قائمة على نفي الاخر، زمن انتصار الايديولوجية الاشعرية، حيث ان الاشاعرة عملوا على إخراج الخطاب الفلسفي العقلاني من ميدان المعركة الفكرية والمعرفية الايديولوجية، مريدين بذلك إخراج العقلانيين من معادلات الصراع السياسي، والسياسة كلها. لكن الاشاعرة الذين قللوا وحطوا من شأن الفلسفة العقلانية، التي عانت اضطهادا كبيرا طوال قرون كاملة في المجتمع العربي- الاسلامي، انما هم انطلقوا من حقيقة ان الفلسفة لاتصنع التاريخ، في حين ان المنطق والعقل يؤكدان انه ليس ثمة من تاريخ ممكن بدون الفلسفة والفكر. فالسياسة العقلانية والفلسفة، والفكر مقولات مترابطة مع بعضها البعض تتقدم معاً، وتتراجع معاً.‏

السؤال الذي يطرح نفسه ايضاً، ما العلاقة بين سقوط المعتزلة وانهيار الدولة المركزية العربية وتشظيها؟‏

لقد تحول المذهب الاعتزالي إلى ايديولوجية رسمية لسلطة الدولة العباسية في عهد المأمون، الذي جاء إلى سدة الخلافة بعد صراع دموي عنيف ضِدَ القوى الاقطاعية التي كانت تؤيد أخاه الأمين. وقد خرج المأمون من هذا الصراع منتصراً بفضل وقوف القوى الأخرى الممثلة لاقتصاد المدينة، ومجتمعها التجاري الربوي، الحرفي، بالاضافة إلى حركة المثقفين حملة الافكار الحرة المستنيرة، إلى جانبه. ثم ان الدولة العباسية التي تبنت ايديولوجية المعتزلة في مرحلة نهوضها، وحددت الطابع العقلي لثقافة المعتزلة، هي دولة ذات طابع امبراطوري- انتصرت فيها قوى المدينة التي ساندت المأمون في سبيل اعتلائه عرش السلطة المطلقة- وبسطت نفوذها على مفاصل المجتمع الرئيسية، وكانت مجسده بذلك مرحلة لنهوض الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والسياسي. وكانت هذه الدولة معنية ببناء الهياكل التحتية، وتنظيم الحرفة، ودعم النشاط التجاري على الصعيد الخارجي، حيث أصبح العراق باعتباره مركزاً للخلافة ملتقى الطرق التجارية العالمية". هذا الوضع انعش بالطبع في المدن، وفي العاصمة بالأخص، تلك الفئات الاجتماعية التي تنمو وتتطور ويبدأ دورها يبرز للتأثير في الاحداث السياسية، في المجتمعات الاقطاعية، على حساب دور كبار الاقطاعيين و اغنياء الريف كلما توفر المناخ الملائم لازدهار الفاعلية التجارية، بالارتباط مع توفر انتظام وسائل الموصلات والنقل ونشاط السوق الخارجية، وهذا هو المناخ نفسه الذي كان قائماً بالفعل حينذاك "(31). وكانت الدولة العباسية هذه تقوم بين الحين والحين بمصادرة أموال التجار، ورفع يد الحائزين على الاقطاعات الممنوحة لهم في سبيل توفير مصادر الانفاق المتزايدة للدولة.‏

وهكذا فان انتصار إيديولوجية المعتزلة كانت مرتبطة بتبلور مرحلة النهوض للدولة العباسية، وحيوية المجتمع المدني بالتلازم معها، مثلها في ذلك مثل انتصار الديمقراطية البرجوازية على النظام الاقطاعي القديم في مرحلة الصعود الرأسمالي كنظام اقتصادي اجتماعي سياسي جديد. ومثل ان فلسفة الانوار العقلانية البرجوازية، والفكر البرجوازي برمته استنفذ طابعه التقدمي والديمقراطي في النظام الراسمالي، وعلاقة الانتاج الرأسمالي- خصوصاً بعد تحول الثورة البرجوازية التي انتجت النظام الراسمالي العالمي، الى استعمار، وامبريالية معادية للتحرر والتقدم التاريخي- وحل محله فكر رجعي متحجر، وكذلك الأمر، حين أزيلت القوة الاجتماعية التي ساندت المأمون عن مراكزه القوية وحلت محلها قوة اجتماعية أخرى ذات طابع اقطاعي - عسكري ساندت الفكر المحافظ في عهد المتوكل، حلت الايديولوجية الاشعرية محل ايديولوجية المعتزلة خصوصاً عندما اصبحت." دولة الاستبداد الشرقي" غير قادرة على منح هامش كافٍ لتطور المجتمع المدني، لاسيما مع نمو سيرورة العسكرة في عهد الانحطاط للدولة العربية الاسلامية، حيث ان هذه المؤسسة العسكرية كانت تحد من مدنية المجتمع المدني، وتعادى الفلسفة العقلانية، فضلا عن ان الدولة والمجتمع المدني مالبثا ان تعسكرا لاحقا في عصر الاقطاع العسكري.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:36 PM   المشاركة رقم: 27
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

رابعاً - التناقضات بين الدولة العباسية والمجتمع المدني

مع بدء الاقطاع العسكري‏




ولما كان المجتمع المدني من سماته ظهور التشكيلات الطبقية، فان الصراع الطبقي هو الذي يحدد في نهاية التحليل طابع المجتمع وآفاق تطوره.‏

في منتصف القرن الثالث الهجري، تبلورت التشكيلات الاجتماعية والطبقية الجديدة، وظهرت في الوقت عينه الفئات والطبقات الجديدة، من الفلاحين، والتجار، والصناع، واقطاع الاقاليم والنواحي وارستقراطية العرب، حيث أنه مع ازدياد حدة التفاوتات الاقتصادية بين هذه الفئات، بات من الصعب ان يتم تجميعها ببساطة تحت اسم الدين والسيطرة عليها، مثلما بات من الصعب تجميع الاقوام والشعوب المتباينة في نواحي تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والمختلفة في تراثها الثقافي الديني وتقاليدها وخصائصها المميزة، في اطار دولة مركزية، تعتمد على ايديولوجية محافظة ولا تؤمن بالتعددية، والاختلاف، والتعارض.‏

والحال هذه، من الطبيعي ان تبحث كل طبقة أو فئة اجتماعية عن تمثيلية سياسية وفكرية تعبر عن مصالحها ومطامحها، مثلما هو الحال بالنسبة للاقوام والشعوب المختلفة، التي ظهرت تمثيليات سياسية لها تعبر عن مصالحها القومية والثقافية، مالبثت ان تحولت على شكل ثورات وحركات انفصالية واستقلالية تطالب بالحكم الذاتي، أو الاستقلال الكامل عن السلطة المركزية، ويجب أن نميز في حديثنا عن الحركات السياسية،" بين الحركات الاستقلالية التي بنت امارات او ولايات في نواح معينة وظلت معترفة بحق العباسيين في الخلافة ولو إسمياً، والحركات السياسية المنظمة الهادفة إلى دك السلطة العباسية وبناء دولة جديدة على أنقاضها، من حيث أن الأخيرة تحتاج إلى معتقد ديني أو ايديولوجي متكامل كما تتطلب تنظيماً سياسياً دقيقاً له برنامجه الاستراتيجي المتكامل وتكتيكاته المتغيرة حسب ظروف الزمان والمكان"(32).‏

وفي ظل احتداد حركة الاستقطاب الاجتماعي العميق بين الاقطاعيين الاسياد والفلاحين الفقراء احتدم الصراع الطبقي وتحول إلى انتقاضات شعبية، وحركات سياسية عدة اصطبغت بصبغات مذهبية ودينية، أو نزعات فلسفية، حدثت في العراق، ومصر، وفي فارس، نذكر منها أهمها : الثورة البابكية الخرمية، وثورة الزنج، وثورة القرامطة.‏

1- ثورة البابكيين‏

على الرغم من ان العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والاساس الطبقي الواضح الذي ميز هذه الثورة الفلاحية في القرون الوسطى على الساحتين العربية والاسلامية، الا ان العوامل المذهبية والشعوبية المزدكية والزرادشية والقومية كانت متداخلة معها. ولقد استغلت الثورة البابكية ضعف الدولة العباسية، وبداية بوادر سقوطها في أواخر خلافة المعتصم(833-842)، فحشدت الشعوب والطبقات المعدمة من الفلاحين، والعامة، في مناطق الاقوام الايرانية المقهورة في ارمينيا واذربيجان، ومن خراسان في الشمال إلى الجنوب في العراق. ذلك أن قوانين علاقات الانتاج الاقطاعية التي كانت سائدة بأشكالها القديمة الساسانية في تلك المنطقة (اذربيجان وماجاورها من الاقاليم الفارسية)، كانت تحصر حق ملكية الاراضي واستثمارها في فئة قليلة العدد من الدهاقين والخانات(33) تستغل الفلاحين وشغلية الأرض استغلالا تعسفياً دون فرق بين العبيد والاحرار(34).‏

ومن المعروف تاريخياً ان الاقاليم الاسيوية التي كانت خاضعة لسلطة الدولة المركزية العربية، سواء في دمشق أو في بغداد في عهد الدولة العباسية، لم يغير فيها الحكم العربي القليل، بل أننا نجد ان الاقطاع المحلي الساساني المتألف من دهاقنة الفرس كان متحالفاً مع الخلافة العباسية" خوفاً على أملاكه ومصالحه من غضبة الفلاحين"، فضلاً عن ان السلطة المركزية العربية كان يهمها بشكل رئيس جمع الضرائب من هؤلاء العجم، وغيرهم من الأمم المغلوبة. وكان برنامج هذه الثورة البابكية يتمثل في انتزاع ملكية الأراضي الاقطاعية من الاقطاعيين الساسانيين وتوزيعها على المزارعين المحتاجين، ذلك ان تحرير هذه الأراضي الواسعة تسهم اسهاماً حقيقياً في تحرير الفلاحين ووضع حد لاستغلالهم. أما النقطة الثانية من البرنامج فتتمثل في تحرير المرأة، ولما كانت الثورة الباباكية متصادمة جذرياً مع النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للخلافة العباسية فقد تركت تأثيراً عميقاً على الحركات الفلاحية والطبقية اللاحقة، وبخاصة حركة الزنج، وحركة القرامطة.‏

" أما تأثيرها في حركة الزنج فهو ينحصر في أمرين: أولهما أضعاف الخلافة مما يؤمن الظروف السياسية والعسكرية الأكثر ملاءمة لتمرد الزنج. وهذا تأثير غير مباشر، وثانيهما: تقديمها لنموذج في تحرير المستضعفين صفة الشرعية.‏

واما تأثيرها في حركة القرامطة في السواد، فهو أكثر أهمية في نظر الكثير من المؤرخين القدامى والباحثين المحدثين. فهم قد عقدوا الصلة دائماً بين البابكية والقرامطة، إلى حد أن بعضهم قد اعتبرهما اسمين لحركة واحدة متصلة"(35).‏

ثورة الزنج‏

تعتبر ثورة الزنج أعظم ثورة طبقية للعبيد في التاريخ الاسلامي، لم تكن عنصرية بين سود وبيض .‏

وكان هؤلاء الفلاحون العبيد خاضعين لاشد أنواع الاستغلال الاقطاعي في منطقة البصرة من جنوب العراق، خصوصاً بعد ان تم توزيع الأراضي والقرى بالاقطاع على كبار الملاكين والقادة العسكريين، والتجار الاثرياء، الذين اصبحوا يوظفون أرباحهم في استملاك المزيد من الأراضي التابعة للفلاحين الصغار. وادى هذا الوضع إلى تدهور أوضاع الفلاحين وتعرضهم للظلم والافقار، الأمر الذي جعلهم يهجرون الأرض، في حين ان الاقطاعات العسكرية أصبح استثمارها يحتاج إلى كثافة الايدي العاملة في الأرض،" على حين كانت هجرة الفلاحين عن الأرض تتعاظم باستمرار تخلصا من أرهاق الاقطاعيين الجدد لهم بتشديد العمل مع قليل من العائدات للعيش. هذه الظروف دفعت " أصحاب الاقطاعات " ان يبحثوا عن قوى الانتاج من الايدي العاملة الرخيصة، فوجدوا ضالتهم في زنج شرقي افريقيا، فجلبوهم باعداد هائلة، وحشدوهم في منطقة البصرة حيث شبت ثورتهم"(36).‏

لقد اسهمت ثورة الزنج في أحداث خلخلة حقيقية للدولة العباسية، وعطلت فاعلياتها الاقتصادية والمالية والتجارية والزراعية خزينة الدولة اعباء مالية كبيرة لم تكن هذه الخزينة قادرة على تغطيتها. واذا كانت هذه الثورة ذات المضون الاجتماعي الثوري التاريخي، ليس لها برنامج محدد، وهذا عائد إلى" مدى الثغرة الايديولوجية بين جماهير الثورة وقيادتها. فان " علي بن محمد " حين تصدى لقيادة ثورة الزنج هذه لم يكن لديه أي دافع طبقي أو فكري يؤهله لحمل ايديولوجية هذه الفئة الاجتماعية المسحوقة. لذلك لم يكن مؤهلاً لصياغة ايديولوجيتها في شكل برنامج يحدد أهداف ثورتها، على حين كانت هي- أي فئة الزنج- من التخلف الاجتماعي والذهني، بحيث لاتستطيع صياغة هذا البرنامج "(37).‏

ان أهمية ثورة الزنج تكمن في انها عبدت الطريق الحقيقية للثورة القرمطية، حيث كان القرامطة متحالفين مع ثورة الزنج بهدف دك السلطة المركزية في بغداد وكان تحالفهم هذا غير عرضي أو تكتيكي، نظراً لخوف القرامطة من حركة الزنج التي اوقعت الهزيمة بجيوش الخلافة". وعلى الجملة فقد أفاد القرامطة من النتائج السياسية والعسكرية لحركة الزنج واستغلوا الظروف الناشئة عنها أحسن استغلال، ويمكن الافتراض أنهم افادوا من دروس التجربة وعملوا على تجاوز بعض الثغرات التي ادت إلى الاجهاز عليها، ان لجهة التنظيم أو وضوح النظرية الثورية، وصياغة البرنامج الثوري وتنظيم التحالفات .."(38).‏

ثورة القرامطة‏

ليس موضوعنا هو التأريخ للافكار والسياسة لحركة القرامطة، فهناك العديد من الكتب التي خصصت لها مكاناً يتناسب مع حجمها وأهميتها، انما يظل موضوعنا هو دراسة المجتمع المدني في العصر العباسي والحركة القرمطية مثلها في ذلك مثل باقي الحركات الاجتماعية الأخرى التي ذكرناها، لم يكن لذلك الحضور الحقيقي في عملية تبلور وتكوين المجتمع المدني، خصوصاً وان الحركة القرمطية من حيث نشوئها وتكوينها الاجتماعي، وبناء دولتها السياسية المستقلة تركزت بشكل في البحرين على الرغم من امتداداتها المختلفة هنا وهناك، إلا أنها ظلت مقموعة وهامشية ومعزولة.‏

وليس من شك أن الحركة القرمطية قد أنشأها أبو سعيد الجنابي في صفوف قوم ضعفاء في القطيف ثم انضمت إليها القبائل ذات الموقع الهامشي التي كانت تطمح إلى الغزو والهجرة باتجاه المدن، وكانت استجابة هذه القبائل البدوية لهذه الدعوة طمعاً في الغنيمة بواسطة الغزو أكثر منه طمعاً في اعلاء مذهب ديني. ." وحين استتب الأمر لأبي سعيد في البحرين وجمع من حوله الكثير من أموال الغنائم في الاحساء، التفت إلى اصلاح أراضي المزارع، واصول النخل، واصلاح هذه الامور وتفقدها.‏

ونصب الامناء على ذلك واقام العرفاء واحتاط على ذلك كله وجمع النخيل، وأعد السلاح ونسج الدروع والمغافر واتخذ الأبل والمزاد والقرب وعلم الصبيان الفروسية وطرد الاعراب من قرينه" وراح يستعد لمواجهة الجيوش العباسية التي كانت قد شنت هجومها الأول ضده بقيادة العباس الغنوى"(39). وبفعل هذه الاصلاحات التي اسهمت في تطور البنية الاجتماعية للحركة القرمطية في البحرين وتحول قيادتها إلى طبقة ارستقراطية جديدة تمتلك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن، فان البلاد توحدت في ظل هذه القيادة القوية، وأصبح ابو سعيد يؤكد على موقفين " ألأول موقف التحدي الحازم للدولة العباسية اذا ما حاولت التعرض للكيان الجديد، والثاني هو اعلان الاكتفاء بالدفاع عن البحرين وصيانة استقلالها وعدم الخروج عنها، مقابل ان يكف العباسيون عن طلب السيطرة عليها" (40).‏

وعلى الرغم من العلاقة الواضحة بين الحركتين القرمطية والاسماعيلية، خصوصاً لجهة استعارة الحركة القرمطية الكثير من التنظيم الاسماعيلي، وجمعية أخوان الصفاء السرية، التي يذكرها المؤرخون، الا ان الحركة القرمطية كانت لها ايديولوجيتها وبرنامجها، وخطتها التنظيمية في نجاح الحركة. واذا كان طابع الحركة امميا في السواد، فان طابعها كان عربياً في البحرين. ففي البحرين تغب القبائل العربية مع وجود زراعة يسودها الاستغلال الاقطاعي. وهنا اتخذوا تدابير اشتراكية معتدلة اذ الغوا الاقطاع وأعادوا النظر في توزيع الأراضي كما يظهر، والفوارق الأرض، وقدموا السلف للفلاحين لتشجيعهم على استغلال الأرض في توزيع الأراضي كما يظهر، والفوارق الأرض، وقدموا السلف للفلاحين لتشجيعهم على استغلال الأرض، وسيطروا على التجارة الخارجية وساروا على خطة الاكتفاء الذاتي وعززوا ذلك بضرب نقود من الرصاص ليمنعوا انتقال الثروة للخارج. أما السلطة فكانت بيد مجلس الرؤساء، وله طابع شورى في الحكم(41).‏

أما على صعيد فلسفة الثورة القرمطية فيما يتعلق بالجمهورية التي اسستها في البحرين، التي تعتبر أول جمهورية عربية في العصر الوسيط، فكانت تقوم على فكرة " تأليه العقل أو" عقلنة " الله، باعتبار ان" العقل الأعلى" هو الله، أو الحكمة العليا. وكان النظام السياسي الجمهوري متكوناً من حكومة" يرأسها ستة أعضاء من اسرة سليمان أبي طاهر ,اعوانه المقربين أو غيرهم ممن يثقون بهم من من ذوى الدرجات العالية في منظمة الحركة، ومجلس " العقدانية " وهذا يصدر مقراراته في شؤون الجمهورية بالاجماع". ويبدو أن هذا الشكل من النظام السياسي متبعاً في جمهورية البحرين حتى الزمن الذي زار فيه ناصر خسرو هذه الجمهورية سنة (1052) (42) .‏

لقد اتخذت هذه الجمهورية عدة تشريعات مهمتها سن نظام ضرائبي على المراكب التي تمر في الخليج، وعلى أهل مقاطعة عمان، وضريبة على الحجاج الذين يقصدون مكة والمدينة، وضريبة على صيادي اللؤلؤ في مياه البحرين والخليج، فضلاً عن ان التجارة الخارجية والداخلية، كانت بأيدي الحكومة، وتحول أرباحها للانفاق على المصالح العامة، وتحسين أعمال المزارعين والشغيلة، أن هذه الواقعات تكشف أن شكلاً من" القطاع العام" في جمهورية البحرين كان هو الطابع الغالب للمؤسسات الاقتصادية الاجتماعية. وهذا هو الوجه الثورى الاساسي لهذه التجربة الفريدة في تلك العصر(43).‏

خامساً - تصدع الدولة العباسية‏

وسيطرة الاقطاع العسكري‏

ان انتقال الصراع الطبقي الثوري متمثلاً بهذه الثورات الثلاثة النابعة من الاطراف إلى قلب الدولة العباسية قد كان له اسقاطاته السلبية المدمرة على الاجهزة العسكرية والانظمة المالية للنظام الاقتصادي الاجتماعي السياسي القائم. ولقد ترافق هذا الاهتزاز والتصدع للنظام، زيادة تغلغل الاتراك في مختلف مرافق الدولة مع ضعف سلطان الخلافة وتقويض دعائمها. وبذلك بدأت الفرقة المرتزقة من الاتراك هي المتحكمة في تصعيد الخلفاء وفي اسقاطهم، تمشياً مع مصالحهم. وكان المتوكل أول خليفة ارتقى سدة الخلافة بحراب القادة الاتراك في وجه معارضة رجال الدولة وبينهم القاضي الاكبر والوزير كما كان أول خليفة اغتاله أولئك القواد".‏

ويعتبر الغزو البويهي منعرجاً تاريخياً حاسماً، في تاريخ الدولة العربية الاسلامية، لجهة بداية السيطرة الاجنبية في البلاد العربية، وبداية تحول النظام الاقتصادي والاجتماعي من الاعتماد على التجارة والنقد إلى الاعتماد على الزراعة والاقطاع العسكري، حيث ان نمو هذا الاقطاع الذي داهم الدولة العربية قد ترافق مع تنامي استقلال الدول في العصر العباسي/ دولة الادارسة في المغرب" والأغالبة في تونس والجزائر والزيادنة في اليمن، والطاهريون في خراسان ولاحقاً القرامطة في البحرين والاحساء، والفاطميون في القاهرة. ان تطور الاقطاع العسكري بالتلازم مع استقلال الولايات أو الدول قد حرم الخلافة من الخراج الذي كانت تجنيه، كما أسهم في ركود التجارة والصناعة في ظل الانغلاق الاقليمي" ونود ان نبين هنا ان هذا الاقطاع يختلف عن النوعيين المعروفين من قبل، وهما اقطاع التمليك يفترض فيه ان يكون من أرض الموات لاحيائها أو من أرض الصوافي، ويعطي حمامية حق الملكية ويدفع عنه العشر. أما اقطاع الاستغلال فهو مؤقت وهو شبه بالمزارعة، ويدفع صاحبه عادة الخراج، أما اقطاع البوهين فهو في الاساس اقطاع لوارد الأرض، في أرض لها زراعها وملاكوها إلى الجند والقادة..‏

ان هذا الوضع أدى إلى تغيير كبير في الوضع الاجتماعي الاقتصادي لأراضي الخلافة الشرقية، فتدهور الاقتصاد النقدي، وعجز الحكومة، عن النهوض بواجاباتها العامة، وجذورها القبلية الاقطاعية، دفعتها إلى ان تعهد الجند والقادة أخذ الوارد مباشرة. ولكن ضعف اللسطة المركزية، تجاه الجند اضطر الاهلين إلى طلب حماية المتنفذين فقوى مركز المقطعين، ولم يقتصروا على الجباية بل صاروا إلى تولي الأرض نفسها، وحد ذلك إلى زيارة قدرة الاقطاعيين وإلى تقلص الملكيات الصغيرة وتلاشي ملكية الفلاحين" (44).‏

ومن الاقطاع العسكري زمن البوهيين الذي تدهورت فيه التجارة والحركة الصيرفية، و وتقلص فيه التعامل بالنقد، وأصبحت فيه السيادة في الدولة العربية الاسلامية للإقطاع العسكري انتقلت فيه هذه الدولة العربية إلى سيادة الاقطاع العسكري السلجوقي، الذي اتجه نحو الوراثة، حيث كان يمارس المفلحون صلاحيات واسعة، موسعين بذلك ملكياتهم في الأراضي وجاعلين الزراع والفلاحين يعملون بالسخرة عندهم، مقابل الخدمة العسكرية واعداد الجند.‏

وفي ظل هذا التوسع للاقطاع العسكري الذي أصبح يقطع الأراضي والقرى الواسعة لمصلحة الامراء والجند مقابل الخدمة العسكرية، وازدياد فرض الضرائب على البيوت والعقارات، والتركات، وتدهور نظام الري، وضعف السلطة المركزية في السيطرة على الطرق التجارية، والحاق الاضرار بالحياة العامة، سيطرت مقولات وأطروحات الايديولوجيا السلطانية الاستبدادية الموروثة من حضارات الشرق القديم الفرعونية والبابلية والفارسية، وتعسكرت بذلك الدولة والمجتمع المدني على حد سواء، حيث شهد هذا الأخير ضموراً حقيقياً حتى بداية الغزو الأوروبي لتقاسم أرث السلطنة العثمانية، وبداية حركة النهضة الحديثة في المجتمع العربي.‏

r هوامش الفصل الثالث:‏

(1)- أحمد علبي العهد السرى للدعوة العباسية( أو من الامويين إلى العباسيين)- دار الفارابي، بيروت- الطبعة الأولى 1988(ص77).‏

(2)- دكتور محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي مركز دراسات الوحدة العربية -الطبعة الأولى شباط 1990 (ص329-330)‏

(3)- أحمد علبي- مصدر سابق(ص85) استشهد بمقطع من البلاذرى فتوح البلدان (ص443).‏

(4)- د. محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي (ص330).‏

(5)-د. عبد العزيز الدوري مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي دار الطليعة- الطبعة الخامسة آب 1987 (ص57).‏

(6)- أحمد علبي - مصدر سابق- ص 92) استشهد بهذا المقطع من ابن الطقطقي الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية (ص164-166).‏

(7)- المصدر السابق (ص60).‏

(8)-د- عبد العزيز الدوري- مصدر سابق (ص95).‏

(9)-د- محمد عابد الجابري- العقل السياسي العربي (ص332).‏

(10)- المصدر السابق (ص339).‏

(11)- د- عبد العزيز الدوري- مصدر سابق (68).‏

(12)- عبد الودود محمد يوسف " طوائف الحرب والصناعات أو طوائف الاصناف في حماه في القرن السادس عشر"، مجلة الحوليات الاثرية السنة 19/د،ت/(ص85).‏

(13)- غب وبوون، المجتمع الاسلامي والغرب، ج2(ص115).‏

(14)- عبد العزيز الدوري مصدر سابق (ص17) - بيع العينة ان يبيع المقرض للمقترض اية سلعة بسيطة بمبلغ مرتفع مؤجل، ثم يعود ويشتريها منه بثمن معجل أدنى.‏

(15)- المصدر السابق (ص71) - مستشهد به. انظر مكسيم رود نسون- الاسلام والرأسمالية (ص83، ص 87،ص86).‏

(16)- د محمد عابد الجابري - تكوين العقل العربي.‏

(17)- د- محمد عابد الجابري - العقل السياسي العربي (ص 342).‏

(18)- المصدر السابق (ص 353).‏

(19) -د- محمد الجابري- نحن والتراث - قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي- دار الطليعة الطبعة الأولى- نيسان 1680(ص41).‏

(20)- تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية(ص198).‏

(21) أحمد أمين - ضحى الاسلام-(ص70).‏

(22)- المصدر السابق (207).‏

(23)- د- محمد عابد الجابري- تكوين العقل العربي- مصدر سابق.‏

(24)- د- أميل توما - الحركات الاجتماعية في الاسلام -دار الفارابي -1980 (ص115).‏

(25)- المصدر السابق (ص115-116) بالاعتماد على ملحق كتاب جوستاف جروينباوم- " حضارة الاسلام "( ص476).‏

(26)- المصدر السابق (ص116)، بالاعتماد على الكتاب ذاته (ص217).‏

(27)- المصدر السابق (ص116) -" أعمق " هو مفكر من معاصري الغزالي.‏

(28)- المصدر السابق (ص116) بالاعتماد على المصدر ذاته (ص 450).‏

(29)- حسين مروة - الجزء الأول - النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية - دار الفارابي الطبعة الخامسة 1985(ص874).‏

(30)- المصدر السابق (ص875).‏

(31)- المصدر السابق (ص 855).‏

(32)- حسين بزون- القرمطية بين الدين والثورة - دار الحقيقة- الطبعة الأولى 1988 (ص70).‏

(33)- حسين مروة - الجزء الثاني (ص 15)- الدهقان( بضم الدال وفتحها) كلمة فارسية تعني رئيس الاقليم ثم استعملت للدلالة على الأمير الاقطاعي.‏

(34)- المصدر السابق (ص15) راجع نظام الأراضي وأوضاع الفلاحين في عهد ماقبل الفتح العربي كما يصفه ACHRISTENSEN "إيران في حكم الساسانيين" الترجمة العربية (يحيى الخشاب- دار الفكر العربي - القاهرة.‏

(35)- حسن بزون- مصدر سابق (ص 85).‏

(36)- حسين مروة- الجزء الثاني- مصدر سابق (ص16). مأخوذ من كتاب أحمد علبي - ثورة الزنج (ص74).‏

(37) - المصدر السابق (ص17).‏

(38)- -حسن بزون- مصدر سابق (ص89).‏

(39)- المصدر السابق (ص52).‏

(40)- المصدر السابق(ص54).‏

(41)-د- عبد العزيز الدوري- مصدر سابق (ص75) .‏

(42)- حسين مروة- الجزء الثاني- مصدر سابق (ص21) ز نقلاً عن ناصر خسرو" سفر نامة"( ص 226-228).‏

(43)- المصدر السابق (ص22).‏

(44) -د- عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص89).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:49 PM   المشاركة رقم: 28
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

القسم الخامس

- من عصر النهضة إلى بداية الاستقلال السياسي-‏




مع هذه الوضعية بسقوط المعتزلة، بدأت سيرورة انهيار الامبراطوريات العربية الاسلامية والانحطاط، التي طالت مختلف نواحي الحياة، واستمرت نحو ألف عام أو ينوف، فانفجر بذلك المجتمع المدني من داخله، وتحول إلى بنى اجتماعية منغلقة على ذاتها، ومتحاجزة مع سواها. ومع بداية تفكك الامبراطورية العثمانية متعددة القوميات، وظهور المسألة الشرقية على مسرح الصراع والمواجهات المتعددة الاقطاب بين الدول الأوروبية العظمى من جهة، والأمة التركية والأمم التي كانت تحت حكمها من جهة أخرى، أيقظت مدافع نابليون المجتمع العربي الاسلامي على قوة غازية، وحضارية جديدة مجتمع حديث.‏

ولا شك أن حملة نابليون على مصر (1798-1801) باعتبارها أكثر الأقطار العربية تقدماً، حيث كانت مهيأة أكثر من سواها لخوض الصراع ضد الاقطاعية، كانت تدخل في نطاق المنافسات والصراع الدولي المحتدم، على مراكز القوة في الشرق فيما بين الدول الأوروبية الحديثة، وبخاصة منها البريطانية والفرنسية، الساعية، دوماً وراء التوازن وإعادة التوازن، ومن أجل السيادة العالمية."وكانت الامبراطورية العثمانية في هذا الصراع من أجل السيادة العالمية الورقة الرابحة الرئيسية التي يعزم نابليون على انتزاعها من أيدي الانكليز. ببعد النظر الذي كان يتصف به قرر نابليون فتح مصر بالدرجة الأولى، إذ كانت إحدى ممتلكات السلطان الأكثر تطوراً وغنى"(1). ولقد واجه المجتمع العربي المتخلف الصدمة الكولونيالية التي قادها نابليون وهو في حالة تخثر، وهو الأمر الذي جعل نابليون يقدم خطاباً ديماغوجياً ومخادعاً، متذرعاً باحتلال مصر من أنه للاقتصاص من المماليك، ومقدماً نفسه على أنه صديق للسلطان التركي. ولقد استهل نابليون ندائه بالآيات القرآنية التقليدية بسم الله الرحمن الرحيم: لا الله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، ثم يستطرد قائلاً، من طرف الفرنساوية المبني على الحرية والتسوية.‏

السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمن مديد، الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الايذاء والتصدي فحضر الآن ساعة عقوبتهم. واحسرتاه، من مدة عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من بلاد الابازة والجراكسة يفسدون في الأقليم الحسن الأحسن الذي لايوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء، فإنه قد حكم على انقضاء دولتهم. ياأيها المصريون قد قيل لكم أنني مانزلت بهذا الطرف إلابقصد ازالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين أنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم أن جميع الناس متساوون عند الله وان الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط. وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب. فماذا يميزهم من غيرهم حتي يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجداري الحسان، والخيل العتاق، والمساكن المفرحة. فان كانت الأرض المصرية التزاماً للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم.‏

ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم. ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لاييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية. فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية العظيمة، والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وماأزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك.‏

أيها المشايخ والقضاة، والأئمة والجربجية، واعيان البلد، قولوا لامتكم ان الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون واثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصاري على محاربة الاسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكوالليرية الذين كانوا يزعمون ان الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين. ومع ذلك الفرنساوية في كل الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني واعداء اعدائه، ادام الله ملكه. ومع ذلك أن المماليك امتنعوا عن اطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره. فما اطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم. طوبى ثم طوبى لأهل مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم، وتعلى مراتبهم ! طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين المتحاربين فاذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب. لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بكل ذلك طريقاًإلى الخلاص ولا يبقى منهم اثر"(2).‏

لقد اظهر غزو نابليون لمصر واحتلالها الهوة التاريخية السحيقة وسعة الشقة، التي تفصل المجتمعات الأوروبية الحديثة عن المجتمع العربي الاسلامي، الذي يهيمن فيه النظام البطركي التقليدي القديم، والتبعية. فالمجتمعات الأوروبية تتسم بالحداثة الصناعية الغربية القائمة على فكرة التقدم، والمبنية على عقلنة التاريخ، وعقلنة الفكر الفلسفي، والفكر السياسي، والمعقولية في مجال العلم والدين، وإعادة صياغة العقل من خلال ارتباطه الصميمي بالثورات التكنولوجية المتلاحقة وبمجالات التفكير العلمي. حيث أن هذه الحداثة الغربية مرتبطة أيضاً بالتطور الكبير، الذي عرفته الثورة الصناعية مع انتقال أوروبا على الصعيد الاقتصادي من نمط إنتاج اقطاعي إلى نمط انتاج رأسمالي، اصبح فيه الانتاج الصناعي للسلع يتطلب فتح اسواق جديدة، خصوصاً بعد انتقال الرأسمالية من مرحلة تراكم راس المال الأولى( المركنتيلية) المتصلة بالتجارة البعيدة والنهب للمستعمرات القديمة إلى مرحلة الراسمالية التنافسية ما قبل الاحتكار، التي تتطلب التجارة، مع الابقاء على النهب. وبالمقابل، نجد المجتمع العربي الاسلامي يعاني من التصدع في بُنْيَانِهِ، ومن أزمة بنيوية شاملة، بسبب الانفلاقات الصُلْبِيَة، والانقسامات المجتمعية التقليدية، العمودية، والفئوية، والمحلية، والاقليمية، الحادة، التي كانت تفتت وتذرر الأمة، ومن وضع مجتمعي ايديولوجي وسياسي ما قبل القومية، سمته الرئيسية التأخر التاريخي، وسيطرة البني التقليدية، حيث أن هذا النظام الاجتماعي- السياسي التقليدي يجسد الانحطاط التاريخي بامتياز، فضلاً عن أنه لايمتلك المقومات اللازمة لكي يكون قادراً على الاداء، كنظام اجتماعي- سياسي في المجال السياسي الموحد، والاقتصاد المتكامل، والجهاز العسكري الفعال، انه نظام اجتماعي تتحكم فيه آلية تنتج وتعيد انتاج البني التقليدية الهجينة، والبني غير العقلانية في مختلف مجالات الحياة.‏

وفي حالة التخثر هذه للمجتمع العربي واجه الصدمة الكولونيالية القائمة على الحضارة الصناعية الغربية، وعلى الحداثة المرتبطة جدلياً بالعقلانية الغربية، اللتين اصبحتا العماد الأساس للمركزية الأوروبية، التي تصبو إلى الهيمنة على الحضارات الأخرى، وحشد واقحام الشعوب المتمايزة في انماط عيشها، وثقافتها،وحضارتها المختلفة في بوتقة الاستعمار الغربي، باسم ايديولوجية حداثة المركزية الأوروبية هذه، ومستتبعاتها من فكرة التقدم والتنمية، باعتبارها السمة الجوهرية للعقلانية الغربية،"فتبدو كأنها كونية عالمية، أو قل" علمية" بما أنها تقنية، صالحة لكل زمان ومكان". وعلى قاعدة الهيمنة هذه في اتجاه سيطرة الحضارة الصناعية الرأسمالية على الصعيد الكوني، احتدم الصراع التنافسي بين الدول الأوروبية الكبرى، وتحديداً بين فرنسا وبريطانيا، لتقطيع أوصال الامبراطورية العثمانية عبر الفتوحات الاستعمارية للوطن العربي، وما استتبعها من مقتضيات التوازن الأوروبي، وما استدعاها من تقلبات في التحالفات، حيث ان الصراع مقاصده تتمثل في المزاحمات الاقتصادية لتوسيع الممتلكات الكولونيالية بين الدول الأوروبية باسم الايديولوجيات الحديثة الكبرى المؤسسة على الليبريالية، والقومية، وعلى تسارع الإنجازات المادية والتقدم التقني،و" تأورب" العالم. وبالمقابل، كان فساد النظام الاقطاعي المستبد داخل السلطنة العثمانية، وانحطاطه، قد قاد إلى تدهور الزراعة، وإلى سيادة الفوضى الشاملة خلال العهود الأخيرة من حكم المماليك والامراء في مصر، وفي غيرها من الولايات المتحدة العثمانية، نتاج جشع الولاة وعبثهم. وهو الوضع الذي أدى إلى ضعف السلطنة العثمانية حيال تنمية الرأسمالية الأوروبية حيث كانت الدول الاستعمارية تطمح للسيطرة على قطاعات استخراج الخامات التي تمد الالة الصناعية الراسمالية بحاجاتها ،وذلك باقتطاع هذه الولايات من السلطنة العثمانية.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:52 PM   المشاركة رقم: 29
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الأول




كانت أول محاولة للتماسك ووعي الذات في الوطن العربي، محاولة الانبعاث العربي( النهضة)، التي قادها محمد علي، عقب حملة نابليون، وادراك العرب حقيقة الخطر الكولونيالي الأوروبي. وقد حصلت محاولة الانبعاث هذه في ظل اندحار الطبقة التجارية العربية، التي ازدهرت بفضل التجارة البعيدة، والتي اسهمت في صنع الحضارة العربية، وانتقال مركز التجارة العالمية من الوطن العربي والبحر المتوسط إلى المدن الايطالية والمحيط الأطلسي، ومجيء الرأسمالية المركنتيلية الأوروبية التي قادت إلى تدمير الوطن العربي، خصوصاً في ظل سيطرة العثمانيين." ولقد كان في التطور التجاري لأوروبا المركنتيلية خراب لعالم العرب التجاري. فقد هزلت المدن وأخذت الأرياف تحتل بكل تنافراتها مقدمة المسرح وتوقفت مراكز التفكير الممكن حول انحطاط عالم المشرق عن الوجود. وجاءت اليقظة عنيفة موجعة في مطلع القرن التاسع عشر مع قدوم حملة نابليون في مصر"(3).‏

ان احتدام الصراع الفرنسي- البريطاني كانت له اسقاطاته الكبرى على مسار تطور الامبراطورية العثمانية، من حيث استيقاظ الشعوب البلقانية ونزوعها إلى التحرر من النير العثماني، والاستقلال بفضل الدعم القوي من جانب روسيا القيصرية، وظهور محمد علي في مصر، الذي وصل إلى قمة السلطة من خلال انتصاره في الصراع المثلث الزوايا بينه وبين المماليك والعثمانيين الاقطاعيين...‏

ان تسلم محمد علي الحكم بعد انتصاره على الانكليز في العام 1807، جاء في ظروف سياسية وتاريخية محددة، من حيث تجذر صراع الشعب المصري ضد القوات الاجنبية، وكفاح معظم فئاته الاجتماعية ضد الاقطاعيين المماليك، ورفضها مذلة الانكشارية، وطموحات الفئات الأكثر تقدماً في الاستقلال السياسي وفي دخول مرحلة حضارية، هي عصر النهضة القائمة على تنمية العلاقات الرأسمالية وبناء المجتمع الحديث. وفي الواقع، فان تجربة محمد علي في عملية التحديث خارج العالم الأوروبي، بالاضافة إلى محاولة اليابان، كانت تقودها الطبقة الحاكمة المصرية- ذات الأصول الاجنبية، اتراك - البان- وشركس، المكتونة من البيروقراطية العسكرية التابعة للباشا،لاعلى طبقة براجوازية مصرية منتجة تحمل في صيرورتها نظام انتاج رأسمالي قائم بذاته، وتجسد عملية الانتقال نحو تطور رأسمالية صناعية بطريقة تدريجية، وبانشاء مشاريع رأسمالية صناعية جديدة، وتحقيق عملية التراكم الرأسمالية، الذي يمكن القيام بالاستثمار الفعلي الانتاج الصناعي. والحال هذه، لم يكن محمد علي قادراً" على خلق طبقة برجوازية مصرية سائدة بالمعنى الاقتصادي للكلمة وبالمعنى السياسي، متناقضة تناقضا مطلقاً مع اقطاع ذلك الزمان". وكما يقول أحمد صادق سعد" فالتغيرات التي اجريت بواسطة جهاز الدولة من أعلة كانت متلازمة مع خلفية جماهيرية متحركة من الفلاحين، غير أنه يصعب أن تعتبر خلفية برجوازية. فالاقرب ان التيار الهادف إلى التغيير الرأسمالي ركب موجة التمرد الشعبي دون أن يكون قيادته بالمفهوم العصري للقيادة"(4).‏

لقد تجسدت محاولة الانبعاث لمحمد علي في سلسلة الاصلاحات التي قام بها بهدف تحديث الدولة، وتصنيع البلد. فقام بتطبيق الاصلاح الزارعي، من خلال مصادرة املاك الملتزمين، الذين رفضوا دفع الضرائب، ومصادرة جميع أراضي المماليك، وقضائه على تبعية الفلاحين الشخصية ازاء الملتزمين، وتحويله قسم كبير من الاراضي الاميرية إلى أراضي خاصة، ثم توزيعها على اقاربه ومقربيه من كبار الضباط والموظفين والاعيان من الالبان، والشركس، والاتراك، والاكراد، واستملاك الدولة لأراضي الاوقاف، وتعيينه من يقوم بادارة الأراضي ومن يقوم بجباية ضرائبها، وتوزيعه بعض الأراضي على الفلاحين ليستغلوها، وادخاله زراعة القطن والليمون، واقامة السدود، وتحسين وسائل الري، حيث كانت ابرز مشاريعه القناطر الخيرية على الدلتا.‏

وعلى الرغم من هذه الاصلاحات، الا ان محمد علي لم يقض على علاقات الانتاج الاقطاعية، ولا على نمط الانتاج الاقطاعي لان مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية لاتكمن في تغيير اشكال المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، بل في التغيير المستمر لشكل الوجود الاجتماعي لقوة العمل، حيث ان اشكال وجود قوة العمل، وبالتالي أشكال أعادة انتاجها اجتماعياً، لم تتخذ شكل سلعة، كما هو الحال في ظل الرأسمالية، حيث تصبح قوة العمل نفسها سلعة. ولهذا يمكن القول، بانه " بعد ما حرم محمد علي على الاشراف الاقطاعيين القدماء من ممتلكاتهم ونفوذهم، وبعد ان صفى طبقة الملتزمين انشأ على انقاضهم طبقة جديدة من النبلاء الملاكين الاقطاعيين، الذين أصبحوا سند الأسرة الحاكمة الجديدة(5).‏

وفي مجال الاصلاحات العسكرية، قام محمد علي بتأهيل الكوادر العلمية والتقنية، وبناء المصانع الحربية التي تلبي حاجات الجيش بالدرجة الرئيسة، واعادة تنظيم الجيش طبقاً للأسس الحديثة. فقام محمد علي بإنشاء المدارس الحربية لاعداد الكوادر القيادية من المصريين، وانشاء الاكاديمية العامة للاركان، وارسال البعثات العلمية إلى أوروبا الغربية، واستقدامه الخبراء الاجانب للعمل في مختلف فروع المؤسسة العسكرية، واستلهامه في بناء هذا الجيش العصري بتنظيمات الجيش على شاكلة جيش نابليون تماماً.‏

بديهي ان هذا النسق من الاصلاحات العسكرية، واعادة تنظيم الجيش على اأسس حديثة، قد ارتبط بتشييد العديد من المصانع والمعامل اليدوية( المانيفاكتورات). وكانت مصانع الاسلحة التي تسد حاجات الجيش والاسطول المصري، ومصنع الحديد والصلب، ومصانع القطن، والكتان، والحرير، والاجواخ، وانشاء الاحواض لبناء السفن، تشكل هيكل الصناعة في عهد محمد علي، ويشكل الانتاج الصناعي الأكثر انتشاراً. ومن الجدير بالملاحظة ان قيام الصناعة في مصر، انما تم تحت سيطرة ورعاية الدولة المركزية نصف الاقطاعية ونصف الرأسمالية، على عكس ما جرى في الثورات البرجوازية الكلاسيكية في أوروبا الغربية، حيث كانت هناك طبقة رأسمالية صاعدة تمثل القوى المنتجة الأكثر ثورية في المجتمع، وبالتالي كانت رائدة في عملية التصنيع. وعلى الضد من ذلك نجد أن غياب مثل هذه الطبقة الرأسمالية ذات الطابع الثوري في مصر، جعل نظام محمد علي يحتكر التجارة الخارجية، ويبني المصانع، ويجمع في الوقت عينه بين الاقطاعية والرأسمالية، وهو أمر شبيه إلى حد كبير مع طريق التطور الديمقراطي اليونكرزي، الذي جرى تماما في بروسيا، واليابان حيث أن الطبقة البرجوازية في كلا هذين البلدين اشترت تحررها الاقتصادي، من خلال ترك السلطة للارستقراطية العسكرية الاقطاعية. وقد كتب فويدل فارنبرج في المجلة الماركسية العالمية( الوقت، عدد 7 السنة الثالثة)" المشاريع التي تملكها الدولة كانت قائمة لمدة طويلة في عدد من الاقطار الرأسمالية في أوروبا وفي بعضها منذ أيام الاقطاع، فمن أجل زيادة مصادر دخلهم أقام الاقطاعيون مشاريع عمل حتى أصبحت احتكارات بموجب القانون.... ومصانع الاسلحة والذخيرة، ومكاتب البريد، وبعض مشاريع بناء السفن والمناجم والسكك الحديدية هي أمثلة أخرى على قيام ملكية الدولة قبل أن تتخذ الرأسمالية الاحتكارية شكلها الحالي".‏

وطالما أرضية الاصلاحات، والرأسمالية، والتحديث، التي دشنها محمد علي أقيمت على الالتحام مع الاقطاع، وكنتيجة للظروف الخارجية، حيث لم تكن الظروف الاقتصادية- الاجتماعية مهيأة لانتاج ضرورة الثورة البراجوازية كنتاج طبيعي للتطور الداخلي في مصر، وفي باقي البلاد العربية، لاقامة ديمقراطية حديثة، فان طريق التطور والتحديث الاقتصادي والاجتماعي خضع لآلية ودور الدولة في عملية تحقيقه. اذ ان الدولة أصبحت عاملاً أساسياً في تكوين رأس المال الصناعي، وفي تطوير القوى المنتجة، باعتبارها المحفز الرئيس لازدياد الانتاجية في المرحلة المبكرة للرأسمالية، في ظل غياب طبقة راسمالية، وعلاقات انتاج رأسمالية في ذلك العصر. وفضلاً عن ذلك، فان طموحات محمد علي نحو توسيع رقعة بلاده باتجاه سوريا من خلال الحملة التي قام بها ابنه ابراهيم باشا في العام 1831 لأسباب اقتصادية استراتيجية اكتسبت بعض الملامح القومية، وفي سبيل الانفراد بالسطة مستقلاً عن السلطة العثمانية، قد دفعه إلى ان يجعل من الدولة العامل الجوهري في عملية التراكم الرأسمالي، وفي استغلال الفائض الاقتصادي الناجم عنه من أجل تمويل مشاريع تحديثها، أعمال الر ي، وخلق جيش وطني، وصناعة. واذا كانت سوريا تشكل قطباً ثانياً في نهضة القرن التاسع عشر، فان التكامل الاقتصادي، ورغبة محمد علي في تحقيق الاستقلال الاقتصادي لمصر والكف عن الاعتماد على الدول الأوروبية التي بدأت ترفض تزويده ببعض المواد الأولية في نطاق حربها الاقتصادية ضده، ومناوئة السلطنة العثمانية، شكلت الاستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية في حملة ابراهيم باشا على سوريا، باعتبار ان هذه الاخيرة تشكل حليفة استراتيجية للدفاع عن مصر."ويبدو أن حملة ابراهيم باشا في سوريا عمقت مشاعر ابراهيم باشا القومية، كانت تنمو نتيجة عوامل عديدة. فرأى الحرب مع السلطنة العثمانية حرباً قومية لاقامة دولة عربية موحدة تتألف من الأقاليم العربية". ويتضح هذا الهدف في رسائله إلى وافده( حيث كان ابراهيم باشا واضحاً وصريحاً في التحدث عن الاستقلال عن السلطنة العثمانية واقامة الدولة العربية الموحدة). ففي أحداها وصف الحرب مع السلطنة العثمانية" كفاحا قومياً وجنسياً على الفرد ان يضحي فيه من أجل شعبه"، وفي رسالة أخرى تحدث عن رغبته في ارتفاع بشعبه موقعاً وقوة". وهناك ما يوحي بأن محمد علي اتجه هذا الاتجاه في هذه الفترة حين بدأت الدول الأوروبية والسلطنة تناوئه، آنذاك كتب وزير خارجيته بو عوض نوبار إلى قنصل النمسا يعلمه أن محد علي اتصل بقناصل الدول وابلغها أنه يرى نفسه مضطراً لاعلان استقلاله لأن الباب العالي( مقر السلطة) لايرضيه إلا هدمه سياسياً وأنه يطلب الاستقلال في البداية، ولكن التفرقة التامة بين الوطنيين،: الوطني العربي والوطني التركي هي الضمانة الوحيدة التي تحول دون النتائج المهلكة المتولدة من حروب أهلية أو من غزوة أجنبية"(6).‏

كما حدد رئيس وزراء بريطانيا بالمرستون موقف حكومته في رسالة بعث بها الى السفير البريطاني في نابولي بتاريخ 21 اذار 1833 وجاء فيها" ان هدف محمد علي الحقيقي هو اقامة مملكة عربية تضم البلاد التي تتكلم العربية وقد لايحوي هذا المشروع ضرراً ما في حد ذاته ولكنه سيؤدي إلى تقطيع أو صال تركيا وهذا مالا نرضي عنه. وفضلاً عن ذلك فلا نرى سببا يبرر احلال ملك عربي مكان تركيا في السيطرة على طريق الهند"(7).‏

كما ان المبعوث النمساوي في مصر بروكس اوستين كتب إلى وزيره الأول مترنيخ" ان اسباباً عديدة تثبت ان فكرة اقامة الامبراطورية العربية لاتزال حية ولا تزال موجودة. اضف إلى كل هذا يقظة الروح العربية بعد سباتها، فمحمد علي يتمتع بحسن السمعة والصيت في جميع البلاد العربية"(8).‏

.ويعذرنا القارئ الكريم عن الإطالة في هذه الاستشهادات المتنوعة، التي تؤكد كلها على أن فكرة القومية العربية، وتحرير العرب من الاستعمار العثماني، وبناء الدولة العربية الموحدة، قد بدأت تشق طريقها في باقي البلاد العربية. غير أن طريق محمد علي في الانتقال من الاقطاعية إلى الرأسمالية، وبالتالي في بناء نهضة حديثة، لم يكن يحكمها برنامج منسجم وفعال لأحداث تغييرات ثورية راديكالية في بنية المجتمع الاقطاعي تطيح بالدولة الاقطاعية، وتبني المجمتع المدني الحديث، وتفسح في المجال لسيرورة تراكم الرأسمال الداخلي. فطريقة محمد علي طريقة إصلاحية، عجزت عن تحرير الفلاحين من القيود الاقطاعية، وإقامة اقتصاد فلاحي حر قائم على الانتاج البضاعي البسيط باعتباره الشرط الرئيسي لولادة رأسمالية زراعية، فضلاً عن خلق بنية صناعية ديناميه متحررة من قيود الطوائف الحرفية، حيث يتحول المنتج إلى تاجر على حد قول ماركس في رأس مال المجلد الثالث، في سبيل إحراز مرتبة الرأسمال الصناعي، الذي يشكل أساس تطور الانتاج الرأسمالي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة محمد علي في التحديث والتسريع بالتصنيع، لم تكن ناجمة عن ضرورة داخلية في البنية الاقتصادية والاجتماعية المصرية والسورية، لكي تنبثق رأسمالية قائمة بذاتها من داخلها، بقدر ما أن الدولة المركنتيلية التي بناها، هي التي اضطلعت بالدور الأساس في البناء الاقتصادي والاجتماعي، تدعيماً لظهور طبقة برجوازية محلية، نظراً لغياب القوى الاجتماعية الثورية المنخرطة والداعمة لهذا المشروع التحديثي.‏

من هنا تتجلى سيرورة النهضة في تجربة محمد علي كمحاولة أملتها اسقاطات العوامل الخارجية الناجمة بدورها عن عملية الانخراط في النظام المركنتيلي الرأسمالي العالمي ما قبل الاحتكاري، باعتبارها محاولة سلكت طريق " الثورة من فوق "، وقادتها الدولة، التي اضطلعت بدور التصنيع، ولكن مع امتصاص ريع عقاري مرتفع لمصلحة الطبقة الحاكمة، التي أصبحت مصدرة للمنتجات الزراعية، وورطت البلاد في نظام تبعية وتبادل غير متكافئ على حساب التراكم الداخلي، على نقيض محاولة اليابان في التحديث التي قادها ميجي، والتي اتبع فيها الطريقة البروسية، أي طريق التطور الرأسمالي اليونكرزي، حيث أن بعد اليابان الجغرافي عن المركز الرأسمالي الأوروبي، جعلها بعيدة عن المطامع الأوروبية المبكرة ،" في الوقت الذي كانت فيه تشكيلتها الاجتماعية تمكنها أيضاً من تفريخ رأسمالية محلية من الداخل "( 9).‏

هل كان ممكناً أن يكتب النجاح للانبعاث التي قام بها محمد علي، ولاقامة دولة حديثة في مصر في ظل ضآلة الجسم السياسي في مصر، من غير المماليك والأتراك، من دون أن تكون هذه النهضة، ونقطة انطلاقها، هي الثورة الديمقراطية البرجوازية، التي تشكل المحتوى المنطقي لـ " الانتقال من الاقطاع إلى الرأسمالية " وتأسيس المجتمع المدني الحديث، بالشكل الذي يجعل الحركة البرجوازية العربية حتمية تاريخية؟‏

لقد فتح محمد علي إمكانيات النهضة في مصر بقوة الدولة، ومهد لظهور ما يسمى حركة النهضة العربية ممثله بالنهضة الفكرية - السياسية، التي من أبرز قادتها رفاعة الطهطاوي - خير الدين التونسي - جمال الدين الأفغاني - محمد عبده. وكانت السمة العامة لإصلاحات محمد علي من القوة والعظمة ما جعلت لوتسكي يشبهها بإصلاحات بطرس الأول، باعتبارها إصلاحات " تحمل طابعاً تقدمياً بالرغم من أنها كانت عبئاً ثقيلاً على عاتق جماهير الشغلية المصرية، المستغلة بلا رحمة من قبل الدولة الإقطاعية، وكبطرس الأول، لم يقض محمد علي على نمط الانتاج الاقطاعي، إلا أنه قضى على مخلفات القرون الوسطى الأكثر رجعية، وعمل في الوقت ذاته، على تعزيز دولة الملاكين والتجار، وأنشأ جيشاً وأسطولاً قوياً وجهاز دولة قوياً، وقام بعدد من الاصلاحات التي جعلت من مصر دولة مكينة ذات قوة حيوية "(10).‏

إن أوروبا كانت ماثلة في ذهن محمد علي حيث أن نمط تفكيره كان منشداً نحو أوروبا يسألها سبل تقدمها - وفي ذهن النخبة المصرية كتحدي خارجي. لكن هذا التحدي لم يكن مباشراً بعد، ولم يكن الوعي محكوماً بهذا العامل تماماً. لذا يمكن القول أن سؤال النهضة انطلق من شعور الحاجة إلى التقدم. وهنا تقبع أهمية هذا المنطلق. علماً بأن مفهوم التقدم عند مفكري النهضة العربية " لم ينتقل إليهم ابتداء من فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين من أمثال : فولتير وكوندورسيه ومونتسكيو وغيرهم، وإنما جاءهم من مصدرين أساسيين لم تكن أفكار التنويريين إلا رافداً ثالثاً لهما. أما المصدر الأول فهو وعيهم للهوة التي باتت تفصل عالم العرب والشرق والاسلام عن عالم الغرب الذي لاحظوا أنه يحث الخطى بثبات واطراد في طريق الرقي والتقدم والتمدن. وأما المصدر الثاني، فهو قراءتهم لابن خلدون التي تحتل فيها مشكلة أفول العمران أي التقهقر الحضاري، المرتبة الأولى. وبين قراءتهم لابن خلدون ووعيهم لحالة التدني والتقهقر لم يكن بد من أن تجد آراء فلاسفة التنوير بعض الرجع والصدى "(11). ولذلك بدأت محاولات جدية للاصلاح الإداري والسياسي، وأبرز محاولتين لدراسة مفهوم التقدم وبخاصة في شقة العمران، هما رفاعه الطهطاوي وخير الدين التونسي....‏

إن سؤال النهضة سؤال محلي ارتبط بمشروع سياسي يصل مصر بالمشرق العربي، في سيرورة بناء دولة مركزية شرقية قوية ومتأوربة تطمح إلى الاستقلال الكامل عن السلطنة العثمانية المتزعزعة والمحتضرة، وهذا ما أرهب السلطان العثماني والغرب الأوروبي في آن معاً، حول خطورة هذا المشروع السياسي، الذي يعمل لتحقيقه نظام محمد علي المركزي. ويلاحظ هنا وقوف أوروبا الغربية الحديثة بقيمها العقلانية والديمقراطية، والحاملة لرسالتها الكونية، رسالة الديمقراطية المسماة بالليبرالية وذات النزعة الفردية ضد مشروع نهضوي تحديثي عقلاني في مصر وسورية بزعامة الحاكم المستنير، وتحالفها مع قوة تقليدية متخلفة ممثلة بالسلطان العثماني، مجافية لكل مبادئ الديمقراطية الليبرالية. وهذا يعني أوروبا لم تكن أمينة لقيم ومثل الثورة الديمقراطية البرجوازية المتناقضة جذرياً مع الدولة الاقطاعية وكل مخلفات القرون الوسطى، بل هي أمينة لمصالحها الاقصادية والاستراتجية الجيو - سياسية. وهذه المداورة الانتقائية للديمقراطية الليبرالية، ولمفهوم حقوق الإنسان، أصبحت سياسة متأصلة عند الغرب، الذي يحرك آلة حرب " حقوق الإنسان" ضد الأنظمة في الوطن العربي التي يصنفها معادية له من وجهة نظره، سواء كانت قومية علمانية أو جذرية، ويضرب جدار من الصمت على الأنظمة الموالية له، حتى لو كانت ديكتاتورية ومعادية للحرية والديمقراطية، وتطبق الشريعة الإسلامية على الطريقة المتشددة. رغم ثقل العوامل الخارجية، وأهميتها، ولاسيما التحالف بين السلطان العثماني والغرب الأوروبي، إلا أن العوامل الخارجية لاتكفي لتفسير إجهاض محاولة محمد علي في بناء دولة مصرية عربية جديدة وحديثة. فالعوامل الداخلية، وعلى رأسها طبيعة الدولة التي بناها محمد على، دولة مركزية استبدادية محدثة، وضعف اندماج الأفكار الإصلاحية والتنويرية في المجتمع. لقد " تضمنت تجربة محمد علي الكثير مما يسمى " القومية التنموية " بكل ما تنطوي عليه من مركزية وتعبئة في سبيل البناء العسكري والتنمية الاقتصادية من منطلق قومي. ولو كان محمد علي مصرياً لسارات الأمور بطريقة أسرع. وقد بلغ نظامه حداً من المركزية دفع باقتصادي مصري في الأربعينات إلى تسمية " الاشتراكية الحكومية" وقد آمن محمد علي بأنه لابد من إدارة مصر عن طريق سلطة مركزية عليا، لأن التعدد والتفسخ كادا أن يؤديا إلى انهيار فكرة الحكومة نفسها في البلاد " (12).‏

فالدولة المركزية التي بناها محمد علي لم ترتكز على فكرة المجتمع السياسي المستند إلى العقد الاجتماعي، أو الميثاق الوطني، مثلما لم تكن ملتزمة باحترام الحريات التقليدية السائدة في الغرب، كالحرية السياسية، وحرية القول، وحرية الفكر، وحرية العقيدة، وحرية الفرد في اختيار دينه ونمط حياته ومن يمثله سياسياً، وحرية العمل وغيرها. وفضلاً عن ذلك، فإن كتلة المجتمع ظلت غارقة في الجهل والأمية، ويسودها التفكير الخرافي والأسطورة اللاعقلانية، في حين كانت النخبة قد أحرزت تقدماً ملحوظاً. ويعود السبب في هذه الهوة بين النخبة وكتلة الشعب، إلى ضعف الجسم السياسي وهزاله. كما أن عملية التصنيع التي تمت هي بالأحرى عملية تحديث تكنولوجي، فلم يندمج العلم القادم من الغرب مع تكنولوجيا على ضعفها وبساطتها بالعمل، ولابالايديولوجية العربية الإسلامية ليعمل على تحديثها. وظلت هذه الازدواجية قائمة في المجتمع العربي إلى يومنا، تأخر ايديولوجي سياسي، وايديولوجية تقليدية مهيمنة من جهة، وتطور تكنولوجي ترافقه نزعة علموية من جهة أخرى. ولعبت الايديولوجية العربية الإسلامية دوراً وازناً في لجم عملية الانتقال من نمط الانتاج شبه الاقطاعي القديم إلى علاقات انتاج رأسمالية حديثة. وعلى نحو خاص، ذلك أن حرية الفرد، وحقوق الإنسان التي كانت أساس النهضة الغربية غير معروفة وغير معترف بها في هذه الايديولوجيا. ويمكن القول أن محاولة النهضة العربية لم تسجل قطيعة معرفية ومنهجية وثقافية مع النظام المعرفي والثقافي العربي، الذي كان سائداً منذ عصر انحطاط الدولة العباسية وحتى " العصر الحديث "، مثلما فعلت النهضة الأوروبية. وكانت محاولة النهضة هذه تستند إلى نزوع أو إلى تطلع نحو التقدم ومحاكاة الغرب دون أن يكون الإنسان العربي مركز هذه العملية التاريخية. وربما كان هذا الغياب والتغييب لمفهوم الإنسان، وحرياته السياسية، وحقوقه المدنية، دور أساسي في انتاج وإعادة انتاج الدولة ذات النظام الأبوي القائمة على جهاز الأمن الداخلي، المخابرات، التي تقوم " بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية "، وفي ضعف عدم تكون المجتمع المدني الحديث المتحرر من طغيان وهيمنة الدولة المحدثة عن السلطنة الأبوية التقليدية.‏

هوامش الفصل الأول:‏

1UU لوتسكي - تاريخ الأقطار العربية الحديث - دار الفارابي الطبعة الثامنة 1985، (ص44).‏

2UU المقطع مأخوذ من المرجع السابق (ص 46-47).‏

3UU د.سمير أمين. التطورللامتكافئ - ترجمة برهان غليون - دار الطليعة - الطبعة الرابعة، (ص 232).‏

4UU انظر صادق سعد أحمد، مصر في ظل محمد علي " دراسات عربية " العدد 2 السابعة 7- كانون الأول 1980 .‏

5UU لوتسكي - مصدر سابق - (ص65).‏

6UU داميل توما - تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث - الجزء الأول - دار الفارابي - 1979 (ص 40-41) -3- نقلا عن كتاب أمين سعيد الدولة العربية المتحدة الجزء الأول (ص 65-66).‏

7UU جورج انطونيوس - يقظة العرب - الطبعة العربية (ص 22)، نقلاً عن كتاب هنري بولوار حياة بالمرستون الجزء الثاني.‏

8UU أمين سعيد الدولة العربية المتحدة الجزء الأول (ص 97).‏

9UU سمير أمين - مصدر سابق (ص 234).‏

10UU لوتسكي - مصدر سابق (ص74).‏

11UU مجلة الفكر العربي - العدد 39-40 مقال د. شكري النجار - مفهوم التقدم عند المفكرين العرب في عصر النهضة (ص17)...‏

نزيه نصيف الايوبي - الدولة المركزية في مصر - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيلول 1989 (ص 48).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:56 PM   المشاركة رقم: 30
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثاني






كانت عوامل النهضة الفكرية والسياسية والاجتماعية تشكو من عدم الانسجام " فمن ناحية أولى لم تتمكن تلك اليقظة من إحداث بلورة جذرية للبنى الفكرية والاجتماعية المتوازنة (بما في ذلك البنى الاقتصادية والسياسية). ومن ناحية ثانية، عجزت تلك اليقظة عن استيعاب الطبيعة الحقيقية لمفهوم الحداثة " (1). فعلى الصعيد الفكري والثقافي كان هناك تياران : تيار الإصلاح الديني، وتيار ليبرالي. أما على الصعيد الاجتماعي السياسي، كانت ثمة حركتان متعاكستان حركة مجتمع متأخر بدأ يتلمس تأخره نتاج الصدمة مع الغرب، ويريد إعادة بناء ذاته وصياغة هويته، وتحديث بنيته بأدوات بعضها محلي ذو أبعاد تاريخية، وبعضها مضادة، مصدرها الضغط الخارجي، الذي كان يدفع إلى إعادة انتاج المجتمع المدني وفق معطيات العصر الحديث وشروطه، ولاسيما تحكم المراكز الاستعمارية، وإلى إعادة تشكيل بنى المجتمع وفق المصالح الرأسمالية الغربية، ومنطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ لمصلحة ظهور رأسمالية تبعية و " هامشية " في الوطن العربي، حيث أصبح هذا الأخير منطقة هامشية وآمنة للسوق الرأسمالية العالمية، الأمر الذي قاد إلى ترسيخ علاقات التبعية البنيوية في المجالات الاقتصادية والثقافية إزاء الغرب، والحذو حذوه في نماذج الفكر والثقافة وأساليب المعيشة والحياة والاستهلاك .... إلخ. لقد تشكلت فئة رواد النهضة العربية الحديثة، في عهد دولة محمد علي ثم لاحقا في عهد إسماعيل الذي دفع بالنهضة الفكرية إلى الأمام، وفي ظل حركة الإصلاح التي بدأ بها أحمد باشا (1837- 1855) في تونس، وعهدي خليفة محمد باي (1855-1859) ومحمد صادق باي (1859 -1873). وكانت بعثات الطلاب ترسل إلى الدراسة في فرنسا بانتظام منذ العام 1826، حيث كانت مقتصرة في البداية على المسيحيين الاتراك والمشرقيين، ثم مالبث أن ازداد العنصر العربي المصري فيما بعد، وكان هوا لعنصر الذي تألفت منه الطبقة المثقفة الأولى لمصر الحديثة، هذه الطبقة التي أخذت، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، تلعب دوراً في شؤون البلاد. فكان أعضاؤها يترجمون وينشرون إلى جانب الكتب التقنية الصرف، كتباً أخرى. وكانوا يتعاونون تعاوناً وثيقاً مع اتباع سان سيمون في إعادة تنظيم المدارس. وقد تخرج من بين صفوفهم أول المفكرين السياسيين العظام في مصر الحديثة، أعني به رفاعة الطهطاوي " (2).‏

إن رواد النهضة العربية الذين تعاملوا مع واقع المجتمع العربي المتخثر، والذي كان يعيش بدوره حالة من التفكك في ظل النظام الاقطاعي العثماني القديم، الذي سيمهد تفككه لنشوء علاقات رأسمالية في عالم المدينة العربية، ولتغلغل الرأسمال الأوروبي في مصر وسوريا وتونس وباقي البلاد العربية الأخرى، مدمراً بذلك الصناعات الحرفية وإعاقة تطورها الطبيعي، وكذلك الكيان الصناعي التقليدي، على أثر دخول السلع الأوروبية، ولتحويل الوطن العربي كله إلى الرأسمالية التابعة، هؤلاء الرواد احتلوا موقعاً ودوراً توفيقيين وإصلاحيين في سيرورة التحديث التي بدأت تشق طريقها في دولة محمد علي باشا بمصر، وسلطة باي تونس، حيث أن سيرورة التحديث هذه لم تكن خارجة عن سياق خيارات الدولة العثمانية في التحديث أصلاً. " وخصوصية الطهطاوي والتونسي تبدو هنا لافته ومثيرة.. فهما تربيا " تربية تقليدية " (على حد وصف البرت حوراني) قبل اتصالهما الفعلي بـ : المدنية الفرنسية "، فالطهطاوي، ابن البيئة الفلاحية الفقيرة، والأزهري، والواعظ والأمام، هو مثال حي لإحدى التجارب المتفرعة عن خيارات التحديث الناشئة داخل الدولة وأجهزتها أثر عملية التحدي الذي فرضته القوة الأوروبية الصاعدة. والاثنان معاً، نشأ وشكلا في سياق التجربة الجديدة التي نهضت من داخل الدولة العثمانية تجربة الإصلاح والتحديث. ولقد فتحت سياسة باشا مصر وباي تونس أمامهما آفاقاً صاغت توجههما اللاحق وشكلت تعبيراً دقيقاً عن واقع المثقف الملحق بمنطق الدولة الناشئة والمشارك في تنفيذ سياستها : (3).‏

ثم أن المشروع النهضوي التحديثي الذي ارتبط بالطهطاوي وخير الدين اللذين ينتميان إلى بلدين عربيين، تعرضا منذ وقت مبكر إلى تهديد قوة الغرب، وتوسعه الرأسمالي الاستعماري، لم يكن مشروعاً قومياً تاريخياً للنهضة العربية الشاملة، بقدر ما كان مشروعهما يريد تحقيق الربط الشامل بين أقطار العرب الحديثة والمدنية الغربية في سبيل السير في طريق الترقي العمراني، وبواسطة مسائلة التقدم الحديث بالنسبة للمجتمع العربي الإسلامي، الذي أصبحت تفصله هوة سحيقة بينه وبين الغرب، في مختلف مجالات الحياة، ومن دون تحقيق القطيعة مع الماضي أي مع المدنية الإسلامية بالذات التي أصبحت مهددة في وجودها من قبل العامل الخارجي، أي الغزو الاستعماري الغربي.‏

والواقع أن هذا المشروع النهضوي التحديثي على الصعيد العربي، الذي تحكمت فيه رؤية إزدواجية قائمة في جوهرها على النزعة التوفيقية بين القيم الإسلامية والقيم الغربية الحديثة، والمصالحة بينهما، لم يكن تعبيراً عن صراع داخلي عميق بين قوى اجتماعية راديكالية جديدة تمثل القوى المنتجة الثورية، التي بلغت درجة معينة في تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وبين قوى تقليدية رجعية ممثلة للعلاقات الانتاجية، التي أصبحت معيقة ومتناقضة مع سياق التطور التاريخي للمجتمع برمته، يتطلب والحال هذه تصفية الحساب معها عن طريق تجاوزها ديالكتيكيا تاريخياً وسياسياً ،باتجاه الانشداد نحو المستقبل. ولهذا، من الصعب جداً أن نحلل ونفسر المشروع النهضوي التحديثي في الوطن العربي انطلاقاً من العوامل الداخلية وفي مقدمتها العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وصراع قوى التقدم مع قوى التأخر التاريخي، مثلما هو الأمر الذي حكم حركة النهضة الأوروبية، التي كان الصراع الداخلي العنيف هو محركها الأساسي، الأمر الذي مكنها من تجسيد قطيعة معرفية ومنهجية مع الماضي القديم، وتجازوه جدلياً هو والحاضر، وتوجهها نحو المستقبل لبناء مشروع مجتمعي جديد، وثقافة جديدة، وتراث جديد، في ظل غياب كامل لعنصر التهديد الخارجي.‏

وعلى النقيض من هذا، نجد أن النهضة العربية الحديثة للمجتمع العربي المتأخر، الذي واجه الصدمة الغربية، كانت نتاج هذه الصدمة الغربية، التي اعادت الحياة المجمعية العربية وفق منطق التطور الرأسمالي اللامتكافئ، أي أن المحرك الرئيسي لهذه النهضة هوالعامل الخارجي الممثل بالتهديد الغربي، العوامل الداخلية التي كانت تحتل مرتبة ثانوية.‏

ولما كان العامل الخارجي، أي الغرب هو المحرك الأساسي في المشروع النهضوي التحديثي، على الرغم من بروز مظهريه المتناقضين في عقل رواد النهضة العربية، مظهر يمثل العدوان والغزو الاستعماري والهيمنة ... إلخ، ومظهر يمثل الحداثة والتقدم بكل قيمها العصرية المادية والمعنوية كالتقنية والعلم والديمقراطية والحرية، فإنه أصبح يمثل العدو والنموذج في آن معاً، بالنسبة للنهضة العربية، حسب قول الدكتور محمد عابد الجابري. " هذه المزدوجة - للعامل الخارجي، العدو والنموذج في الوقت نفسه، قد جعل موقف النهضة العربية من الماضي والمستقبل معاً مزدوجاً كذلك، فالتبس وتداخل فيها ميكانيزم النهضة الذي قوامه الرجوع إلى " الأصول " للانطلاق منها إلى المستقبل، مع ميكانيزم الدفاع الذي قوامه الاحتماء بالماضي والتثبت في مواقع خلفية ... إلخ هذا على صعيد الوعي والفكر، أما على صعيد الواقع التاريخي والصراع الاجتماعي فإن الحضور المستمر للعامل الخارجي وطابعه المزدوج والمتناقض قد جعل العلاقة بين قوى " التقليد " وقوى " التجديد " في المجتمع العربي علاقة متموجة متداخلة لاتنمو في اتجاه التجاوز والانفصال بل على العكس تتحرك في تشابك، ذهاباً وإياباً مما جعلها أقرب إلى الاستقرار والركود منها إلى الدينامية والتقدم " (4).‏

ثم أن الوطن العربي الذي بدأت تتغلغل فيه العلاقات الرأسمالية بفعل العامل الخارجي، أي هيمنة الرأسمالية الغربية، كان الصراع فيه ومازال يتخذ مظهراً مزدوجاً ومعقداً، هوالصراع من أجل انتصار أفكار النهضة الأوروبية، التي انجزت ثورات أوروبا البرجوازية وتقدمها، وبناء الدولة القومية، حيث أن الأفكار التنويرية الغربية كان لها تأثير مباشر على الفكر العربي النهضوي المغترب، وهوالصراع ضد الغرب في آن واحد. وفي ظل السلطنة العثمانية، التي أخذت تتقلص أمام الهجمات الاستعمارية الغازية الغربية، وتقدم التنازلات السياسية والاقتصادية للدول الأوروبية، تشتت الصراع أمام تفاقم التناقضات داخل الوطن العربي. فهناك تيار من النهضة يصارع السلطنة العثمانية في سبيل التحرر من هيمنتها، ولكنه شغوف بشعارات الثورة الأوروبية، وبالاقتداء بالغرب، والتحالف معه قصد التحرر من الحكم العثماني، وبناء النهضة العربية.‏

وهناك تيار الإصلاح الديني الذي استقطب رجال بارزين أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والذي كان يؤكد على ضرورة الملائمة بين الإسلام والتطور الحديث، وتبني أهمية العلم الحديث، وضرورة الآخذ منه، من أجل تجديد شباب الإسلام، وتوحيد الشعوب الإسلامية والشرقية ضد الاستعمار الامبريالي الأوروبي. وهكذا نجد أن التمزق على صعيد الاختيار الأيديولوجي، أصبح السمة المميزة لرواد حركة النهضة، " فاصبح " " الاختيار" الصعب، مع الغرب أو ضده، يشمل الصعيدين معاً السياسي والايديولوجي، ولكن دون أن يعني تطابقهما بالضرورة. لقد كان هناك من كان مع الغرب ايديولوجياً وضده سياسياً، وكان هناك من كان معه سياسياً وضده ايديولوجياً، من جهة، كما كان هناك في الساحة العربية فريق ثالث مع " الأصولية " الإسلامية ايديولوجياً وضد الخلافة العثمانية سياسياً، وآخر رابع كان مع الخلافة العثمانية سياسياً وضد " الأصولية " التراثية ايديولوجيا، من جهة ثانية. وهكذا أوجدت قوى النهضة العربية نفسها في وضعية معقدة، وضعية الصراع من أجل الخيارات على الصعيدين الايديولوجي والسياسي، وضعية كان من سماتها البارزة تحالف، بعض فصائل قوى التجديد والنهضة مع خصمها التاريخي المتمثل في قوى التقليد والمحافظة، وتحالف فصائل أخرى من القوى ذاتها مع خصمها الوطني والقومي، الخارجي : الغرب" (5).‏

أولاً: الطهطاوي والربط بين الدسترة والمشروع التحديثي‏

إن الاختيار السياسي والايديولوجي الذي سار فيه كل من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، سمته الرئيسة هي المزج بين محاكاة الغرب لجهة التأثر بأفكار عصر التنوير الفرنسي، والأخذ بأساليب تقدم، وتحديث، وقوة، وحيوية الغرب مقارنة مع تأخر المنطقة العربية وتخثرها، وبين التعامل مع التراث الليبرالي العقلاني للفكر السياسي الإسلامي.‏

وعلى الرغم من أن رفاعة الطهطاوي ولد في بيئة ريفية، وانتقل إلى القاهرة في العام /1817/ ليتلقى تعليمه من علوم الدين، واللغة، والأدب في الأزهر، حيث تتلمذ على يد الشيخ حسن العطار الذي كان يعتبر من أولئك العلماء، الذين كانوا منفتحين على العلوم والفنون الحديثة ابان حملة نابليون على مصر، إلا أن الطهطاوي استطاع أن يرسئ أسس الفكر المصري الحديث. فالطهطاوي عينه محمد علي أماماً لأول بعثة أرسلها إلى باريس لتلقي العلوم الطبيعية والتكنولوجية، والعسكرية الحديثة، وأقام وعاش في مناخ باريس لمدة خمس سنوات كاملة، حيث قرأ فيها التاريخ، والجغرافيا، والأدب، في عصر الثورات الفرنسية، بين 1789، 1830. ولاشك أن الطهطاوي عايش عن كثب الثورة التحررية التي اجتاحت فرنسا لعام 1830، والتي قادت إلى سقوط الملكية المطلقة، وشارل العاشر، آخر ملوك البوربون، وبمجيء لويس فيليب، ونظامه الملكي المقيد بالدستور. وفضلاً عن ذلك، فإن المكونات الفكرية والفلسفية، والتاريخية، التي أسهمت في التكوين العقلي للطهطاوي، هي أعمال فولتير وروسو ومونتسكيو، وكوندياك حيث كان يغرف من مناهل هذه الفلسفات العميقة والثورية، التي شكلت الأرضية الفكرية والثقافية والايديولوجية لمبادئ الثورة الفرنسية، التي كانت تقوم على الدعوة للحرية، والمساواة، والإخاء، بين البشر، في نطاق تناقضها المطلق مع الملكية المستبدة القائمة على الحق الالهي، والنظام الاقطاعي الارستقراطي. وليس عجباً أن يكون رفاعة الطهطاوي الذي عاش محاولة الانبعاث التي قادها محمد علي، وابراهيم باشا، وعباس الأول، وسعيد باشا، والخديوي اسماعيل، وبدايات حكم الخديوي توفيق "، أبو الفكر الثوري الحديث في كل مجال من مجالات الثقافة والفكر السياسي والاجتماعي، وفي التربية والتعليم، وفي علوم الدين والدنيا، فلاعجب أن خرج من عباءة هذا الشيخ العظيم اعلام الفكر التقدمي في مصر الحديثة، من محمد عبده وقاسم أمين وعثمان جلال إلى لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرازق إلى محمود عزمي ومحمد مندور، ولاعجب أن كانت ثورة 1882 وثورة 1919 وثورة 1952 مدينة له بالشيء الكثير. فهو الذي بذر بذور الفكرة الديمقراطية في أول كتاب أصدره في صدر حياته، وهو" تخليص الابريز في تخليص باريز " (1834). وهو الذي بذر بذور الفكرة الراديكالية، بل والفكرة الاشتراكية المعتدلة في آخر كتاب عظيم أصدره في آخريات حياته وهو " مناهج الألباب المصرية في مباهج الادب العصرية " (1869 )" (6).‏

لاشك أن صورة أوروبا للتقدم، وسيادة المفاهيم السياسية الليبرالية، والتحديثية في إطار النظام القائم، هي التي سيطرت على الفكر الإصلاحي لرفاعة الطهطاوي، الذي على الرغم من استلهامه بمبادئ ومقومات الايديولوجية الليبرالية الغربية، إلا أنه لم يستطع أن يبلور نظرية نقدية وتاريخية حول المجتمع المدني، وهذه مسألة لاتتعلق بالعجز أو القصور الذاتي لرواد فكر النهضة، وإنما المسألة " في عمقها الفكري والتاريخي مسألة موضوعيه ". ولهذا، فإننا لا نجد تأصيلا نظريا لمفهوم المجتمع المدني عند الطهطاوي، بقدر ما كان يرى أنه يكفي إدخال إصلاحات على المجتمع الأهلي (التسمية الإسلامية للمجتمع المدني) تتعلق بالإصلاح الإداري، والإصلاح الأخلاقي، وإصلاح التربية، فضلاً عن الإصلاح الديني وموائمة الإسلام مع العصر، ومواجهة التفكير الخرافي وكل ما يندرج تحت عنوان البدعة في الإسلام، ولذلك، علاقة وطيدة بتحديث الوعي وعقلنته.‏

لقد سيطرت على الطهطاوي فكرة الوطنية المصرية، ولهذا فإن مشروعه للنهضة هو مشروع وطني للنهضة في مصر، وغيرها من الأقطار العربية الأخرى، باعتبار أن مصر شكلت تاريخياً قاعدة رئيسية للنهضة العربية. لكن من الصعب جداً أن نعتبر مشروع الطهطاوي مشروعاً قومياً للنهضة العربية. فالفكرة القومية في وعي الطهطاوي يماهيها " بالجنس "، فهو يعرف بالجنس البشري، على أنه " جماعة الناس الساكنة في بلدة واحدة، تتكلم بلسان واحد، وأخلاقها واحدة وعوائدها متحدة، ومنقادة غالباً لأحكام واحدة ودولة واحدة، وتسمى (هذه الجماعة) بالأهالي، والرعية والجنس، وأبناء الوطن " (7). ففي كتابه " تخليص الايبريز "، الذي يعد كتاباً عن عصر التنوير الفرنسي والحضارة الفرنسية، والذي كتبه كاتب، تربى على تراث الفكر السياسي الإسلامي، ولكنه كان مقتنعاً بأن طريق تحديث مصر وتقدمها لاسبيل له إلا بإتباع نهج الحضارة الأوروبية الحديثة. بَشّرَ الطهطاوي بأفكار عن العدالة، والديمقراطية، والشورى، والعلم، والإصلاح الديني، وقيام الدولة الواحدة، وهي أفكار مستعارة في معظمها من أفكار التنوير الغربي، التي وجدت تربة خصبة لنموها وازدهارها في مجتمعاتها، بحكم أن هناك طبقة بورجوازية صاعدة استطاعت أن تنجز الثورة الديمقراطية البرجوازية، وتهزم الاقطاع اقتصادياً وسياسياً وإيديولوجيا، وترسي دولة الحق والقانون المستندة إلى فكرة العقد الاجتماعي، وتبني المجتمع المدني الحديث .‏

وعلى نقيض أفكار النهضة العربية، وفي مقدمتها أفكار الطهطاوي التي بلورها في كتابه " تلخيص الابريز " أولاً، والتي كانت موجهة بالدرجة الرئيسية إلى مصارعة الاقطاع السياسي، وتحديه الايديولوجية التقليدية القائمة على الجامعة العثمانية باسم الجامعة الإسلامية، حيث كان العثمانيون يحكمون العرب باسمها، فإن هذه الأفكار لم تجد التربة المناسبة لنموها. وهذا عائد إلى غياب الطبقة البرجوازية العربية الصاعدة (الحاملة في سيرورتها الطبقية نظام إنتاج رأسمالي قائم بذاته متناقض عدائياً مع الإقطاع )، والتي تصارع جديا وفعلياً الإقطاع السياسي لانتزاع السلطة منه. ومن هنا كان تأثير هذه الأفكار محدوداً، ومقتصراً على النخب الثقافية والسياسية التي كانت تنزع نحو تحقيق التحرر والتقدم لمجتمعاتها، ولم تغص في أعماق الجماهير الشعبية، وبالتالي عامة المجتمع، وهذا لا يعني التقليل من شأن تلك الأفكار ومن أثرها البالغ في بدايات عصر النهضة العربية، منظوراً إليها في إطارها الزماني والمكاني.‏

غير أن الطهطاوي في كتابه " مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية " الذي بلور فيه بنضج أكثر تقدماً وعمقاً من كتابه الأول، أفكاره السياسية والاقتصادية عن المجتمع والدولة، والذي يعتبر كتاباً موجهاً بالدرجة الرئيسة لتصفية الاقطاع اقتصاديا، قد ثبت مجموعة من المقولات الأساسية، منها فكرة الوطنية المصرية، وفكرة الدولة الزمنية، والخطوط الأساسية للنهضة الوطنية المصرية، (أي المقومات للمجتمع البرجوازي) التي عبدّت الطريق لمعالم النهضة العربية. ويعلق ألبرت حوارني على أفكار الطهطاوي في المجتمع وفي الدولة قائلاً، بأنها ليست " مجرد عرض جديد للنظرة التقليدية، ولا مجرد انعكاس للأفكار التي تلقنها في باريس ومع أنه يتبع أجمالاً في إخراج هذه الأفكار، الطريقة التقليدية، مستشهداً في إثبات كل مسألة بالنبي والصحابة، وينظر إلى السلطة السياسية التفكير الإسلامي التقليدي إليها، فقد توسع في بعض النواحي توسعاً جديداً وهاماً (8).‏

تتجلى فكرة الوطنية المصرية عند الطهطاوي في تمجيده حضارة وعراقة مصر القديمة، ففي كتابه في "مناهج الألباب"، كتب يقول " فقد اجمع المؤرخون على أن مصر دون غيرها من الممالك عظم تمدنها وبلغ أهلها درجة عليا من الفنون والمنافع العمومية فكيف لا وان أثار التمدن وإماراته وعلاماته مكثت بمصر نحو ثلاثة وأربعين قرنا الوارد والمتردد ويعجب من حسنها الوافد والمتفرج مع تنوعها كل التنوع. فجميع المباني التي تدل على عظم ملوكها وسلاطينها هي من أقوى دلائل العظمة الملوكية وبراهينها. فانظر إلى آثار منف وأبنيتها وعجائبها وأصنامها ودفائنها مما يحكيه المؤرخون عنها وأنها كانت ثلاثين ميلا بيوتا متصلة ومنها بيت فرعون وهو قطعة واحدة من الحجر وسقفه وفرشه وحيطانه من الحجر الأخضر وكان لها سبعون بابا وهي والمدينة المملكة المصرية وكانت تنزل الملوك من القبط الأولى والعماليق ومسكن الفراعنة ومازال الملك بها إلى أن ملك الروم واليونان ديار مصر فانتقل كرسي المملكة منها إلى الإسكندرية ومع ذلك لم تزل عامرة إلى أن جاء الإسلام ثم خرجت وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سرير الملك وكانت أربعة أنهار.‏

ويقال أن ملوك الدنيا لو اجتمعوا واتفقوا على أن يصنعوا مثلها لما أمكنهم ذلك ".‏

إن الطهطاوي ينظر إلى مصر باعتبارها بلداً متميزاً في مدنيته، ووريثاً شرعياً للفراعنة، وهو يمجد عظمة مصر في التاريخ الغابر القديم، ولكنه في الوقت عينه مهتم بمستقبلها، انطلاقاً من وطنيته الجياشة والمتقدة، التي لا علاقة لها بالايديولوجية السياسية. " وهو يرى أن مصر القديمة ما بلغت في كل هذا المجد وهذه المدنية إلا بواسطتين : " (إحداهما) تهذيب الأخلاق بالآداب الدينية والفضائل الإنسانية.... (والواسطة الثانية) هي المنافع العمومية التي تعود بالثروة والغنى وتحسين الحال وتنعيم البال على عموم الجمعية (يقصد المجتمع) وتبعدها عن الحالة الأولية الطبيعية (يقصد البدائية وحياة الفطرة)‏

("مناهج " 7-8): وهو يعلمنا أن الوطنية هي قمة الفضائل وأن حب الوطن ركن من أركان الدين، وأن دليل الوطنية هو الرغبة في تمدين الوطن والعمل على تجديد شبابه بالعمران. والطهطاوي الذي يصف نفسه بأنه " عاشق لجمال العمران " يقول أن غايته وغاية كل وطني هو بعث مجد مصر القديم بالأخذ بأسباب الحضارة الحديثة، وإن دوره كمفكر ودور كل المثقفين هو خدمة المجتمع بفكرهم وعلمهم"(9).‏

إن مقولة الوطنية المصرية في الفلسفة السياسية للطهطاوي تشكل ركيزة أساسيه للتقدم وللتمدن في مصر، حيث كان يدعو من خلال تركيزه على تلك المقولة، المصريين إلى التخلص من نير الحكم العثماني، وإقامة جمهورية مستقلة عن تركيا برئاسة محمد علي، الذي كان شديد الإعجاب بهذا الرجل الذي حرر مصر من قبضة المماليك وقادها في طريق التقدم فلقبه بالمقدوني الثاني، إذ كان محمد علي يشعر بالشبه بينه وبين الاسكندر، كما كان يقرأ حياته بلذة (10).‏

والحال هذه، يحيلنا إلى دراسة الفكر السياسي الاجتماعي والاقتصادي للطهطاوي خلال القرن التاسع عشر، حيث أنه يعرف السياسة المتعلقة بالدولة، أصولها، وأحكامها، وروابطها، على النحو التالي، " وقد جرت العادة في البلاد المتقدمة بتعليم الصبيان القرآن الشريف في البلاد الإسلامية، وكتب الأديان وغيرها قبل تعليم الصنائع وهذا لابأس به في حد ذاته، ومع ذلك فمبادئ العلوم الملكية (يقصد المدينة) السياسية هي قوة حاكمة عمومية وفروعها في الممالك والقرى بالنسبة لأبناء الأهالي، مع أن تعليمهم أيضاً لهم مما يناسب المصلحة العمومية. فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان بعد تمام تعليم القرآن الشريف والقواعد ومبادئ العربية مبادئ الأمور السياسية والإدارية ويوقفهم على نتائجها، وهو فهم أسرار المنافع العمومية التي تعود على الجمعية (يقصد المجتمع) وعلى سائر الرعية من حسن الإدارة والسياسية والرعاية في مقابلة ما تعطيه الرعية من الأموال والرجال للحكومة، ويفيدهم أسباب إيجاب الحكومة على الأهالي (يقصد إلزام الحكومة للأهالي) أن تخدم وطنها بنفسها خدمة شخصية في العسكرية وأسباب إلزام الأهالي بدفع حصة مخصصة من أموالهم بوصف خراج اوويركو أو عوائد أو نحو ذلك من واجبات الحكومة القائمة في الدول الإسلامية مكان الزكاة المفصلة، وكذلك ليعرف الأهالي أسباب إيجاب الحكومة عليهم أن يتنازلوا عن شيء من أملاكهم وعقاراتهم عند اقتضاء واحتياج الحكومة لذلك للمصلحة العمومية كتوسيع الطرق وما أشبه ذلك من العمليات التنظيمية " (11).‏

نستخلص من هذا المقطع الطويل، أن قوام مشروع النهضة السياسية عند الطهطاوي يتمثل في تعليم الشعب خدمة المنافع العمومية، أي ما نطلق عليها بلغتنا اليوم المصالح العامة للمجتمع، والتضحية بالمصالح الشخصية في سبيل تحقيق المصالح العمومية المرتبطة والمتطابقة مع مصلحة الحكومة، وبالتالي مع مصلحة الوطن، وهو يرى أن المصالح الخصوصية ليست مضمونة الحصول إلا ضمن فوائد المصالح العمومية. غير أن الطهطاوي يربط تحقيق ذلك، بالقضاء على العزوف السياسي عند الشعب المصري، الذي كان مكتفياً بالتربية الدينية فقط، حيث أن العزوف عن السياسة قد أقصى الشعب عن المشاركة في الحكم، وجعل السياسة حكراً على دائرة مغلقة من الحكام والطبقة. إذن ما يطالب به الطهطاوي هو تسييس الشعب، وتعميم التربية السياسية على كل أفراد الشعب في المدارس، لكي يصبح واعياً لحقوقه وواجباته السياسية والمدنية. ذلك أن تعميم الثقافة السياسية الحديثة على الشعب أصبحت وسيلة في غاية من الأهمية من أجل تغيير المجتمع، وتقدمه، وتمدنه. ثم أن طبيعة المجتمع المدني الحديث، ووظيفة الدولة الحديثة يتطلبان فلسفة سياسية حديثة، على نقيض وظيفة الحكومة في الماضي، التي تستمد قوانينها من الشرائع السماوية.‏

فالضرائب العامة قد حلت محل الزكاة المعطلة والخدمة العسكرية الإجبارية وحروب الدولة الحديثة قد تجاوزا أغراض الجهاد الديني بالمعنى المحدد، " وبالتالي فإن حق كل مواطن ومن واجبه أن يعرف في أي وجه تتصرف الدولة في ماله وفي شخصه سواء بإلزامه بالمشاركة في الضرائب العامة بالمشاركة في الخدمة العسكرية، وإخفاء هذه الحقوق والواجبات من المواطنين يتضمن قيام حالة من الاغتصاب تمارسها السلطة مع الشعب وتتنافى مع فكرة قيام المجتمع المدني، وبالتالي فهو يغض من شرعية السلطة " (12).‏

إن الطهطاوي يقيم تمييزا واضحا بين الدولة التقليدية التي تنبع قوانينها، وأحكامها، وعلائقها، من الشريعة الإسلامية، والتي تحرص على تطبيقها، وبين الدولة الغربية الحديثة التي تستمد مشروعيتها من القوانين الوضعية، التي ولدها العقل البشري، ومن مشاركة الشعب في الحياة السياسية، وفكرة العقد الاجتماعي، وتقسيم السلطة إلى ثلاث : تنفيذية، وتشريعيه، وقضائية. وفي نطاق هذا التمييز بين الدولة القائمة على مبادئ الشرع الإسلامي، والدولة القائمة على قوانين أوروبا الحديثة، كان الطهطاوي معجباً جداً بالنظام السياسي في فرنسا، وما طرأ عليه من تعديلات ثورية على ضوء ثورة الشعب الفرنسي العام 1830، وخصوصاً نص دستور 1818 " الشرطة " La Charte الميثاق الدستوري، ونصوص المواد المعدله فيه التي أدخلت عليه الثورة لإصلاحه. فالطهطاوي يرى في تاريخ الفكر السياسي الليبرالي الغربي أن فلسفة الملكية المقيدة أو فلسفة الجمهورية في الدولة الغربية الحديثة، تقوم على أساس أن الأمة هي مصدر السلطات، وذلك من خلال سيادة الشعب على نفسه عبر انتخاب ممثليه السياسيين سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، ومن خلال أيضاً الإلتزام بالميثاق الدستوري الذي يؤكد سيادة الشعب، ويحدد في الوقت عينه الإطار القانوني لممارسة السلطات، وهو لذلك طالب بتكييف الشريعة الإسلامية وفق لحاجات العصر، من أجل التعرف إلى العالم الحديث، وفي سبيل إقامة حكم يقوم على الميثاق الدستوري " الذي ينظم العلاقات بين سلطات الدولة والمواطنين ". وعلى الرغم من أن فكرة الدستور بمفهومها العقلاني الغربي ليست معروفة في الفكر السياسي العربي الإسلامي، في ظل سيادة الدولة الاستبدادية أو الاوتوقراطية (الفردية - الدينية) منذ عهد الانحطاط وحتى بداية عصر النهضة مع محمد علي، إلا أن الطهطاوي يستنتج " من واجب العلماء في تفسير الشريعة على ضوء الحاجات الحديثة أن عليهم أن يتعوفوا إلى العالم الحديث، وبالتالي أن يدرسوا العلوم التي ولدها العقل البشري. وهو يستشهد بسيرة أحد المشاريع الفكرية ليثبت أن دراسة الفلسفة والعلوم العقلية بقيت حيه في العالم الإسلامي حتى فترة قصيرة خلت ". (13) .‏

إن الطهطاوي الذي يحث المصريين على التحرر من نير الحكم العثماني، يريد أن يقول لهم بأن الميثاق الدستوري ليس مستنبطاً من الكتب السماوية ومصادر الشريعة الإسلامية، وإنما هو مستنبط من أملاءات العقل السياسي الحديث الذي يصوغ القوانين الوضعية، ومن احتياجات المجتمع المدني الحديث، ومن الفكر السياسي العقلاني الديمقراطي والعلماني القائم على ما يسمى حقوق الإنسان، وباعتبار أيضاً أن هذا الميثاق الدستوري هو الذي يقود إلى تحقيق العدالة، وإلى نشر العقلانية والمدنية داخل مكونات المجتمع. والطهطاوي يقول في " تخليص الابريز " عن الميثاق، " الكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة، ومعناه في اللغة اللاطينية ورقة تسامح فيها، فأطلت على سجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك، وأن كان غالب ما فيه ليس من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم (وإنما من إملاء العقل )، لنعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير المماليك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك، حتى عمرت بلادهم وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً، والعدل أساس العمران ".‏

ثم أن الميثاق الدستوري الذي يدافع عنه الطهطاوي ليس تعبيراً عن مطامع طبقة برجوازية مصرية صاعدة تصارع الإقطاع، والايديولوجية التقليدية، وإنما هو تعبير عن طموحه هو في تمثل التمدن الأوروباوي، وفي بناء مجتمع برجوازي مصري على نموذج المجتمع الفرنساوي بكل مؤسساته وعلاقاته، وأبعاده السياسية، والاقتصادية، والثقافية، حتى وإن كان هذا البناء لا يستند إلى طبقة برجوازية مصرية " متحولة إلى ذات التاريخ " .‏

والطهطاوي يريد في الوقت عينه أن يلبس أفكاره البرجوازية التي منبعها الغرب، والفكر الأوروبي، ثوباً دينياً إسلامياً، حين ينادي بأن الميثاق له سند في الشريعة الإسلامية، فضلاً عن أنه لايرى أي تناقض بين الأصول العامة التي صدر عنها الميثاق وبين الأصول العامة للشرع الإسلامي، وبالتالي فهو لا يرى أي تناقض بين ما يدعو إليه هذا الميثاق، وما يدعو إليه الإسلام، " مؤكداً أن لافرق كبير بين مبادئ الشرع الإسلامي ومبادئ " القانون الطبيعي" التي ترتكز إليها قوانين أوروبا الحديثة ".‏

وفي تعريفه للسياسة، قدم لنا الطهطاوي فهماً حديثاً للسياسة وأقسامها السياسية البنيوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامة والسياسة الخاصة، والمنزلية، والسياسة الذاتية أو الشخصية. وكان الطهطاوي يركز كثيراً على السياسة العامة، باعتبارها سياسة ميدانها تدبير وإدارة المنافع العامة. وفضلاً عن ذلك فهو يأله الدولة باعتبارها الشأن العام، وكان شديد الإعجاب بصورة محمد علي بوصفه مجداً لهذه الدولة. ويقول رفاعة الطهطاوي عن الدولة في كتاب مناهج الألباب (ص 349) " فقد استبان من هذا احتياج الانتظام العمراني إلى قوتين عظيمتين، إحداهما القوة الحاكمة الجالبة للمصالح الدارئة للمفاسد، وثانيهما القوة المحكومة، وهي القوة الأهلية المحرزة لكمال الحرية الممتعة بالمنافع العمومية فيما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ووجوده كسبه وتحصيل سعادته دنيا وآخرة. فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عنها، تسمى أيضاً بالحكومة وبالملكية، هي أمر مركزي تنبعث منذ ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة، وقواها (يقصد سلطانها) فالقوة الأولى (يقصد السلطة الأولى )، قوة تقنين القوانين وتنظيمها وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أوالسياسة الشرعية (يقصد السلطة التشريعية). الثانية قوة التنفيذ للأحكام، بعد حكم القضاة بها (يقصد السلطة التنفيذية). فهذه القوى الثلاث ترجع إلى قوة واحدة، وهي القوة الملوكية المشروطة بالقوانين".‏

إن الطهطاوي يعرف الدولة مؤسسياً ووظيفياً على النحو التالي :‏

القوة الحاكمة أي (الحكومة أو الملكية) وتكمن وظيفتها في جلب المصالح ودرء المفاسد، تنبعث منها ثلاثة أشعة قوية تسمى أركان الحكومة وقواها، أي السلطات الثلاث: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية. وهذه السلطات الثلاث من وجهة نظر الفقه الدستوري تمثل سيادة الدولة، التي تجسد مركز السلطة في المجتمع بواسطة شبكة من المؤسسات المخصصة للحكم. وهذه الدولة الممثلة لهذه السلطات الثلاث يسميها الطهطاوي بالقوة الملوكية (بمعنى السيادة Souveraineté لا بمعنى السلطانية Monarchie) المقيدة بالقوانين وبالحكم الدستوري الديمقراطي كما هي الحال في الغرب الرأسمالي.‏

وعلى الرغم من أن الطهطاوي مؤمن بالليبرالية المطلقة التي سادت في أوروبا القرن التاسع عشر، ونظرية الفصل بين السلطات التي تشكل أساس الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية " التمثيلية " غير المباشرة، وبالإرادة الشعبية، إلا أنه من الواضح في كتابه " مناهج الألباب " أنه قام بعملية ترحال من الإيمان بجمهورية جان جاك روسو الديمقراطية الثورية إلى الاكتفاء بالدولة الملكية المقيدة بالقوانين، وبالشكل الدستوري أي الخاضعة بالضرورة لسيادة القانون، كما نادى بها صراحة مونتسكيو صاحب " روح الشرائع ". " وهذا بالضبط موقف مونتسكيو سلطة الدولة، أو " القوة الملوكية " إذن لها مقياسان لشرعيتهما: إنها واحدة أي مجسدة لإرادة واحدة، فهي غير قابلة للتجزئة ولا للتعدد، كالتعدد النابع من تعدد الإرادات كما في دول المماليك أو أمراء الإقطاع، وإنها خاضعة لسيادة القانون، وإلا كانت هذه الإرداة الواحدة خاضعة لنزوات الحاكم المستبد. وانبثاق السلطات الثلاث : التشريعية والقضائية والتنفيذية من هذا الكيان الواحد ليس معناه تجزئة هذا الكيان إلى ثلاثة كيانات مستقلة معبرة عن ثلاث إرادات مستقلة ". (14).‏

أما القوة الاجتماعية السياسية الثانية التي تشكل ركنا أساساً للدولة هي القوة المحكومة أي الشعب والرعية، أي مجموع المواطنين الذين يتشكل منهم المجتمع، والرأي العام، الذي أصبح يلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية المعاصرة للدولة الحديثة.‏

ويقول الطهطاوي في " مناهج الألباب " (ص 355) بصدد قوى الرأي العام الذي يمكن أن يقلب العروش ويغير نظم الحكم، ما يلي : " فإن الملوك يستحون من اللوم العمومي، فالرأي العمومي سلطان قاهر على قلوب الملوك والأكابر، لايتساهل في حكمه ولا يهزل في قضائه. فويل لمن نفرت منه القلوب واشتهر بين العموم بما يفضحه من العيوب ".‏

في الفلسفة السياسية للطهطاوي تجسد الدولة السلطة في المجتمع المدني، وذلك من خلال قدرتها على اختراقه والتدخل في تنسيق مؤسساته، ولكن على أساس فصل السلطات، ورقابة هذا المجتمع المدني على الدولة، وخضوع الدولة نفسها للقوانين، بحيث تصبح ممارستها للسلطة هيمنية. ثم إن سلطة الدولة التي عبر عنها الطهطاوي سابقاً بالقوة الحاكمة تقتضي حاكماً، وقوة محكومة هي الرعية أوالشعب، ولهذا وجب تحديد العلاقة بين القوتين، فالقوة الحاكمة هي صاحبة النفوذ الأول في الدولة، وتتصرف بالأصول المرعية، أي من خلال خضوع السلطة للقوانين والتقيد بها لمبدأ سيادة القانون، أما القوة المحكومة فلايمكن أن تنتظم بدون وجود سلطة، وإلا سادت الفوضى في المجتمع.‏

غير أن العلاقة بين هاتين القوتين في الدولة الحديثة، بين السلطة والشعب، يجب أن يحكمها الدستور أبو القوانين، الذي يركز على مبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات، وأن السيادة هي للشعب ولرئيس الدولة، وإن الديمقراطية هي حكم الإدارة الشعبية العامة، وإن سيادة القانون يجب أن يسري على السلطة الحاكمة، إذ أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تستمد شرعية سيادتها في الدولة إلا من خلال تقيدها والتزامها بموجب القوانين، حتى لا تهدر شرعيتها، طالما أن هذا القانون هو الذي يحدد حقوق هذه السلطة الحاكمة وواجباتها. ولعل هذه الرواية المتكاملة للطهطاوي التي تعالج موضوع العلاقة والسلوك السياسي بين القوتين الحاكمة والمحكومة، وبين الدولة والمجتمع المدني، هي مستمدة من الفكر السياسي الثوري الفرنسي لجان جاك روسو وليعاقبة الثورة الفرنسية. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل ظل الطهطاوي وفياً لهذه الأفكار، التي نادى بها في كتابه "تخليص الابريز" أم إنه طرأ على فكره تحولات حقيقيه نتلمسها بوضوح في كتابة " مناهج الالباب " خصوصاً فيما يتعلق بالدولة؟‏

في الواقع، أن الطهطاوي تراجع عن الدولة الثورية الفرنسية الراديكالية والشعبوية والقومية المؤدلجة التي نادى بها جان جاك روسو، وأرساها اليعاقبة الفرنسيون، إلى الدولة الملكية المقيدة التي نادى بها موتنسكيو، حيث أن السيادة في هذه الدولة هي لرئيس الدولة الذي يختص " بمعالي الأحكام وكلياتها "، أي أنه مصدر السلطات، وبالتالي مصدر القوانين، علما بأن رئيس الدولة هذه، هو مقيد بالقوانين التي سنها، وبالتالي بالقوانين المتوارثة، أو كما يسميها الطهطاوي " الأصول المرعية في مملكته".‏

" معنى كل هذا أن رفاعة الطهطاوي تراجع من ديمقراطية روسو واليعاقبة إلى قانونية مونتسكيو، بل لقد نقل سلطة السيادة من الشعب ومن رئيس الدولة إلى طرف ثالث معنوي هو " القانون " وجعل من القانون سيدا على الشعب والملك جميعاً. وهذا هو الموقف الارسطاطاليسي الذي لايفهم للديمقراطية معنى إلا في ظل سيادة القانون، ويعتبر كل إرادة عامة لا يعبر عنها بالقانون نوعاً من البليبوقراطية أو حكم الرعاع لانوعا من الديمقراطية أو حكم الشعب. ولكن من المهم أن نذكر أن رفاعة الطهطاوي، رغم اتجاهه إلى الديمقراطية المعتدلة الممثلة فلان زمانه في مبدأ الملكية المقيدة، لا يفرغ الوجود الاجتماعي من مضمونه الديمقراطي الثوري، فهو يعلن الغاية من كل وجود اجتماعي وسياسي في قوله : " وقد تأسست المماليك لحفظ حقوق الرعايا لتسوية في الأحكام والحرية وصيانة النفس والمال والعرض على موجب أحكام شرعية وأصول مضبوطة مرعية" (15).‏

وهكذا، يتمثل الطهطاوي نظرية مونتسكيو فيما يتعلق بالملكية الدستورية المقيدة، القائمة على مبدأ فصل السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، التي أصبحت سائدة في عموم الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية، سواء منها الملكية الدستورية أو الجمهورية، حيث أن الحكومة الانجليزية الملكية كانت في نظر مونتسكيو الحكومة التي تجسد الحرية السياسية، والحكومة المثلى لنظام " الملكية المقيدة " في العالم. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أن الطهطاوي عمل على تكييف نظرية مونتسكيو طبقاً للواقع السياسي السائد في عصره، تماشياً مع رغبات الخديوي إسماعيل بهدف إرضائه. ولهذا اعتبر السلطة التشريعية مجرد مجلس استشاري، حين يقول عن مجلس النواب" وأما وظائف المجالس الخصوصية، ومجالس النواب، فليس من خصائصها إلا المذكرات والمداولات، وعمل القرارات على ما تستقر عليه الآراء الأغلبية، وتقديم ذلك لولي الأمر". وبعد أن كان الطهطاوي يعطي أهمية كبيرة للسلطة التشريعية الحقيقية كما عاشها في باريس، من خلال إعجابه بالسلطة التشريعية التي كان يتمتع بها البرلمان الفرنسي، نراه يتراجع عن روسو، لكي يعود إلى مونتسكيو، ليتبنى نظريته بشأن رئيس الدولة (الملك )، باعتباره رئيساً للسلطة التنفيذية، وهو الوضع الذي يجعل (الملك) أو رئيس الدولة يحكم من خلال الحكومة، ونظراً لاعتباره "شخصاً مقدساً " أو " رمزاً " حسب تعبير مونتسكيو، فإنه يكون فوق القانون، ولا مسؤولية فيه على الملك أو رئيس الدولة، وهو بالتالي لا يخضع للمحاسبة إلا معنوياً. ففي كتاب " روح الشرائع " (الكتاب 11 المطلب 6) يقول مونتسكيو في هذا العدد مايلي : " إن السلطة التنفيذية يجب أن تكون في يد الملك، لأن هذا الفرع من فروع الحكومة يحتاج إلى سرعة في الإنجاز، وبالتالي فأداؤه بمعرفة شخص واحد أفضل من إدائه بمعرفة أشخاص متعددين. وعلى العكس من ذلك، كل ما يتوقف على السلطة التشريعية غالباً ماتؤديه أكثر خيراً مما يؤديه فرد واحد".‏

أما الطهطاوي فإننا نجده يجعل من الملك، الحاكم المطلق المقيد بالقوانين الدستورية، فهو يقول " فالنفوذ الملوكي هو الترتيب والأمر بالنفوذ الإجرائي لمن يجريه، فهو حق محترم، لامسؤولية فيه على الملك، ولا يكون لغيره، لأنه هو رئيس المملكة، وأمير الجيوش البرية والجوية وقائدهم (وقائدها) الأول وعليه الأمور الملكية والعسكرية، الداخلية والخارجية.. ويأمر بتنفيذ الأحكام الصادرة من ديوانه ومحاكمه ومجالسه، وله الرياسة على أمناء دين مملكته ... " (16).‏

وهكذا، حدّد الطهطاوي بوضوح في مجال السلطات الثلاث أهمية السلطة التنفيذية، التي يرأسها رئيس الدولة أو الملك، حيث أصبح يرى في هذا الأخير صاحب السيادة ومصدر السلطات، ويختص بإصدار القوانين الأساسية، ويفوّض بعض من سلطاته إلى السلطة التشريعية، والسلطة القضائية المعاونة له " للنظر في الجزئيات لتطبيق القانون ".‏

وهذا الأمر يحيلنا إلى دراسة علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية. ففي نظرية مونتسكيو " أن السلطة التشريعية في دولة حرة لاحق لها في إبطال أعمال السلطة التنفيذية ". ومن هذا المنطق، فإن رئيس الدولة، أو الملك الذي يرأس السلطة التنفيذية يجيرّ لنفسه محاسبة الحكومة، والاعتراض على أعمالها، وعدم إفساح في المجال للسلطة التشريعية كي تتحول إلى قوة أساسية موازية، لأنه حسب مونتسكيو " من الضروري لخير الدولة أن تمنع السلطة التشريعية من التحول إلى قوة تحكيمية، فإن اتهام رئيس الدولة أو محاكمته معناه إنتهاء الحرية على الفور ". والحال هذه، فإن الطهطاوي مثله في ذلك مثل مونتسكيو، جعل من رئيس الدولة أو الملك مناطا بجميع السلطات، وبالتالي أصبح يعتبر أن سيادة السلطة التشريعية عليه، يعني انتهاء الحرية في الدولة، " ومظهر من مظاهر قيام الجمهورية، ومنه تفهم أن قيام الجمهورية رغم استناده إلى سيادة الشعب أو مايسمى عادة الديمقراطية، يتضمن اختفاء الحرية. وهو رأي يبدو غريباً في ظاهره، ولا سبيل إلى فهمه إلا بالرجوع إلى كتاب " السياسة " لارسطو حيث يقول أرسطو أن الخطر الحقيقي على الحرية في الدولة ليس في طغيان الحاكم أو ولي الأمر وإنما هو في طغيان الرعاع وزعماء الممثلين للجماهير في السلطة التشريعية، فسيادة زعماء الرعاع على ولي الأمر هي في نظر أرسطو سيادة الرعاع على " القانون " وعلى حكم القانون المجسد في الملك أو رئيس الدولة، وحيث يختفي القانون تختفي الحرية " (17).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 09:59 PM   المشاركة رقم: 31
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



إذا كان الطهطاوي يأله الدولة على الطريقة الهيجلية، حين تبنى نظرية " حق الدولة الإلهي " لكي تحل محل نظرية " حق الملوك الإلهي " فإنه في الوقت عينه يأله القانون، والديمقراطية القانونية المعتدلة، التي كان نظام " الملكية المقيدة " مجسدها الواقعي في أوروبا القرن التاسع عشر. ولعل هذا مايدعونا إلى تلمس تطور الفكر السياسي عند رفاعة الطهطاوي بشأن بناء المجتمع المدني في فضاءاته المتعددة، وخاصة فضاء الحقوق المدنية للمواطنين المتمثلة في الحرية، والمساواة، وكفالة الحقوق الشخصية. لقد سجل الطهطاوي سابقة في الفكر السياسي العربي الحديث، حين تناول موضوع الحقوق المدنية التي هي " حقوق تضامنية بين المواطنين وهي ثمرة التعاهد بينهم "‏

موضحاً مفهوم الحقوق المدنية على النحو التالي : " هي حقوق العباد والأهالي الموجودين في مدينة (أو مجتمع) بعضهم على بعض، فكأن الهيئة الاجتماعية المؤلفة من أهالي المملكة (يعني الدولة) تضامنت وتواطأت على إداء حقوق بعضهم لبعض. وأن كل فرد من أفرادهم ضمن للباقين أن يساعدهم على فعلهم كل شيء، لايخالف، شريعة البلاد وأن لا يعارضوه وأن ينكروا جميعاً من يعارضه في إجراء حريته بشرط أن لا يتعدى حدود الأحكام " (18).‏

يؤكد الطهطاوي إن بناء المجتمع المدني، التي الغاية منه هي حماية حقوق الإنسان، يتطلب سياقاً من العلاقة المباشرة بين الدولة والمواطنين، حيث يتطلب من هذه الدولة أن تضمن، وتحمي الحرية للمواطنين اجتماعياً وسياسياً.‏

فالحرية بالنسبة للطهطاوي تصبح أساساً للعمل السياسي للمواطنين، وحقاً في اختيار طريقة عيشهم وحرية تنقلاتهم، وحقاً في التكافل الاجتماعي على نطاق العائلة والمجتمع، سواء لأغراض سياسية أوايديولوجية أو نفعية، وممارسة جماعية للسيادة في الدولة الحديثة. و الحرية في نظر الطهطاوي هي الاعتراف الحقيقي والفعلي بالحقوق المدنية للمواطنين كما ورد في الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، وهي تقديس المساواة أمام القانون وفرص الحياة. والحرية هي ضرورة إعادة بناء المجتمع المدني على أساس تعديل العقد الاجتماعي بين المواطنين، بحيث يتحولون من الحالة القائمة على الخضوع الأعمى والإذعان للسلطة الاستبدادية، إلى الحالة الجديدة القائمة على العقد الاجتماعي في الدولة الحديثة، حيث تسود الحرية والمساواة والإخاء بين المواطنين، وحيث تشكل هذه العناصر مجتمعة أساس الديمقراطية الليبرالية، وحكم الشعب. والحرية بالنسبة للطهطاوي هي معرفة المواطنين حقوقهم وواجباتهم، لأن إخفاء هذه الحقوق والواجبات من المواطنين، وطمس الحرية والمساواة، يعني قيام الدولة التسلطية التي تحتكر وتغتصب مصادر القوة والسلطة في المجتمع، وتُشَرْ عن نظام الحكم القائم على القهر، من خلال ممارسة الدولة نفسها للإرهاب المنظم ضد الشعب، وهذا يتنافى مع فكرة بناء المجتمع المدني الحديث. لقد أكد الطهطاوي أن " الحرية هي الوسيلة العظمى في إسعاد أهالي الممالك، فإذا كانت الحرية مبنية على قوانين حسنة عدلية كانت واسطة عظمى في راحة الأهالي وإسعادهم في بلادهم، وكانت سبباً في حبهم لأوطانهم " (19).‏

ثم أن الطهطاوي يرى في التلازم الضروري بين الحقوق المدنية للمواطنين، والحرية الشخصية والعامة المحمية بالقانون، وممارسة المواطنين لهذه الحرية ضمن إطار القانون، الأساس الحقيقي للمجتمع المدني الحديث، الذي هو مجتمع المواطنين المتمدنين، الذين يحترمون مجموعة القواعد والقوانين، التي تضمن سيادة الحرية والمساواة القانونية، الشرط الأساس لأية مشروعية ممكنه للدولة الحديثة، التي لا يمكن لها أن تكون كذلك، إلا إذا كانت مستندة إلى عقد اجتماعي مع المجتمع المدني. وأفسحت له في المجال لكي يبني شرعية سلطته من خلال انضواء تكويناته المختلفة تحت مجموعة القوانين، وإذا استطاعت هي أن تبني المؤسات الحديثة لكي تكون بالفعل دولة الحق والقانون، ملتزمة بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون في التعيين، والوظائف العامة، وفي المعاملة الضريبية، وفي الحقوق والواجبات، باعتبارها دولة المواطنين لا دولة الفئات الارستقراطية والعائلات، والطوائف. وإذا ضمنت ممارسة الحرية السياسية في المعارضة ضمن القانون والشريعة، وحرية الدين، وحرية التعبير، وحرية الرأي، وحرية التملك، وضرورة مشاركة الشعب الفعلية في أمور الحكومة والإدارة.‏

وهذه جميعها تشكل ضمانات راسخة لعلاقة متكافئة بين المجتمع المدني والدولة الحديثة، وأساساً معقولاً للاستقرار الداخلي، وشرطاً رئيساً لتمدن المجتمع وتقدمه على طريق التحديث، وتحقيق القطيعة المنهجية مع التقليد والتأخر التاريخي. لقد كانت أغلبية الأمم محرومة من الحرية في الماضي " وكان في الأزمان التي كانت فيها أوامر (قرارات) ولاة الأمور جارية على هو أنفسهم، يفعلون ماشاؤوه، وقد كانت الأهالي إذ ذاك لا مدخل لها في معارضة حكامهم، لامحاماة لهم عن أحكام الشريعة، فكان لايمكنهم أن يخبروا ملوكهم بما يرونه غير موافق، أو يكتبوا شيئاً فيما يختطي السياسات والتدابير ولايبدو أراءهم في شيء، فكانوا كالأجانب في أمور الحكومة، وكانوا لا يتقلدون من الوظائف والمناصب إلا ما هو دون استحقاقهم، والآن تغيرت الأفكار، وزالت عن أبناء هذا الوطن الأخطار ... (20).‏

إذا كان الطهطاوي، يؤكد أن الحرية يجب أن تكون على رأس حقوق المواطنين، باعتبار أن الحرية وحدها يمكن أن تخلق مجتمعاً مدنياً حقيقياً، وحباً للوطن قوياً، فإنه بالمقابل يرى أن التمدن والتقدم في الأخلاق والعوائد والأدات، وفي المنافع العمومية كالزارعة والتجارة والصناعة، يتوقفان على تحقيق النهضة التربوية، باعتبارها تشكل ركناً أساساً في الحياة العامة للأمة، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية. ذلك أن هناك علاقة جدلية، بل عضوية بين تقدم المجتمع المدني، وتقدم التربية، في فلسفة الطهطاوي السياسية، حين يؤكد على أن " حسن تربية الاحاد ذكوراً وإناثاً، وانتشار ذلك فيهم، يترتب عليه حسن تربية الهيئة المجتمعية (الاجتماعية) يعني الأمة بتمامها، فالأمة التي حسنت تربية أبنائها، واستعدوا لنفع أوطانهم هي التي تعد أمة سعيدة وملة حميدة " (21).‏

كما كان الطهطاوي يقيم تلازماً حقيقياً بين مدنية الأمة، وتقدمها الحضاري الحقيقي، أي التقدم العلمي والمادي، وبين التقدم على الجبهة التربوية فيها، حين يقول : " فالأمة التي تتقدم فيها التربية، بحسب مقتضيات أحوالها، يتقدم فيها أيضاً التقدم والتمدن على وجه تكون به أهلاً للحصول على حريتها " (22).‏

ويرجع الفضل في عملية تعريب التعليم والإدارة في مصر، وفي مجانية التعليم، ونزع الصفة الطبقية عنه، وفي تأسيس أول جامعة عربية إسلامية حديثة تعنى بالعلوم المدنية (مدرسة الألسن) إلى رفاعة الطهطاوي، الذي بلور خطا تقدمياً وحضارياً كبيراً لحل مشكلة التربية الحديثة، والتعليم الحديث. وحسب قول الدكتور لويس عوض، فإن رفاعة الطهطاوي كان نموذجاً راقياً للمفكر البرجوازي الذي وقف في عناد بوجه أعداء التقدم العلمي والمادي دون أن يستسلم للأسطورة البرجوازية التي شاعت في أيامه بأن العلم والمادة هما كل مقومات الحياة. فهو القائل لابناء جيله " وأعلم أن كل العلوم شريعة ولكل علم منها فضيلة والإحاطة بجميعها أمر محال".‏

فالطهطاوي على نقيض مفكري معسكر الرجعية الارستقراطية المتشبثين بالماضي، والتقليد في مختلف مجالات التربية، والفنون، والآداب، والخائفين من الثورة الصناعية الجديدة، والعلوم الحديثة، كان يشدد على ضرورة الأخذ بمناهل العلوم الحديثة، العلوم الوضعية، والعلوم الزمنية الدقيقة، من الفيزياء، أو الكيمياء، والرياضيات، باعتبارها تشكل المعرفة الحديثة، التي لا يمكن للتقدم والتمدن أن يتحققا بدونها في المجتمع، فضلاً عن رفضه تفتيت وحدة المعرفة إلى مادية وروحية وإلى معرفة إنسانية وأخرى طبيعية. فعنده كما يقول د. لويس عوض " أن المعرفة لاقيمة لها إلا إذا كانت في سبيل الحياة وفي سبيل المجتمع، وهذا هو الجديد في الطهطاوي منذ " تخليص الابريز" فهو قد تطور من الليبرالية المطلقة إلى مذهب المنفعة الذي استوعبه عن فلاسفة " المنفعة " إلى جون ستيورات ميل يبني راية على أن الوجود المدني خاصة ملازمة للإنسان "(23).‏

لقد كان الطهطاوي صريحاً وواضحاً في دعوته التربوية المبنية على أسس عقلانية حديثة، إلى ضرورة تمثل العلوم الدقيقة الحديثة من الحضارة والثقافة الأوروبية، من دون أن يكون انحيازه هذا إلى معسكر التقدمية البرجوازية احتقاراً للماضي والتراث الفكري والديني العربي الإسلامي. فالطهطاوي رفض مقولة " العلم للعلم " أوان العلم العملي هو الدين الجديد الذي لا سكان فيه للتراث والغيبيات، فضلاً عن أنه أيضاً لم ير أي تناقض بين العلوم الجديدة التي ضرورية لخير وتقدم المجتمع وبين مبادئ الإسلام والشريعة التي من واجبها أن تتصالح مع هذه العلوم الحديثة، ذلك أن الرفاهية والسعادة للمجتمع المدني لايمكن أن يتحققا إلا بإنشاء المدينة الحديثة، التي هي الغاية الزمنية للدولة الحديثة. ويعطينا الطهطاوي مثال أوروباً الحديثة، وبخاصة فرنسا، التي هي مثال للتمدن و " بان سر تقدم أوروبا وعظمتها يكمن في تعاطي العلوم العقلية " وبان المسلمين أنفسهم الذين تعاطوا العلوم العقلية في الماضي قد أهملوها فتخلفوا عن ركب التقدم بسبب الأتراك والمماليك، وبأن المسلمين قادرون، بل ملتزمون بدخول تيار المدينة الحديثة، وذلك بتبني العلوم الأوروبية وثمارها " (24).‏

وهكذا يمكن القول إن رفاعة الطهطاوي صاحب المشروع النهضوي، والمفكر البرجوازي المستنير في القرن التاسع عشر، والذي يدعو إلى ضرورة تمثل نهج المدنية الأوروبية، والأخذ بالعلوم الأوروبية الحديثة، لم يكن يدعو إلى تجسيد القطيعة مع الشريعة الإسلامية، أو التراث والأصالة.‏

ثانياً: خير الدين التونسي المحدث‏

والمطالب باللحاق بالتمدن الغربي الحديث‏

في نطاق التحقيب لسيرورة بناء المجتمع المدني في عصر النهضة، نجد أن المصلح خير الدين التونسي الذي كان يعتبر من أعظم المنظرين العرب لجهة مطالبته بضرورة اقتداء أقطار العرب الحديثة بفلسفة ونهج الحداثة الأوروبية الغربية، ومعرفة أساس قوة أوروبا وازدهارها، وبكيفية خاصة دور الدولة الحديثة ومؤسساتها السياسية القائمة على الحرية في المجتمع المدني، قد سار على خطى رفاعة الطهطاوي، " فالجو الروحي الذي تحرك فيه كلا الرجلين متجانسين إلى حد بعيد، واللقاء بالمدنية الغربية لدى كل منها موصول أوثق الصلة بمعطيات المدينة الإسلامية بالذات والخشية على هذه المدينة من خطر تلك " (25).‏

وفي السياق الموضوعي، علينا أن نرى مجيئ المصلح خير الدين في إطار حركة الإصلاح العمراني التي بدأها أحمد باشا باي (1837-1855 )، ومنها تأسيس المدرسة العسكرية بباردو، التي كانت تعتبر أول مدرسة حديثة في تونس مخصصة لتكوين الكوادر العسكرية، وكذلك الكوادر المدنية والإدارية، التي تحتاجهم الدولة التونسية. وكان التعليم السائد في هذه المدرسة هو التعليم الحديث الذي يتضمن دراسة اللغات الأوروبية، والعلوم الحديثة غير الدينية، وأسهمت تلك المدرسة إسهاماً كبيراً في نشر الأفكار الأوروبية بين صفوف الضباط والمماليك، الذين سيتم الاستقطاب منهم لاحقا، العناصر الرئيسة والوفية والمتحمسه لنهج الإصلاح والتحديث، الذي سيقوده الجنرال خير الدين التونسي، القائم على ضرورة انفتاح المجتمعات الإسلامية إلى روح العصر.‏

ومن المعلوم تاريخياً أن خير الدين ولد في عائلة شركسية بالقوقاز العام 1810، ثم جيئ به وهو فتى إلى اسطنبول، أسوة بالكثير من أبناء منطقته طلباً لمهنة عسكرية أو سياسية، كخادم أو مملوك عند أحد الزعماء (26).‏

ومن اسطنبول جيئ بخير الدين إلى تونس، وترعرع في قصر باردو، ثم دخل الكلية العسكرية حيث تلقى تعليمه وتكوينه العسكري فيها من قبل بعثة الضباط الفرنسيين، الذين جاؤوا خصيصاً لتكوين قوات الباي أحمد. وكانت مسيرته العسكرية حافلة بالنجاحات إذ سرعان ما ترقى في سلم تراتبية الهرم العسكري حتى وصل إلى رتبة لواء في 21 تشرين الثاني 1855.‏

أما على صعيد مساره السياسي، فقد بدأه حين أسند إليه الباي أحمد مهمة في باريس العام 1853، للدفاع عن مصالح الحكومة التونسية ضد اللواء محمود بن عياد الذي كان وزيراً سابقاً، وهرب إلى فرنسا بعد أن أقام دعوة على الحكومة التونسية. وقد ظل أربع سنوات في فرنسا، حيث تعرف عن كثب على المبادئ السياسية والاقتصادية العامة للثورة الفرنسية، ونظام الحكم القائم في فرنسا، والديمقراطية الليبرالية، والدستور الذي يحدد الإطار القانوني لممارسة الدولة الحديثة سلطاتها، وتقدم العلوم الحربية، وأخيراً على تقدم وتمدن حياة المجتمع السياسي والمجمتع المدني الكبيرين. ولاشك أن هذه الإقامة في فرنسا قد تركت آثاراً عميقة على ذهنية تفكير خير الدين، وعلى إدراكه أن مسألة التقدم والتمدن في أوروبا الحديثة تكمن في وجود التنظيمات الدنيوية المؤسسة على العدل والحرية، وعلى تطور العلوم الحربية، وهو ما أدى إلى تعميق الهوة بين الغرب الحديث وبلاد الإسلام. وعلى أثر عودته إلى تونس، عين وزيرا للحربية في العام 1857، وأدخل عدة إصلاحات مهمة على ميناء حلق الواد، وخلق الجواز التونسي، وشارك في اللجنة المكلفة بوضع الدستور التونسي، الذي سيعلن عنه رسمياً من قبل محمد الصادق باي في 29 كانون الثاني لعام 1861، حيث كان خير الدين رئيساً لمجلس الشورى، نظراً للثقة القوية التي كان يتمتع بها عند الباي. وكان الميثاق الأساسي، أو دستور عهد الأمان يعتبر أول دستور عربي يقر في بلاد الإسلام، وهو متكون من ثلاثة عشر فصلاً، ومئة وأربعة عشر مادة مرقمة حسب الطريقة الفرنسية. هذا الدستور الذي هو بمنزلة القانون العضوي للدولة التونسية قد حدد السيادة للمملكة التونسية في إطار علاقتها مع السلطنة العثمانية، وأقام تقسيماً للسلطة بين الباي باعتباره ملكاً وراثياً يصعد إلى قمة العرش حسب التقاليد المتعارف عليها في العائلة الحسينية المتوارثة للحكم، (مادة - 1) وبين وزرائه، ومجلس الشورى المتكون من 60 نائباً، والذي بالإضافة إلى مهامه التشريعية والمالية، فإنه يملك إمكانية تجريد الباي من صلاحياته إذا أصبحت ممارساته مخالفة للدستور (حسب مواد 9-63.20) .‏

إن دستور عهد الأمان للعام 1861، قد قوض سلطة الباي، وأصبحت تونس عبارة عن دولة ملكية دستورية، إذ أن مجلس الشورى الأعلى هو الذي يصدق على إجراءات الحكومة قبل تنفيذها، فضلاً عن أن السلطة الفعلية قد أصبحت في أيدي رئيس الحكومة، أو الوزير الأول حسب المصطلح الفرنسي. ويضمن الدستور الأمن الكامل للأشخاص، والممتلكات، وشرف كل سكان المملكة، بصرف النظر عن ديانتهم، وجنسيتهم، وعرقهم.‏

- إن كل السكان خاضعون للضريبة التناسبية لثرواتهم.‏

- إن المسلمين وسكان البلاد الآخرين متساوون أمام القانون.‏

- إن المحكمة التجارية متكونة من أعضاء مختارين من المسلمين وأعضاء من الدول العظمى الصديقة.‏

- إن حرية التجارة مكفولة للجميع بدون استثناء، ولاتحرم الحكومة أي نوع من التجارة، ولا يمنع أي إنسان من ممارستها.‏

- إن الأجانب بإمكانهم ممارسة كل الصناعات والمهن، شريطة أن يمتثلوا للقانون المشترك.‏

لقد أدت الإصلاحات في القوانين التي كانت ترتكز على الإصلاحات في مؤسسات الدولة، إلى جعل المسألة الجوهرية في صرح بناء الجسم السياسي للدولة التونسية يكمن في مجلس الشورى، المتكون ثلث أعضائه من الوزراء والموظفين الكبار في الحكومة، أما الثلثين الآخرين فهما من وجهاء البلاد. فمجلس الشورى يجمع بين صلاحيات مجلس الشيوخ، ومجلس الدولة، ومحكمة التعقيب، وديوان المحاسبة، وهو في الوقت عينه الحارس على الدستور، والقوانين، والمدافع عن حقوق المواطنين. وفضلاً عن ذلك، فهو يعارض إصدار قوانين متناقضة سواء مع مبادئ وأسس الدستور، أو مع مبدأ مساواة المواطنين في الحقوق المدنية والسياسية (27).‏

إن تدشين تونس طريقاً جديداً في الحكم النيابي مرتكز على دستور ليبرالي في جوهره، قد جعل محمد الصادق باي معترفاً به كملك مستقل من جانب ملوك وحكومات الدول الغربية. علماً أن مسألة استقلالية تونس عن السلطنة العثمانية كانت موضوع خلاف بين الوزير خير الدين وحاشيته الذين يريدون الإبقاء على شرعية التبعية للدولة العثمانية مع ضرورة اقناع هذه الأخيرة بالاعتراف بالحكم الذاتي لتونس، درءاً لمطامع الدول الاستعمارية الداهمة في تونس، وبين حاشية الباي التي تريد تحقيق الاستقلالية الكاملة لتونس عن السلطنة العثمانية. فالوزير خير الدين كان يعتقد بتوطيد العلاقة بين تونس والسلطنة العثمانية، لانقاذ تونس من الاحتلال الأوروبي القادم، لكن يبدو أن مهمته قد فشلت، كما أخفقت أيضاً تجربة الحياة الدستورية " لكن سياسة خير الدين بقيت طوال العشرين سنة اللاحقة ذات شقين : محاولة صّد النفوذ الأوروبي بالنفوذ التركي، وإقامة بعض الرقابة الدستورية على سلطة الباي. فاستقال من منصبه الوزاري، في 1862، على إثر خلاف مسألة المرجع الذي يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمامه، أهو الباي أم هو مجلس الشورى " (28).‏

وخلال الفترة، من العام 1862 إلى العام 1869 " انسحب الوزير خير الدين عن الحياة السياسية مؤقتاً، فتخلى عن وظائفه كوزير للبحرية، وكرئيس لمجلس الشورى، وذلك بسبب التناقضات التي برزت بين خطوات الإصلاح التي كانت تهدف إلى إحياء الصناعات المحلية ورفع الضريبة على الاستيراد، وبين مقاومة المصالح الأوروبية، فضلاً عن معارضة خير الدين حصول تونس على قرض من أوروبا قادها في النهاية إلى الهاوية، وترافق كل ذلك مع اندلاع ثورة علي بن غذاهم في العام 1864، الذي كان سببها الرئيس إثقال الباي كاهل الشعب بالضرائب، لتمويل مشروعاته الإصلاحية، وهو ما أدى بالباي محمد الصادق باشا إلى أبطال العمل بالدستور، وإحباط مشاريع خير الدين الإصلاحية. ومع ذلك لم يتخل عنه الباي، إذ أرسله من جديد في مهمة ثانية إلى اسطنبول في العام 1864، أخفق فيها. غير أنه خلال فترة اعتكافه عن العمل السياسي وضع كتابه الوحيد باللغة العربية بعنوان " أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك "، نشر لأول مرة في تونس العام 1867، حيث لاقت ترجمة مقدمته بعنوان " الإصلاحات الضرورية للدول الإسلامية " صدى كبيرا في فرنسا، نظرا لما تنطوي عليه من صياغة لمشروع نهضوي حديث.‏

ويعلق المفكر العربي البرت حوراني على ذلك بقوله :" يبدو أن خير الدين وضع هذا الكتاب وهو على شيء من الاعتقاد أنه يفعل للعصر الحديث ما فعله ابن خلدون لعصر أسبق. فالمؤلفان تونسيان وضعا كتابيهما في فترة عزلة عن الحياة السياسية، وعالجا فيهما، كل على طريقته قضية نشوء الدول وسقوطها. وقد قسم كل منهما كتابه إلى مقدمة لعرض المبادئ العامة وإلى أجزاء عدة. إلا أن التشابه يقف عند هذا الحد. ففيما يعني كتاب ابن خلدون، في معظمه، بتاريخ الدول الإسلامية، يعني كتاب خير الدين، في معظمه أيضاً، بتاريخ الدول الأوروبية وتركيبها السياسي وقوتها العسكرية "(29).‏

وأمام مطالبة الدول الأوروبية بتسديد ديونها، وعجز حكومة الباي عن دفع تلك الديون المترتبة عليها والمقدّرة بنحو 160 مليون فرنك فرنسي، أصدر الباي مرسوماً بتأليف لجنة مالية دولية (من فرنسيين وانجليز وإيطاليين) برئاسة خير الدين في 5 تموز 1866، وينوب في رئاستها مفتش المالية الفرنسي فرانسوافيلان. لكن عمل اللجنة اصطدم بالعراقيل التي وضعها آنذاك مصطفى خزندار رئيس الحكومة. فعين الباي اللواء خير الدين وزيراً قيادياً يضع تحت سلطته كل الإدارة العمومية، وفي ظل تفاقم الأزمة بين الوزير ورئيس الحكومة، التي قادت إلى سقوط خزندار في 21 تشرين أول 1873، تم تعيين خير الدين وزيراً أولاً في مملكة تونس، واحتفظ بهذا المركز حتى 22 تموز 1877، حيث قام بعدة إصلاحات مهمه تمثلت في تجديد الإدارة، وتونسة الكوادر، وإعادة تنظيم القضاء، ومراجعة مسألة الحماية الدبلوماسية للقناصل وإعادة تنظيم الأوقات، وتأسيس جمعية الحبس (آذار 1874)، و إصلاح التعليم في جامع الزيتونة الكبير، وتأسيس المدرسة الصادقية الحديثة (شباط 1875) لتعليم العلوم الحديثة، واللغات الفرنسية والإيطالية والتركية، بالإضافة إلى اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية، وإنشاء مكتبة وطنية، وتنمية التعليم العمومي.‏

ولكن إصلاحات خير الدين هذه، اصطدمت بمعارضة الدول الأوروبية التي تخوض صراعاً تنافسياً لاحتلال تونس، وكذلك بالفئات الإقطاعية والتجارية المرتبطة بفرنسا، التي عملت على وضع العراقيل المحلية في طريق الإصلاحات. ولم تجد نفعاً سياسة التوازن الدقيقة التي سلكها خير الدين في علاقاته مع كل من فرنسا وإنكلترا وإيطاليا - التي كانت لها أطماع حقيقية في احتلال تونس - إلا أن انتهاج سياسة التوازن هذه، من قبل دولة ليس لها قوة من ذاتها، هو أمر خطر ودقيق. لذلك خسر خير الدين في آخر الأمر تأييد المجتمع.‏

فقد شجع بادئ الأمر المشاريع البريطاينة ثم الفرنسية. وعندما وقعت الحرب الروسية التركية، وجد نفسه في مأزق حرج ... فخسر بذلك الداعم الأجنبي، وأصبح عاجزاً عن الوقوف في وجه الباي، الذي كان قد نقم عليه لسعيه في سبيل الحد من السلطة الملكية، والذي شعر، في 1877، بقدرة كافية للاستغناء عنه. بذلك انتهت حياة خير الدين السياسية في تونس، فبدأ حياة سياسية جديدة في القسطنطينية، إذ دعاه إليها السلطان الشاب عبد الحميد، الذي كان قد اطلع على كتابه " (30).‏

إن خير الدين عاش على خطوط التماس مباشرة مع الغرب، وعاد إلى تونس محملاً بهذه الثقافة الغربية، قد صاغ مشروعه السياسي النهضوي على قاعدة ضرورة إعادة إنتاج التجربة الأوروبية على مستوى تجربة التحديث ككل في تونس، من حيث حضور الفكر السياسي الليبرالي الفرنسي في مجالات الاستعمال والمفاهيم للخطاب السياسي، ومن حيث تفاعل التجربة هذه مع المؤسسات الثقافية وضبطها لبرامج التعليم، وبخاصة مع إنشاء المدرسة الصادقية التي لعبت دوراً مهما في إعداد الكوادر الجديدة، نظرا لالتزامها بتطبيق تعليم حديث منفتح في جوهره منهجية وممارسة. علماً أن إنشاء المدرسة الصادقية هذه كان نتاجاً لحركة إصلاحية قادها خير الدين بهدف تحديث البنية الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية لتونس حسب النموذج الغربي من دون التفريط بالهوية الإسلامية. ولقد كان تمثل نهج التقدم والتمدن الأوروباوي من جانب خير الدين، يهدف إلى القيام بالإصلاحات السياسية في الدولة منطلقاً من قناعة أن طريق أوروبا هو طريق التقدم والمدنية في العصر الحاضر بالنسبة للدول الإسلامية، الأمر الذي يقتضي ضرورة اللحاق بما انجزه الغرب، والاقتباس من أفكاره ومؤسساته، وايديولوجيته. وعلى الرغم من أن هذه الأفكار، والايديولوجيا الغربية الحديثة قد نشأت في بنية اجتماعية اقتصادية وسياسية وتاريخية مختلفة عن سائر بلاد الإسلام، إلا أنها مارست تأثيراً كبيراً على ايديولوجية وثقافية خير الدين، إلى درجة أنه اعتبر الاقتباس منها ليس متناقضاً مع الشريعة الإسلامية، بل إنه منسجم مع روحها. ومن الواضح أن الخطاب السياسي الثقافي لخير الدين المقتنع بضرورة الإصلاح للخروج من حالة التلاشي والضياع ومواجهة العصر، لم يجسد قطيعة منهجية وفكرية ومرجعية مع الايديولوجيا الإسلامية، وإنما كان يريد خلع القدسية من الإطار والرموز الإسلامية التقليدية، وتوظيفها في إطار مشروعه التحديثي. ففي مطلع مقدمة كتابه، يقول خير الدين بصدد موضوع الإصلاح المقترن بضرورة الاقتباس من التجربة الأوروبية، مايلي : " الأول حمل أصحاب الغيرة والهمم من رجال الدين والدنيا على السعي في سبيل كل ما يؤول إلى خير الأمة الإسلامية، وهو مدنيتها، من توسع لحدود المعرفة وتمهيد للسبل المؤدية إلى الإزدهار، مما لا يتم إلا بفضل حكم صالح، والثاني اقناع العدد النفير من المسلمين الذين غرس في أذهانهم النفور في كل مايصدر عن غير المسلمين من أعمال ومؤسسات بضرورة انفتاحهم إلى ما هو صالح ومنسجم مع الدين الإسلامي من عادات إتباع الديانات الأخرى (31).‏

ليس خافياً على أحد أن المشروع التحديثي في تونس، الذي جسده خير الدين في خطابه الايديولوجي والسياسي، والمرتكز على قاعدة الاقتباس من التجربة الأوروبية، في سبيل تحديث المجتمع المدني التونسي المجزأ، والمتباعد والمتنافر، والذي بحث عن مخرج جديد يوحد أجزاءه وأطرافه، قد اصطدم بمعارضة الجهاز الايديولوجي للمؤسسات التقليدية، مثل المدارس القرآنية، والأحياء الزيتونية التابعة لجامع الزيتونة، والعلماء المحافظين، الذين لهم مصالح اقتصادية مباشرة مثل ملكية الأرض، والتجارة والحرفة، مثلما لهم تحالفات مع كبار التجار والحرفيين، إضافة إلى أدوارهم الاجتماعية كمدرسين في جامع الزيتونة وقضاة في المحاكم الشرعية ومعلمين في المدارس القرآنية. وتكمن الخطورة السياسية للإصلاحات التي قام بها خير الدين، في تفجيرها الصراعات السياسية التي حصلت بين مختلف القوى الاجتماعية التي تمثل القاعدة الاجتماعية لحكم البايات، وبخاصة البرجوازية التجارية والحرفية، التي تضررت من التغلغل الرأسمالي، وإدماج تونس في السوق الرأسمالية العالمية، وفي التحولات الاجتماعية التي أفرزها التطور الداخلي للمجتمع المدني الحضري التونسي، الذي لم يكن نسيجه الاجتماعي خاضعاً للمعايير والتصنيفات الطبقية المتعارف عليها في أوروبا الغربية، فلا يوجد طبقة رأسمالية، ولا دولة إقطاعية بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنما نجد تداخلاً بين وحدة القبيلة ووحدة الشعب الحضري، وتخلفاً في البنية الحضرية والعمراينة، وجموداً في البنية الاجتماعية، وانعدام تبلور أي شكل من أشكال الحراك المؤسسي لطبقة وسطى مدنية نحو السلطة. وكانت هذه الإصلاحات، والتسرب الرأسمالي، والضغط الدبلوماسي الأوروبي على المدن بوجه خاص، قد كان له أثره العميق في زيادة معارضة المؤسسة الدينية، والعلماء التقليديين الذين يركزون في خطابهم الديني على مفاهيم تقليدية مثل مسألة " السلف الصالح " ومسألة الهوية الثقافية للمجتمع، ومسألة تدريس العلوم القرآنية، والحديث والتاريخ الإسلامي، والتصوف أي العلوم المرتبطة بالمنظومة الفكرية والثقافية الإسلامية في شكلها السلفي. في الماضي كانت المؤسسات التعليمية والثفافية الدينية الشعبية (مدارس أو زوايا) التي عملت على تجميع شتات شعبي مديني وبدوي هي التي تفسح في المجال لفئات المجتمع الأهلي (التسمية الإسلامية للمجتمع المدني) لكي تصعد تدريجياً نحو المدن ومنها مؤسسات القضاء، والسلطة، والدولة، خصوصاً وأن هذه المؤسسات التعليمية كانت تمثل مركزاً سياسياً واجتماعياً كما هو الشأن مع عملية انتخاب مؤسسي الدولة الحسينية حسين بن علي التركي (حيث تحولت الزاوية إلى مجلس نيابي واستشاري يتعارض بشأن ترشيح أمير جديد) لذلك فإن التاريخ السياسي التونسي (والمغربي عامة) حافل بوقائع التحالفات والصراعات مع مشايخ الطرق والقوى الاجتماعية الشعبية التي تقف من ورائها (قبائل وزعامات قبائل). إن الجاه أو الحُظوه الاجتماعية الشعبية يتقاطعان مع كل من العلم والتقوى والموقع المادي، ومهما تكن طبيعة هذا العلم، شرعي قانوني أو صوفي، لدني ـ فإنه في كل الحالات يبدو متكاملاً وصانعاً لنظام مرجعي أساسي، يعيد ترتيب النسيج الاجتماعي، ولكن ببطئ شديد" (32).‏

ثم أن المشروع التحديثي الذي اضطلع بتطبيقه خير الدين التونسي، والمركز على فكرة التقدم المأخوذة من المرجعية الإيديولوجية والثقافية الأوروبية، هو جزء من تيار الإصلاح الإسلامي، ومرحلة الإصلاح الدستوري، والتحديث في السلطة العثمانية، التي ركزت في مشاريعها الإصلاحية السياسية والإدارية على بناء الدولة المركزية الحديثة، التي تراقب المجتمع المدني الناشئ وتحكمه بواسطة جيشها المنظم واجهزتها البيروقراطية الإدارية، باعتبارها " الأساس المحوري للتقدم والتمدن ". وكانت دعوة خير الدين إلى التمدن والتقدم - غير المتعارضة، مع أصول الإسلام، فضلاً عن أن الإسلام مقروء قراءة صحيحة من وجهة نظره هو دين التمدن والتقدم والعقل - لم تكن مرتبطة ببلورة فلسفة سياسية للإصلاح والتحديث، تستند إلى فكرة السيادة الشعبية كما هو الحال في الغرب. ويذهب الدكتور هشام شرابي إلى القول بأن الإيديولوجيا الإصلاحية " قد حظرت في الواقع، فكرة السيادة الشعبية، بإسباغها الشرعية المستمدة، من خارج إطار القانون، والمنزلة من السماء ،على السلطة السياسية وبرغم تأييدها اللفظي للحكومة الدستورية، والديمقراطية التمثيلية، تمسكت بالمبادئ التي تدعم الحكم الثيوقراطي والملكية المطلقة ". فالإصلاح الدستوري، والتحديث، على نقيض الغرب لم يكن نابعاً من الظروف الداخلية المحلية، من دون إنكار دورها، وإنما المحرك الرئيسي له، كان الوعي بالهوة الكبيرة التي تفصل بلاد الإسلام عن الغرب، مع بداية التغلغل الاستعماري الأوروبي، والارتجاجات التي أحدثها في المجتمع التونسي، الذي لم تزده إصلاحات خير الدين، أو ما يعرف بالتنظيمات التي ستدخلها تونس، إلا تعميق حدة التمايز داخل البنية الاجتماعية، حيث أن الصراع بين الريف والمدينة " سيأخذ طابعاً أكثر وضوحاً وعنفاً خاصة أمام سقوط الدولة في مسلسل المديونية الاقتصادية والتجارية مع دول أوروبا، وستكشف المراحل الموالية إلى أي حد سيأخذ الانقسام التقليدي بين الريف والمدن طابعاً نزاعياً حديثاً (جهوياً وطبقياً أو بين نخب ذات أصول اجتماعية وثقافية مختلفة )، من شأنه أن يلغي نهائياً آلية الحراك الاجتماعية السياسي"(33).‏

إن الخاصية الأولى للخطاب التحديثي الجديد الذي واجه به خير الدين معارضيه، هي اتجاهه إلى إقناع المسلمين، أن بإمكانهم الاقتباس من الغرب، والاغتراف من منتجاته المادية، وبالتالي بإمكانهم أن يصبحوا مندمجين في العالم الحديث، من دون أن يكون هذا متناقضاً مع الشريعة الإسلامية، أو تخلياً عن الدين. ولقد اجتهد خير الدين على ربط فكرة التقدم والتمدن، واستلهام النموذج الغربي بمبادئ الإسلام، باعتبار أن اقتباس كل ما هو نافع من الثقافة، والأفكار، والمؤسسات الأوروبية، ليس معادياً للإسلام، بل أنه ذهب إلى القول، إن مصادر التقدم الغربي، متمثلة في تأسيس المجالس النيابية وحرية التعبير، هما من صلب الإسلام، وحرص على إظهار عدم وجود تناقض بين مشروعه الإصلاحي والإسلام. فهو ينتقد معارضيه قائلاً على النحو التالي : " ... إذا تأملنا في حالة هؤلاء المفكرين لما يستحسن من أعمال الإفرنج، نجدهم يمتنعون عن مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات، ونتائجها، ولا يمتنعون منها فيما يضرهم. وذلك أن نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها من الضروريات، وكذا الأسلحة وسائر اللوازم الحربية، والحال أن جميع ذلك من أعمال الإفرنج. ولا يخفي ما يلحق الأمة بذلك من الشين والخلل في العمران وفي السياسة " (34). وفي سياق الدفاع عن مشروعه التحديثي بمفاهيم إسلامية تقليدية لخص خير الدين موقفه هذا في " المنهاج " حين قال : " إذا تركنا جانباً مسألة الاعتقاد، ونظرنا إلى الأمور من الوجهة المادية الخالصة فإن التاريخ يشهدنا على أن التطبيق الصريح الأمين للشريعة الإسلامية قد أدى دوماً إلى نتائج باهرة لا ترجع إلى المصادقة أو إلى تأثير ظروف خاصة، إنما الأثر الطبيعي لروح الشريعة ولاستعداداتها الفذة ولكن بما أن العلة نفسها تنتج دوماً في الظروف نفسها المعلول نفسه فإنه لا شك في أن التطبيق الحريص الأمين للشريعة الإسلامية سيعطي في أيامنا عين الثمار التي أعطاها فيما مضى من الزمان. وقد حدث أنه حين أراد البعض أن يستبدل بها نظاماً هجيناً من المؤسسات الأوروبية التي يراد لها، بقسران تماشي تقاليدنا وحالتنا الاجتماعية تصبح عارية من صورتها وغير قابلة للتطبيق فإنه لم يحصل وقد كان ذلك متوقعاً إلا على نتائج لا قيمة لها على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، فإن من الممتع، من حيث المبدأ غرس مؤسسات بلد ما في بلد أخر تختلف أمزجة أهله وأخلاقهم وظروفهم المناخية. هل يشبه النظام الفرنسي النظام القضائي لدى الإنكليز؟ ومع ذلك هاتين الأمتين المسيحيتين تنتميان تقريباً إلى الجنس نفسه وتقيمان في البقعة نفسها، وتحتل كلا منهما من المدينة الحديثة مكان الطليعة. إن فرنسا قد عملت أربعة عشر قرناً لكي تصبح على ما هي عليه ولكي تهيئ لنفسها المؤسسات التي تتمتع بها اليوم، وهل يدور بخلد أحد أن مؤسساتها التي لا يمكن إنكار سموها على تلك التي سبقتها كان يمكن لها أن تحكم الفرنسيين قبل ثلاثة قرون أو أربعة قرون؟ إن الحكومات التي توالت منذ أربعين عاماً في الدولة العثمانية قد حاولت مرات عديدة إعادة تنظيم المؤسسات السياسية والإدارية والقانونية للبلاد فضلاً عن أخلاق أهاليها وبدلاً من المثابرة على الطريق المرسوم الذي من شأنه أن يجلب التغييرات الضرورية التي تتناسب مع ما تشعر به الحاجة في كل مره كما تفعل حكومات الأمم الأكثر تحضراً وتمدناً - فإنه قد تم تبني إنصاف إجراءات لا أسس لها، واقتباس بعض المؤسسات المسلوخة عن أوروبا، وذلك بسبب ملاحظة النتائج الطيبة التي اثمرتها (هذه المؤسسات) في البلدان التي ولدت فيها، غافلين عن أن " مجموع قوانين البلد " هو الذي يضمن المنافع لكل " استعداد خاص " (35).‏

وفي سياق هذا المنطق عينه الرامي إلى تبني الأفكار والمؤسسات الغربية، ولكن دون المساس بأصول الشريعة الإسلامية، أو المؤسسات الاجتماعية، يمكن أن نرى أن حركة الإصلاح الدستورية والسياسية، وسيادة القانون، أصبحت مطلباً حيوياً مهماً بالنسبة لخير الدين، الذي كان يبحث في المعوقات البنيوية، التي تعطل مسيرة التقدم والتمدن، وفي الوقت عينه يبحث في طرق التقدم والإرتقاء إلى مصافي الدول الأوروبية الحديثة. فعلى صعيد هذه المعوقات، فقد شخصها بسيادة التأخر التاريخي، والجهل، والاستبداد السياسي في عموم السلطنة العثمانية، والبلاد العربية بوجه خاص، وهو ما جعل خير الدين يركز في سبيل التجاوز الجدلي السياسي والتاريخي لهذا لركود المجتمعي والتأخر على ضرورة إشاعة التعليم، والقضاء على الاستبداد من خلال القيام بالإصلاحات الدستورية، وبناء مؤسسات الدولة. ولقد حدد خير الدين هذه الثنائية حيث اعتبر " ... أن سعادة الممالك وشقائها في أمورها الدنيوية إنما تكون بقدر ما تيسر لملوكها من ذلك (أي العلم والمعرفة) وبقدر ما لها من التنظيمات السياسية المؤسسة على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها .... (36).‏

ويعتبر خير الدين أن أسباب التمدن والتقدم بالنسبة للأمم الأوروبية الحديثة، تكمن في دور المجتمع المدني، حيث أن هذه الدولة الحديثة قائمة على أساس المؤسسات الليبرالية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيادة القانون. إذان إقامة هذه التنظيمات الدنيوية يعود بالضرورة إلى العدل والحرية وهاتان القيمتان الأخيرتان هما من صلب الإسلام، وليستا غريبتين عن المجتمع العربي الإسلامي، بل إنهما وجدتا كمركزين محورين في الإسلام، وفي نصوصه النظرية، وقد تحقق التقدم بفضلهما في المجتمع العربي الإسلامي، حين كانت أصول الشريعة الإسلامية " مطبقة في لحظات زمنية سابقة من تاريخ الإسلام، كما أن هذا التقدم قد انتفى عندما انعدام تطبيق تلك النصوص والممارسات ". وفيما كان خير الدين مرتكزاً في مشروعه التحديثي لبناء المؤسسات والتنظيمات الدينوية على أساس الاستفادة من الفلسفة الليبرالية، الغربية، نجده في الوقت عينه يستنطق التاريخ الإسلامي القديم، والأشخاص الذين لعبوا أدواراً مهمة في الدولة العربية الإسلامية، ويستحضر هذا الماضي، لكي يقنع المحافظين المسلمين، بأن استجلاب المجالس النيابية من الفلسفة الليبرالية الغربية الأوروبية، ليس أمراً مخالفاً للشريعة الإسلامية، بل إن الإسلام يبيح استجلاب تلك المؤسسات. وعلى هذا النحو يحاول خير الدين أن يحفر للبرهنة على سلامته ومشروعية منطقه في " نصوص الوعي المتأصل، نصوص الروح الثابتة، انطلاقاً من عقل مسؤول. تؤول ثوابت ذلك الوعي تأويلاً ضمنياً. وكما هو معروف، هذه ليست فلسفة جديدة بالنظر إلى أجداد المفكر العربي الحديث القدامى. لقد تم دائماً الجدل بين روح التقدم وروح الحفاظ، على هذه السكة، تحمّل النصوص بمحمولات يجب دائماً أن تكون موافقة لما يُراد قوله ولاقناع بصحته !! (37).‏

لقد تحكم في المنطق الداخلي لخطاب خير الدين - بسبب من محاكاته للغرب، والاستحسان ما عنده من منافع، والبحث لها عن مقابل في الإسلام - ذلك التنازع بين تقبل فكرة التحديث واقتباس الأفكار والموئسات عن أوروبا (أي تقبل مرجعية القياس الغربي على مستوى الحضارة الأوروبية )، وبين إقناع المسلمين المحافظين بأن فكرة التحديث، واقتباس المؤسسات ليس متناقضاً مع القيم والتراث الفكري الإسلامي (وهذا يعني رفض الغرب على المستوى السياسي). وهذا التناقض المزدوج شكل أحد السمات البارزة للخطاب الدستوري النهضوي العربي، وأحد ثوابت علاقة المثقفين العرب بالحضارة الغربية فكراً، وقيماً، وسلوكاً. وهنا تذوب كل الحدود بين الليبراليين، والتوفيقيين، والسلفيين إلخ، ذلك أن المواقف التي تحكمهم فيما يتعلق بالتناقض بين الفلسفة الليبرالية الغربية والذات العربية الإسلامية - كهوية جماعية تستند إلى أصول الشريعة الإسلامية الثابتة، والقابلة للتطبيق في كل زمان، حسب وجهة نظر الأكثرية منهم - تقوم على الرؤية التماثلية، لا على أساس جدلية الاختلاف، والتشابه، والمغايرة، والتعدد، الذي يقر بالتماثل للشعوب والأمم في انتمائها إلى الكون البشري، والماهية الإنسانية. ولكن هذا التماثل لايلغي الاختلاف في سلسلة من الانتماءات الأخرى لكل شعب، ولكل أمة، وبخاصة على مستوى مفهوم الهوية. وهذا ما جعل تيار الإصلاح الدستوري في الوطن العربي، على اختلاف من أسهموا في بلورته مرتبطاً بمرجعية الشريعة الإسلامية، من حيث أنها تشكل مصدر إلهامه، الأمر الذي جعل الدكتور هشام شرابي يقول في هذا الصدد ".. إنه من الناحية العقائدية والمنهجية، فإن الفكر الإصلاحي استوحى في الدرجة الأولى القضاة وعلماء الفقه الإسلامي في العصور الوسطى " (38).وإذا كان خير الدين مدركاً أن أساس تقدم أوروبا وازدهارها ليس سوى بناء المؤسسات السياسية القائمة على العدل والحرية، فإن حماسة دعوته إلى استجلاب المؤسسات الدستورية من الأخر (أي الغرب) لم تنج من تأثير الشريعة الإسلامية، ذلك أن اقتباس المؤسسات والتقدم من الغرب موافق للشرع الإسلامي، طالما أن هذا " الإسلام أصل له ". .....‏

إنه إذا كان صحيحاً كل الصحة إن المؤسسات في الغرب هي نتاج طبيعي لصيرورة من التحولات السياسية التاريخية الطويلة والمعقدة، وارتبطت تاريخياً بتبلور منظومة من القيم والمعتقدات، مثل الليبرالية، والرأسمالية، والعلمانية، والمجالس النيابية، والوزارات المسؤولة، وحرية الصحافة، حرية التعبير، التي أصبحت راسخة على صعيد الدولة كتعاقد اجتماعي، وعلى صعيد المجتمع المدني باعتباره " النسق السياسي المتطور الذي تتيح صيرورة تأسسه (تمفصله في مؤسسات) مراقبة المشاركة السياسية " (39)، والتي تتعارض مع القيم والمعتقدات الإسلامية السائدة في المجتمع العربي الإسلامي، إلا أننا نجد خير الدين يؤكد عن وجود مقابل لهذه المؤسسات في الإسلام. بل إنه ذهب إلى القول أن المجالس النيابية المنتخبة عن طريق الاقتراع العام المباشر، التي تفسح في المجال للمجتمع المدني المشاركة السياسية، وحرية المطابع، اللتين حققا بهما الغرب قفزته التاريخية على صعيد تجسيد القطيعة مع النظام الإقطاعي القديم، تجد مايعادلها في الإسلام. فالمجالس النيابية الأوروبية الحديثة، ليست شيئاً أخر غير مجالس الشورى للخليفة، في الدولة العربية الإسلامية الأولى، وما أعضاء البرلمان سوى العلماء وأعيان الدولة الإسلامية قديماً، أي أهل الحل والعقد التي يتشكل منهم مجلس الشورى- والذين يلعبون دور المستشارين للخليفة، حيث يستحسن هذا الأخير بآرائهم المستنيرة حول قضايا الأمة والدولة. وقد انتجت الدولة العربية الإسلامية مؤسسات للنفع العام، والخدمات الاجتماعية والتعليم، مثل المساجد التي لعبت دور المؤسسة التعليمية والايديولوجية، ومؤسسات الوزارة في العصر الأموي والعصر العباسي. ومن هذا المنطلق فإن استجلاب المؤسسات الأوروبية، ليست سوى تطبيق لأحكام ومبادئ الشورى، وسنة الرسول، وآراء المجتهدين الكبار الذين يشكلون مؤسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. " فالمشورة، تعني تطبيق مبدأ إسلامي آخر، يشكل إحدى ركائز الروح الإسلامية النظرية وهو مبدأ " تغير المنكر " و " الأمر بالمعروف ". هذا إرشاد ديني يرتبط أساساً بتصور لاهوتي للعلاقات بين البشر.‏

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " مبدأ يعتمد مصدراً قلبياً إيمانياً في تحديد علاقة المسلم بالمسلم. وهو بالطبع يستند إلى الحديث النبوي الشهير : " من رأى منكم منكراً فليغيره ويحدد الحديث وسائل هذا التغيير حتى إذا عجزت جميعها أو استحالت، يقتصر على التغيير القلبي الذي يستقي قوته من كائن ميتافيزيقي لاهوتي حاضر باستمرار في حياة المؤمن الروحية والمادية معاً. لماذا الشورى إذن؟ إنها لمنع ألوان المالك للسلطة من السقوط في " المنكر " ولضمان سيره باستمرار عن طريق " المعروف " (40).‏

من الواضح هنا، أن خير الدين يحاول أن يوائم المفاهيم الدستورية - من المجالس النيابية، والمؤسسات التي تتميز بها أوروبا الحديثة، والتي كانت ثمرة فلسفة عصر التنوير والنهضة الأوروبية، والثورة البرجوازية الأوروبية وتقدمها لاحقاً، وإفرازاً لانتصار وهيمنة الرأسمالية الغربية، ضمن سياق معطيات الصراع الطبقي الحاد بين البرجوازية الصاعدة والطامحة والإقطاع المنهار، - مع مبدأ الشورى الإسلامي، الذي ينتمي إلى فلسفة أخرى لها خلفياتها وأبعادها، ويوجهها عقل زماني ميتافيريقي ومتعالي. ومع ذلك، لم تكن قضية خير الدين الرئيسة هي قضية الديمقراطية الحديثة، وإنما قضيته تكمن في تأكيده على مبدأ الشورى بهدف إقامة المجالس النيابية المراد منها تقييد السلطة، باعتبار أن قضية التقدم العمراني عند خير الدين هي قضية بناء التنظيمات السياسية القانونية الدنيوية المؤسسة على الحرية والعدل. لذلك يؤكد خير الدين كما يقول معن زيادة على فكرة المشورة التي توازي في نظره قضية الديمقراطية بكل أبعادها من حرية قول وعمل وتمثيل، وإن اختلفت التسميات وتباينت الوسائل المؤدية إلى كل منها " فقد نصب الأوروبايون المجلس وحرروا المطابع. فالمغيرون للمنكر في الأمة الإسلامية تتقيهم الملوك كما تتقي ملوك أوروبا المجالس وآراء العامة الناشئة عنها وعن حرية المطابع. ومقصود الفريقين واحد، وهو الاحتساب على الدولة لتكون سيرتها مستقيمة وإن اختلفت الطرق الموصلة إلى ذلك " (41).‏

إن الدولة المقترحة بناؤها من قبل خير الدين هي الدولة الدستورية المقيدة، القائمة على ثلاث ركائز، هي الملك، والوزير المباشر، وأهل الحل والعقد. علماً بأن نظرية خير الدين حول الدولة تقوم على وجود أنماط ثلاثة : "إن الدولة إما أن تكون اوتوكراتيك Autocratique أي استبدادية، وأما أن تكون اريستوكراتيك Aristocratique أي زمامها بيد الأعيان، أو ديموكراتيك Democratique أي أمرها بيد العامة الشعب ".‏

وفي الواقع، فإن خير الدين بنى دولته على أساس النمط الثاني الأرستو كراتيك، أي نمط الدولة الملكية الدستورية المقيدة، التي يلعب فيها الأعيان، أي " أهل الحل والعقد "، الذين هم بمنزلة نواب المجالس النيابية، أي الممثلين عن الشعب، من دون أن يكونوا منتخبين مباشرة على غرار نواب المجالس النيابية في الغرب، دوراً أساساً، هو الدور الموازي لأعضاء المجالس النيابية في الملكية الدستورية المقيدة .‏

إن اختيار خير الدين لنمط الدولة الدستورية المقيدة نابع أيضاً من ضرورة تقييد صاحب السلطة الذي هو الملك، حتى يكون في " خدمة المصالح العمومية " أي السياسة بوصفها الشأن العام للدولة، بدلاً من أن ينغمس في خدمة " أغراضه وشهواته الخصوصية التي تبعده عن مراعاة المصالح العمومية ". لذا، أكد خير الدين أن تيسير تقدم الدولة والعمران، مرتبط ببناء الدولة العمرانية الشورية التي تتطلب تعاوناً وثيقاً بين فريق السياسيين وفريق العلماء، الذين لا يجوز أن يظلوا عالمين بأحكام الشورى وأحوالها، وإنما وجب عليهم الانخراط في الحياة الدنيوية. وفي هذا الاختيار، تأكيد على ضرورة القيام بالإصلاحات السياسية عن طريق بناء التنظيمات الدنيوية، التي تقيد سلطة الحاكم، وتحول دون ممارسة الاستبداد، وفي الوقت عينه تمثل وسيلة للتقدم والتمدن وإقامة العمران. يقول خير الدين، فيما يتعلق بنمط الدولة الدستورية المقيدة " ... وجب علينا أن نجزم، بأن مشاركة أهل الحل والعقد للملوك في كليات السياسة، مع جعل المسؤولية في إدارة المملكة على الوزراء المباشرين لها، بمقتضى قوانين مضبوطة، مراعي فيها حال المملكة، أجلب لخيرها، وأحفظ لها " (42).‏

إن تقدم الأمة الإسلامية في نظر خير الدين منوط بالأخذ بـ " المعقول والمنقول "، فالمعقول يتمثل في أن تتبنى الدول الإسلامية مايعادل المؤسسات الإسلامية القديمة من مؤسسات حديثة، البرلمانات، والوزارات المسؤولة، وحرية الصحافة، حرية التعبير، المستمدة من الفلسفة الليبرالية الأوروبية، باعتبارها مؤسسات تقيد سلطة الدولة بالقوانين الضابطة، والأنظمة المقيدة، وتمنع التفرد بالسلطة الذي يقود إلى الاستبداد، حتى لو كان الحاكم يتصف بالعدل والعلم، لأن " العمل بالرأي الواحد مذموم ولو بلغ صاحبه ما بلغ من الكمالات والمعارف"(43).. فالمعقول عند خير الدين في الفلسفة الليبرالية الغربية، ليس بالضرورة ينطلق من أصول الشريعة الإسلامية، وإنما يتماهى مع هذا الشرع، ضمن رؤيته التأويلية على طريقة الفقهاء في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، الذي يسمى بالاجتهاد. أما المنقول، فإن مايعني به خير الدين في هذه الحال، الاستشهاد بالفقهاء المسلمين الكبار، وبمبادئ الشريعة الإسلامية، لكي يبرهن أن المؤسسات الغربية لها ما يعادلها في الشورى، حيث أن هذا الاستشهاد يدخل في إضفاء شرعيته على الشورى. ولهذا كان خير الدين يحث العلماء المسلمين على ضرورة معرفة التغييرات والتحولات في العالم لكي يكونوا على اتصال بروح العصر، وقادرين على وضع تنظيمات دنيوية تناسب مع قدرة أوطانهم على هضم، وتمثل هذه التحولات من ناحية، وأحكام الشورى من ناحية أخرى." بهذا الفهم، يتضح أن وجود " الشورى " ليس وجوداً حقيقياً، إلا على مستوى وحيد ويتمثل في مجموعة من النصوص التي لا تحمل مضموناً واحداً، بل محمولات عدة، تتناسب وظرفية إثباتها. إنها شورى نصية، لا واقعية، إنها تصورية على أنحاء وزوايا للنظر متعددة، وليست بشورى مؤسساتية، خاضعة لصيرورات أفعال اجتماعية، لذا. فإن البحث فيها، لدى خير الدين التونسي، كما لدى جميع المفكرين المسلمين الذين نحوا نفس المنحى، لم ينظر مدى مطابقة المؤسسة البرلمانية مع الشورى النصية، بل عمل على البرهنة بواسطة نصوص، على وجودها في التاريخ الإسلامي، أي التاريخ النصي المكتوب، والتاريخ بمعناه الصوري لا الوقائعي ... إذ كيف تقبل المنطق السليم على شيء شرعي من أجل جعله شرعياً؟‏

إن هذه واحدة من أهم مفارقات فلسفة الإصلاح الإسلامية في القرن التاسع عشر الميلادي، وبداية القرن العشرين " (44).‏

ونأتي إلى موضوع الحرية، وكيفية تأويل خير الدين لأفكار غير ليبرالية تأويلاً ليبرالياً في التراث العربي الإسلامي. خير الدين المتأثر بالفلسفة الليبرالية الغربية، لم يضع الحرية في إطار فلسفي عميق، ولم يبحث عن أصلها ومداها كما يقول العروي، فلم يجسد قطيعة مع الفكر الإسلامي التقليدي، طالما أنه يبرهن في إطار تأصيله للحرية في المجتمع الإسلامي إلى استخدام التاريخ، واستحضار القادة المسلمين، الذين تحدثوا عن الحرية، والذين يعتبرونها من صميم الإسلام، مثل قول خير الدين " إن الحرية والهمة الإنسانية اللتين هما منشأ كل صنع غريب غريزتان في أهل الإسلام مستمدتان مما تكتسيه شريعتهم من فنون التهذيب "، أو استحضار قول عمر بن الخطاب " من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليوقومه"، لكي يؤكد على وجود الحرية السياسية في تاريخ الدولة العربية.‏

هكذا، نجد أن الحرية السياسية التي تفسح في المجال مشاركة المجتمع المدني في سياسة الدولة، والمستعيرة أساساً من الفلسفة الليبرالية الغربية، يزكيها خير الدين بما يعادلها في الفقه السني، ويوظفها بهدف تحرير المسلمين من الأوروبيين من ناحية، ويعتبرها من صميم حاجات المجتمع للقيام بالإصلاحات الدستورية، وإقامة التنظيمات من أجل الانعتاق من الاستبداد. وبما أن الحرية السياسية تتطلب حقوقاً متساوية للجميع في ظل الدولة الامبراطورية العثمانية، فإن مسألة تحقيقها تبدو مسألة صعبة، لذلك يقول خير الدين، إن ما يحول دون منح الحرية السياسية إنما هو خصوصاً تنوع عناصر الإمبراطورية.‏

إذا كانت قضية المجتمع المدني في الغرب مرتبطة بالفلسفة الليبرالية، ومقوماتها الأساسية العلمانية، والعقلانية، والديمقوقراطية، وبناء المؤسسات الدستورية التي جاءت نتيجة صراع بين طبقات وفئات اجتماعية انتهت بانتصار الطبقة البرجوازية الصاعدة، فإن قضية بناء المجتمع المدني عند خير الدين تقوم على الاستعارة من مفاهيم الفلسفة الليبرالية الغربية من ناحية، والارتباط بمرجعية المفاهيم الإسلامية التقليدية وبخاصة مبادئ الشورى، من دون إنتاج فلسفة سياسية لحركة النهضة من ناحية أخرى. " لقد عانى المفكر العربي تناقضاً في الانتاجات الفكرية الحديثة ذات المنحى الإصلاحي، والتي عرفها القرن التاسع عشر بالخصوص، وبدايات القرن العشرين. فمعظم المؤلفات التي وضعت لغرض الإصلاح تنطق بهذا التناقض، تناقض نابع من الارتباط والعودة إلى " الأصل " ولكن هذا التوق لا يجد نجدته إلا في الاقتباس : الآخذ من " أخر " اعتبر خصماً في أحسن الحالات، وهو فعلاً خصم عنيد، وقوة نافية - وهذا طبيعي يتماشى وطبيعة التاريخ الكوني - لا سبيل إلى مواجهتها إلا بالأخذ منها " (45) .‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 10:01 PM   المشاركة رقم: 32
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

ثالثاً





إن الكواكبي من حيثيات مختلفة كان رائداً من رواد الانتقال من نظام الملل الديني إلى مفهوم الأمة الحديث، وبالتالي إلى مفهوم المجتمع المدني دون أن يسمي ذلك صراحة أو يشير إليه، وذلك من خلال طرحه السؤالين الكبيرين، اللذين يتمحوران حولهما جل تفكيره، ماسبب الانحطاط؟ إنه الداء الذي يجد أصله في " الاستبداد السياسي ". وما أفضل الوسائل للنهضة؟ إنه الدواء الذي يدفع به المرض ويؤمل به الخلاص، فهو الإسلامية، المطالبة " بطراز سياسي شوري، ذلك الطراز الذي اهتدت إليه بعض أمم الغرب، تلك الأمم التي، لربما يصح أن نقول قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون ". ذلك هو منهج الكواكبي في بحث هذه المعضلة الاجتماعية.‏

ويعتبر الكواكبي حلقة وصل بين حركة الإصلاح الديني الذي قادها جمال الأفغاني ومحمد عبده على الصعيد الذهني والمعتقدي، باعتباره تلميذاً لهذه الحركة، وبين الحركة القومية. وهذا الوصل يكسب الكواكبي أهمية خاصة، ذلك أنه من الصعب إن لم نقل من المستحيل الانتقال من مفهوم الملة إلى مفهوم الأمة العلماني، ومن نظام الطوائف (طوائف الحرف والملل على حد سواء) إلى المجتمع المدني من دون تواكب حركتين، هما مظهران لحركة واحدة، نطلق عليها حركة النهضة، الأولى : حركة الإصلاح الديني، والثانية : الحركة القومية. ولدى الكواكبي شيء من هذا وذاك، والكواكبي قطب من أقطاب مذهب الوحدة الإسلامية، وإذا كان في كتابه " طبائع الاستبداد " يوجه صرخة مدوية إلى العرب المسلمين يذكرهم فيها بأن الله خلقهم أحراراً، كما ذكرهم بأن أجدادهم لم ينحنوا إلا لله "، فإن في كتابه في " أم القرى " دعا إلى خلافة عربية مركزية في الجزيرة العربية. وقد أجمع الباحثون على أن الكواكبي شن حملة قوية عنيفة ضد استبداد وظلم العثمانيين، ودعا إلى عودة العرب لاضطلاعهم بدورهم التاريخي، كما يقول : " فالعرب هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية، بل الكلمة الشرقية. العرب انسب الأقوام لأن يكونوا مرجعاً في الدين وقدوة للمسلمين، حيث كانت بقية الأمم قد اتبعوا هديهم ابتداء، فلا يأنفوا عن اتباعهم أخيراً " (46). صحيح أن الكواكبي دعا إلى حكومة إسلامية، لكنها دولة عربية أولاً، وتقوم على توافق مجتمعي في أم القرى ثانياً. وهذا التوافق سيكون نقلة من مفهوم الشورى إلى مفهوم الديمقراطية، التي للكواكبي موقف واضح وإيجابي. " وهكذا، فالخلافة في رأي الكواكبي، ليست دولة متحدة سياسياً، وإنما اتحاد كونفيدرالي للدول الإسلامية. زد على ذلك أن الخليفة ليست له غير وظائف استشارية ولا يتمتع إلا بصلاحيات السلطة الروحية. أما السلطة السياسية في الخلافة فهي تخص حكاماً زمنيين. والمعروف أن مطلب الفصل بين السلطات غريب على الإسلام التقليدي، وبهذا الشكل يمكن اعتبار عبد الرحمن الكواكبي سلفاً للايديولوجيين الذين وضعوا المبادئ، النظرية لنزعة الواحدة العربية المعاصرة بوصفها ايديولوجية علمانية للبورجوازية العربية القومية " (47).‏

إذا كان كل من الطهطاوي وخير الدين التونسي قد وجها مشروعهما في الإصلاح الإداري والتربوي، فالكواكبي وضع مشروعه في الإصلاح السياسي، وبلورة تصورات سياسية ودينية جديدة، خصوصاً في مسائل النظام السياسي، وإعادة بناء مؤسسة الخلافة، أي تأسيس الدولة بالتوافق مع معطيات العصر الحديث، وملائمة الدين مع العصر، من خلال دعوته لدراسة العلوم الطبيعية، وحثه على التجديد في الفكر والسياسة، حيث أن القضية بالنسبة له ليست العلوم الطبيعية فقط، بل السياسة أيضاً، التي تعتبر غيابها من أسباب تخلف العرب، ولهذا نراه يرى الاستبداد الديني والسياسي إسوة بما حققته أمم الغرب وصولاً إلى دولة الأمة، أي إلى عربية إسلامية.‏

الكواكبي كان ميالاً إلى الانتقال من الملة إلى الأمة، والإسلام لم يكن في رأيه عقيدة سياسية بل الأمة هي العقيدة السياسية، والإسلام قوة إسناد تاريخية وواقعية، وانسجاماً مع هذه الرؤية السياسية واللاهوتية - الفلسفية ،التي قوامها النضال من أجل بلورة النزعة القومية العربية، والدعوة إلى منجزات الحضارة الأوروبية، والمؤسسات الدستورية، والنزعة البرلمانية، دعا الكواكبي إلى تجديد النظر في الدين بهدف إحياء الإسلام بواسطة الإصلاح الديني.‏

ففي نقده للممارسات التي تتناقض مع جوهر الإسلام، وقادت إلى تفشي الداء والانحطاط، وفي إطار حرصه على تكريم الإنسان أساس المساواة والمسؤولية السياسية، يقول الكواكبي : "... ومن يدري من أين جاء فقهاء الاستبداد بتقديس الحكام عن المسؤولية حتى أوجبوا لهم الحمد إذا عدلوا، وواجبوا الصبر عليهم إذا ظلموا وعدوا كل معارضة لهم بغياً يبيح دماء المعارضين؟ اللهم إن المستبدين وشركائهم قد جعلوا دينك الإسلام غير الدين الذي أنزلت فلا حول ولا قوة إلا بك ! (...) نعم، لولا حلم الله لخسف الأرض بالعرب حيث أرسل لهم رسولاً من أنفسهم، أسس لهم أفضل حكومة أسست في الناس، جعل قاعدتها قوله : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته "، أي كل منكم سلطان عام ومسؤول عن الأمة، وهذه الجملة التي هي أسمى وأبلغ ما قاله مشرع سياسي من الأولين والآخرين، فجاء من المنافقين من حرف المعنى عن ظاهره وعموميته إلى أن المسلم راع على عائلته ومسؤول عنها فقط. كما حرفوا معنى الآية :" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (1) إلى ولاية الشهادة دون الولاية العامة. وهكذا غيروا مفهوم اللغة، وبدلوا الدين وطمسوا على العقول حتى جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال، وعزة الحرية، بل جعلوهم لا يعقلون كيف تحكم أمة نفسها بنفسها دون سلطان قاهر. فإن الله جل شأنه ساوى بين عباده مؤمنين وكافرين في المكرمة بقوله : (ولقد كرمنا بني آدم )، ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) فقط. ومعنى التقوى، لغة، ليس كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة غرسها علماء الاستبداد القائلين في تفسير (عند الله) أي في الآخرة دون الدنيا، بل التقوى لغة هي الأتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله.. ومن المعلوم أنه لا يوجد في الإسلامية نفوذ ديني مطلقاً في غير مسائل إقامة شعائر الدين، ومنها القواعد العامة التشريعية التي تبلغ مائة قاعدة وحكم، كلها من أجل وأحسن ما اهتدى إليه المشرعون من قبل ومن بعد " (48).‏

إن الاستبداد الديني قاد إلى تحجر الإسلام، ووظف المستبد السياسي، أو الاستبداد السياسي بشكل مطلق، التأويل والتعريف في أصول الإسلام اللذين قام بهما الفقهاء، في تبرير سيادة استبداد سلطة الحاكم، وهيمنة الظلم والتعسف. وقد عّرى الكواكبي العلاقة العضوية بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، حيث أن هذا الأخير كان تاريخياً يتآلف ويتعايش مع الأول، بل هو خاضع له. إن تعرية الاستبداد يدخل في سياق تحفيز البشر من أجل الكفاح في سبيل الحرية، وهنا تتقيد وتتجلى في فكر الكواكبي قيمة الإنسان وعظمته، وحقيقته، إنه مولود لكي يكون حراً. ولذا كنا نسمعه يتفجر غيظاً من الكتل الشعبية الهامدة، ومن امتثال الأفراد لأقدار لم يصنعها، فإنه يؤسس لبناء المواطن الحر، بناء الإنسان.‏

لقد ربط الكواكبي على نحو لافت النظر الأخلاق بالسياسة، مؤكداً أن منظومة الأخلاق التقليدية هي نتاج استبداد تاريخي عميق الجذور في البنى الاجتماعية الذهنية والنفسية. يقول الكواكبي في هذا الصدد: " الخلاصة أن البدع التي شوشت الإيمان وشوهت الأديان تكاد كلها تتسلسل بعضها من بعض وتتولد جميعها من غرض واحد هو المراد، إلا وهو الاستعباد. والناظر المدقق في تاريخ الإسلام يجد للمستبدين من الخلفاء والملوك الأولين وبعض العلماء الأعاجم وبعض مقلديهم من العرب المتأخرين أقوالاً افتروها على الله ورسوله، تضليلاً للأمة على سبيل الحكمة.. وإني أمثل للمطالعين مافعله الاستبداد في الإسلام بما حجر على العلماء الحكماء من أن يفسروا قسمي الآلاء والأخلاق من القرآن تفسيراً مدققاً، لأنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغفل السالفين أو بعض المنافقين المقربين المعاصرين، فيكفرون فيقتلون " (49).‏

في تعرية الاستبداد كان الكواكبي يبذر بذور العلمانية، ولكن بذور علمانية رشيدة، ذلك أنه ربط الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي، ورفضهما معاً. فتحرير الإنسان من الإيديولوجيا الدينية يتسق في رؤية الكواكبي مع تحريره من الاستبداد السياسي. وفي خطاب الكواكبي تمييز دقيق بين الايديولوجيا الدينية والفكر الديني من جهة، وبين الدين باعتباره زفرة المحرومين وروح عالم بلاروح حسب تعبير ماركس، والدين السياسي، الذي لوّن التاريخ العربي الإسلامي. فعلمانية الكواكبي هي علمانية عقلانية لا تنتهي إلى مذهب الحادي. وهذا ما تؤكده آرائه العقلانية التي تدعو إلى محاربة التعصب والطائفية، والتسامح الديني، ونشر التنوير، وسيادة القوانين الواحدة على الجميع، والنضال من أجل الحرية وضد الطغيان، وإعطاء مفهوم الحرية هو أقرب إلى المفهوم الليبرالي، منطلقا أن الحرية هي روح الدين الإسلامي " (50). ولا يخفي أنه يحول عمل ما عملته الدعوة البروتستانتية في أوروبا (51) .‏

إن العلمانية الرشيده التي يتبناها الكواكبي تتجلى بوضوح في تصوراته السياسية حول العلاقة بين الدين والدولة، القائمة على مبادئ العقلانية، وفي دعوته إلى الاقتداء بتجارب " أمم استراليا وأمريكا "، وفي قوله " دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلمات سواء. إلا وهي : فلتحي الأمة، فليحيى الوطن، ....، فلنحي طلقاء أعزاء"(52).‏

لقد تميز الكواكبي بنقده الحاد للاستبداد في كافة أشكاله، وللاستبداد السياسي بكيفية خاصة، الذي يعتبره متناقضاً مع الإسلام، ومع ماضي تاريخ العرب، فضلاً عن أنه السبب الرئيس في الانحطاط للأمة. يعرف الكواكبي الاستبداد السياسي على النحو التالي ؟" إن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلا أو حكماً، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلاخشية حساب ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة أما هي غير مكلفة بتطبيق تصرفها على شريعة، أوعلى أمثلة تقليدية، أو على إرادة الأمة، وهذه حالة الحكومات المطلقة. أو هي مقيدة بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها أبطال قوة القيد بما تهوى وهذه حالة أكثر الحكومات التي تسمى نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية.. ويكفي هنا الإشارة إلى أن صفة الاستبداد، كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولى الحكم بالغلبة أوالوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً لأن الاشتراك في الرأي لايدفع الاستبداد وإنما قد يعد له الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتفاق أضر من الاستبداد الفرد. ويشمل أيضاً الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة، لأن الاستبداد لايرتفع مالم يكن هناك ارتباط في المسؤولية فيكون المنقذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولون لدى الأمة، تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله، وتعرف أن تراقب، وان تتقاضى الحساب. وأشد مراتب الاستبداد التي تتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية " (53).‏

هل يمكن بناء المجتمع المدني ضمن الملة والطوائف؟‏

الكواكبي كان معجباً بمؤسسات المجتمع المدني في الغرب، كالصحافة والبرلمان، والأحزاب. ولعله كان معجباً أكثر بالملكية الدستورية المقيدة، الخاضعة لرقابة شعبية فعالة، حيث أن المملكة الديمقراطية المثالية التي تقبل بالشريعة نصاً وممارسة تخضع لنموذج (دولة الخلفاء الراشدين) " لا يعلى عليه، هو نموذج الدولة والنظام الاجتماعي الذي أقامه العرب في عهد الخلفاء الراشدين "، فضلاً عن إعجابه بمشاركة الشعب في السياسة. وكان هم الكواكبي ايقاذ الكتل الشعبية الهامة وزجها في معترك الفاعلية السياسية والصراع من أجل الأفضل. الكواكبي كان سباقاً إلى إبراز هشاشة العامل الذاتي، وله إشارات مبكرة إلى تأخر الوعي والفكر، وإلى استكانة الناس واستسلامهم لقوى القهر والاستغلال، وللسلطات الدينية، وللأوهام والبدع إلخ. من هنا ينبع الدور التنويري للكواكبي في إيقاظ وإفهام الشعب طريق التحرر من شر الاستبداد، لأن جهل الشعب يولد فيه الخوف والاستكانة أمام الاستبداد، وهذان يقودان بدورهما إلى سيادة العجز والعبودية. إن جهل الشعب يولد باستمرار شروط بقاء الاستبداد، الأمر الذي يؤدي إلى انحطاط الأخلاق في ظل غياب نقاء الإسلام المفقود. فمحاربة الاستبداد عند الكواكبي لا تقتضي تعرية نظام الاستبداد فقط، بل يجب طرح مشروع مجتمعي يحل محله، وهذا يتطلب تسليح الشعب، وتوعيته ببرنامج واضح للتغيير السياسي، وهو ما يجعله يحدد رؤيته حول العديد من المفاهيم السياسية، مثل الأمة، الشعب، نظام الحكم، الاستبداد والحرية، الوحدة القومية، ووضع الدين في السياسة والمجتمع.‏

إذا كان المجتمع المدني يتجه نحو أفق هو أفق الحرية، فإن الكواكبي أول من صاغ في الوطن العربي رؤية متماسكة نكاد نقول أنها نظرية في الاستبداد، حتى لا تبدو الحرية في نظره جملة من الشروط التي تجعل الاستبداد مستحيلاً. ولهذا أكد الكواكبي أن سيادة الأمة، لكي تحكم نفسها بنفسها مرتبطة بالتطلع الشغوف للشعب نحو الحرية. " إلا أن الكواكبي، وهو يؤكد على التمسك بفكرة الإصلاح السلمي للمجتمع، يدرك أن صبر الشعب يمكن أن ينفذ وعندئذ يثور على الاستبداد من أجل الحرية، ويرى الكواكبي أن مثل هذا الطريق النضالي مرغوب فيه بشكل أقل، لأنه أقل إثماراً من برنامج الإصلاح الذي يرسمه والحجج التي يقدمها ضد الطريق غير السلمي لحل المسألة تنحصر في جوهرها فيما يلي : 1/ تؤدي الانتفاضة، إلى تضحيات كبيرة وهذا هو المأخذ الرئيسي عليها، أن الشعب الذي لا يدرك أسباب مصائبه، والذي لا يرى مثلاً على أمامه، وبالأحرى هذا الشعب الجاهل، وعندما يثور، فهو لا يستطيع غير عزل مستبد معيش، إلا أنه لايستطيع القضاء على الاستبداد ذاته " (54).‏

وفضلاً عن بلورة الكواكبي نظرية في الاستبداد مستفيدة من مبادئ ايديولوجية التنوير الفرنسية، ومحاولاً تكييفها بما " يتماشى مع الاحتياجات الملحة للتطوير الاجتماعي للعالم العربي، وإطلاع العرب عليها في انسب شكل لهم، يطابق مستوى استعدادهم الايديولوجي المعاصر "، فإن أبرز العناصر القومية في فكره تتمثل في المسائل التالية :‏

1- عروبة الدولة سواء كانت خلافة أو ملكاً، أو دولة ديمقراطية حديثة، من خلال تركيزه على مصالح العرب الخاصة وتعبيره عن طموح العرب إلى التحرر من النير العثماني.‏

2- عروبة الثقافة المنفتحة على العالم وعلى معطيات العصر الحديث .‏

3- التركيز على مفهوم الشعب.‏

إن الكواكبي باعتباره مفكراً سياسياً مفعماً بكراهية الاستبداد في كافة صوره، ونموذجاً للمثقف السياسي من عصر النهضة، " تؤرقه حالة المسلمين قاطبة فهو مسلم، يدافع عن دولة تنهشها الأطماع الأوروبية الرأسمالية الاستعمارية، فهو عثماني، ويدافع عن حق قومه في الزعامة ضد من سلب الخلافة، فهو عربي، وينظر إلى الغرب بوصفه استعماراً، فهو شرقي. وهاجسه في النهاية دولة إسلامية شورية متأوربة مدنيه وخليفه شريف ذو أخلاق إسلامية بدوية عربية يجمع كلمة المسلمين " (55).‏

هوامش الفصل الثاني:‏

1- هشام شرابي - النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي - مركز دراسات الوحدة العربية - نقله إلى العربية محمود شريح - الطبعة الأولى كانون الثاني 1992 - (ص24).‏

2- البرت حواراني - الفكر العربي في عصر النهضة 1798- 1939 - دار النهار للنشر - الطبعة الرابعة 1986 (ص 75).‏

3- المجتمع المدني في الوطن العربي ودروه في تحقيق الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى - ايلول 1992 - (ص 176) - تعقيب سعيد المولى على بحث معن زياده بعنوان - المجتمع المدني والدولة في فكر النهضة العربية الحديثة.‏

4- محمد عابد الجابري - اشكاليات الفكر العربي المعاصر - مركز الوحدة العربية - الطبعة الثانية ايلول 1990 - (ص 29).‏

5- المصدر السابق (ص 29) .‏

6- لويس عوض - تاريخ الفكر المصري الحديث. من الحملة الفرنسية إلى عصر اسماعيل مكتبة مدبولي القاهرة - الجزء الأول - الطبعة الرابعة - 1987 (ص 242 -244).‏

7- محمد عمارة - الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ج 1، الطبعة الأولى 1973 (ص 154).‏

8- البرت حوراني - مصدر سابق (ص 96).‏

9- د. لويس عوض - مصدر سابق (ص 293).‏

10- الطهطاوي، مناهج الالباب المصرية في مباهج الآداب العصرية (ص 206-212-214).‏

11- انظر د. لويس عوض مصدر سابق (ص 297- 298).‏

12- د.لويس عوض مصدر سابق (ص299).‏

13- مناهج الالباب المصرية (ص 372).‏

14- د.لويس عوض مصدر سابق (ص 301).‏

15- د.لويس عوض مصدر سابق (ص 306).‏

16- محمد عمارة، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، م.س 6 ج1 / (ص 149).‏

17- د.لويس عوض مصدر سابق (ص 309).‏

18- الطهطاوي - المرشد الأمين للبنات والبنين (ص 220).‏

19- محمد عماره، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، م .س. ذ. ج 1 (ص 170).‏

20- محمد عمارة، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، م. س. 6 ج2، (ص 424).‏

21- محمد عمارة، الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، م. س. ذ.ج2، (ص 278) .‏

22- المصدر السابق (ص 279).‏

23- د.لويس عوض - مصدر سابق (ص 32).‏

24- البرت - حوراني - مصدر سابق (ص 107-108).‏

25- د.شكري النجار - مقال مفهوم التقدم عند المفكرين العرب في عصر النهضة - مجلة الفكر العربي 39 -40 (محور عصر النهضة العربية صراعات الاستقلال والتقدم) .(ص 21).‏

26- راجع كتاب خير الدين A mes enfants - Revue Tunisienne, XX (1934) المستشهد به في كتاب البرت حوارني (109).‏

Ali Chenoufi - Le ministre Kh' reddine et ses contomporains - XIXsiecle Fondation Nationale-27- de carthage (p 43- 44)‏

28- البرت حوراني - مصدر سابق (ص110).‏

29- المصدر السابق (ص 113- 114).‏

30- راجع كتاب خير الدين Ames enfants (p213)‏

31- خير الدين، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك (ص 5).‏

32- عبد الوهاب حفيظ صورة للحراك الاجتماعي والسياسي (حالة تونس خلال العهد الحسيني - مجلة الوحدة العدد 57 - حزيران 1989 - (ص 36).‏

33- المصدر السابق (ص 40).‏

34- خير الدين التونسي : " مقدمة أقوم المالك في معرفة أحوال الممالك " - تحقيق الدكتور معن زياده. دار الطليعة بيروت - الطبعة الأولى / 1978 - (ص 112).‏

35- انظر مقال د. شكري النجار - مصدر السابق (ص 23).‏

36- حليم اليازجي : الحرية والديمقراطية في الفكر العربي الحديث ضمن بحوث في الفكر القومي تحت اشراف معن زياده. معهد الانتماء العربي - المطبعة الأولى بيروت 1983 (ص 103).‏

37- مصطفى خلال - ثنائية التفكير في فكر خير الدين التونسي مجلة الوحدة - عدد مزدوج 31/ 32 أيار 1987 - محور قراءة جديدة لعصر النهضة (ص 85).‏

38- هشام شرابي - المثقفون العرب والغرب - دار النهار للنشر الطبعة الثانية بيروت 1978 (ص 38).‏

39-‏

B. B ertrand , Sociologie politique (Paris-Presses Universitaires de France , 1979 ) (P 105-39)‏

40- مصطفى خُلال - ثنائية التفكير في فكر خير الدين التونسي - مصدر سابق (ص 86).‏

41- خير الدين التونسي، أقوم المسالك في المعرفة أحوال المماليك، تحقيق معن زياده (بيروت : / دن /، 1972 المقدمة، (ص 158).‏

42- خير الدين التونسي أقوم المسالك - (ص 120).‏

43- خير الدين التونسي أقوم المسالك - تحقيق معن زياده - المقدمة (ص 195).‏

44- مصطفى خُلال - مصدر سابق (ص 89).‏

45- المصدر السابق (ص 83).‏

46- محمد عمارده، الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي الطبعة (2) بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1975، (ص 358).‏

47- ز - ك. لفين - الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث (في لبنان وسوريا ومصر ). ترجمة عن الروسية بشير السباعي دار ابن خلدون - كانون الأول - 1978 - (ص 153).‏

48- الكواكبي طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. ديوان النهضة - اختار النصوص وقدم لها ادونيس وخايدة، دار العلم للملايين الطبعة الأولى - تشرين الثاني 1982. (ص 41-42-43).‏

49- المصدر السابق (ص 46- 47).‏

50- عبد الرحمن الكواكبي " أم القرى " دار الرائد العربي (بيروت) ط 2، 1982، (ص32).‏

51- المصدر السابق (ص 106-107 و 142).‏

52- الكواكبي - طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. مصدر سابق (ص129).‏

53- المصدر السابق (ص 29).‏

54- ك. ليفين - الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث مصدر سابق (ص 159).‏

55- أحمد نسيم برقاوي - محاولة في قراءة عصر النهضة (الاصلاح الديني - النزعة القومية) - الرواد للنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1988 .( ص 109).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 10:05 PM   المشاركة رقم: 33
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الثالث

أولاً : إخفاق تطلعات الحركة القومية العربية‏





هناك مسافة زمنية فصلت الحركة السياسية القومية عن محاولة النهضة الفكرية، لكن إصداء تلك النهضة ظلت تتردد في أذهان المؤسسين. وتعرف المسألة القومية العربية بأنها فرع من المسألة الشرقية، وتدخل في نطاق النزاع، الذي كان سائداً آنذاك بين الأتراك الذين استأثروا بالسلطة في الماضي، ويريدون الاستئثار بها في المستقبل أيضاً، وبين العرب الذين يطالبون بالمساواة باسم الحق والقانون، وتحقيق مطالبهم القومية. " وقد كانت المسألة العربية من أهم أسباب الحرب ولاسيما الحرب العثمانية لأن أطماع ألمانيا في البلاد العربية بلغت حداً لم يسع إنكلترا وفرنسا وروسيا السكوت عنه ولأن الاتحاد بين الذين تآمروا على كيان العرب مع الألمان لم يروا بّداً من دخول الحرب شدا لآزرهم ورغبة في انتهاء الفرصة لضرب الأمة العربية ضربة لا تقوم لها قائمة بعدها"(1).‏

وفي ظل سيادة الاستبداد العثماني، الذي تمارسه الحكومات المطلقة المتعاقبة، كان الظلم والاضطهاد على مستوى واحد بين رعاي الإمبراطورية العثمانية من المسلمين والمسيحيين، الترك والعرب. وإذا كانت طبيعة الاستبداد في الإمبراطورية العثمانية على عهد الحكومة المطلقة يستهدف فقدان العرب قوميتهم ولغتهم، بعدما نهبت ثرواتهم، وخربت ديارهم، واقفرت بلادهم، وضرب الجهل أطنابه في عموم البلاد العربية، حتى أن اسمهم صار محتقراً، فإنه في عهد الحكومة الدستورية (الاتحاديين) استأثر الاتحاديون بمبدأ سيادة الترك على باقي العناصر الأقوامية في السلطة العثمانية، فلم يتم التخلي عن الاستبداد، ولم تتحقق سيادة قانون، ولم تتوطد دعائم الحكومة الدستورية القائمة على العدل والحرية والإخاء، فكان من نتائج ذلك عدم الثقة بالإصلاح الدستوري، وهبوب رياح التنافر والشقاق وسوء الظن المتبادل بين العرب والترك. ولقد اتخذت الحكومة الاتحادية القوة والبطش نهجاً وقاعدة لإصلاح الشعوب العثمانية، بدلاً من استخدام طرق الإصلاح القانونية، وبناء المؤسسات الدستورية، ونواميسه المدنية. وقاد هذا النوع من الإصلاح بالقوة أي الإصلاح بالسيف " إلى جعل المملكة ميداناً لسفك الدماء فلم يعرف في تاريخ من التواريخ وإنما كان ميراثاً ورثه الاتحاديون عن أجدادهم التورانيين. فأساءت الدول المتمدنة الظن بهم من ذلك الحين ورفضت أن تقرضهم المال بغير مراقبة أجنبية على مالية الدولة.‏

وهذه الأنماط الكبيرة في سياسة حزب الاتحاديين التي انتقدتها الاحزاب البرلمانية كلها حتى جماعة من الاتحاديين أنفسهم كالدكتور رضا توفيق المعروف بالفيلسوف وغيره ... (2).‏

وفي عهد حكم السلطان عبد الحميد شهدت السلطنة العثمانية أشد صنوف الاستبداد ضراوة، خصوصاً مع بداية اشتداد الغزو الغربي، والحرب الروسية العثمانية (1877-1878 )، التي فقدت السلطنة فيها جل ولاياتها البلقانية، وفي فرض نظام الحماية البريطانية على مصر (1882). وعمل السلطان عبد الحميد على المحافظة على طبيعة الدولة العثمانية شديدة المركزية، وعلى بنيتها الأقوامية، وعلى تأكيد الخلافة العثمانية من خلال دعمها بفكرة الجامعة الإسلامية، مع بداية دخول السلطنة في فلك الاقتصاد الرأسمالي الأوروبي.‏

" وإذا كان التخوف من الخطر الغربي بين العرب المسلمين جعل الأغلبية لا تفكر بتقويض الخلافة فإن ذلك لا يعني قبول الاستبداد والتردي الإداري، بل إن المطالبة بالإصلاح استمرت خاصة بعد تعليق دستور مدحت باشا. ولعل الدعوة للجامعة الإسلامية، وسياسة الضغط والإرهاب مع الحكم المركزي، أدتّا إلى شل حركة الإصلاح، وكان على الأصوات المعارضة أن تعمل سراً أو أن تذهب إلى الخارج مثل رشيد رضا والكواكبي والزهراوي " (3).‏

والحال هذه، بدأت القوى الأوروبية العظمى : روسيا القيصرية، وفرنسا، وبريطانيا، تخوض صراعاً تنافسياً لتفكيك أوصال السلطنة العثمانية عامة، والوطن العربي خاصة. فبدأت هذه القوى تقيم الاتصالات المنظمة داخل ولايات السلطنة، بهدف إقامة قواعد ثابتة لها، وفتح أسواق جديدة لبضائعها. من هنا انصب اهتمام روسيا القيصرية بطائفة النصارى الارثوذكس، وفرنسا بطائفة الموارنة الكاثوليك، وإنكلترا بطائفة الدروز وشيوخ العشائر إلخ ....‏

ومع اشتداد الاستبداد في الداخل، والتحديات الاستعمارية في الخارج، وعجز السلطنة عن القيام بالاصلاحات الضرورية التي تفسح لها في المجال للسير في طريق التطور والتقدم، عانى العرب من الاضطهاد والإقصاء في ظل الحكم العثماني، بسبب سياسة التمييز التي كانت تمارسها السلطات العثمانية ضدهم، ومنها : مناهضة الاتحاديين الضباط العرب الالتحاق ببعثة الضباط إلى ألمانيا، وإقصاء عدد كبير من العرب عن الوظائف التي كانوا يعملون فيها في الأستانة ولاسيما في وزارتي الخارجية والداخلية، وعدم الاكتراث بزعماء العرب، وعدم دعوتهم إلى أي اجتماع غايته التأليف بين العناصر العثمانية، ورفض أي عربي من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الدخول في اللجان المركزية الاتحادية، وتحويل جمعية الاتحاد والترقي من جمعية عثمانية إلى جمعية تركية خالصة، واستبدال الولاة والمتصرفين والقضاة من أبناء العرب بولاة ومتصرفين وقضاة أتراك، ومعارضة الاتحاديين لكل مشروع علمي أو أدبي في البلاد العربية، ومناهضتهم أيضاً للغة العربية مناهضة قوية.‏

وأمام هذا التحول في سياسة الاتحاديين، وتعديل برنامج جمعيتهم تعديلاً جذرياً لجهة تتريكها، انفصل عنها أحرار العرب، الذين باتوا على قناعة بأن السلطنة أصبحت عاجزة عن الدفاع عن الأستانة، فبما بالك بباقي البلاد العربية إذا تعرضت إلى هجوم الدول الإستعمارية الأوروبية. حينئذ بدأ زعماء العرب من كبار الأعيان والتجار في تأليف الأحزاب السياسية والجمعيات والتنظيمات العربية، التي بدأت تطالب بحقوق العرب، وتعبر عن البواكير الأولى لولادة الحركة القومية العربية. وأهم هذه الأحزاب، أولاً حزب اللامركزية الإدارية العثمانية، الذي يطالب بإقامة اللامركزية الواسعة في السلطنة العثمانية للشعب العثماني المؤلف من عناصر أقوامية ولغات وأديان مختلفة، علماً بأن هذا الحزب هو حزب علني أسسه عدد من العرب القاطنين بالقاهرة العام 1912، وكانوا على صلة بالليبراليين الأتراك وعلى رأسهم عزت باشا، وكاتم أسرار عبد الحميد سابقا المنفي منذ 1908 " (4).‏

إن حزب اللامركزية حزب عثماني في برنامجه، غير أن عضويته عربية (سورية )، ويتمثل برنامجه في تحقيق المطالب التالية. على أن الدولة دستورية نيابية، وعلى وحدة ولاياتها في السلطنة على أساس اللامركزية الإدارية - 2- سيادة اللغة العربية كلغة رسمية في الولايات العربية -3- إسناد معظم الوظائف إلى المحليين العرب -4- توسيع صلاحيات مجالس الولايات. -5- إعادة تنظيم قوى الشرطة والجندرمة ودوائر العدل والمال .‏

" وقد أوضح الحزب في بيانه معنى اللامركزية ومزاياها وضرورتها للبلاد العثمانية ابتداء أن وجود الأمة السياسي والاجتماعي يتوقف على شكل الحكومة فكلما كانت مشاركة الشعب للحكومة أكثر كان ذلك أضمن لدوام وجوده ورقيه. وجاء فيه أن التجارب أثبتت " أن أفضل شكل من أشكال الحكومات هو الدستوري، وأفضل أشكال الدستوري هو اللامركزية، خصوصاً الممالك التي تعددت فيها الفرق والمذاهب واللغات واختلفت العوائد والتقاليد والأخلاق "، إذ يتعذر أن تساس بقانون واحد دون مراعاة لتلك الأحوال. كما بين أن اللامركزية خير سبيل لتربية أفراد الأمة على الاستقلال الذاتي " الذي هو خير وسيلة لترقي الأمم ". وواضح أن الشعب غير المسؤول لايشعر بالتبعة، في حين أن اللامركزية توزع التبعة على أفراد الأمة بقدر ما تعطيهم من المسؤولية، وتدفع للاعتماد على النفس والجد في الحياة لبلوغ غايات الترقي والعمران بسرعة"(5).‏

ثانياً : الجمعية الإصلاحية البيروتية، وقد عقدت جلستها العامة الثالثة في 31 كانون ثاني 1913. وجاء في اللائحة التي أقرتها الجمعية مايلي : " المادة الأولى: تقسم إدارة الولاية إلى قسمين : القسم الأول هو المشتمل على الأعمال المتعلقة بكيان السلطنة وشؤونها الأساسية وهي المسائل الخارجية والعسكرية والجمارك والبوستة والتلغراف وسن القوانين ووضع المكوس.‏

والقسم الثاني هو المشتمل على الأعمال المحلية المتعلقة بشؤون الولاية الداخلية الخاصة. فكل ما يتعلق بالقسم الأول منوط تقريره وإجراؤه بالحكومة المركزية. وكل ما يتعلق بالقسم الثاني منوط تقريره بمجلس الولاية العمومي. المادة الثانية - للوالي صفتان قانونيتان : الأولى تمثيل الحكومة المركزية وبهذه الصفة يتولى أجراء جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الأول طبقاً لقرارات الحكومة المركزية : والثانية تمثيل حكومة الولاية التي يرأسها وبهذه الصفة يتولى تنفيذ جميع الأعمال المتعلقة بالقسم الثاني طبقاً لقرارات المجلس العمومي. أما حقوق الوالي ووظائفه فهي : 1- تنفيذ قرارات المجلس العمومي. 2- الاعتراض على قرارات المجلس العمومي على الشروط الأتي بيانها في باب " الوالي والمجلس العمومي ". 3- الإطلاع على لوائح المشاريع التي تعدها " لجنة المجلس العمومي " لابداء ملحوظاته عليها قبل تقديمها إلى المجلس. 4- تعيين المتصرفين والقائمقامين والمديرين بعد عرض أسمائهم على الحكومة المركزية وفقاً لنظام يضم المجلس العمومي. (6). كما طالبت الجمعية أن تصبح اللغة العربية لغة رسمية في جميع المعاملات داخل الولاية.، وفي مجلس النواب والأعيان.‏

ثالثاً - المنتدى الأدبي : وهي جمعية علمية بحته، ولكن لها اهتمامات سياسية. وقد كانت الجمعية تربطها صداقات قوية مع وزراء وزعماء جمعية الاتحاد والترقي. اشترك فيها أعضاء من مختلف الولايات العربية في الدولة العثمانية، وكانت تهدف إلى تعميق اليقظة القومية العربية.‏

رابعاً : - جمعية البصرة الإصلاحية. وهي جمعية مماثلة في برنامجها وأهدافها لحزب اللامركزية والمنتدى الأدبي والجمعية العمومية البيروتية.‏

خامساً - جمعية النهضة العربية، وقد أسسها محب الدين الخطيب وعارف الشهابي في اسطنبول العام 1906، وثم نقل مركزها إلى دمشق لاحقاً في العام 1907. ويقول الدكتور عبد العزيز الدوري عن الجمعية بأنها اتجهت وجهة عربية قومية إذ دعت لنهضة العرب، وأكدت على العربية رابطة أساسية وقاعدة للنهضة، ورأت الدور القيادي للعرب ضرورة لنهضة الدولة العثمانية، وحرصت على حفظ حقوق العرب في إطار الدولة العثمانية (7).‏

سادساً : - الجمعية القحطانية، وهي أول جمعية عربية سرية أسست في الاستانة العام 1909 بعد منع الجمعيات القومية، شارك فيها ضباط ومدنيون عرب، وكانت جهتها السعي لإنهاض العرب وجمع كلمتهم والمطالبة بحقوقهم في المشاركة في الدولة. ويبدو أنها كانت تعبر عن تذمر العرب من موقف الاتحاديين (8).‏

سابعاً : جمعية العهد، وهي جمعية سياسية سرية أسسها عزيز علي المصري وضمت في صفوفها نخبة من الضباط العرب معظمهم من العراقيين . ومن الواضح أن برنامج جمعية العهد يتمثل في رفع شأن القومية العربية، والوجهة الإسلامية العثمانية، والخوف من الخطر الغربي وبعد دخول الدولة العثمانية الحرب، وتنكيل جمال باشا برسالات العرب، أحد رجال الجمعية يتجهون إلى فكرة استقلال العرب (9). وكان لأعضاء هذه الجمعية تأثير بالغ في الحركة القومية التي بزغت فيما بعد في المشرق العربي، وفي مصر. فقد تأثر عبد الناصر بأفكار عزيز المصري عن القومية العربية، والأمة العربية، وعلاقتها بالإسلام. كما أن عدداً من أبرز قادتها كانوا معلمين وملهمين في المشرق العربي ولا سيما لمؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي.‏

ثامناً : جمعية العربية الفتاة، أسسها الطلا ب العرب من أبناء العائلات التجارية والعقارية في باريس العام 1913 م، ولعبت دوراً مهماً في عقد المؤتمر العربي الأول بباريس عام 1913.إن اليقظة القومية العربية تبلورت قبل الثورة البرجوازية الديمقراطية التركية العام 1908، التي عرفت بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي، التي أعلنت برنامجها السياسي " وفيه مساواة جميع المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات دون نظر إلى دين أو جنس، وحرية التعليم وتأليف الجمعيات، وإدارة الولايات على أصول " توسيع المأذونية " على أن لا يؤدي ذلك إلى توهين الرابطة التي تربطها بالدولة. هذا وتبقى التركية اللغة الرسمية وتكون لغة التعليم في المدارس " (10).‏

لكن إسقاط الحكم الاستبداي للسلطان عبد الحميد لم يجعل رجال الاتحاد والترقي يلتزمون بإعطاء الحقوق السياسية للعرب، بل إنهم تبنوا أفكار القومية الطورانية، وانتهجوا نهجاً سياسياً يقوم على التتريك، ورفع شأن العنصر التركي الخالص، وكبت وقمع القوميات المختلفة في الدولة العثمانية، وبخاصة منها القومية العربية، على الرغم من أن هذه القوميات المختلفة، ومنها القومية العربية، كانت مؤيدة للإنقلاب الذي قاده الاتحاديون، وكانت تريد تطبيق سياسة الحرية القومية، ولكن مع المحافظة على الرابطة العثمانية.‏

وأمام اشتداد سياسة التعصب القومي التركي من جانب زعماء الاتحاد والترقي الأتراك تجاه القوميات غير التركية، وازدياد اتخاذ إجراءات تقوي المركزية والهيمنة التركية، وتفاقم الأزمة الخارجية، تخلى الاتحاديون عن برنامجهم الذي أعلنوه في بداية الثورة، والقائم على اللامركزية، وتمثيل القوميات في مجلس المبعوثان، في ظل هذه الظروف نمت اليقظة القومية العربية، وظهرت الأحزاب والجمعيات العربية العلنية والسرية، وازداد تبلور الفكر القومي العربي سياسياً وتنظيمياً مع انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس بين 18و 23 حزيران العام 1913، بحضور ممثلين عن الولايات العربية، وبخاصة تلك التي كانت منشدة إليها أكثر الحركة القومية العربية، أي سوريا والعراق، واشترك كذلك عدد من الطلاب والتجار العرب المقيمين في باريس كمراقبين. وقد ألقيت الخطب الكثيرة في جلسات هذه المؤتمر، وتمخض عن اجتماعاته القرارات التالية :‏

أولاً : - " إن الإصلاحات الحقيقية واجبة ضرورية للمملكة العثمانية فيجب أن تنفذ بوجه السرعة ".‏

ثانياً : من المهم أن يكون مضموناً للعرب التمتع بحقوقهم السياسية وذلك بأن يشتركوا في الإدارة المركزية للمملكة اشتراكاً فعلياً.‏

ثالثاً : يجب أن تنشأ في كل ولاية عربية إدارة لا مركزية تنظر في حاجاتها وعاداتها.‏

رابعاً : كانت ولاية بيروت قدمت مطالبها بلائحة خاصة صودق عليها في 31 كانون الثاني سنة 1913 بإجماع الآراء وهي قائمة على مبدأين أساسيين وهما توسيع سلطة المجالس العمومية وتعيين مستشارين أجانب. فالمؤتمر يطلب تنفيذ وتطبيق هذين الطلبين.‏

خامساً : اللغة العربية يجب أن تكون معتبرة في مجلس النواب العثماني ويجب أن يقرر هذا المجلس كون اللغة العربية لغة رسمية في الولايات العربية.‏

سادساً : تكون الخدمة العسكرية محلية في الولايات العربية إلا في الظروف والأحيان التي تدعو إلى الاستثناء الأقصى.‏

سابعاً : - يتمنى المؤتمر من الحكومة السنية العثمانية أن تكفل لمتصرفية لبنان وسائل ماليتها.‏

ثامناً : - يصادق المؤتمر ويظهر ميله لمطالب الأرمن العثمانيين القائمة على أساس اللامركزية.‏

تاسعاً : - سيجري تبليغ هذه القرارات للحكومة العثمانية السنية. عاشراً : وتبلغ هذه القرارات أيضاً للحكومات المتحابة مع الدولة العثمانية ويشكر المؤتمر الحكومة الفرنسوية شكراً جزيلاً لترحابها الكريم بضيوفها ". (11).‏

وقد شكلت قرارات هذا المؤتمر العربي برنامجا سياسياً للعرب العثمانيين، علماً بأن أعضاء المؤتمر كانوا في معظمهم من سوريا الجغرافية باستثناء اثنين من العراق، كما أن التجار والطلاب المراقبين كانوا سوريين. ومن المعلوم تاريخياً أن دعاة القومية العربية كانوا " يكنون عاطفة خاصة نحو الشعب السوري ويفكرون أولاً بسوريا وعاصمتها دمشق عندما يطالبون بالاستقلال العربي " (12). ومسألة طبيعية أن تكون سوريا مركز استقطاب الحركة القومية العربية ومعقلها، لأن سوريا كانت مهيأة منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي لقيادة منطقة الشرق، بسبب النمو البرجوازي السريع فيها، الذي كان أسرع مما كان عليه في غيرها من الولايات العربية الأخرى الخاضعة للعثمانيين، حيث كانت سوريا تمتلك قاعدة صناعية واسعة متمركزة في حلب، ودمشق، وحماه وحمص، وبيروت وطرابلس، تلبي احتياجات الإمبراطورية العثمانية.‏

وقد ألقت الخطب في جلسات المؤتمر، وجاء في خطاب عبد الغني العريسي السوري، الذي يمثل الاتجاه القومي ما يلي : " أن الجماعات في نظر علماء السياسة لاتستحق هذا الحق إلا إذا أجمعت على رأي علماء الألمان وحدة اللغة ووحدة العنصر، وعلى رأي علماء الطليان وحدة التاريخ ووحدة العادات، وعلى مذهب سياسة الفرنسيين وحدة المطمع السياسي فإذا نظرنا إلى العرب من هذه الوجوه الثلاثة علمنا أن العرب تجمعهم وحدة اللغة ووحدة عنصر ووحدة تاريخ ووحدة عادات ووحدة مطمع سياسي، فحق العرب بعد هذا البيان أن يكون لهم على رأي كل علماء السياسة دون استثناء حق جماعة، حق شعب، حق أمة " (13). وقد لعب العريسي دوراً أساساً في بلورة فكرة القومية العربية، نظريا وممارسة، وذلك في كتاباته الكثيرة المنشورة في جريدة المفيد، التي كانت تعبر الكثير مما كان يكتب عن الجمعية العربية الفتاة، وأن العريسي كان من أعضاء هذه الجمعية، له نشاط واسع في الحركة القومية"(14).‏

وقد لخص الدكتور عبد العزيز الدوري العديد من أفكاره في كتابه عن التكوين التاريخي للأمة العربية، حيث نأخذ منه بعض المقاطع التي نراها تخدم بحثنا، وتوضح الجوانب المختلفة لتبلور فكرة القومية العربية. " ويبدو العريسي حريصاً على الروابط مع الترك، ويشير هنا إلى رابطتين أساسيتين : أولهما رابطة الدين وهي الوحيدة التي تبقى مستحكمة ولو تداعت سائر الروابط، وثانيهما رابطة الوطنية، أو العيش في وطن واحد ". ومع أن العريسي يؤكد على التوافق بين الإسلام والقومية، ويؤكد على العربية لأهميتها في الإسلام، فإنه هنا يؤكد على الإسلام وعلى الخلافة الإسلامية ليواجه أصحاب النزعة الطورانية الذين يتحدثون عن إمبراطورية عثمانية يسود فيها الترك، فيذكر بما لمعنى الخلافة من القوة الهائلة عند الأزمات، وبأثر الإسلام الذي لا يباري في النفوس (15). لقد كان الخوف من التوسع العربي عاملاً مهما في التمسك بالعثمانية، رغم الخلاف المتزايد بين العرب والاتحاديين "، إلا أنه يقرن ذلك بالمطالبة بحقوق العرب، وهو يبدأ بطلب الحريات والمساواة بين العرب والترك "، ولكنه مع تزايد الأخطار يذهب أبعد من ذلك في طلب الإصلاح، وخاصة بعد غزو ايطاليا لطرابلس ". فكتب في مطلع السنة الرابعة للمفيد (كانون الثاني/ يناير 1912 )، أن المفيد " عامل لمصلحة الأمة العثمانية بنهوض الأمة العربية "، وأنه يريد صلاح الآخرين بصلاح العرب. وبعد أن يعرض آراء الإصلاحية ومنها تأييد العربية في مدارس الحكومة ومساواة العرب بالعناصر الأخرى، يقول " إن خطة المفيد عربية عثمانية تدرأ عن العرب كل إذية وتناضل عن حقوقهم "، ولكنه ينتهي إلى توالي خط الحزب الحر المؤتلف، لاتفاق الاتجاه، كالمحافظة على كل عنصر وإبقاء حصص للمعارف في كل ولاية لنفسها وإرجاع أوقافنا إلى معارفنا ". وهو يوضح نظرته في مقال ثانٍ فيهاجم سياسة الاتحاديين القائمة على السيطرة والتتريك، ووصفها بأنها " سياسة ابتزاز وامتصاص، سياسة قهر وتسخير "، ويؤكد سياسة حزب الحرية والائتلاف التي " تقوم على تعليم كل عنصر ما يقدمه من المال، وترقية كل ولاية في الاقتصاد بما تدفعه من الرسوم، وحفظ لغة كل قوم من الانقراض، إدارة كل بلد برجال يفهمون أهله والنظر للشعوب نظرة الإخاء " (16).‏

إن ما ميز مؤتمر باريس هو إظهاره الفكر القومي العربي متمايزاً عن التيار الإسلامي، وهذا ما أكده عبد الحميد الزهراوي، رئيس المؤتمر حين قال لجريدة الطان الفرنسية مايلي :" وأما عن الرابطة الدينية فقد عجزت دائماً عن ايجاد الوحدة السياسية حتى أنها لم تقو على إزالة ما بين الحكومتين العثمانية والفارسية من خلاف بسيط على الحدود، وأن العاطفة الإسلامية لم تقدر يوماً أن تحمل أميراً مسلماً على التنازل عن حقوقه لأمير آخر من دينه حتى ولو كان الخليفة بنفسه " (17).‏

وتابع الزهراوي قوله ..." فنحن العرب لانتمسك بالوحدة السياسية لأجل الرابطة الدينية بل رغبة منا في إيجاد مجموع عثماني قوي يرتقي فيه مجموعنا العربي بدون حائل يقف في طريقه ... والدولة العثمانية هي التي تقدر أن تحقق رغباتنا " (18). علماً أن العثمانية هي رابطة سياسية ترمز إلى الخلافة الإسلامية آنذاك.‏

وقال اسكندر عمون في خطابه : " توهج بعض أنصار النظام المركزي من أخواننا الأتراك أن الغرض من النهضة العربية الانفصال عن الدولة وهو أمر بعيد عن الصحة فإن الأمة العربية لا تريد إلا استبدال شكل الحكم الفاسد - الذي يؤدي بالدولة - بالحكم الذي يرجى منه وحدة الصلاح والنجاح لنا ولهم وهو على قاعدة اللامركزية. ولو كانت الهيئة الحاكمة اليوم من صميم قريش لكان موقفنا هذا " (19).‏

إن مؤتمر باريس مثل الخطوة الجادة الأولى في الحركة القومية الحديثة، لأنه ميز بين الاستبداد والاستعمار العثماني من جهة، وكان ينطوي على كثير من التوجس من الهيمنة الأوروبية من جهة أخرى. ويمكن القول أن هذا المؤتمر هو اللحظة التدشينية للحركة القومية الحديثة، لأنه جمع جمعيات، وأحزاب، وتيارات فكرية مختلفة تجمعها الرابطة القومية، وأسس لما سيكون في المستقبل حركة التحرر القومي العربي,‏

وشنت الحكومة الاتحادية حرباً شعواء على مؤتمر باريس، ومنها شن حملة اغتيالات على الزعماء، العرب، وزرع الدسائس في صفوف القيادات العربية، ووضع خطة لاستمالة الإصلاحيين منهم، بجرهم إلى قبول الإصلاحات التي أقرتها الوزارة الاتحادية. وبالفعل سافر وفد مؤتمر باريس الذي كان يمثل معظم الأحزاب العربية الحرة والجاليات العربية في أوروبا وأميركا إلى الأستانة لمفاوضة رجال الحكومة وأهل الحل والعقد في 23 آب 1913. ولكن الحكومة الاتحادية كانت تتظاهر بالإخلاص للعرب، غير أنها في الباطن كانت تضمر لهم الشر، وتخدعهم، وتعمل على وضع الدسائس بين الأحزاب والجمعيات العربية للقضاء على اتحادها.‏

لقد اخلص العرب وأمراؤهم وأحزابهم للاتحاديين قبل الدستور، وبعده، وكانوا جزءاً من الاتجاه الدستوري الذي كان ينادي بفرض الدستور في السلطنة، وتحديد حقوق الأحزاب والأمم، وتقييد السلطة المطلقة، وتبني النهج الأوروبي في التنمية، وتحقيق اللامركزية. غير أن الحكومة الاتحادية حلت الأحزاب، وأجرت الانتخابات النيابية لغاية العام 1913 في جو من الإرهاب، التي لم ينجح فيها العرب ألا بنسبة ضئيلة، وعينت عدداً من النواب العرب في مجلس الأعيان. وكانت حركة القومية العربية، تشقها عدة اتجاهات في داخلها، فهناك اتجاه قومي عربي، يؤكد إلى تبني أفكار الثورة الديمقراطية البرجوازية لتحديث السلطنة على صعيد الدولة والمجتمع، وهناك اتجاه الإصلاح الديني الذي يدعو إلى المزاوجة بين النقل والعقل والتحديث، ويريد انتزاع الحقوق من السلطنة لمصلحة العرب، ولكنه يريد تحويل السلطنة إلى شورى تعطي العرب دوراً أساساً، وتعيد الخلافة إليهم كما هو حال اتجاه الكواكبي والزهراوي.‏

وكان تيار حركة " جمعية العربية الفتاة " أكثر تشدداً في مطالبته بالاستقلال التام والوحدة العربية الكاملة، وفي مقاومة الاستعمار الدائم، حيث اتخذت الجمعية قرارا عشية دخول الدولة العثمانية الحرب نص على مايلي " ينتج عند دخول تركيا الحرب أن مصير الأجزاء العربية في المملكة العثمانية، باتت مهددة بخطر شديد فيجب بذل أقصى جهد لضمان تحريرها واستقلالها. وتقرير كذلك أنه في حالة ظهور مطامع أوروبية في هذه الأجزاء ينبغي على الجمعية أن تعمل إلى جانب تركيا في سبيل مقاومة النفوذ الأجنبي مهما كان نوعه وشكله"(20) .‏

وكان التيار العلماني إصلاحياً في جوهره، ويعتبر مرجعيته في التحديث والحضارة هي الحداثة الأوروبية. وهو تيار معاد للسلطنة العثمانية، ولكنه له موقف مزدوج من الغرب، فهو يعتبره عدواً على الصعيد السياسي يتطلب والحال هذه الوقوف ضد مطامعه وتوسعه من جهة، وهو يعتبره مرجعاً على الصعيد الايديولوجي يتبنى قيمه الليبرالية ومظاهر التقدم فيه من جهة ثانية.‏

ومن المعلوم تاريخياً أن الامبراطورية البريطانية استغلت الحركة القومية العربية في الأقطار العربية الخاضعة للامبراطورية العثمانية أبشع استغلال، عشية الحرب العالمية الأولى، التي كانت تستهدف إعادة اقتسام العالم، ومناطق النفوذ، بين الحلف الانكلو - فرنسي، والحلف الألماني - التركي. ولما كانت الإمبراطورية العثمانية يسيطر فيها نمطاً إقطاعياً متاخراً وتابعاً، وتمثل الحلقة الضعيفة في السلسلة الإمبريالية، باعتبارها إمبراطورية منهارة تاريخياً، وآيله للأفول، اشتد التسابق والصراع بين الدول الرأسمالية العظمى الأوروبية للاستيلاء والسيطرة على حقول النفط في الشرق الأوسط والثروات العربية، ولتقاسم تركة الإمبراطورية العثمانية، بعدما تبين للقوى الاستعمارية الأوروبية أن النفط أصبح مادة استراتيجية ذات أهمية بالغة في سير عجلة الحرب الإمبراطورية وكافة ميادين الأنشطة الاقتصادية، التي تتطلبها الصناعة الرأسمالية، والاحتكارات الرأسمالية والرأسمالية الاحتكارية عامة، في مرحلتها العليا الإمبريالية.‏

وفيما أعلنت القيادات العربية بزعامة الشريف حسين انضمامها إلى المعسكر الانكلو - فرنسي، وقبول التعاون مع بريطانيا على أساس المعاهدة البريطانية - الحجازية التي عقدت بين الشريف والسيد مكماهون، حين اندلعت الثورة العربية الكبرى في 6 يونيو 1916، والتي نصت في إحدى بنودها أن تتعهد بريطانيا العظمى بتشكيل حكومة عربية مستقلة، (بكل معاني الاستقلال في داخليتها وخارجيتها وحدودها شرقاً الخليج، وغرباً البحر الأحمر والحدود المصرية والبحر الأبيض، وشمالاً حدود حلب والموصل الشمالية إلى نهر الفرات ومجتمعة مع الدجلة، إلى مصبها في الخليج، وتنصيب الشريف ملكاً على هذه الدولة العربية )، كانت الاستراتيجية البريطانية تستهدف أولاً وأساساً تفجير عدة ثورات داخلية وتشتيت الجيوش العثمانية، وحرمانها من الاستفادة من القوى العربية المقاومة للغزو البريطاني للإمبراطورية العثمانية، ودعم الثورة العربية تكتيكياً، بهدف طرد العثمانيين من الحجاز وإخراجهم من سورية، في سبيل تقسيم تركيا بعد الحرب. وعلى الرغم من مساعي أجهزة الاستخبارات الانكليزية والدوائر الغربية لاستمالة الأمراء والمشايخ والقبائل العربية في جميع أنحاء الإمبراطورية إلى جانبها، بشتى الوسائل والمغريات بوجه عام، فإن ثمة ظروف موضوعية كانت تدفع بالحركة القومية العربية التقليدية إلى المراهنة على عدو العدو. وإذا كانت الدوائر الغربية، والاستخبارات الإنكليزية، والصهيونية، قد نجحت مع هذا الأمير، أو هذا الحاكم، أو ذاك، فإن ذلك أيضاً يرجع إلى طبيعة المنافسات والخصومات داخل المجتمع العربي المتأخر تاريخياً.‏

وعلى نقيض ما كان يحلم به القوميون العرب، من حيث الاعتراف بحقوقهم في تأسيس دولة عربية مستقلة، كانت مطامع ومصالح الحلفاء، متناقضة جذرياً وتاريخياً مع المطامع العربية في التحرر، لذا جرت مفاوضات سرية حول اقتسام البلدان العربية، وتمخضت عنها اتفاقية سايكس - بيكو، التي حولت الأرض العربية من ولايات تركية خاضعة لاحتلال تركي متخلف إلى مستعمرات خاضعة لاحتلال حديث متطور من جانب الدول الإمبريالية الأوروبية. على الرغم من التحالف الذي كان قائماً في صيرورة الثورة بين حلفين مختلفين في تشكلهما الطبقي، ومتفاوتي النظرة في الأهداف الاستراتيجية للحركة القومية التحررية العربية (الحلف الأول ويمثله الشريف حسين، متكون من الملاكين الإقطاعيين ووجهاء العشائر والقبائل العربية، والحلف الثاني، متكون من طبقة أعيان برجوازية سوريا والعراق وفلسطين )، إلا أن هذه التحالف لم يشكل وزناً ثقيلاً، يجعل من قادة الحركة العربية، شريكاً قوياً، حين انخرطوا في معادلات الصراع الدولي من موقع تابع، ولم تكن مشاركتهم الضعيفة والمحدودة قد أعطتهم أوراقاً رابحة في اللعبة السياسية مع البريطانيين.‏

إن الحركة القومية العربية حركة تقليدية، حركة أعيان وهاشميين، وأشراف، وبما هي كذلك لم تكن ذات طابع شعبي أبداً، فهي أقرب إلى حركة نخبة ارستقراطية تحكم في أن ترث أمجاد الإمبراطورية العثمانية : ولم يكن لديها مشروع سياسي مرتكز إلى رؤية واقعية ذاهبة نحو المستقبل، وبالتالي لم يكن تجديد المجتمع العربي وإعادة بناء الدولة مما يشغل تفكير النخبة السياسية. فهي بالأحرى نخبة أقرب إلى المحافظة والتقليد فضلاً عن وعيها الماضوي. وقد التفت حول هذه الحركة التقليدية نخبة من المثقفين ذوي التطلعات القومية، أعضاء جمعية العهد، والجمعية القحطانية، وأعضاء مؤتمر باريس. ولم تكن التوجهات القومية لدى هذه النخبة تشكل عناصر لمشروع سياسي واقعي، وبالتالي فكرة المجتمع المدني، وفكرة الشعب، كانتا عندها غائبتين. فالحركة القومية التي نشأت كانت تحمل أصداء خافته لمحاولة النهضة الفكرية أولاً.‏

وكانت غارقة في ايديولوجية تقليدية محافظة، ثانياً. كان يعوقها البعد الاجتماعي والرؤية المستقبلية، ثالثاً. وكانت استجابة ساذجة للصراع الذي يجري عالمياً في سبيل تقسيم العالم، ومنه الوطن العربي.‏

ثانياً : خضوع الوطن العربي للاحتلال والتجزئة‏

أصبح لبنان وغربي سوريا وكليكيليا والجزء الجنوبي من شرقي الأناضول خاضعاً للاستعمار الفرنسي، وعهدت إدارة شرقي سورية وشرقي الأردن إلى الأمير فيصل، الذي كان يعمل باسم الملك حسين. وسقطت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتوطدت بذلك العلاقة بين الحكومة الانكليزية والحركة الصهيونية العالمية بشكل وثيق جداً، على ضوء التزام بريطانيا بوعد بلفور في (2 تشرين الثاني 1917) الذي نص على تأسيس وطن قومي "للشعب اليهودي" في فلسطين، كما انتقل العراق إلى الانتداب البريطاني. وهكذا نكصت بريطانيا عن الوفاء بتعهداتها السابقة، والمتمثلة بتطبيق اتفاقية مكماهون - الحسين، التي تنص على تأسيس دولة عربية موحدة. وانطلاقاً من اتفاقية سايكس - بيكو، تحطمت طموحات الشريف " التي كانت تعبيراً عن طموحات اقطاعي قبلي يريد توسع حكمه انطلاقاً من الحجاز اعتماداً على بريطانيا، مستفيداً من الشعارات التي رفعتها الحركة القومية العربية في سوريا بعد اتصال ابنه فيصل بزعمائها"(21) .‏

ولقد لعبت بريطانيا دوراً أساساً في تفتيت الحركة القومية، من خلال إبراز عبد العزيز آل سعود على المسرح الدولي، حين تطابقت طموحاته الذاتية المتمثلة في رفع راية الحركة الوهابية المعادية للامبراطورية العثمانية مع المسار الموضوعي للتاريخ الاستعمار البريطاني، وأسس الدولة السعودية في العام 1926، ونُصِبَ ملكاً على نجد والحجاز والأراضي الملحقة. وفي 18 أيلول 1932 أعلن المرسوم الملكي بتوحيد كامل أجزاء المملكة، التي سميت المملكة العربية السعودية. وفي معرض كتابه، أوروبا والمشرق العربي، يقول الدكتور جورج قرم " أن مملكة إسلامية ، صارمة الإسلام وخالصته، وبدوية محضة في عروبتها، ومغلقة دون الحداثة، استأثرت لنفسها بحراسة أماكن الإسلام المقدسة بقوة السيف وحده، ما كان يمكن أن تبدو للغرب إلا ورقة رابحة أسهل مداورة من غيرها، ولاسيما في زمن لاحت فيه بشائر المناورات النفطية الكبرى. فمملكة بدوية ذات قيم تقليدية، شغلها الشاغل فرض نظام قرآني بريء من لوثة أي اجتهاد أو تطور، تستطيع بسهولة أكبر أن تحتل موقعها في نظام الأشياء وأن تتيح بالتالي إمكانية أكبر للقوى العظمى لتتابع مناوراتها الكبرى التي لم تعد سياسية صرفة بعد أن أعطاها النفط بعداً اقتصادياً له أهميته الاستراتيجية بالنسبة إلى تطور الأمم الأوربية. وقد ظهر الملك عبد العزيز بن سعود رغم بداوته، وربما بسبب بداوته، مدى استعداده لاحترام مناورات كبار هذا العالم، ولسوف يسير ورثته من بعده بوفاء على خطاه في هذا الطريق"(22).‏

إن نتيجة ميزان القوى الواقعي للحرب الإمبريالية الأولى، احتلال كل الوطن العربي من المشرق إلى المغرب، وتجزئته، وفقدان المشرق العربي وحدته السياسية، التي كانت قائمة في العهد العثماني، وتشتيت الحركة القومية العربية، التي كان قادتها من رجال الإقطاعيين القبليين في الحجاز، وطبقة الأعيان في سوريا، على الرغم من وجود جناح علماني مهم متأثر بالحداثة الأوروبية، حاول أن يستمد من مبادئ الفكر الليبرالي الغربي حلولاً لمجابهة معضلات التأخر في المجتمع العربي. وهذه النتيجة جزء لايتجزأ من مساومات فرساي، التي بنيت على معاهدة سايكس بيكو، المبرمة أثناء الحرب بين الدول الحليفة الثلاث الكبرى، وهي تتناقض جذرياً مع المبادئ الولسونية، التي إلقاها الرئيس ولسون في خطاب أمام الكونغرس، في 11 شباط 1918، حين قال؟ " ينبغي أن يوضح حد لمقايضة الشعوب والأقاليم فيما بين الحكومات وكأنها محض مال منقول أو محض قطع قابلة للمبادلة في لعبة، في اللعبة الكبيرة لتوازن القوى، تلك اللعبة، التي فقدت اعتبارها من الآن فصاعداً إلى الأبد ولايجوز القيام في هذه الحرب بأي تسوية إقليمية لاتستجيب لمصالح السكان المعنيين ومنافعهم، ولاتعدو أن تكون مجرد بند في تسوية أو حل توفيقي بين مطامح الدول المتنافسة ".. بل من الواجب أن تتأكد كل قومية محددة المعالم من أن أصواتها ستتحقق قدر المستطاع وعلى نحو يستبعد كل علة جديدة أو قديمة للشقاق والخصام، وما ستترتب عليه في المستقبل أخطار جديدة على سلم أوروبا والعالم " (23) .‏

على نقيض المبادئ الولسونية هذه، المستمدة أساساً من الموروث الفكري الثقافي والسياسي للثورة البرجوازية الأوروبية، باعتبارها عملية تحررية للشعوب المضطهدة الرازحة تحت نير النظم الاستبدادية الإقطاعية، وفي تناقض كلي وشمولي مع المطامح والمطالب القومية العربية العصرية، المستلهمة من اللاهوت القومي الثوري للثورات القومية الديمقراطية الأوروبية، انفلت النهم الإمبريالي الأوروبي من كل عقاله، لكي يملأ فراغ القوة وفق استراتيجيته التاريخية الاستعمارية، ويوطد سلطة الدولة السعودية - هذا المولود الجديد - ويرسخ موقعها على حساب التنكر في الوعود لوجهاء ثورة الهاشميين العربية، الذين كانوا يمثلون الصبوات السياسية والاجتماعية القومية العربية، الطامحة بتأسيس دولة واحدة في المراكز الحضارية الكبرى للمشرق العربي، ويتم الاعتراف بهذه الدولة الوهابية من قبل الدول الأوروبية، في حين أن الحركة القومية العربية ستشهد تاريخاً عصيباً، بدءاً من خمود دعواتها المنظمة، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وانتهاء بدخولها بعد إخفاق تجاربها في بناء دولة الوحدة، في دائرة زوابع متعددة الابعاد لاتزال غير مؤهلة إلى اليوم للخروج منها ". إن الدولة الوهابية السعودية الوليدة، المستلهمة فلسفتها السياسية والايديولوجية في الحكم من الحركة الوهابية السلفية، المتأثرة بمذهب ابن تيمية، والداعية للرجوع إلى الدين الإسلامي النقي، والتي جسدت قطيعة مع الإسلام الكلاسيكي، ومع جميع مدارسه الكلامية والفقهية، قد أرست نظاماً سياسياً توتاليتارياً - دينياً بقوة السيف، في بيئة بدوية متخلفة ومتأخرة تاريخياً، تعيش في رمال الصحراء الخالية من التكتلات البشرية الكبيرة، والحضرية، والمدنية، وخارج سياق الحضارة الإنسانية. ذلك أن الحركة الوهابية السلفية، التي خاضت الصراع ضد السلطنة العثمانية تحت راية اليقظة والتجديد الإسلامي، والدعوة إلى الدين الإسلامي النقي، والقيام بإصلاحات في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتحقيق الوحدة الإسلامية، لا تنتمي إلى حركة الإصلاح الإسلامي - بما شكلته من نهضة ثقافية عربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين - وإنما أسست رؤيتها لمواجهة بقايا العصور الوسطى المظلمة، عصور السيطرة المملوكيه العثمانية، والتعصب التركي المعادي للعروبة والقومية، وبداية الغزو الاستعمار الأوروبي، على أساس ديني، من أجل استعادة النموذج العربي الإسلامي، باعتباره الإطار المرجعي الوحيد، حسب وجهة نظرها، لتأسيس دولة الإسلام، وتحقيق النهضة الإسلامية. ولما كانت هذه الحركة الوهابية السلفية لاتعبر عن طموحات ومصالح الأمة، ولا تحمل في صيرورتها نظاماً إنتاجياً جديداً، و ايديولوجية جديدة، فإن مشروعها السياسي كان يقوم على التماثلية النمطية في حركة التاريخ، وعلى الثبات المتوهم للزمن، أي أن مشروعها مؤسس على طوباوية نهضة الماضي، غير ممكنة التحقيق ، في عصر الثورات القومية الديمقراطية البرجوازية، والثورات الصناعية، التي شقت طريقها في أوروبا بحكم كونها رؤية إسلامية سلفية تقف خارج الزمن، والحضارة، والتاريخ. لهذا السبب، كان المشروع الوهابي السعودي متوغلاً في الماضي الإسلامي وقائماً على الأصولية الإسلامية، ومتناقضاً جذرياً مع الرؤية القومية العقلانية، التي تنطلق من واقع انحطاط الأمة العربية، وتحليل تناقضاتها والانطلاق منها لبناء مشروع رؤية جديدة علمية وثورية، تتضمن حلولاً جذرية لمعضلات العرب القومية، تكون بمستوى تحديات العصر. من هنا فإن رؤية الدولة السعودية الوهابية، قفزت عن الواقع الموضوعي، وألغت الزمان والمكان في حركة التاريخ، وزرعت في الساحة العربية بذور إنبات الحركات الإسلامية الأصولية، التي ستمزق باطراد متزايد الوطن العربي، وستزرع فيه التناقض بين العروبة والإسلام.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 10:09 PM   المشاركة رقم: 34
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي



ثالثاً : آلية تحديث تناقضية‏

منذ أن اندمج الوطن العربي في النظام العالمي الجديد الذي أسسته أوروبا بتجاربها الطويلة منذ القرن السادس عشر، وَاشتداد حدة المنازعات الأوروبية على مجالات النفوذ والقوة والسيطرة على الإمبراطورية العثمانية في الفترة الممتدة من مطلع القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، التي كانت نتيجة ميزان القوى الواقعي فيها مضادة للسلطنة من جهة، ومضادة لمطامح العرب القومية، بحكم خضوعهم لمرحلة الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية الغربية في الفترة مابين الحربين العالميتين، (وأن كانت أقطار شمال أفريقيا قد خضعت للاحتلال قبل ذلك) من جهة ثانية، فأن التحديث الذي سيقوم به الاستعمار الأوروبي في المجتمع العربي التقليدي سيأخذ طابعاً تناقضياً مع الرؤى الحداثية والمبادئ الرسالية للديمقراطية المسماة بالليبرالية الغربية، والمتجسدة في نظام الدولة القومية أوالدولة -الأمة الأوروبية المدعية لنفسها بأنها تؤسس لحداثة ذات طابع كوني تقتحم بها حضارات الشعوب المختلفة، لتصهرها في بوتقة الاستعمار الغربي، باسم فكرة التقدم والتنمية، في اتجاه واحد " هو اتجاه الحضارة الصناعية الرأسمالي ". فالتحديث الكولونيالي لم يقم على أساس تحديث الأنماط والبنى الاقتصادية الاجتماعية والسياسية في المجتمع العربي، وأحداث بلورة جذرية لهذه البنى المتوارثة ضمن سيرورة من العمليات التراكمية التي تقود إلى تثوير القوى المنتجة، وتعبئة الثروات والموارد من أجل التحول الاقتصادي والتكنولوجي بشكل جذري في هذا المجتمع التقليدي، بما يفسح في المجال لتحقيق قطيعة مع التأخر التاريخي والإقطاعية، والانتقال إلى الحداثة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الرأسمالية على حد قول ماكس فيبر، التي غيرت المجتمع الأوروبي بل العالم كله بشكل جذري، وأرست دعائم العقلانية التي جسدت القطيعة مع أساليب التفكير التقليدية غير العلمية، وأصبحت مع سيادة العقل العلمي القوة المهيمنة والمتحكمة في الإنتاج، وفي جميع مجالات الحياة الفكرية والثقافية والسياسية. "فالتحديث وإن كان تراكماً وتطوراً لا يتخذ لنفسه اتجاهاً واحداً بالضرورة ولايخضع إلى تطور خطي للزمنية Temporalité لأنه أساساً تحرر من نقل العادات والتقاليد وإبداع على جميع المستويات يخرج من المرجعية Réferencialité الضيقة ليؤسس قدرة متجددة على التجاوز المستمر نحو المستقبل " (24).‏

ولقد تجسدت آليات التحديث التناقضية في المجالات التالية : ففي التعليم تم فتح المدارس، والتعليم العلماني لتهيئة وتخريج الكوادر المتوسطة في الأغلب، لكي تكون كوادر طيعة في خدمة الإدارة الكولونيالية ومشدودة في الوقت عينه إلى النموذج الغربي القابع في مكان آخر. لكن إلى جانب هذا التعليم " الحديث " استمر نظام التعليم الديني التقليدي قائماً ومنكفأ على ذاته، ويعيد إنتاج نفسه عن طريق شيخ الكتاب، يغذي ذلك كرهه للأجنبي لأسباب وطنية ودينية. " ففي مصر كان المشايخ الدينيون - مثل محمد كريم والشرقاوي وعمر مكرم - هم الذين قادوا المقاومة الشعبية ضد حملة نابليون. وفي الجزائر قاد المقاومة المسلحة ضد الفرنسيين الأمير عبد القادر، وهو أحد رؤساء الطرق الدينية. وقادها بشكل سلمي فيما بعد عبد الحميد بن باديس. ولكن بعد خفوت موجة المقاومة الأولى للاحتلال الأجنبي، عمد المحتلون إلى استمالة زعماء الدين، وتدجينهم، بالامتيازات المعنوية، والمادية، ولكن مع الحرص على تجريدهم من أي فعالية شعبية أو سياسية. واستجاب لذلك قطاع كبير منهم، وبخاصة زعماء الطرق الصوفية في المغرب الأقصى. ولكن قطاعاً لايستهان به صمد وقاوم الإغراءات، ونشأ منهم بالتدريج ما يمكن تسميته بالسلفيين الوطنيين " كما يسميهم علال الفاسي الزعيم الوطني المغربي (25).‏

ومن الواضح أن السياسة الكولونيالية العلمانية في مجال تحديث التعليم، لم تكن في حالة قطيعة فكرية وايديولوجية مع الايديولوجيا الإسلامية، ومع المؤسسات التعليمية الإسلامية التقليدية، مثل المدارس القرآنية، والجامعات الدينية، كالأزهر في القاهرة، والزيتونة في تونس، والقرويين في فاس، والحوزة الشيعية في النجف، التي كانت تدرس القرآن، والشرع، والفقه. ولكن هذا لاينفي وجود علاقة متوترة بين نمطي التعليم " الحديث " والتعليم التقليدي، خصوصاً وأن هذا الأخير يقوم في بنيته المرجعية على القيم العربية والمفاهيم الإسلامية التقليدية. وإذا كان التحديث في التعليم القائم على أساس تدريس اللغات والثقافات الأجنبية، والعلوم العصرية الدقيقة، فإن خلفيته الإيديولوجية الاستعمارية لايرقى إليها شك، تتضح من خلال أعداد هذا التعليم الحديث الكوادر الجديدة لكي تنخرط في الهياكل الاقتصادية والسياسية والإدارية التي ادخلها وأوجدها الاستعمار، حيث أصبحت المؤسسات التعليمية الحديثة هي المعبر الوحيد للعمل في الأجهزة الإدارية والمؤسسات الاقتصادية، التي تخدم مصالح الهيمنة الاقتصادية الاستعمارية. ويمكننا من هذه الزاوية، أن نشير إلى أن المؤسسات التعليمية الحديثة قد أفرزت النخبة الإدارية والتعليمية التي تلقت تعليماً عصرياً، وذهب قسم منها في بعثات إيفاد لمواصلة دراساته الجامعية العليا في العواصم المتروبولية كباريس، ولندن إلخ. وتتكون هذه النخبة الحديثة من أبناء البرجوازية الصغيرة، والفئات الاجتماعية المتوسطة، وسيتطور وضعها ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي حسب السياق السياسي الإستعماري، الذي كان يبحث عن الشرعية لبقائه، ولمصلحة أغراضه التوسعية في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والايديولوجية، وبخاصة التهميش المنظم للمؤسسات التقليدية. كما أن هذه النخبة التي تكونت في ظل عملية التحديث الكولونيالي، ستعلب دوراً مهماً في الحركة الوطنية العربية وفي بناء الدولة الوطنية ذات الطابع القطري، التي تراوح بين سياسة نصف علمانية ونصف إسلامية، على الصعيدين الثقافي والاجتماعي، بحكم خطابها التحديثي المزدوج، ونزعتها التوفيقية.‏

أما على الصعيد التحديث في مجال السياسة الثقافية، فقد حاول الاستعمار نشر القيم والمفاهيم الغربية التي تشكل مكتسبات حضارة الاستعمار الرأسمالي بهدف طمس على طول الخط الثقافة العربية وبنيتها الفكرية المستمدة من النموذج الثقافي الإسلامي. وكان الغزو الثقافي الكولونيالي للمجتمع العربي يهدف إلى تسييس الثقافة لفرض هيمنة الاستعمار الايديولوجية في اتجاه تحقيق متطلبات السياسة الكولونيالية ذات الطابع التناقضي من جهة، وتحديث المجتمع العربي وفق تحقيق بعض مبادئ العلمانية عبر إقصاء المؤسسة الدينية التقليدية من العمل، وتقليص دورها ونشاطها الثقافي، في محاولة استبدال البنية الثقافية التقليدية ومؤسساتها، ببنية ثقافية ومؤسسات حديثة من جهة ثانية. ولقد عملت الثقافة الكولنيالية على تعظيم الايديولوجيا الرأسمالية، وتعميم أشكال ومستوى استهلاك الثقافة الغربية الأوروبية.‏

كما أن التحديث الكولونيالي في المجال الثقافي ركز على الإيديولوجية الغربية، ونظرية التمركز الأوروبي للثقافة، التي انتجتها الرأسمالية، والتي تصل إلى قناعة بخصوصية مطلقة لتاريخ أوروبا، وأن على الشعوب والأمم الأخرى أن تحذو حذو النموذج الأوروبي إذا أرادت السير في طريق النمو، وأن هذه المحاكاة للغرب تقتضي أن تتخلص من خصوصياتها الثقافية.‏

ثم أن نظرية التمركز الأوروبي تؤكد على أن تاريخ أوروبا هو شمولياً وعيانياً، تاريخ العالم، وما على الأمم الأخرى، ومنها الأمة العربية سوى الانسياق في السيرورة التاريخية عينها، أي سيرورة الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية. وهكذا، فإن التحديث الكولونيالي القائم على تمجيد ايديولوجية مركزية الثقافة الأوروبية، يقع في تناقضين صارخين اثنين، التناقض الأول، وهوالتعارض بين الصفة الإطلاقية للثقافة الأوروبية التي قامت على مبدأ الطموح العالمي العلماني والعقلاني لهذه الثقافة للسيطرة على صعيد كوني، وقانون التطور والتفاوت، أوالتطور اللامتكافئ الناتج عن عصر الرأسمالية والامبريالية، وما يفرضه عليها من رؤية المجتمع العربي الكولونيالي الخاضع لسيطرة الإمبريالية، والذي هوغير متماثل مع المجتمعات الرأسمالية الأوروبية. والتناقض الثاني، ويتجسد في التعارض بين النزعة الكوسموبوليتية للثقافة الأوروبية وتعاظم النزعة الشوفينية لقوميات أوروبا. ويلاحظ الدكتور سمير أمين، في هذا الصدد بأن " النشوة الأوروبي التمركز لاينحصر في مجموعة الأحكام الخاطئة في رؤى الأوروبيين للآخرين.‏

فلا يغدو هذا القصور كونه بديهية تتواجد - إلى الآن لدى جميع الشعوب. فلم يعد التطور التاريخي الذي أنجزته الإنسانية، حتى يومنا هذا، إلى هذا المستوى المطلوب من التقدم الذي يلغي الشوفينية وحقد الأجنبي المجهول. إن التشوه الأوروبي - التمركز هو أكثر من تلك البديهات :‏

فتدعى الثقافة الأوروبية أنها عالمية التطلع والمغزى والرؤية. على أن التشوه الأوروبي التمركز يلغي بالتحديد هذا الطموح العالمي.. ولم تنجح الثقافة الأوروبية في إنجاز هذا التوافق، بل على عكس ذلك أخذت تنزلق تدريجياً نحو إبداع نظريات غير علمية لتفسير هذا التعارض بين الغرب المتقدم والحضارات الأخرى التي تجمدت في تخلفها، دون أن تدرك أن هذه النظريات الخرافية من شأنها أن تلغي الطموح العالمي للثقافة الغربية، هذا من جهة - ومن الجهة الأخرى أخذت الرأسمالية تنتشر تدريجياً على صعيد القارة الأوروبية من خلال اشتداد حّدة المنافسة بين مختلف الدول والقوميات المكونة لهذه القارة. فهناك تعرضت الايديولوجيا الرأسمالية للتناقض بين المغزى الكسموبوليتي الأوروبي للثقافة الجديدة من جهة، وبين احتياجات تكريس القوميات الأوروبية المتنافسة من الجهة الأخرى .لدرجة أن البعد الثاني لهذه الايديولوجيا قد غطى بعدها الأول. فانزلقت هذه الايديولوجيا تدريجياً من موقف كسموبوليتي كان سائداً في صفوف النخبة المثقفة في المرحلة الباكرة لتكوينها إلى مواقف تتسم بالشوفينية القومية وحقد البعض للبعض " (26).‏

وقاد هذا النمط من التحديث الكولونيالي الثقافي على الصعيد العربي إلى تعميم نمط التغريب على النموذج الأوروبي، وتجسد بشكل واضح وقوي في منطقة المغرب العربي، حيث كان الاستعمار الثقافي الفرنسي أشد وطأة وقوة. وستنبع من عملية التحديث الكولونيالي هذه التي تخدم مصلحة الهيمنة الرأسمالية الاحتكارية، فضلاً عن أسباب الغزو الأوروبي وظاهرة الاستعمار منذ بداية القرن التاسع عشر، إشكالية الأصالة والتحديث في المجتمع العربي التقليدي، حيث تبلور تياران متصارعان : الأول هو تيار الفكر الإصلاحي بشقيه الليبرالي (رفاعة الطهطاوي، خير الدين التونسي، قاسم أمين، لطفي السيد) والديني (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده) الذي نشأ في المراكز الحضرية المدنية العربية، وبخاصة القاهرة، وتونس، والذي دعا إلى التحديث انطلاقاً من الاستفادة من مكتسبات الثقافة الأوروبية والعلمانية، ومن الليبرالية السياسية والديموقراطية الغربية في مجال الحكم السياسي، وبناء دولة المؤسسات الدستورية الحديثة من دون تكريس قطيعة معرفية ومنهجية وفكرية مع الثقافة الإسلامية السائدة، على غرار ما فعلته فلسفة عصر الأنوار في أوروبا المسيحية. فالفكر الإصلاحي الليبرالي - الديني يئن من وطأة رواسب الايديولوجية التقليدية الماضوية، ولكنه يريد الاستنجاد بعلوم العصر والتراث العلمي الغربيين لولوج العصر خلسةً عن أعين الماضي وبمباركة منه ". وهو فكر توفيقي في بنيته إذ يحاول أن يوفق بين العلم الغربي أي الرأسمالي والدين الإسلامي. ولعل ذلك ما يعني توفيقاً بين عالمين متناقضين، الشرق المنهار والغرب الصاعد. (27).‏

وليس من شك أن الفكر التوفيقي والتلفيقي قد " تمزق وفقد توازنه بين نقل التراث وصدمة الغرب. حاول أن يبقى على ضرب من ارتباط بالتراث ففشل، وحاول أن يحاكي فردياً بعض جوانب مدنية الغرب التقنية ففشل. تراث الماضي يجثم في أعماقه وسطوة أوروبا تخيم على ذهنه. فهو تراثي تمغرب أو متغرب تسلف. ولكن تمغربه تلفيق وتسلفه تلفيق أشد. على ثوب غربي حاول أن يضع رقعاً تراثية ففشل، وعلى ثوب تراثي حاول أن يضع رقعاً متمغربة ففشل. إنه ينتقي، ينتقي دوماً، وينسى أو يتناسى أن الفكر بنيان ونظام و آلية ونهاجية"(28).‏

أما التيار الثاني فهو تقليدي سلفي متمسك بالتراث الثقافي الإسلامي، ومرتبط عضوياً بالمؤسسات التقليدية، وهو يمجد حضور سلطان الماضي في بنيته الفكرية، تقديساً للماضي وخوفاً من المستقبل الداهم، ورفضاً لجوهر العصر الذي هو جوهر عصر الثقافة والحضارة الأوروبية. ويقوم منهج هذا الفكر السلفي الذي أساس مرجعيته الايديولوجية هوالقرآن والفقه السني، على القياس أوالمحاكاة، أي قياس الحاضر بالماضي. ثم أن " نهاجية هذا التيار إذن هو السير وراء نهج الأسلاف. مهمتنا هي أن نكرر أسلافنا، والويل لنا إذا أخطأنا التكرار. هنا فقد الفكر الدم والعصب، وربط الدماغ بحبل موصول بالماضي السحيق، وأصبحت مهمته، بعد أن نفض غبار الصوفية عن الإسلام، إن يحاكي فقط ... ولكن إذا كان هذا التيار الايديولوجي قد أصبح مثلوم الحد كقوة اقتحامية إلا أنه مازال يسهم في عرقلة تطور الفكر العربي تطوراً متوازناً حثيثاً نحو العصرنة، ويمارسا ضرباً من التضييق والحصار على كل فكر عربي حديث.‏

كما أن التيار السلفي كنهاجية، يشغل حيزاً كبيراً إلى هذا الحد أو ذلك في الماركسيات العربية. وإلا كيف يمكن أن يفسر ضمور العنصر العقلاني في الماركسيات العربية (التقليدية والجديدة) (29).‏

إن هذا الانقسام الثقافي بين فئة حديثة وفئة تقليدية سلفية، الذي أحدثه التحديث الكولونيالي، أصبح السمة البارزة الذي يطبع النظام الثقافي العربي، والذي يشكل عائقاً حقيقياً للتطور، حيث أن المطلوب هو تجاوزه جدلياً من داخل هذا النظام الثقافي التقليدي، لتناقض الثنائية بين بنية حديثة مستلبة ومتغربة وبنية تقليدية، باعتباره مقاوماً أو معيقاً للتقدم. وهذا التجاوز لايمكن تحقيقه إلا من خلال اعتناق نهج الحداثة، باعتبارها مجموعة من العمليات التراكمية نحو تغيير الواقع العربي تغييراً راديكاليا على صعيد تطوير اقتصاده، وتطوير أنماط حياة المجتمع، وتفكيره ورؤيته للحياة والعالم، وتعبيراتهما المتنوعة، بما يتماشى ومتطلبات الحداثة، التي تهدف إلى بناء الذات العربية المستقلة المتحررة من التقاليد المكبلة، والمتجاوزة للإنتماء الماضوية ، والمنفتحة على روح العصر، جاعلة من هذا الانفتاح، وهذا التفاعل الحي والجدلي مع المعارف المكتسبة والقائمة على سيادة العقل والعقلانية ،" عنصراً معياراً للفكر والعمل ". فالحداثة هي قبل كل شيء تأسيس العقل، واقتحام المجهول، وكل ميادين الحياة وتعبيراتها وتمظهراتها المتنوعة، بهدف كشف قوانينها الداخلية، ومعرفة حقيقتها، بما في ذلك ميدان المحرمات، وهي كانت ولاتزال أمل تحرر الإنسان. غير أن حركية التحديث الحقيقية غير المستقلة، والتي تقوم على بلورة نموذج علمي خاص للتطور والانتماء هي تلك التي " تفك الحداثة (الغربية) وتفصلها عن أصولها، أي عن أوروبا في العصور الحديثة، وتقدمها نموذجاً عاماً لسيرورات التطور الاجتماعي لايبالي بالإطار الزماني " الذي ينطبق عليه، بالإضافة إلى ذلك يفك التحديث العلاقة الداخلية التي تربط الحداثة بالاستمرارية التاريخية للعقلانية الغربية ..". فإذا كانت الحداثة مرتبطة بمعقولية تأسست مع نشوء الغرب الحضاري، أي إذا كانت الحداثة وعي العالم الغربي بغربيته وكونيته، فإن التحديث، من خلال ارتباطه بالانموذج وبالواقع المتعدد والمتنوع سيفك الحداثة من الغرب وسيجعل منها عنصراً عاماً وكونياً، أي حسب كولمان، سيقضي على الحداثة وعصورها وسيطور عصر " مابعد الحداثة " بالنسبة إلى الغرب. تلك هي المعضلة الثالثة الناتجة عن جدلية ارتباط الحداثة بالعقلانية الغربية بمستتبعاتها (التقدم - الإنماء) من ناحية، وعن تجاوز العقلانية الحديثة بواسطة عملية لتحديث نفسها التي فتحت في الغرب عصر ما بعد الحداثة وخارج الغرب إمكانية قيام الحداثة نموذجاً للتطور الاقتصادي والاجتماعي " (30) .‏

في إطار علاقات التحديث الكولونيالية داخل التشكيلة الاجتماعية العربية المستغلة والخاضعة للسيطرة الاستعمارية، فإن العملية التاريخية من التحول المتميز لأنماط الإنتاج " السابقة للرأسمالية " ولحالتها السابقة للكونيالية إلى نمط إنتاج رأسمالي وسيط، هو بالضرورة الشكل الكولونيالي لنمط الإنتاج الرأسمالي، قد قامت بها الإمبريالية في المرحلة الاحتكارية، التي تحولت تدريجياً من شكل اتجاه معاكس في مرحلة الرأسمالية التنافسية حيث عمل نمط الإنتاج الرأسمالي على إعادة إنتاج وتقوية وانتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية على الصعيد العالمي، بهدف السيطرة على القوى المنتجة، لتأخذ شكل تناقض رئيس في البلدان المستعمرة ومنها الوطن العربي، حيث أصبحت الإمبريالية العقبة الرئيسة لسيطرة علاقات الإنتاج على تطور القوى المنتجة.‏

إن البرجوازية الامبريالية الغربية حين قامت بآلية التحديث التناقضية، وظفت المجتمع العربي المستعمر لخدمة أغراضها - فحافظت على العلاقات القديمة السابقة للرأسمالية، وعززت في الوقت عينه هذه العلاقات، ولكن بأشكال، مفككة ومتفسخة جديدة، حيث أن الاقطاع وشيوخ القبائل الممثلين لهذه العلاقات الاقطاعية الرسمية، والمتحكمين في استمرار العلاقات القديمة التي تفعل فعلها في عمليتي الانتاج والعمل، اصبحوا يلبون حاجات المصانع الرأسمالية بالمواد الزراعية، ومرتبطين بالسياسة الاستعمارية، وحماة الأنظمة التي تقيمها الدول الاستعمارية. كما أن التحديث التي قامت به الامبريالية الرأسمالية على الصعيد العربي، ولد في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية العربية علاقات الانتاج الكولونيالية، وحدد بنيتها التبعية، باعتبار وجودها التاريخي ضرورياً لإعادة تجدد هذه العلاقات من الانتاج، الذي يولد بدوره السيطرة الاستعمارية من خلال توليده قاعدتها المادية. : إن القاعدة المادية للسيطرة الامبريالية ولبقائها وتجددها المستمر لاتكمن في بنية علاقات الانتاج الرأسمالية وحدها وفي تجدد هذه البنية، بل تكمن أيضاً في بنية علاقات الانتاج الكولونيالية وتجددها. أو قل أن تلك القاعدة هي في وجود علاقة البنيتين معاً كعلاقة سيطرة. فاستمرار السيطرة الامبريالية إذن يكون بتجدد قاعدتها هذه، وقاعدتها في البلدان المستعمرة هي بنية علاقات الانتاج في هذه البلدان " (31).‏

فعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، أنشأ الاستعمار مزارع حديثة فصل عالم الفلاحة إلى عالمين : عالم تقليدي يقوم على اقتصاد الكفاف أوالاقتصاد الطبيعي بكل مقوماته التقنية والثقافية والذهنية، وعالم زراعي حديث مرتبط بالاقتصاد الرأسمالي الحديث في المراكز المتروبولية، حيث تحول الاقطاعيون إلى رأسماليين زراعيين، وأصبحوا يلبون حاجات السوق الرأسمالية العالمية بالمواد الزراعية، مثل تربية دودة الحرير، وتحويل عدة بلدان عربية مثل مصر إلى مزرعة للقطن، وتثمير مزارع القمح بوسائل رأسمالية حديثة (تراكتورات، ويد عاملة مأجوره قليلة) في مساحات واسعة، التي ضمنت زيادة سريعة في الزراعات المصدرة إلى السوق الرأسمالية، قطن، قمح، شعير. وعلى هذه الزراعة الحديثة التي شقت عالم الفلاحة، قامت صناعات تكميلية مرتبطة بالمراكز الغربية، كصناعة الحرير، وصناعة النسيج، وغيرها، ونشأت في هذا العالم الزراعي المحدث فئات اجتماعية جديدة، فئة من المزارعين الرأسماليين وكبار الملاك المرتبطين بالزراعة الصناعية، وفئة من العمال والحرفيين.‏

فمع تغلغل النفوذ الاستعماري، أصبح الاقطاعيون، وَكذلك رؤساء القبائل المسيطرين على الأراضي الجماعية، الدعامة القوية له، ذلك أن هذا الاختراق الاستعماري لعالم الفلاحة، الذي كان يسود فيه الانتاج اللارأسمالي أو انتاج ما قبل الرأسمالية Précapitaliste قد رافقه حركة " رسملة " انتاج الوطن العربي المستعمر، التي تحققت ضمن سياق حركة تهديم وتفكيك للبنية الاقتصادية الاجتماعية العربية، التي كانت تهيمن فيها أنماط الانتاج السابقة على الرأسمالية (حيث تعددت اسماءها، مثل " نمط الانتاج الخراجي " " ونمط الانتاج الاسيوي " إلخ )، وانبثق عنها الانتاج الكولونيالي، الذي كان قائماً بالضرورة على الاستحالة التاريخية لصيرورته انتاجاً رأسمالياً، متماثلاً مع ما هو قائم في الغرب الرأسمالي، وذلك للسبب الرئيسي التالي : إن علاقة " التعايش التي تربط أنماط الانتاج الكولونيالي المسيطر في البنية الاجتماعية الكولونيالية، غير علاقة التعايش التي تربط في البنية الاجتماعية الرأسمالية، نمط الانتاج الرأسمالي المسيطر بانماط الانتاج السابقة عليه في هذه البنية الأخيرة. تقود سيطرة نمط الانتاج الرأسمالي إلى ضرورة القضاء على هذه الأنماط من الانتاج التي، وإذ هي استمرت تتجدد في الواقع، وإلى أمد، لأن منطق التطور الامبريالي للرأسمالية يحكم عليها بالزوال. أما في البنية الاجتماعية الكولونيالية، فهذه الانماط من الانتاج السابقة على الرأسمالية، في خضوعها لسيطرة نمط الانتاج الكولونيالي، وفي تعايشها معه تتجدد بتجدد علاقات الانتاج الكولونيالية نفسها بشكل لايقودها فيها منطق تجددها في هذا الإطار إلى ضرورة زوالها، بل بالعكس، إن هذا المنطق يتحرك في أفق تأبدها " (32).‏

وعلى أساس أن هذا الواقع التاريخي من الانتاج الكولونيالي، وتكون الملكية الخاصة في الأرض الزراعية في البلاد العربية وتحسين وسائل الري والتسميد، مع تغلغل الاستعمار وربط الانتاج الزراعي بالسوق الرأسمالية الأوروبية، وبالتحديد السوق الفرنسية، ضمن إطار العلاقة الكولونيالية، وعملية الدمج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، نشأت وتطورت الرأسمالية التبعية في الوطن العربي في كنف الكولونيالية، من دون أن تقضي على الاقطاعية، بل جرى التعايش معها، أو بالأحرى حولت علاقات الانتاج " الاقطاعية " إلى علاقات كولونيالية. والحال هذه تحول الأقطاعيون أنفسهم إلى فئة كبار الملاكين الزراعين، أي رأسماليين زراعيين جدد، وأصبحوا بذلك تجاراً زراعيين بسبب تطور الانتاج الزراعي الكولونيالي من جهة، وارتباطه بالانتاج الرأسمالي الاستعماري عن طريق التجارة الكولونيالية، بما أنه صار انتاجاً كولونياليا، يقدم مواد أولية وسلع زراعية تحتاجها الصناعة والسوق الرأسماليتين من جهة ثانية.‏

وعلى صعيد الصناعة، فإن التحديث الكولونيالي قسمها إلى عالمين : عالم الحرفة، وعالم الصناعة الحديثة. منذ تغلغل الاستعمار الأوروبي في الوطن العربي، عملت الرأسمالية الأوروبية في حركة تطورها التاريخي التي تميل بالضرورة إلى عملية التوسع اللانهائي، على تعميم الانتاج البضاعي فيه، بما أنه يدخل في نطاق توحيد السوق الخارجية كسوق رأسمالية عالمية، من خلال تدمير قطاع مهم من الحرفيين على أثر دخول السلع الرأسمالية، وتحويله إلى الصناعات الحديثة، التي أقامها الاستعمار في مرحلة أولى، ثم تحويل الانتاج البضاعي إلى انتاج رأسمالي، عبر انتقال التشكيلة الاجتماعية العربية إلى تشكيلة كولونيالية، حيث تطورت فيها رأسمالية انطلاقاً من الاستعمار (الكولونيالية) أي أن تطورها قد تم ضمن سياق العلاقة الكولونيالية، ومن خلال تصدير رأسمال المال الأوروبي والأميركي في مرحلة ثانية.‏

ثم أن السيطرة الاستعمارية بجوهرها على منابع النفط في الشرق الأوسط، والمواد الأولية في الوطن العربي، واستغلال الثروات الطبيعية والبشرية فيه، جعل الاحتكارات الرأسمالية بالتعاون مع الحكومات الاستعمارية، تقوم بإنشاء الصناعات الحديثة لمصلحة النشاطات التصديرية للسوق الرأسمالية العالمية، التي يمركز فيها رؤوس الأموال القادمة من المتروبولات الرأسمالية، مثل مد شبكة سكك الحديد، وإنشاء شركات الكهرباء والمياه، والصناعات المتحكمة في استخراج وانتاج النفط، وكذلك أيضاً في استخراج المواد الأولية الأخرى كالحديد، والفوسفات وإلخ. غير أن إقامة هذه الفروع الصناعية في الوطن العربي التي كانت تدخل في نطاق بداية ادماجه في النظام الرأسمالي العالمي، هي فروع انتاج خفيفة، وتستخدم تكنولوجيا خفيفة، وتابعة للاحتكارات الرأسمالية الصناعية والمالية المختصة بالنفط، والنحاس، والزنك، والفوسفات والحديد ... إلخ، والتي تسيطر فيها علاقات الانتاج الرأسمالية، التي صنعت من قبل الاقتصاد الرأسمالي العالمي، والرأسمالي المالي الدولي ...‏

هذا النمط من التحديث الكولونيالي في المجتمع العربي التقليدي، الذي نقله إلى الرأسمالية المحيطة التابعة، اتضحت نتائجه واسقاطاته الخارجية في الانقطاع بين قطاع تقليدي متأخر من الاقتصاد العربي متمثل في الحرف كأعمال النحاس والصدف والفضة والسجاد التي لاتنافسها فيها الصناعة الأوروبية، وبقايا العالم التجاري، والفئات الريفية - غير مرتبط بالسوق العالمية، وفي عزلة تامة عن حركة التبادلات الدولية، والتخصص، والتقسيم الدولي للعمل، وقطاع عصري حديث تابع لعلاقات الانتاج الكولونيالية المتكيف مع علاقات الانتاج الرأسمالية في المتربول الرأسمالي، ومتوجه بشكل رئيسي، في حركة تطوره، نحو التصدير للسوق الرأسمالية العالمية، وخاضع لعلاقات التبادل غير المتكافئة بين هذا القطاع الانتاجي الكولونيالي والقطاع الانتاجي الرأسمالي العالمي، مثل قطاع النفط في الشرق الأوسط، والحديد والفوسفات، والنبيذ في المغرب العربي. وعلى الرغم من الهوة الموجودة بين القطاع " التقليدي المتأخر " والقطاع " الحديث المتطور"، إلا أن القطاعين كليهما ينتميان إلى بنية واحدة هي بنية التخلف والتأخر التاريخي العربي. ومن الخطأ النظري العلمي الذي له دلالته الايديولوجية اعتبار أن هناك ازدواجية في بنية المجتمع العربي، القطاع " التقليدي" هو الذي يمثل التخلف والتأخر التاريخي، في حين أن القطاع " الحديث " يمثل التطور. فالتخلف والتأخر التاريخي ظاهرة تاريخية متميزة في المجتمع العربي، ومرتبطة بالبنية الطبقية في العلاقات الانتاجية السائدة الكولونيالية، ونتاج تاريخي للسيطرة العثمانية وماخلفته من خراب وتخلف، وللاستعمار الأوروبي الذي ترك آثارا عميقة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وكما يقول مهدي عامل أن هناك علاقة سببية بين الاستعمار والتخلف " كبنيتين متميزتين، ينفي الانفصال بينهما واستقلال حركة تطورهما بل هو يستلزم بالضرورة ارتباطهما الداخلي في حركة تاريخية واحدة هي حركة انتاج بنيوي مستمر، يكون فيها وجود البنية الرأسمالية الاستعمارية، في حركة تطورها، محدداً لوجود البنية " التخلفية " ومنتجاً لها، كما أن وجود البنية " التخلفية " يكون محدداً لوجود البنية الرأسمالية الاستعمارية. معنى ذلك أن الاستعمار، كشكل تاريخي لتطور الرأسمالية شرط أساسي لوجود " التخلف " وبقائه، كما أن " التخلف " شرط أساسي لوجود الاستعمار وبقائه " (33).‏

لقد عمق التحديث الكولونيالي بنية التخلف والتأخر التاريخي في الوطن العربي، وفي القطاعين " التقليدي " و " الحديث ". ذلك أن الاستعمار قد أخضع القطاع التقليدي لمنطق توسع الرأسمالية، وذلك بتوظيف الانماط الانتاجية السابقة للاستعمار كمنطلق للتطور الاستعماري. وبذلك، أصبح القطاع التقليدي خاضعاً للسيطرة الأمبريالية التي تقوم بامتصاص الفائض الاقتصادي ورسم نموذج لبناه الداخلية وتشويهها، ونتاجاً لتطور العلاقة الكولونيالية، حيث أن آثار هذه الكولونيالية تظهر عن طريق التشويه الكامل لهذا القطاع الاقتصادي، الذي هو بدوره جزء لايتجزأ من بنية التخلف.‏

وبالمقابل فإن القطاع " الحديث " المرتبط بعلاقة تبعية بالمتروبول الرأسمالي الاحتكاري، بحيث تتعزز هذه العلاقة من خلال قيام علاقات انتاج رأسمالية كولونيالية، وقيام أشكال مهترئة من التصنيع، يقود إلى تقولب الطبقات الاجتماعية على صورة البلد المستعمر المسيطر، لاينتمي إلى بنية الانتاج الرأسمالي بالشكل التماثلي كما هو موجود في المراكز المتروبولية. والحال هذه فإنه ليس جزءاً من قوانين الحركة الداخلية لتطور الرأسمالية الاحتكارية الغربية، بل هو قطاع اقتصادي متخصص في الانتاج الصناعي التقليدي الذي لا يتطلب سوى العمل البسيط، والذي تسود فيه علاقات انتاج كولونيالية متكيفة مع علاقات الانتاج الرأسمالية العالمية، وتربطه علاقات خارجية مع البلدان الرأسمالية الغربية المسيطرة، وبالتالي فهو ينتمي إلى بنية التخلف في وحدتها الشاملة التي تجمع القطاعين " التقليدي " و " الحديث " كليهما. وهكذا، فإن عملية التحديث الكولونيالي، التي تمت في إطار علاقات الانتاج الكولونيالية، وكذلك في نطاق السوق الرأسمالية العالمية التي يسيطر عليها الغرب الرأسمالي الاستعماري، قد قامت بهدم داخلي لبنية التطور في الوطن العربي، وغيرت بشكل جذري في منطق تطوره التاريخي. وهي كظاهرة تاريخية لم تكن نتيجة ضرورية للتطور الداخلي لنظام الانتاج السابق للرأسمالية، بل هي نتاج الفعل والسيطرة الكولونيالية المباشرة، وهي تختلف جذرياً عن عملية التحديث التي تمت في ظل التنمية الرأسمالية في الغرب، التي كانت نتيجة ضرورية للتطور الداخلي للنظام الاقطاعي، ولثورة الرأسمالية عليه. ومن هذا المنطلق، فإن الثورة وفق النظرية الماركسية الكلاسيكية للتغيير الاجتماعي، ترى أن الرأسمالية مرحلة ضرورية من مراحل تحديث المجتمع، وهي في الحقيقة انتقال من نظام انتاج إلى نظام انتاج آخر، أي من بنية اجتماعية إلى بنية اجتماعية أخرى. إلا أن ما حدث في البلدان المستعمرة (ومنها الوطن العربي) من انتقالها إلى نظام الانتاج الكولونيالي لا يمكن اعتباره ثورة بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، فالثورة قوة تحرر التاريخ بتحقيق امكانياته الداخلية الواقعية، أما الاستعمار فقد كان ثورة على تاريخ هذه البلدان وقوة مجابهة له، لم تحركه إلا لتسد فيه امكانيات تطوره الداخلية، لا لتحرره. إن البلدان المستعمرة لم تأت إلى التاريخ، عن طريق استعمارها وتطور التناقضات الكولونيالية المحركة لتاريخها، إلا لتحد أفق التاريخ مسدوداً في وجه تطورها. إن القوة التي أتت بها إلى التاريخ عنفاً هي نفسها التي سدت أفق التاريخ في وجه تطورها " (34).‏

والواقع، أن عملية التحديث الكولونيالية لم تؤد إلا إلى إعادة انتاج البنى والعلاقات الكولونيالية وتعزيزها، وبالتالي إعادة انتاج بنية التخلف والبنى الهجينة المرافقة لها، اللاعقلانية أوشبه العقلانية، بإضفاء أشكال ومظاهر " حديثة " عليها.‏

على أساس عملية التحديث الكولونيالية هذه تشكلت البرجوازية العربية المالكة للثروة، والتي تتكون من فئتين اجتماعيتين مختلفتين : فئة التجار التي ازداد ارتباطها بالرأسمالية العالمية نتاج حركة الرسملة باعتبارها فئة ممثلة للسمسرة الدولية مع اتساع حركة الاستيراد والتصدير، ووسيطة تعمل في نقل المواد الخام إلى أسواق الدول المصنعة مع تزايد قدرتها على استيعاب الخامات، وفي نقل السلع من الدول المصنعة إلى الأسواق العربية مع تزايد قدرتها على الاستهلاك واستيعاب السلع. وقد خرج من أحشاء فئة التجار الحضريين هذه " معظم عناصر الطبقة الوسطى الجديدة ... فقد كانوا من أول المبادرين إلى إرسال أبنائهم للمدارس الحديثة، سواء التي أنشأها المصلحون المحليون في القرن التاسع عشر قبل وصول الاحتلال السافر، أم التي انشئت بعد ذلك بواسطة السلطات المحتلة نفسها أوبواسطة الحركات الوطنية " (35).‏

أما الفئة الثانية فتتكون من كبار الزراعيين وبقايا الاقطاع، وزعماء العشائر والأمراء وقد نمت علاقاتها بالأسواق العالمية، نتاج دمج الزراعة العربية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتوجيه انتاجها الزراعي نحو التجارة الكولونيالية لخدمة مصالح المتروبولات الرأسمالية الغربية. ثم أن تحول الزراعة إلى المحاصيل ، أي مع إحلال النقد في التبادل لم يعد من الممكن اعتبار الانتاج الزراعي في الوطن العربي الذي كان خاضعاً لسلطة الاحتلال انتاجاً اقطاعياً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، حتى وأن استمرت بعض الأشكال البدائية والتقليدية من الانتاج الزراعي في الوجود، وكذلك الأمر بالنسبة لملكية الأرض، التي هي في الظاهر اقطاعية، لكنها تعيش حالة من التفكك، بسبب اندفاع فئة كبار الملاك الرأسماليين نحو الأعمال التجارية والصناعية، بالاشتراك مع الرساميل الأجنبية. غير أن هذا التحالف بين كبار الملاكين الزراعيين والاستعمار لم يكن تحالفاً بين انتاج اقطاعي وانتاج رأسمالي، بل كما يقول مهدي عامل هو : بين انتاج كان عليه أن يعتبر بالضرورة انتاجاً كولونياليا وبين انتاج رأسمالي. إن ملكية الأرض في البلد المستعمر لم تعد ملكية " إقطاعية " كما أنها تطورت إلى كولونيالية، كشكل متميز للملكية الرأسمالية، بتطور الانتاج الزراعي ضمن العلاقة الكولونيالية، وبتوجيه الانتاج الزراعي في البلد المستعمر نحو التجارة الكولونيالية، أي بتحويله إلى انتاج كولونيالي، صار الابقاء على علاقات الانتاج في الزراعية ضمن حدود العلاقة الكولونيالية معناه تحويلاً لها من علاقات انتاج " اقطاعية " إلى علاقات انتاج كولونيالية، وصار الملاك الزراعي بذلك تاجراً زراعياً مرتبطاً بالانتاج الاستعماري "(36).‏

وهكذا فإن البرجوازية العربية التي تشكلت طبقياً في إطار العلاقة البنيوية مع الاستعمار القديم أي في ظل علاقة السيطرة لنمط الانتاج الرأسمالي نأن على باقي أنماط الانتاج الآخرى، لم تكن نتاج آلية تطوير نمط انتاج رأسمالي قائم بذاته، ولد وترعرع في تناقض عدائي مع الاقطاع. هذه البرجوازية العربية التي تشكلت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، هي طبقة انصهرت فيها الفئتين الآنفتي الذكر أي فئة كبار الملاكين الزراعيين، وفئة التجار الحضريين، وهي ليست بطبقة منتجة، لأن وجودها الطبقي مرتكز على قاعدة اقتصادية أساسها التجارة، وقطاع الخدمات والسمسرة مع الشركات المساهمة العملاقة، وهي بهذه الحالة تمثل علاقات الانتاج الأكثر تخلفاً.‏

لأن التغلغل الاستعماري أو الفعل الامبريالي، قد أخضع تطور بنية المجتمع العربي بشكل قسرى لمنطق أخر من التطور، هو منطق التبعية الكولونيالية، فقد أصبح من المستحيل على الإطلاق أن تتطور رأسمالية قائمة بذاتها في الوطن العربي، بالشكل التماثلي الذي اتخذه تطور الرأسمالية الكلاسيكية في أوروبا. لأن ما يميز التطور في مجتمعنا العربي هو هذا الشكل الكولونيالي، أي هذا الاربتاط التبعي البنيوي بمنطق التطور الامبريالي للرأسمالية الاحتكارية العالمية. ومن المنطقي والتاريخي، أن يكون هذا النمط الكولونيالي من التطور الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي في إطار علاقة التبعية البنيوية مع الأمبريالية، هو المحدد في سيرورة التشكل التاريخي للبرجوازية العربية، فهي برجوازية كولونيالية تابعة ومرتبطة. وانطلاقاً من هذه النظرة، نرى أمامنا أختلافاً تاريخياً جذرياً بين البرجوازية الأوروبية كطبقة ثورية مهيمنة، استطاعت أن تقوم بثورتها التاريخية والسياسية، أي الثورة القومية الديمقراطية البرجوازية، وبناء المجتمع المدني الحديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، وبين البرجوازية العربية التي لم تكن يوماً قط طبقة ثورية، وبالتالي طبقة مهيمنة وقومية، قادرة أن تقوم بانجاز مهمات الثورة الديمقراطية البرجوازية، وبناء المجتمع المدني الحديث، لأن هذه البرجوازية ليست بطبقة قائدة، وهي عاجزة عن تنفيذ مهمات البرجوازية الكلاسيكية، لأنها جزء هامشي وهجين من الرأسمالية العالمية، نشأت ونمت على هامشها، وفي ظلها ارتبطت بمصالحها. ولذلك كان دورها في انجاز مهمات الثورة الديمقراطية وبخاصة بناء المجتمع المدني، ثانوياً جداً، لأنها بالأساس ليست بطبقة ديمقراطية تمتلك خصائص وسمات ديمقراطية ومدنية البرجوازية الكلاسيكية في الغرب. وهي كطبقة هجينة، كان اعتمادها الأساسي على القوى الرأسمالية العالمية باعتبارها طبقة بورجوازية تجارية متميزة تمثل البرجوازية الاحتكارية الاستعمارية والامبريالية، وهوالأمر الذي يمنعنا أن نطلق عليها طبقة بورجوازية قومية ديمقراطية، لها دورها القيادي في حركة بناء المجتمع المدني الحديث.‏

هوامش الفصل الثالث:‏

1UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب. مقدماتها اسبابها - نتائجها - بقلم أحد أعضاء الجمعيات العربية طبع في مصر 9 كانون أول 1916 ،( ص 17).‏

2UU المصدر السابق (ص 25).‏

3UU الدكتور عبد العزيز الدوري - التكوين التاريخي للأمة العربية دراسة في الهوية والوعي - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيلول سبتمبر 1984 (ص 165).‏

4UU المصدر السابق (ص241).‏

5UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 242).‏

6UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب - مصدر سابق (ص 30-31)‏

7UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 197).‏

8UU المصدر السابق (ص 201).‏

9UU المصدر السابق (ص 203) - انظر " دروزة، نشاة الحركة العربية الحديثة (ص471)، سعيد، الثورة العربية الكبرى : تاريخ مفصل جامع للقضية العربية في ربع قرن، (ص 46-48)، جمال باشا، ايضاحات عن المسائل السياسية التي جرى تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه (ص 20). ومايليها، برو المصدر نفسه ص 557 وما يليها، الاعظمي القضية العربية، أسبابها، مقدماتها، تطوراتها ونتائجها، ج ع، ص 45 وما يليها.‏

10UU المصدر السابق (ص 190) انظر توفيق علي برو، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني 1908 - 1914 (القاهرة الجامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية 1960) ) ص 80- 81).‏

11UU كتاب الرائد العربي - 1- ثورة العرب - مصدر سابق (ص35).‏

12UU المصدر السابق (ص35).‏

13UU الدكتور عبد العزيز الدوري - مصدر سابق (ص 216).‏

14UU المصدر السابق (ص 218) انظر العريسي - مختارات المفيد‏

(ص 119 -122-204).‏

15UU المصدر السابق (ص 218 - 219) انظر المفيد (20 حزيران يونيو 1911) - هذه المقاطع استشهد بها الدكتور الدوري في كتابه.‏

16UU المصدر السابق (ص 219) - انظر المفيد 23 تموز يوليو 1911، والمفيد 14 آذار 1912، والمفيد كانون الثاني 1912، والمفيد 4 آب - اغسطس 1912 -وهي كلها مقاطع استشهد بها الدكتور الدوري.‏

17UU داميل توما - تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث - الجزء الأول - دار الفارابي 1979 الأحرار بيروت 1955 (ص 75).‏

18UU المصدر السابق (ص 146 - 147). انظر المؤتمر العربي (ص 73).‏

19UU كتاب الرائد العربي - ثورة العرب - مصدر سابق (ص 36).‏

20UU داميل توما - مصدر سابق (ص 171 -172 ). انظر يقظة العرب - جورج انطونيوس (ص 172).‏

21UU د. حكيم اليازجي - د. فهمية شرف الدين - د. سعيد مراد، حسن نور الدين، غادة كنفاني، رغدة نحاس، بحوث في الفكر القومي العربي - المجلد الأول - معهد الانماء العربي الطبعة الأولى 1983 (ص 165).‏

22UU الدكتور جورج قرم أوروبا والمشرق العربي من البلقنة إلى اللبننة (تاريخ حداثة غير منجزة ). دار الطليعة - (الطبعة الأولى تموز 1990 (ص 142).‏

23UU المصدر السابق (ص 55) - نقلا عن تن. روسو. دروس في القانون الدولي العام Cours dedroit International public دروس لطلبة الدكتوراه حول " التغييرات الاقليمية للدول ونتائجها القانونية " مكتبة دروس القانون، باريس 1964- 1965 (ص 48).‏

24UU فتحي التريكي - رشيدة التريكي - فلسفة الحداثة‏

25UU الدكتور سعد الدين ابراهيم (منسق الدراسة ومحرر الكتاب) المجتمع والدولة في الوطن العربي - مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى تشرين الأول - اكتوبر 1988 (ص 155) - وردت مقولة علال الفاسي حول السلفيين الوطنيين في محاضرة : محمد عابد الجابري - حول مستقبل الثقافة العربية " منتدى الفكر العربي، عمان 15-3-1987.‏

26UU الدكتور سمير أمين - نحو نظرية للثقافة - معهد الانماء العربي الطبعة الأولى 1989 - (ص 105-106-107).‏

27UU الدكتور منصف وناس - الدولة والمسألة الثقافية في تونس دار الميثاق للطباعة والنشر والتوزيع - الطبعة الأولى 1988 (ص 97).‏

28UU ياسين الحافظ - الهزيمة والايديولوجيا المهزومة دار الطليعة - الطبعة الأولى تموز 1979 (ص 212 - 213).‏

29UU المصدر السابق (ص 210- 211- 212).‏

30UU فتحي التريكي فلسفة الحداثة - مصدر السابق (ص14).‏

31UU مهدي عامل - مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرير الوطني - دار الفارابي - الطبعة الخامسة (ص 310).‏

32UU المصدر السابق (ص 356).‏

33UU المصدر السابق (ص 415).‏

34UU المصدر السابق (ص 431).‏

35UU الدكتور سعد الدين ابراهيم - مصدر سابق (ص 156).‏

مهدي عامل - مصدر سابق (ص 394).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-05-2006, 10:12 PM   المشاركة رقم: 35
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الرابع

والدولة العصرية‏




منذ أن عقدت اتفاقية سايكس بيكو السرية - 1916، وهو العام الذي أعلن فيه الشريف حسن ثورته، جاءت اتفاقية سان ريمو العام 1920 لتكريس نتائج هذا الاتفاق، وجاءت أيضاً نتائج الحرب العالمية الأولى لتفرض حدود التجزئة الجديدة، بعد أن عم الاحتلال الأوروبي أجزاء الوطن العربي، التي كانت ولايات عثمانية، وخضع المغرب العربي كله تحت الاحتلال الفرنسي. وبدلاً من أن تظهر إلى حيز الوجود في المشرق العربي المملكة العربية الكبرى، تشكلت أربع ممالك وجمهوريتان، على أرضية هذه التجزئة السياسية الجديدة التي رسمها الاستعمار الأوروبي، لتكييف هذه المستعمرات الخاضعة مع حاجاته، وهي كلها خاضعة إما للحماية الفرنسية أو الانكليزية، باستثناء المملكة العربية السعودية.‏

وإذا كانا الاستعمار الخارجي يتحمل المسؤولية التاريخية في تكريس التجزئة السياسية، وبالتالي في ولادة الدولة القطرية على قاعدة هذه التجزئة، فإن هذه الأخيرة كانت تمثل واقعاً تاريخياً بني عليه الاستعمار مخططاته المتعددة الجوانب لاختراق المشرق العربي وإفراغ وحدته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من العناصر الإيجابية فيها تسهيلاً لتوليد قيم التجزئة والقطرية مكانها"(1) .‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن الدولة القطرية الحديثة أسهمت في تشكلها ووجودها السيطرة الأوروبية على وطننا العربي والفعل الاستعماري فيه، الذي أحدث تفتيتاً في الانسجة السياسية والاجتماعية والثقافية لبناه التقليدية، موجهاً بذلك ضربة قاصمة إلى مرتكزات الاستقرار والثبات الاجتماعي والاقتصادي التقليدي، من خلال عملية التحديث الناجمة عن التغلغل الأوروبي، والتسرب للرأسمالية الأوروبية إلى المجتمع العربي التقليدي. ولم تكن هذه الدولة القطرية الحديثة نتاجاً لنشوء وتطور رأسمالية وطنية مستقلة قائمة بذاتها، هيأت الأوضاع الاقتصادية والسياسية في إطار الصراع مع البنى التقليدية غير العقلانية في الوطن العربي.‏

وفي ضوء هذا النمط من الرأسمالية " الهامشية " لم يكن من المعقول أبداً ظهور طبقة برجوازية ناضجة وطبقة عمالية أصلية. فما إن كان منتصف القرن العشرين حتى برزت واضحة طبقة اجتماعية هجينة تختلف عن الطبقة البرجوازية وتتميز عن الطبقة البروليتارية "(2).‏

وهكذا، افرز هذا التشكل الطبقي لبرجوازية عربية تابعة، وعاجزة عن صياغة أي برنامج سياسي ديمقراطي حقيقي يطرح قضية بناء المجتمع المدني الحديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، كما هو الشأن في مطالب البرجوازية الغربية الكلاسيكية، وأفرز أيضاً نمطاً من الدولة القطرية الحديثة، التي جاءت نتيجة الفعل الاستعماري المباشر، وكذلك التبعية. وقد انبتت هذه الدولة، قبل أن تتوحد الامة العربية سياسياً، وقبل قيام المجتمع المدني، وهو أمر يتناقض مع مقولة الدولة - الأمة في الغرب، التي انبنت على فكرة الأمة التي وجدت أساسها الواقعي في قيام المجتمع المدني الحديث المنظم والموحد. وكما يقول الكتور هشام شرابي في تحليله لحكم الدولة الأبوية في الوطن العربي، من أن بنية الدولة الحاكمة أشتملت " على رعوية الاستعمار والجهاز البيروقراطي للدولة الحديثة، فنصبت نفسها مكان المجتمع وانجزت وظائفه وبالنسبة إلى المواطنين كانت كيانا خارجياً مفروضاً عليهم، ذلك أن مشاركتهم الحرة في الشؤون العامة وحتى في حال ضمانتها دستورياً كانت أمراً مستحيلاً مالم تتبناها الدولة وترعاها. وحين يجد المواطن نفسه معزولاً ومغترباً ومقموعاً فإنه يجد نفسه مجبراً على العودة إلى البنى الاجتماعية الأولية العائلة، الجماعة الأثنية، القبيلة، الطائفة - بحثاً عن الأمان وضماناً لبقائه " (3).‏

وهكذا، فإن الدولة القطرية الحديثة لم تكن تعبيراً عن نشأة مجتمع سياسي مع ما يستلزم هذا المجتمع السياسي من توافر ركيزتين أساسيتين هما الشرعية والاجماع، وهي لم تكن كذلك نتاجاً لطبقة بورجوازية صاعدة قادرة على انجاز مهام الثورة القومية الديمقراطية، وبالتالي بناء الدولة القومية التي كان الاستعمار الغربي عقبة أساسية في وجودها، بل أن هذه الدولة كانت نتاجاً حقيقياً لمعاهدة 1936، التي كانت أساس تشكل النظام السياسي العربي، وأساس التحالف بين البرجوازية العربية والقوى الاستعمارية الأوروبية. وقد لاقت هذه المعاهدة معارضة من جانب القوى الوطنية المصرية التي " حملت مسؤولية توقيعها على قوات الاحتلال البريطاني وماتمثله من قهر ثم حملت الجانب المصري مسؤولية الموافقة على الشروط البريطانية التي كانت أسوأ من مشروع 1930 والتي فرضت أبدية التحالف بين البلدين. ومعنى ذلك أن الجانب المصري قبل في 1936 مارفضه في 1930 كما انتقدت تلك المعارضة المبالغة في الترويج للمعاهدة والمغالطات التي ارتكبت في هذا الشأن.. وأكثر من ذلك أن قيادة حزب الأغلبية للمفاوضات وتبنيه لتلك المعاهدة ومبالغته في قيمتها بالنسبة لمصر قد أحدث شرخاً في الحركة الوطنية بوجه عام كان له أبلغ الأثر في تطورها فيما بعد وظهور اتجاهات سياسية جديدة تختلف عن الاحزاب التقليدية التي لعبت الدور الرئيسي في الحياة السياسية المصرية عام 1919"(4).‏

والحال هذه، عجزت هذه البورجواوية العربية تاريخياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً عن إن تقطع الحبل السري الذي يربطها بالامبريالية الغربية، التي قد ادخلت إلى العديد من الأقطار العربية انماطاً متمايزة من مؤسسات المجتمع المدني وتكويناته الحديثة، كالاحزاب السياسية، والديمقراطية، والبرلمانية، والأنظمة البيروقراطية. وهذا يمثل " المظهر الإيجابي " لتنوير الاستعمار، والقمع الدموي، والسيطرة ،والنهب. ومع ذلك فإن هذه الرأسمالية الامبريالية التي تمتلك قوة قادرة على " التثوير " أو " التعقل "، ونشر نموذج الدولة القومية، وفكرة الحداثة، لم تستطع أن تستبدل البنى التقليدية والنظام التقليدي المترسخ الجذور في المجتمع العربي التقليدي المتأخر تاريخياً ببنى حديثه، وإن كان هذا التدخل الاستعماري الأوروبي الخارجي قد وّلد أشياء كثيرة في الوطن العربي، من أهمها التحديث القانوني للبنى التقليدية، وكذلك مؤسسات الدولة القطرية الحديثة، كالإدارة، والمحاكم، والشرطة، والجيش، ونظام التربية والتعليم وفقاً للنمط الغربي، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث كالنظام البرلماني، وحرية الصحافة، والأحزاب السياسية، والاقتصاد الحر، والنشر والقيم العلمانية. وهذه البنى كلها هي صيغ غربية إلى حد كبير، وليست تعبيراً عن ضرورة داخلية موضوعية، أفرزها تبلور الحاجات الذاتية لهذا المجتمع التقليدي، الذي انخرط في النظام العالمي، الأوروبي متعدد الأقطاب، منذ القرن التاسع عشر، وأصبح منذ حينئذ خاضعاً لثنائية علاقات التبعية البنيوية على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ونشأت وتطورت على قاعدة تحول الوطن العربي، إلى منطقة هامشية للسوق الرأسمالية العالمية، وعلى أرضية علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية، البنى والمؤسسات المشوهة للمجتمع المدني وللدولة القطرية الحديثة، في الأقطار العربية التي استقلت بشكل محدود ومشروط عقب الحرب العالمية الأولى، وبخاصة مصر والعراق. وفي نطاق عملية التحقيب لدراسة أثر العامل الخارجي في إرساء أسس المجتمع المدني والدولة العصرية، سنقوم بدراسة قطرين عربيين هما مصر والعراق، اللذين شهدا بعض أشكال من النظام البرلماني الديمقراطي، وانتشار الايديولوجية الليبرالية، في الفترة مابعد الحرب العالمية الأولى وحتى انبثاق ثورة يوليو في مصر العام 1952، وثورة تموز في العراق 1958.‏

أولاً: نموذج مصر‏

لقد عرفت مصر الحياة الحزبية منذ بداية القرن العشرين، حين كانت خاضعة لازدواجية السلطة، سلطة الخديوي " الشرعية، والمطلقة والاستبدادية، وسلطة الاحتلال الانكليزي العسكري التي بدأت منذ احتلال الانجليز مصر في أيلول 1882. وكانت السلطتان كلتاهما معاديتين للاستقلال الوطني والتجربة الديمقراطية، الأمر الذي خلق نوعاً من التمايز بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية.‏

وكانت المسألة الوطنية المتمثلة في المقاومة المصرية للاحتلال الانكليزي هي المنبع الأول لحركة تكوين الأحزاب السياسية في مصر. ولكن المسألة الوطنية باعتبارها إحدى مكونات المجتمع المدني في عهد الاحتلال لايمكن فصلها عن البعد الديمقراطي للمسألة المصرية. وقد تشكل أول حزب وطني مصري على يدي مصطفى كامل ومحمد فريد في العام 1900، ولعبت الانتليجنسيا دوراً مهماً في حياته، إذ أن ايديولوجيته كانت حديثة وتتغذى من الايديولوجية الأوروبية البرجوازية. لكن هذا الحزب، على الرغم من أنه بورجوازي، إلا أنه لم يكن حزب البرجوازية المصرية الكبيرة، ولا البرجوازية الزراعية، التي كان يمثلها سياسياً حزب الأمة، الذي كان متعاوناً مع سلطة الاحتلال الانكليزية. وقد ربط الحزب الوطني بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، حين قام بمظاهرات حاشدة تطالب بحرية الصحافة، وبالدستور في عامي 1909 و 1910، وأيد سعد زغلول في انتخابات الجمعية التشريعية في العام 1913، حيث أن الصراع من أجل الديمقراطية الليبرالية وتحقيق مكاسب على هذا الطريق كانتزاع سلطة إصدار القرار والتشريع من سلطة الاحتلال الانكليزية كان وثيق الصلة بالصراع الوطني. وعلى الرغم من أن الحزب الوطني كان يقود الحركة الوطنية، إلا أنه " سيجد ترجيعات كثيرة وذلك بالرغم من بؤس المجتمع المصري، ومن غفلة الجماهير الفقيرة، وميوعة البرجوازية الصغيرة، ورغم الميول الرجعية للطبقات الوسطى الريفية والخيانة المكشوفة للارستقراطية وللبورجوازية التي نشأت عنها. في اللحظات الحاسمة، كان الحزب يتحول إلى الأمة التي كان يجسدها في إمكانياته. لكن تاريخ الحزب سيكون قصيرا. ففي اللحظة التي ستنتفض فيها الأمة بأكملها في 1919 سنجده يختفي ليترك مكانه لحزب يمثل بشكل أفضل المجتمع المصري في تلك الفترة، حزب الوفد " (5).‏

تمحور نضال الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل حول المسألة الوطنية، وخاض معركة وطنية لتحرير مصر من الاحتلال الانكليزي، ورسم مصطفى كامل استراتجيته السياسية على اعتبار المسألة المصرية مسألة دولية، وفصلاً من فصول المسألة الشرقية التي هي " مسألة النزاع القائم بين بعض دول أوروبا وبين الدولة العلية - تركيا - بشأن البلاد الواقعة تحت سلطانها ". ولذلك حاول مصطفى كامل أن يستغل التناقضات الثانوية بين القوى الامبريالية الأوروبية أي بين بريطانيا وفرنسا، حيث تعادي هذه الأخيرة انكلترا بسبب احتلالها لمصر بالقدر ذاته التي تعادي به المانيا بسبب خسارتها منطقة الالزاس واللورين العام 1871. واعتبر مصطفى كامل التناقضات الثانوية بين القوى الاستعمارية الأوروبية في الخارج والتناقضات الثانوية بين القصر والمندوب البريطاني في الداخل هي مصدر قوته الرئيسة، وأساساً جوهرياً لحركته السياسية في الخارج التي تعتمد على الحصول على تأييد أجنبي، أو الاستعانة باوروبا لأكراه بريطانيا على الجلاء عن مصر.‏

وكانت سياسة الحزب الوطني تقوم على مراهنات خاسرة، كاستغلال التناقض الثانوي بين بريطانيا وفرنسا، وبالتالي الانضمام إلى بعض دول المحور من موقع الشريك الصغير في لعبة دولية كبيرة حيث كان وزن المشاركة العربية محدوداً، بحكم أن هذه المشاركة تقتضيها الظروف الدولية المحيطة بالمسألة الوطنية المصرية هذا من ناحية. وقد قام في الوقت عينه باتباع سياسة تأييد وولاء للإمبراطورية العثمانية ولتيار الجامعة الإسلامية، التي كان تحت لواء السلطان عبد الحميد، حيث كان مصطفى كامل يطلب بالتفاف الشعوب الاسلامية حول الدولة العثمانية، " لأنه طالما أن هذه تظل قوية، فأن الأمل في تحرير بلادنا يبقى كبيراً، كما دعا في برنامج حزبه إلى " بذل الجهد لتقوية علائق المحبة والارتباط والتعلق التام بين مصر والدولة العلية " من ناحية أخرى.‏

وعلى الرغم من أن حركة مصطفى كامل قد نالت تاييداً من الخارج، إلا أنه من الإجحاف بمكان اعتبار الوطنية المصرية محصلة لمطامع فرنسا الاستعمارية المحبطة، وفتن الجامعة الإسلامية العثمانية ورغبة عباس المحبطة في أن يصبح طاغية، أو مزيجاً من القوى الخارجية " (6) كما يذهب إلى ذلك نقاد مصطفى كامل.‏

إن الاتجاه الذي جسده مصطفى كامل هو اتجاه الوطنية المصرية المعادي للاستعمار الانكليزي كله. وكان هذا الاتجاه مخلصاً للديمقراطية البرلمانية، والحقوق والحريات الفردية، وحرية الاقتصاد، والعلمانية والتغيير الذي يتطلب التحديث. ولكن من جهة أخرى، كان مصطفى كامل مرتبطاً بالجامعة الإسلامية التي احتضنها العثمانيون، وهو ما يتطلب الالتقاء مع الاتجاه الديني وبالتالي التسليم بالقيم الإسلامية التقليدية، وهو ما جعل الحزب الوطني الذي يتقبل الايديولوجية الليبرالية الغربية ويدعو إلى الإصلاح الداخلي، خاضعاً لتأثير صراع إيديولوجي في داخله، بين ايديولوجية الوطنية المصرية التي كانت تدعو إلى استقلال مصر عن تركيا وبريطانيا، ، وايديولوجية الجامعة الإسلامية التي كانت تدعو إلى استقلال مصر ولكن في إطار التبعية العثمانية. وعلى صعيد التمثيل الطبقي يعتبر الحزب الوطني ممثلاً للطبقة المتوسطة المصرية المتأثرة بالأفكار الأوروبية عن الليبرالية والقومية، ويذهب صلاح عيسى إلى الاعتقاد بأن زعيم الحزب مصطفى كامل كان يمثل يعاقبة البرجوازية المصرية .‏

والواقع أن الملتفين حول الحزب كانوا من أكثر شرائح الطبقة الوسطى تطوراً وميولاً ثورية. وقد تغلغل الحزب في الشرائح الطبقية الأكثر استجابة لدعوته، وأكثرها قدرة على الانخراط في العمل السياسي الوطني، فكان نشاطه في صفوف الطلاب قوياً، وبخاصة طلاب مدرسة الحقوق الخديوية، الذين يتبعون المناهج الفرنسية في دراستهم، باعتبارهم أكثر الفئات اهتماماً بالسياسة، " وكانوا يدرسون القانون غالباً للاشتغال بالمحاماة بل ليؤهلو أنفسهم لشغل المناصب الحكومية العليا، أو ليحترفوا السياسة (7).‏

غير أن صلات الحزب بالفلاحين لم تكن وثيقة على الرغم من أن مصطفى كامل لم يسقط من حسابه الفوز بتأييد الفلاحين، " ومع ذلك فلم يكتسب مصطفى كامل تأثيراً قوياً على الفلاحين في القوى وذلك لسببين، الأول أن نشاط الحزب الوطني قد تمركز في المدن دون القرى. وكان نشاطه الرئيسي في القاهرة والاسكندرية، ثانياً : إن الاحتلال كسب مهادنة الفلاحين في الريف بما ألغاه من السخره والكرباج، وما أجراه من الإصلاحات الزراعية والمالية التي قام بها بقصد سد الأبواب التي ينفذ منها التدخل الأوروبي في شؤون مصر " (8).‏

وهكذا ظل الفلاحون دورهم ثانوياً في الحركة الوطنية المصرية حتى اندلاع الثورة في العام 1919.‏

ويعتبر الحزب الوطني من التنظيمات المبكرة التي أسهمت في تأسيس المجتمع المدني الحديث في مصر. فقد دعا مصطفى كامل في جريدة اللواء اللسان المركزي للحزب في العام 1900، إلى تشكيل حكومة ذات نظام نيابي تستند إلى دستور مكتوب، أي قيام حكومة دستورية، التي أصبحت إحدى النقاط الرئيسية في برنامج الحزب، وهي سياسة تناقض كلياً مع سياسة القصر. وعلى الصعيد الاقتصادي أكد مصطفى كامل على ضرورة التصنيع حيث أرجع تاخر مصر في هذا المجال إلى سياسة بريطانيا في محاربة المنافسة المحلية لصناعتها. وكان العلاج في نظره - متمشياً مع قوميته الليبرالية - يتمثل في دعوة كبار الأثرياء للتبرع بالأموال لإنشاء المصانع بهدف تحرير البلاد من الاعتماد على المنتجات الأجنبية، ولم يبد أي رغبة في تدخل الدولة في المشروعات الصناعية، وكذلك لم يهتم مصطفى بالحالة الواقعية للقوى العاملة المصرية، وكانت ضئيلة أيامه. فالوطنيون لم يخطبوا ود البروليتاريا إلا في مرحلة تالية (9).‏

ولاشك أن هذه الدعوة في تشييد المؤسسات الاقتصادية الصناعية الحرة، لكي تتوصل البرجواوية المصرية في تنظيم نفسها كطبقة، ومعالجة مصالحها الذاتية وتنظيمها، تدخل في نطاق بناء مؤسسات المجتمع المدني الحديث. علماً بأن الامبريالية البريطانية قاومت قيام طبقة رأسمالية وطنية وبالتالي قيام صناعة مصرية ولاسيما صناعة النسيج والغزل بحكم المركز الاحتكاري الذي تمارسه بريطانيا على المنسوجات الصناعية.‏

وعلى صعيد تقوية أسس المجتمع المدني قام الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل بنشر دعايته السياسية بواسطة الصحافة، باعتبارها الميدان العملي الوحيد في مصر للممارسة السياسية خلال القرن التاسع عشر، حيث وصل عدد الجرائد والدوريات والمجلات إلى حوالي 500 حتى العام 1900. وقد لعبت الجرائد دوراً مهماً في تكوين دوائر استقطاب جماهيرية، ورأي عام، وفي تكوين الأحزاب والجماعات السياسية، وفي خلق الوعي السياسي بين المثقفين وغير المتعلمين من عامة الشعب. " وكان لنقل المصريين لعادة مقهى الشارع الأوروبي أثره في اكتسابهم عادة قرءاة الصحف من الأوروبيين فقد علق بعض الكتاب الأوروبيين بقدر كبير من المرارة على غرس هذه العادة الأوروبية التي أدت إلى السمر بالأحاديث وقراءة الصحف وعدوها من عوامل نمو الوطنية المصرية " (10).‏

وقد أصدر مصطفى كامل جريدة اللواء التي يدعو فيها لمبادئه وآرائه السياسة، ولتقوية الروابط بين المصريين بعضهم لبعض. وصدر أول عدد منها في 2 كانون ثاني 1900.‏

وفتحت اللواء صفحاتها للمثقفين ... وكتب فيها أحمد شوقي وخليل مطران ... وكانت سمة اللواء وشخصيتها سياسية، وليست ثقافية ... وفي أوائل القرن العشرين لم تدع للآراء الوطنية تتوسع فقط، وإنما جمعت حولها كل العناصر الوطنية المتطرفة وخصوصاً المعادية لبريطانيا ... فقد كانت تدعو إلى مبادئ الحزب الوطني، (وتطالب بإصلاح التعليم والاقتصاد، وتصنيع البلاد) وفيها ومافيها من هجوم عنيف على الاحتلال، والمطالبة بضرورة استقلال مصر والسودان (11).‏

ولما أصبحت اللواء أقوى صحيفة تصل إلى عدد أكبر من الناس، وأقوى لسان معبر عن الوطنيين المصريين، أصدر مصطفى كامل صحيفتين يوميتين أخرتين في 2 آذار 1907 L´ Etendard Egyptien بالفرنسية،‏

he Egyptian standard بالانكليزية.‏

وبشكل موازي مع الصحافة، اعتبر مصطفى كامل التعليم أحد الميادين الرئيسية التي يؤثر من خلالها على الرأي العام، فركز اهتمامه وعنايته بتعليم الشباب، باعتبار أن التقدم الوطني مرتبط بالتقدم على مستوى التعليم، ويعتمد على وجود مواطنين متعلمين من وجهة نظره. وكيف يتسنى لمصر أن تحتل مكانها اللائق بين دول العالم المتقدم و 91.2 في المئة من رجالها و 99.3 في المئة من نسائها لايعرفون القراءة والكتابة؟ حسب إحصاء العام 1897. ولم تكن الحكومة المصرية معنية بتخصيص موازنة للتعليم، بسبب الإفلاس المالي. لذا احتلت مسألة إصلاح التعليم مركزاً مهما في برنامج الحزب الوطني. ففي خطب القاها مصطفى كامل على طلاب المدارس المصرية، العالية والثانوية في 8 يناير 1898، أكد لهم أن أكبر خدمة يمكن أن يؤدوها لمصر هي نشر المعرفة والتعليم. ومما يؤكد اعتناق مصطفى كامل للأفكار الليبرالية تحذيره من الاستسلام للرغبة المصرية في انتظار عمل الحكومة، في حين أن الدول الأوروبية استمدت قوتها من اعتماد معظم أنشطتها التجارية والصناعية والتعليمية علي مبادرات الأفراد " (12) .‏

وكان مصطفى كامل أول من طالب بإنشاء جامعة وطنية في مصر 26 اكتوبر 1904، كما أيد تأسيس " نادي المدارس العليا " وهو جمعية تضم طلبة كل المدارس المهنية وخريجيها. فطلاب المدارس والجامعات يعتبرون من عناصر المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الانكليزي، لذا كان الطلاب كفئة حية ومتعلمة في المجتمع يعتبرون سلاحاً فعالاً في عمل الحزب الوطني.‏

ومن اسهامات الحزب الوطني في خلق مكونات المجتمع المدني إنشائه لنقابة العمال في العام 1909 / تحت اسم نقابة عمال الصنائع اليدوية، التي أصبح لها 11 فرعاً، وتضم 800 عامل ... كما أنشأ أربع مدارس للصناع في العاصمة سنة 1909 /، و أصبح يشجع تكوين النقابات لخلق رأي عام وطني داخل صفوف الطبقة العاملة المصرية. كما أنشأ الحزب الوطني المدارس الليلية على الطريقة الأوروبية لتعليم الفقراء والعمال مجاناً، حيث كان شباب الحزب يتطوعون للتدريس فيها. ولعب الحزب الوطني دوراً مهماً في النضال النقابي للطبقة العاملة المصرية، حيث كان محمد فريد أبرز قيادته بعد مصطفى كامل متأثراً باتجاهه هذا نحو العمال والتشكيلات النقابية " ببعض القادة العماليين الأوروبيين وخاصة الزعيم العمالي كير هاردي أحد مؤسسي حزب العمال الانجليزي ويتضح هذا التأثير من كلمات فريد نفسه ..." نقابات العمال قوة هائلة تخضع لها الحكومات وتطأطئ رأسها أمامها، ولقد أصبح حزب العمال في انكلترا من الاحزاب المسموعة الكلمة يهمه من كرسوا حياتهم لخدمة هذه الطبقة من الأهالي مثل كير هاردي وأخوانه " (13). ومن هنا فإن بدايات الحركة الاشتراكية المصرية، تعود في جذورها الأولية إلى تبلور اتجاه اشتراكي ديمقراطي على نمط حزب العمال البريطاني داخل الحزب الوطني عينه، الذي ضم في داخله تيارات أخرى متناقضة في منطلقاتها الايديولوجية والفكرية بين الموالين لفرنسا الليبرالية، والجامعة الإسلامية العثمانية. ومع كل ذلك يعتبر الحزب الوطني أول حزب مصري جماهيري يطالب بالمشاركة السياسية للشعب، ويشكل في الوقت عينه إحدى مؤسسات المجتمع المدني الحديث في مصر، على الرغم من أن الحرب العالمية الأولى قد أنهت " الدور التاريخي للحزب الوطني في قيادة الحركة الوطنية وتوجيهها، فبالإضافة إلى تشتت أعضاء الحزب، فإن الحرب العالمية كانت فاصلاً حجب الحزب الوطني فترة طويلة من الوقت عن الرأي العام. ثم لم تكد تنتهي الحرب حتى كانت الظروف الدولية والايديولوجية التي كان الحزب يعمل فيها وبمقتضاها قد تغيرت (14). ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى لم يعد للحزب الوطني أي تأثير في مجرى الحركة الوطنية المصرية، بسبب انقساماته، وعجزه عن تقديم الصياغة الفكرية، والبرنامج السياسي، الملائمين لقيادة جماهير الشعب، نحو بناء مجتمع جديد، ودولة حديثة.‏

" ولان " مصطفى كامل " كان يعتبر على النحو الذي أوضحه في مقدمة كتابه " المسألة الشرقية " - إن " الحزب الوطني " هوالأمة كلها، وأن الخديوي هو رئيس الحزب لأنه رئيس الأمة كلها، فقد بات عاجزاً عن فهم دافع الخديوي " عباس حلمي " الذي كان يشجع الحركة المطالبة بالاستقلال ليتمكن من مساومة الاحتلال، للحصول على بعض الغنائم التي كانت السلطة المعلقة تتيحها لأسلافه وهو نفس العجز الذي لحق وعي " مصطفى كامل " بطبيعة التناقضات داخل الجبهة الامبريالية " (15).‏

إذا كان الحزب الوطني يمثل الجناح الراديكالي للبرجوازية المصرية في صراعها ضد الاستعمار البريطاني، فإن حزب الأمة الذي تشكل في أيلول 1907 بتأييد غير رسمي من اللورد كرومر والدائرة الانكليزية في مصر، كان يمثل البرجوازية الزراعية، وكان عنوان الحزب السياسي والايديولوجي هو جريدته المركزية " الجريدة " التي كان يديرها مفكر حزب الأمة أحمد لطفي السيد، والتي تحولت لاحقاً بعد ستة أشهر من صدورها في 9 آذار 1907 إلى حزب سياسي، هو حزب الأمة، وقد أطلق اللورد كرومر على رجال هذا الحزب أسم " اتباع المرحوم المفتي السابق الشيخ محمد عبده "، وكما يصفهم رشيد رضا بأنهم " أركان أصدقاء الشيخ محمد عبده من كبار رجال الحكومة ووجهاء القطر ". وقد تشكل الحزب من فئتين، فئة المثقفين الليبراليين المعتنقين الثقافة الأوروبية التي ايقظت وعيهم في جوانب مختلفة من المسألة الديمقراطية إلى المصالح المادية والاقتصادية للشعب المصري، من بينهم عدلي باشا، وسعد باشا إلخ. وفئة الأعيان أي الرأسماليين الزراعيين أصحاب الأملاك الواسعة.‏

ولم يكن تشكيل حزب الأمة قائماً على أساس بنية تنظيمية قوية متغلغلة في صفوف الشعب، مثلما لم يحكمه برنامج سياسي محدد يطرح قضية بناء مجتمع حديث، ودولة عصرية. فقد كانت مطالبه تنحصر في المطالبة بالدستور، بما يمكن البرجوازية المصرية من المشاركة في الحكم من موقع الطرف التابع الضعيف للسلطة الشرعية التي يمثلها الخديوي والسلطة الفعلية التي يمثلها الاحتلال الانكليزي، وذلك عن طريق منح سلطات أوسع للمجلس التشريعي والمجالس البلدية والجمعية العمومية، باعتبارها الطريق الممكن لوصول مصر إلى الحياة البرلمانية الكاملة. وحسب ما جاء في الصحيفة المركزية لحزب الأمة الجريدة بتاريخ 17 أيار 1908 / فإنها تلخص موقف الحزب من السلطتين اللتين تتحكمان بمصير البلد " فالأمة لاتقف أمام حكومتها فقط، بل أمام حكومتها زائد عليها حكومة أجنبية أخرى، قد أخل وجودها بالتوازن بين قوة الأمة وقوة حكومتها، وصير مجهودات الأمة إلى الاستقلال متضاعفة كثيرة، فإذا كان يجب علينا عند عدم وجود الاحتلال الأجنبي أن نصرف مجهوداً واحداً لنيل الاستقلال فإنه يجب علينا الآن أن نصرف مجهودات كثيرة مع وجود هذا الاحتلال الثقيل " كما كان الحزب يرفض سيطرة الاتراك والشراكسة والأرمن والارناؤوط الذين كانوا يشكلون بطانة الخديوي، خصوصاً وأن حزب الأمة كان يرفع نداء " القومية المصرية ".‏

على أي حال، باستثناء الدور الفعال، والمؤثر للحزب الوطني في مجرى الحياة السياسية المصرية مع بداية القرن العشرين، لم يكن لظهور الحركة الحزبية المرافقة له ذلك الاشعاع الفكري، أو ذاك الدور السياسي الفاعل، بل كانت أدوار الأحزاب التي تشكلت في أوائل القرن العشرين ثانوية جداً، لجهة أسهامها في أرساء أسس المجتمع المدني الحديث وبناء الدولة العصرية. ويمكن أن نستعرض بعض من هذه الأحزاب، مثل حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي نشأ حول جريدة المؤيد في العام 1906 / والذي كان متعاوناً مع الانجليز، وكانت سياسته لا تختلف كثيراً عن حزب الأمة بل هي أكثر اعتدالاً.‏

أما الحزب الوطني الحر فقد خرج هو أيضاً للوجود من خلال جريدته المقطم. وقد نشر زعيم الحزب محمد وحيد الأيوبي خطاباً في جريدة المقطم في أيلول 1908، تحدث فيها عن مزايا الاحتلال الانكليزي والخدمات التي أداها لمصر، وقدم برنامجاً لسياسة الحزب ذات الهدفين الرئيسيين ... يبدأ الأول بفائدة علاقات الصداقة مع قوى الاستعمار الانكليزي والتعاون معه حتى يمكن الاستفادة في إصلاح البلد .... وينتهي الهدف الثاني وهوالتوسع في نشر التعليم ليتمكن المصريين من استيعاب الحضارة الأوروبية التي أدخلها الانجليز إلى مصر (16). وتشكل حزب مصر المستقلة على أثر التصدع الذي حصل داخل الحزب الوطني بنى مسلمية وإقباطه بعد موت مصطفى كامل. وقد جدد الحزب بعد تكوينه بقليل من العام 1908، الخطوط العريضة لسياسته، والمتمثلة في وحدة مصر والسودان - استقلال مصر - إلغاء الإمتيازات القانونية - تحقيق صداقة حقيقية بين مصر وبريطانيا - الاحتفاظ بالعلاقات الطبية مع الأجانب وضمان امتيازاتهم وحقوقهم المشروعة - الفصل بين الدين والسياسة، بقانون - عقد معاهدة بين مصر انكلترا أتحقق لمصر التسهيلات التجارية والحماية العسكرية البريطانية. انشاء مجلسين نيابيين سلطات تشريعية نصف أحدهما يتكون بالانتخاب من الأجانب الذين يقيمون في مصر منذ خمس سنين على الأقل - التعليم الإجباري الأولي للجنسين إلخ (17)...‏

على الرغم من أن هذه الأحزاب تعرضت لانقسامات حادة أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى بسبب الموقف من الاحتلال الانكليزي، حيث كانت هناك أحزاب تؤيد هذا الاحتلال في السر أو في العلن، وأحزاب أخرى تطالب بالاستقلال، وبسبب أيضاً من المفاضلة بين استعمار واستعمار، أي بين مؤيد لمحور ألمانيا وتركيا ظناً منهم أن بهذا سيؤدي إلى استقلال مصر، وبين مؤيد للانكليز والفرنسيين، على الرغم من كل ذلك، ألا أنها أرست في الوقت عينه وعياً سياسياً وطنياً في مصر على صعيد مقاومة الاستعمار، وثبتت القومية المصرية، ومثلت إرهاصات سياسية تجمعت فيها الظروف والعوامل لقيام ثورة1919.‏

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وإشعاع مبادئ الرئيس ولسن عن الحكم الذاتي للشعوب وحقها في تقرير مصيرها التي شدت همة واهتمام الشعب المصري نحو هذه المبادئ السامية، والوثوق بها في أنها سوف يحصل بواسطتها الحرية والحق في تقرير مصيره بنفسه، والحصول على الاستقلال السياسي، واندلاع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، وأثرها في تقسيم أوروبا من الناحية الايديولوجية إلى قسمين، قسم تهيمن فيه الايديولوجية الاشتراكية، وقسم تهيمن فيه الايديولوجية الرأسمالية، بالإضافة إلى اختمار حركة الثورة داخل المجتمع المصري بجميع طبقاته، من الفلاحين الذين صودرت أملاكهم وحيواناتهم وحبوبهم أيضاً من جانب السلطة العسكرية بأبخس الأثمان، أعادت إلى أذهانهم المظالم التي كانت ترتكب بحقهم من قبل الأتراك العثمانيين والمماليك، إلى طبقة كبار الملاكين العقاريين التي تضررت مصالحها بسبب سياسة بريطانيا القطنية الاحتكارية على صعيد التحكم في أسعار ما تشتريه من قطن، وحصر عملية تصديره من قبل بيوت التصدير الأجنبية فقط، مروراً بفئة الرأسماليين الصناعيين القابعة تحت وطأة السيطرة الاقتصادية الأجنبية، حيث كانت سياسة الاحتلال ترفض تصنيع مصر خشية منافسة الصناعات البريطانية وعملت على بقائها زراعية " بسبب اتجاه المصالح الاقتصادية للإدارة البريطانية في المقام الأول نحو التوسع في زراعة القطن "، وهذا ماجعل الرأسمالية المصرية تنضم إلى حركة الثورة من موقع أن يتولى الحكم في مصر سلطة مصرية وطنية تعمل على تخليصها من الاحتلال الانكليزي، وتقوم بتصنيعها، فضلاً عن معاناة الطبقة العاملة المصرية وفئات البرجوازية الصغيرة من استغلال واضطهاد الرأسمالية الأجنبية، الأمر الذي قاد إلى انخراط هذه الفئات في الإضرابات والمظاهرات والصدمات مع البوليس بهدف رفع الأجور، وتحديد ساعات العمل، كلها هذه العوامل مجتمعة أسهمت أسهاماً كبيراً في تفجير الثورة لعام 1919. وقد خرجت هذه الثورة " من الجميع وباسم الجميع الذين ذاقوا مرارة الحرمان في الحرب العالمية الأولى بشكل أو بآخر. وأجمعوا الآن على تحقيق مطالبهم الوطنية - ليس فقط في الحكم الذاتي ولكن في الاستقلال التام، بشكل عام وفي كل السلطات.. كانوا جميعاً أبتداء من الوزير الذي أيد الانجليز في وقت ما، حتى الطلبة الذين اندفعوا في مضمار الحركة الوطنية، يشاركون الأمة في الإضراب وإشعال نار الثورة الشعبية العارمة .... ولم يكن اقتحام سعد زغلول للثورة مفاجئاً ... كان نجاحه ونشاطه الملحوظ بين أعضاء المجلس التشريعي قد هيأ عدداً من الأصدقاء الأوفياء والمعجبون بشخصيته القوية وآرائه القوية السديدة .... وفي أثناء أشهر الحرب الأخيرة، وضع سعد زغلول ومؤيده طلباً بإلغاء الامتيازات الأجنبية، وإقامة التنظيمات الدستورية على أسس سليمة، وإصلاح التعليم والزراعة ... وفوق ذلك كله الاستقلال التام .... وحول هذه المجموعة يتكون حزب الوفد ... وهؤلاء هم أول مهندسو هذه الحركة الشعبية التي ستهيئ مصر لأن تفوز بالاستقلال ".. (18) .‏

وهكذا شكل سعد زغلول مع عدد من أعضاء المجلس التشريعي " الوفد المصري"، الذي سيسيطر على كافة مجالات الحياة السياسية في مصر من 1919 إلى 1952 م. وكانت معظم قيادات " الوفد المصري " في الأصل من قيادات حزب الأمة. ومع أن الوفد يعتبر حزب البرجوازية المصرية الكبير إلا أنه كان تنظيماً سياسياً شعبياً جامعاً، وأصبح يعمل من أجل تحقيق الاستقلال التام لمصر، وإجلاء البريطانيين عنها. لكن الوفد لم يخرج عن سياق طرح وممارسة الحزب الوطني للمسألة المصرية، فقد ظل أسير الرؤية التي تحافظ على خط دولية المسألة المصرية، أي خط حل المسألة المصرية من خلال استغلال التناقضات داخل الجبهة الامبريالية أولاً، ورفض حصر المسألة المصرية في نطاق الثنائية بين مصر وانكلترا. وهذا ما أكده سعد زغلول صراحة في خطاب سري أرسله من باريس إلى عبد الرحمن فهمي سكرتير اللجنة المركزية للوفد في القاهرة، منطلقاً من أن " حياة مصر في بقاء المسألة المصرية دولية والابتعاد بها كل البعد عن أن تكون مسألة داخلية بين بريطانيا ومصر " (19).‏

وظلت الحركة السياسية للبرجوازية المصرية التي تعتبر مدرسة تحتذي بها على الصعيد العربي، تراهن على حل القضية الوطنية المصرية بقرار من المؤتمر الدولي، أي عن طريق أسلوب المفاوضات، لاعن طريق تعبئة وتجنيد الشعب وتنظيمه باتجاه انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، واعتبار القضية الوطنية هي مسألة صراع ضد الاستعمار، وجزء من حركة الثورة العربية وثورة الشعوب والأمم في المستعمرات وأشباهها.‏

وهذا ما يفسر لنا كما يقول الدكتور سمير أمين من أن الانكيز ما كانوا يوماً ينخدعون بديماغوجية : (الوفد) الوطنية" فلم يكن الوفد يفكر للحظة واحدة أن مصر يمكن أن تكف عن كونها دولة زبوناً لبريطانيا. وكانت براعة المحاور البريطانية تعتمد على قدرة انكلترا على استغلال ملكية مستعدة لقبول الوجود الأجنبي بدون تحفظ كي لاتقوم إلا بأدنى التنازلات أمام الوفد، التنازلات التي ما كانت إلا شكلية. وعندما كان الوضع يشرف فعلاً على الانفجار كانت بريطانيا تعرف كيف تصل إلى تسوية بالسرعة اللازمة " (20).‏

لقد كانت ثورة 1919 كبيرة وعظيمة حين انخطرطت فيها حركة الجماهير الشعبية، وبخاصة منها الفلاحين في العمل الثوري العنيف والإيجابي، غير أن طبيعة البرجوازية المصرية المتسمة بالضعف والعجز والعزوف عن المضي قدماً بالثورة إلى الأمام، جعلها تختار أسلوب المفاوضة، كخيار تاريخي مع الاستعمار الانكليزي ". وبالإضافة إلى ذلك فإن عنف الجماهير هو الذي دفع البريطانيين إلى التساهل مع البرجوازيين المصريين، في محاولة لإيقاف عنف الثورة وطرد الجماهير الشعبية صاحبة الموقف المعادي بشكل مطلق للاستعمار من المعركة، بهدف الانفراد بالبرجوازية - بجناحيها المتطرف والمتساهل - حيث كان المستعمرون يثقون بإمكانية التفاهم والتعاون " (21).‏

وكان الوفد الذي تمخض عن ثورة 1919. التي أفرزت قيادة سعد زغلول لتحمل مسؤولية قيادة الأماني الوطنية للشعب المصري في الاستقلال التام بواسطة حزب الوفد، قد أصبح متحدثاً باسم الشعب، وقائداً للحركة الوطنية المصرية، ولكن من دون أن ينظم الشعب في استراتجية سياسية للصراع الوطني طويلة الأمد. وحدد تحقيق أهداف إجلاء الجند البريطاني وكف النفوذ الأجنبي عن مصر بواسطة الوسائل السلمية المشروعة، مثل حركة جمع التوقعات على التوكيلات الشعبية التي طبعها فور تشكيله لتعزيز تمثيله عن الأمة في المطالبة بالاستقلال وتنظيم الاجتماعات العامة لبحث القضية الوطنية. ولاشك أن هذا النشاط السياسي الحزبي يدخل في سياق خلق رأي عام يوافق على المبادئ السياسية التي صاغها الوفد، والمتمثلة في حق مصر في الاستقلال، وإقامة حكومة دستورية، تحترم حقوق الأجانب، والامتيازات الأجنبية، والدين العام، وطبيعة قنال السويس ... إلخ لذلك أصبح الصراع الديمقراطي أهم وسيلة سياسية سلمية مشروعة في صراع الوفد من أجل حل القضية الوطنية من خلال معاهدة تحالف بين مصر وبريطانيا العظمى.‏

لقد تمثلت الحياة السياسية في مصر بعد الثورة، بعملية الاستقطاب بين الأطراف السياسية الثلاثة الفعالة، وهي القصر ممثلاً بالملك، والانجليز، والأمة ممثلة بأهم الأحزاب السياسية الفعالة والمؤثرة، وبخاصة منها الوفد، وبإقرار دستور 19 نيسان 1923، الذي أحدث انشقاقاً داخل الوفد، الأمر الذي جعل سعد زغلول ويعاقبة البرجوازية المصرية، بهاجمانه بعنف لما يتضمنه من انتهاكات كبيرة تمس السيادة المصرية، ولأن القوى السياسية التي أوجدته أي " لجنة الثلاثين " قد تشكلت في معظمها ممن كانوا ينتمون إلى حزب الأمة القديم، ممثل مطامع البرجوازية الزراعية في مشاركة الاستعمار سلطته، والتي استفادت من الثورة لزيادة مطالبها كما عكسه ذلك صراحة الدستور عينه.‏

فالدستور يقر مبادئ معينة تتعلق ببناء دولة القانون القائمة على السلطات المقيدة، ومبدأ المساواة بين المصريين في الحقوق والواجبات السياسية والمدنية، وكفالة الحرية الشخصية، وضمان حرية الاعتقاد الدينية، وحماية إقامة الشعائر الدينية، وضمان حرية الرأي في نطاق واحترام القانون، وحماية الملكية الخاصة، ومنع مصادرة الأموال، وعدم جواز القبض على إنسان إلا وفق القانون إلخ.. لكن بالمقابل كان لدستور 1923 فجوات كبيرة ما في استقلال مصر من الفجوات على حد قول طارق البشري، " وأعظم الفجوات في المجالين وجود جيش الاحتلال، لقد طلع الدستور وقانون المطبوعات لعام 1881 يقيد حرية النشر (كان الغي ثم أعيد العمل به مع تصاعد الحركة الوطنية ضد سياسة الوفاق ضد الخديوي والانجليز في 1909 ). ثم كان هذا القانون قد صار مع فرض الحماية البريطانية على مصر في بداية الحرب العالمية الأولى، وقبيل إصدار الدستور صدر في 1923 قانون الأحكام العرفية، وكذلك القانون 14 لسنة 1923 / الذي وضع قيوداً شديدة على عقد الاجتماعات العامة والتظاهر وفرض العقوبات على تجاوز هذه القيود. ثم صدر الدستور بتحفظين شهيرين يتعلقان بتقييد حريتي الصحافة والاجتماعات ويسمحان بفرض الرقابة الإدارية عليهما وقد فشل الوفد في 1924 / رغم أغلبيتهم الكاسحة في مجلس النواب - في إعادة النظر في القوانين المقيدة للحرية التي صدرت منذ إعلان الحماية، كما فشلوا في تعديل قانون الاجتماعات تخفيفاً من علوائه. وفي 1928 / هدد الانجليز وزارة الوفد أن أصرت على أطلاق حرية الاجتماع. وفي 1929 / أصدرت وزارة الأحرار الدستوريين قانوناً يمنع الطلبة من الاشتغال بالسياسة. ثم أصدرت وزارة صدقي قانوناً يقيد النشر في 1931 / وأصدرت وزراته الثانية في 1946 / ما يسمى بقوانين مكافحة الشيوعية ثم جاءت تجربة الحكم العرفي مع إعلان الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، واستمر حتى 1945 / ثم أعيدت حرب فلسطين في مايو 1948 / وظلت حتى 1950 / ثم أعيدت مع حريق القاهرة 1952 " (22).‏

ظل الدستور وافداً غريباً، ونشرة حقوقية تزين وجه دولة الاستبداد الشرقي، بما أن القصر وسلطة الاحتلال الانكليزي ابدياً موقفاً متشدداً أزاء حرية الصحافة التي تضمنتها المادة 15 من الدستور، وحرية الاجتماعات التي تضمنتها المادة 20، بدعوى حماية النظام الاجتماعي. فالدستور لم يتجذر لافي الثقافة، ولافي الوعي الشعبي العام، لكي يصبح مطلباً شعبياً داخلياً.‏

الدستور لا يعني شيئاً مالم يكن نتاجاً لنمو الوعي الحقوقي الذي يعبر عن حقيقة بأن الناس يصنعون دولتهم. أن المجتمع هو الذي ينتج المجال السياسي الحقوقي، خلافاً للواقع العربي القائم حيث الدولة تنتج المجتمع، وتحدد المجال السياسي وفقاً لمصالح القصر والبيروقراطية الحاكمة وطبقات المجتمع العليا : من كبار الموظفين وكبار الملاكين العقاريين وأصحاب الثروات، التي تسندهما. لماذا فكرة الدستور ظلت هشة في الوعي الايديولوجي والسياسي العربي، ولماذا ظلت الأحزاب عرضة للتحول إلى كسور اجتماعية جديدة؟ لأن المسألة الوطنية كانت ولا تزال رافعة للمسألة الديمقراطية، وكل هذا يشير إلى مدى إرتباط المسألة الديمقراطية بالمسألة الوطنية في مصر، وفي باقي البلاد العربية، سواء في عهد الاستعمار أو في واقعنا الحاضر، وما أن تتحقق معاهدة مع الاستعمار أو ابرام تسوية مذلة معه حتى تخبو المسألة الديمقراطية. فالمسألة الوطينة كانت القضية الجوهرية عند العرب في المطالبة بحل المسألة الديمقراطية أو الدفاع عنها، باعتبار أن النضال الوطني في ظل الاستعمار، أو في ظل السيطرة الإمبريالية الحالية هو نضال ديمقراطي بالضرورة، وإن النضال الديمقراطي الحقيقي الذي تكون وظيفته الأساسية تحقيق الأهداف الوطنية هو نضال وطني باللزوم.‏

وانطلاقاً من هذه الرؤية، فأن الثورة 1919 التي خاضت فيها الجماهير الصراع ضد الاستعمار البريطاني، كانت أقوى ممارسة للحرية عرفتها للمطالبة بالاستقلال السياسي والحريات الديمقراطية في الوقت عينه.‏

لكن حين طرحت الرجوازية المصرية بديلاً عن العنف الثوري الجماهيري العمل السياسي لتأطير واحتواء الحركة الجماهيرية، والتحكم في منطلقاتها، بهدف تحسين شروط التسوية السياسية مع الانكليز، تراجعت المسألة الديمقراطية بعمقها الراديكالي، وبصورتها المثلى، و أوجد دستور 1923 مجلساً نيابياً لايعكس طموح الشعب في بناء ديمقراطية سياسية تعددية تقوم على أساس من تداول الأحزاب الحكم والمعارضة، وايجاد هياكل ومؤسسات دستورية يرتكز عليها النظام السياسي، الذي يتسع لوجود قوى سياسية مختلفة تشغل موقعي الحكم والمعارضة اللذين يتبادلان المواقع داخل إطار هذا النظام السياسي الاجتماعي العام الحاكم. فالدستور منح سلطات كبيرة للملك تتمثل في سلطة الملك حل مجلس النواب، وسلطته في تعيين خمس مجلس الشيوخ، وحقه في معارضته القوانين التي يقرها المجلسان. كما أن الملك استخدم سلطاته كسلاح للقضاء على كل حكومة متطرفة حسب وجهة نظره، " فأصدر عدة قرارات بتعيين شخصيات معادية للحكومة، وأسند إليهم وظائف القصر بمجرد رغبته في ذلك، وبدون الرجوع إلى أصول الدستور ... ليكونوا على أهبة الاستعداد لخدمة أغراضه، في طرد الوزراء أو تعطيل أو حل البرلمانات.. " (23).‏

على الرغم من أن الشعب في مصر أو ما اصطلع على تسميته بالأمة كان راغباً في إقصاء القوتين المعاديتين، وهما قوة الملك المستندة إلى السلطات الشرعية الدستورية والمتحكمة في القرار الوطني بسبب ارتباطها العضوي بالانكليز، وبسبب تأييدها من جانب فئات الأعيان وأصحاب الأملاك الكبيرة الذين يتناقضون في الأهداف والمصالح مع الحركة الوطنية والوفد، وقوة الانكليز المتمثلة في وجود جيش الاحتلال، إلا أن نتائج ثورة 1919 / لم تؤد إلى ذلك الهدف المنشود. فظلت الحياة السياسية، والصراع السياسي بين هذه القوى الثلاث، حيث أصبح النظام النيابي في مصر يتحدد بحركة نشاطاتها وصراعاتها، مثلما تخلله صراع دستوري بين الوفد المتمتع بنفوذ شعبي وبين القصر المتحالف مع الانكليز، والذي يشن دائماً هجوماً على الدستور عقب تشكل وزارة وفدية.‏

ليس من الشك أن الرعيل الوطني الأول من الأحزاب السياسية - الوطني - الأمة - الوفد- والقيادات السياسية البرجوازية التي قادت العمل الوطني والقومي في المراحل الأولى من الكفاح ضد الاستعمار الانكليزي، وضد القصر وطبقة الأعيان من أصحاب الأملاك الواسعة المتحالفة معه، قد أقامت صيغاً من النظام النيابي في مصر ونقلت الصراع على السلطة إلى مستواه السياسي والاجتماعي - كصراع طبقات وصراع مصالح واتجهاهات سياسية بين طبقة الأعيان والقصر من جهة، والبرجوازية المتوسطة والبرجوازية الصغيرة التي تشكلت ونمت في سياق ظروف ثورة 1919 / والمتكونة من التجار والطلبة وأصحاب المهن الحرة وموظفي الحكومة وضباط الجيش، والتي تجد دعماً وأسناداً من جانب الفلاحين والعمال بحكم مصلحتهم المرحلية في تأييد الوفد، الذي كان نضاله منصباً من أجل الاستقلال التام، والتمسك بحق الانتخاب المباشر من جهة ثانية، وأرست ديمقراطية سياسية ذات طابع ليبرالي بما تعنيه من تأكيد سيادة الشعب فوق كل سيادة، وإرساء الحريات السياسية، وحرية الفكر والمعتقد، وعلمنة الدولة والمجتمع، وفصل السلطات، وعقلنة الفكر والسياسة، وإقامة المساواة بين المواطنين على اختلاف انتماؤهم الديني والمذهبي، والمساواة أمام القانون، وإقامة العلاقات على أساس المصالح والمنافع.‏

لكن رخاوة البرجوازية المصرية وأحزابها السياسية في مواقفها الوطنية تجاه الاستعمار، وفي مواقفها العاجزة عن حل المسألة الديمقراطية السياسية وعلاقتها ببناء الدولة العصرية، باعتبار الديمقراطية هي المعيار الحقيقي للتقدم جعلت مؤسسات المجتمع المدني : من الدستور، والبرلمان، والأحزاب السياسية، والصحافة، والحقوق الدستورية والديمقراطية، عرضة لهجوم وانتهاك صارخ من جانب الديكتاتوريات الملكية، التي كانت تهدف تأمين بقاء المصالح الأجنبية، ومصالح طبقة الأعيان.‏

إن المرحلة الدستورية والنيابية التي عاشتها مصر من 1923 إلى حد اندلاع ثورة 1952، لم تشهد فيها السمو الدستوري‏

La Suprematie De La Constitution ، بما يعني ذلك أن الدستور هو ضابط التفاعلات في المجال السياسي ، وبما يفترض احترام للقوانين الصادرة في البلاد للدستور، والحيلولة دون وقوع أي انقلابات دستورية، وبما يتطلب أيضاً إقرار مراقبة دستورية للقوانين، باعتبارها أحدى القواعد الأساسية للنظام البرلماني الديمقراطي. فهذه المرحلة الدستورية في مصر لم تندرج أساساً ضمن مشروع ديمقراطي، ركز على تقييد سلطة القصر، وتوسيع فضاء الحرية السياسية، والسبب يعود إلى أن الفكر الدستوري العربي ظل يعيش حالة من التخبط والاضطراب، ويعبر عن الواقع العربي المتأخر تاريخياً الذي نشأ فيه، والخاضع للاستعمار والتدخل الأجنبي، والانحطاط، والذي خيمت عليه الرغبة في الإصلاح والتحديث، والبحث عن مشروع مجتمعي، ولكن من دون أحداث قطعية معرفية وسياسية راديكالية مع بنية المجتمع الكولونيالي. والحال هذه كانت مؤسسات المجتمع المدني في مصر، وبخاصة المجلس النيابي - عاجزة عن القيام بدورها التاريخي في حماية المجتمع من تسلط القصر، والضغوطات الاستعمارية، لأن نشوء الحركة الدستورية ذاته لم يكن نشوء صحيحاً، إذا افتقد إلى شرط رئيس هو المناخ الليبرالي. لذا كانت المؤسسات الدستورية التي نشأت في ذلك الوقت غير مستمدة من واقع القوى الاجتماعية التي تمتلك مشروعاً ديمقراطياً لبناء مجتمع مدني حديث، ومجلس نيابي يكون مركزه قوة ومنبع السلطة التنفيذية.‏

من هنا كان الاستخدام المتكرر لما يسمى في حينه بالانقلابات الدستورية في مصر، التي نفذها الملك، الذي حل المجالس النيابية العشرة التي جرى تشكيلها خلال هذه المرحلة، باستثناء مجلس واحد (1945-1949) وهوالمجلس الذي قاطع الوفد انتخاباته " وأن المجالس الستة التي حظي الوفد بأغلبية كاسحة أو كبيرة فيها حلت كلها، أحدها بعد ساعات قليلة من تشكيله (1925) و إثنان بعد شهور (1924-1929) والأخرى لم تزد مدة، كل منها عن عامين ونصف تقريباً (1926، 1936، 1942، 1950 )، وإن مجالس النواب الأخرى التي شغلتها الأحزاب غير الوفدية تدخلت جهات الإدارة في اصطناع نتائجها (1930، 1938، 1945). لقد جرت خلال السنوات التي طبق فيها الدستور، عشرة انتخابات لمجلس النواب حصل الوفد في ثلاثة منها على 90 % من المقاعد (1924، 1929، 1942) وحصل في ثلاثة منها على نسبة تدور حول 75% (1926 النسبة 77%، 1936 النسبة 71.5 %، 1950 النسبة 71.5 ). وكان انخفاض النسبة من التسعة أعشار إلى الثلاثة أرباع، بسبب تحالف الوفد مع الأحرار وتوزيعهما الدوائر في 1926، وبسبب قيام الجبهة الوطنية بين الأحزاب في 1936. ويلاحظ أنه في انتخابات 1926 كان أمام الوفد ثلاثة أحزاب، حزب الأحرار الدستوريين، وحزب الاتحاد الذي انشئ تحت رعاية الملك، والحزب الوطني، وقد حصلوا مجتمعين على 81 % من المقاعد مقابل 77% للوفد وحده. وفي 1936 كان في مواجهة الوفد أربعة أحزاب (الاحرار، الوطن، الاتحاد، وحزب الشعب الذي أنشأه صدقي تأييداً للملك) وحصلت الاحزاب الأربعة مجتمعة على 28 % من عضوية النواب مقابل 71.5 % للوفد وحده. وفي 1950، كان أمام الوفد أربعة أحزاب (الأحرار، الوطني، السعدي الذي انشق على الوفد في 1938 وتحالف مع الأحرار، حزب مصر الاشتراكي أي مصر الفتاة) وحصل هؤلاء مجتمعين على 19% من العضوية مقابل أغلبية الوفد البالغة 71.5 % (24).‏

هذه الانقلابات الدستورية، وبخاصة إلغاء دستور 1923 برمته من جانب وزراة اسماعيل صدقي، التي استبدلته بدستور 1930، الذي يعطي صلاحيات كبيرة للملك، ثم أعيد دستور 1923 في العام 1935، وأبرام الوفد معاهدة التحالف مع الانكليز في العام 1936، التي أضعفت شعبيته إلى حد كبير، فضلاً عن تفاقم حزمة الأزمات السياسية للنظام القائم في مصر إبان تلك الفترة، بسبب الموقف من المسألة الوطنية وقضية الاستقلال الوطني لمصر، واحتداد الأزمة الاقتصادية، وحدوث النكبة في فلسطين العام 1948، وأزمة الديمقراطية، التي شكلت وعاء للحركات السياسية والاجتماعية المختلفة في إنتماءاتها الايديولوجية، كل هذه المسائل تعكس هشاشة المجتمع المدني وهامشيته في الحياة السياسية المصرية، علاوة أنها تعكس أزمة الحركة الدستورية والديمقراطية، وأزمة الأحزاب التقليدية التي لم تكن تملك مشروعاً سياسياً ديمقراطياً لبناء مجتمع مدني، وتأصيل حياة برلمانية سليمة، والتي كانت عاجزة عن تجذير الواقعة الدستورية في الواقع المصري وفرض سموها وتفوقها في الوعي السياسي الشعبي من خلال المشاركة الشعبية الفعالة في الحياة السياسية، وحق الشعب في طعن كل القوانين المنتهكة للدستور.‏

هكذا، فإن التجربة الدستورية، وتجربة الحياة البرلمانية في مصر - على الرغم من أهميتها واللتان كانتا إشباعاً لشرعية القصر والوجود الاستعماري عينه، ولتحالف كبار ملاك الأراضي وكبار التجار على البرلمانات، الذي رسم ميزاناً للعلاقة بين البرلمان والقصر، بما يخدم مصلحة قوى الاستبداد التقليدية - لم تؤدياً إلى إشاعة المناخ المؤاتي للصراع الديمقراطي، الذي يصب في تجذير محتوى ديمقراطي على صعيد المجتمع المدني يحد بشكل واضح من تسلط الدولة الرجعية المرتبطة بالاستعمار الانكليزي.‏

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتغير موازين القوى على صعيد دولي، بدأت مرحلة جديدة على الصعيد العربي، اتسمت بسمتين رئيسيتين، الاولى : وتتمثل في تشكل أحزاب المعارضة الجديدة، ذات الانتماءات الايديولوجية العقائدية الواضحة، مثلاً أحزاب الأخوان المسلمين، والأحزاب الشيوعية، والأحزاب القومية المختلفة، والتي تتمايز عن الأحزاب التقليدية التي لم تكن أحزاباً ايديولوجية، واتسمت بنزعة ليبرالية وإصلاحية بتغلغلها في أوساط الشعب وبناءها القواعد الشعبية والتنظيمات النقابية، والمنظمات الشعبية، وبخوضها النضال الشعبي المتعدد الأشكال من أجل التحرر من السيطرة الاستعمارية، وتجذير المسألة الديمقراطية، وتحقيق الوحدة العربية، ومقاومة الكيان الصهيوني. الثانية : خط المقاومة المسلحة التي اندلعت في عدة أقطار عربية، وبداية تسييس المؤسسة العسكرية من قبل هذه الأحزاب، وطرح المسألة الاجتماعية في رسم برامجها، كخيارات ايديولوجية أصبحت تشكل مركز استقطاب لقوى اجتماعية وطبقية جديدة.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-06-2006, 05:20 PM   المشاركة رقم: 36
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

ثانياً:نموذج العراق



في معرض تحقيبنا لإرساء بعض أسس المجتمع المدني والدولة العصرية داخل الأقطار العربية التي اخضعت لمعاهدات انتداب رسمية مع احتفاظها بكيانها السياسي، ثم حصلت على استقلال شكلي مقيد، نحاول الآن التطرق إلى دراسة ما حصل في العراق منذ اندلاع ثورته العام 1920 إلى مرحلة انهيار الحكم المدني فيه " الذي يطلق عليه مجازاً " التجربة الليبرالية " التي طبعت المرحلة السابقة بطابعها، وظهور عصر هيمنة العسكر على الحكم، وتسارع من جراء السياسات التي اتبعوها ظهور الدولة التسلطية، التي عمت جميع المشرق العربي منذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات " (25).

كان العرق خاضعاً للحكم العثماني إلى فترة متأخرة، أي إلى أن تم القضاء عليه نهائياً عقب الحرب العالمية الأولى ... في غضون ذلك تأثر العراق بوجه عام، والحركة القومية بكيفية خاصة بحدثين مهمين كان لهما الأثر الكبير في تحديد مجرى الحياة السياسية في العراق، الأول انتصار الثورة البرجوازية الديمقراطية في تركيا التي عرفت بانقلاب جمعية الاتحاد والترقي في 10 تموز 1908، حيث اضطر السلطان عبد الحميد إلى إعلان الدستور القديم الذي قد علقه في العام 1878 / بعد سنتين من أعلانه، والثاني : اندلاع الحرب العالمية الأولى وخضوع العراق للاستعمار البريطاني خلال أعوام 1914-1921. ويكمن أهمية الحدث الأول، في أن الثورة البرجوازية التركية على الرغم من ضعفها وهشاشتها، إلا أنها حققت بعض الانجازات لعل أهمها هو العمل بالدستور، الذي كان أكثر ديمقراطية من دستور العام 1876/، بما أنه ضيق سلطات السلطان ومنح المجلسين حق الاجتماع بدون دعوة السلطان كما منح الأكثرية حق دعوة المجلس العمومي (مجلس النواب ومجلس الأعيان) لاجتماع طارئ، وسنت الحكومة قوانين تمنح الحرية للشعب دستورياً على الأقل. وهكذا، فإن شعار المساواة وتقييد سلطة السلطان سببا ازعاجاً شديداً لبعض العراقيين ذوي النزعة المحافظة، (26). الذين كانوا ينظرون إلى مفهوم " (المشروطية) برمته بقلق وتوجس (27).

لقد أثار برنامج جمعية الاتحاد والترقي (على الرغم من أنه لم يتم التقيد به) التي قادت الثورة هلعاً في أوساط طبقة " السادة " أو الذين يعرفون أيضاً باسم " الاشراف " في العراق لجهة أثر تطبيق الدستور - من جعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ومنح مجلس المبعوثان ومجلس الأعيان حق تشريع القوانين، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون وفي الحقوق والواجبات دون تمييز في الأديان والأجناس، وحرية التعليم وتأليف الجمعيات وإصلاح حالة الفلاحين - على تحديث الامبراطورية العثمانية لذاتها عن طريق الاقتباس من الغرب. وكما يقول الأستاذ حنا بطاطو أن " أسوأ ما حصل لـ " السادة " جاء مع انفجار ثورة " تركيا الفتاة " في العام 1908 / وكان أكثر ما أثار قلقهم أن الثورة لم تكتف بتجذير الاتجاه نحو الحكم التركي المباشر بل بدت أيضاً منكبة على إلغاء الحصانات الضريبية (28)، و " إعادة تقسيم الأراضي بين الفلاحين من دون انتهاك حقوق أصحاب الأراضي " (29)، وإزاحة " السادة " من مناصبهم العليا (30)، وكان الأمر الأكثر جدية من أي أمر أخر هو هدم المفاهيم الاجتماعية القديمة وطرق التفكير القديمة، أي في الواقع، ذات النسيج الإسلامي الذي دعم حتى الآن موقعهم المميز وسيطرتهم الاجتماعية " (31).

وكان " السادة " أو " الأشراف " الذين يدعون أنفسهم أنهم من سلالة الرسول محمد، يشكلون الارستقراطية العراقية كجماعة منغلقة، في المدن العراقية الرئيسية، بغداد، الموصل، البصرة، والمتكونة من العائلات القديمة لكبار المسؤولين من أصحاب الأراضي والملاكين وأحفاد المماليك مثل عائلة الكيلاني في بغداد، والنقيب والباش أعيان البصرة، والسعدون في المنتفق.

وقد راكمت عائلات " السادة " أو الاشراف " ثرواتها من احتكارها الوراثي الطويل لبعض الوظائف كجباة للعشر ولضرائب الأعناق (الجزية) من الصابئة واليهود والمسيحيين في البصره، ومن احتلالها مراتب دينية مثل " السيد - العالم " الذي كان مرشداً لطريقة دينية، مثل السيد عبد الرحمن الكيلاني الذي كان في العام 1921 نقيباً للأشراف، ومرشداً للطريقة القادرية، ومالكا لعقارات كبيرة ،أو رئيساً للوزارة العراقية، ومثل السيد أحمدي خائفة مرشد الطريقة الباطنية النقشبندية في كركوك. كما أن هذه الثروة تراكمت من خلال ترأس المشايخ العشائريين العرب والبكوات والأغوات الأكراد أحلافاً عشائرية، باعتبارهم مجموعات كانت محاربة في قرون أبكر، حيث كانت للبسالة العسكرية داخل هذه الأحلاف قيمة كبرى، تؤهل دائماً صاحبها ليتسلم الزعامة السياسية داخل هذا الحلف العشائري أو ذاك. وقد لعب العثمانيون دوراً مهماً في تنمية السيطرة الطبقية لهولاء المشايخ وذلك من خلال " تحويل العثمانيين لكثير من المشايخ والبكوات والآغوات المسيطرين عن مواقعهم الأصلية كزعماء يأخذون الضرائب أو وكلاء لهؤلاء الزعماء إلى جباة ضرائب. أما العامل الثالث والأخير فهو تحويلهم إلى ملاك أراض عاديين بعد اِدخال " الطابو " في القرن التاسع عشر و " اللزمة " في القرن العشرين بما فيهما من نظام للملكية الخاصة. وبكلمات أخرى، فإن زعامة المشيخة كانت زعامة عسكرية متميزة بوضوح ومتوارثة بشكل متزايد، ولكنها كانت في مراحلها الأولى أبوية في جوهرها وليس فيها إلا القليل من صفات الموقع الطبقي هذا إلا عندما أصبحت العشيرة، التي كانت تعيش حرة قبلاً، أكثر ارتباطاً بالأرض. وازداد المظهر لموقع المشيخة صلابة في تمايزه مع ظهور المقاطعات الكبيرة، ومع تأجير أو تسجيل الأتراك لهذه المقاطعات، أولقرى بكاملها، باسم رئيس أو زعيم العشيرة وتبلور هذا المظهر أكثر فأكثر مع توقف الغزوات العشائرية وتنامى التجارة الزراعية واغتراب قرى أكثر وإقطاعات متزايدة الاتساع " باللزمة " للبكوات والأغوات والمشايخ (32) .

كما تجدر الإشارة هنا إلى أن العثمانيين هم الذين عبدوا طريق " السادة " أو " الأشراف " إلى الأرض والثروة من خلال منحهم صكوك بمساحات كبيرة من الأراضي من وراء ظهر العشائر التي تزرعها بدون مقابل أوبايجار شكلي، والهدف من ذلك هو استغلال نفوذهم وسمعتهم القدسية الدينية والعائلية لترويض الفلاحين وقمعهم، أو ضبط تمرد قوة المشايخ العشائريين. أن تملك الأراضي الشاسعة، وازدياد قيمة الثروة، واحتكار السلطة على التعليم، قد جعل من " السادة " أو " الاشراف " بالإ ضافة إلى أنهم علماء مرشدين للباطنية، شريحة طبقية قوية ذات نفوذ سياسي تجاه الحكام العثمانيين، واتجاه الشعب على حد سواء، وأكثر ارتباطاً بالسلاطين العثمانيين ...

لكن العراق المملوكي وحتى بداية العهد الملكي، كانت تتعايش فيه مجتمعات متمايزه ومنغلقه على ذاتها، ولا تربطها روابط قوية فيما بينها، ومتكونة من شرائح اجتماعية تختلف فيما بينها على قاعدة الاختلاف في تشكلها الطبقي ووظائفها التاريخية، هي على التوالي : فئة ملاك الأراضي من أغوات وشيوخ والعشائر، ومن السادة الحضريين، وملاك الأراضي من " العلماء " و رؤساء المذاهب الدينية المختلفة، وملاك الأراضي من رجال الدولة " الارستقراطيين "، وملاك الأراضي من الضباط الشريفين السابقين، ومن البنية العشائرية المسيطرة في الريف حيث الدور العسكري للعشيرة هوالذي يحدد الهرمية التراتبية العشائرية في داخلها إلى حد كبير. هذه الشرائح والبنى الاجتماعية لم تكن تشكل طبقات بالمعنى الحديث للكلمة، لأن الملكية الخاصة في إطارها التاريخي المحدد بالمجتمع الرأسمالي، والاقتصادي البضاعي، لم تكن تشكل الأساس المسيطر في هذا التراتب الاجتماعي، بحكم هيمنة الطابع العشائري في معظم الأراضي الزراعية والمراعي في العراق، وحتى على نطاق السكان الحضريين في المدن. لكن هذا لم يمنع من تطور البنى والمواقع الطبقية بسرعة في المدن، في حين أن العلاقات الطبقية في الريف العشائري ظلت أبوية الطابع قبل بداية عملية تفكك البنية الاجتماعية العشائرية. والحال هذه، فإننا نجد في ذلك الوقت انقساماً واضحاً وهوة واسعة بين عالمين منفصلين، عالم عرب المدينة، وعالم عرب العشائر. ولقد ترافق مع هذا الانقسام، انقسام آخر، وهو الانقسام الطائفي الشيعي - السني الذي كان أكثر حدة من الانقسام الاجتماعي، أي الانقسام الطبقي. ويقول حنا بطاطو في هذا الصدد، بأن الانشقاقات الحضرية قد وجدت " لنفسها تعبيراً في ظاهرة أخرى هي ظاهرة " المحلة " أو الحي المديني. وبكلمات أخرى، فأن المجموعات التي كانت تنتمي في مدن العراق إلى عقائد دينية أو طوائف أو طبقات مختلفة، أو كانت من أصول أثنية (عرقية) أو عشائرية مختلفة كانت تميل إلى أن تعيش في " محلات " منفصلة " (33).

إذن فبنية المجتمع المديني في العراق، كانت قائمة على أساس الانقسامات الدينية أو الطائفية، أو الأثنية (العرقية) أو العشائرية، داخل المدينة الواحدة، حيث كانت تشكل " المحلة " عالماً خاصاً لكل صنف اجتماعي من هذه الأصناف المذكورة. فالمدينة العراقية كانت مقسمة إلى عدة أحياء أو " محلات " منفصلة عن بعضها البعض، ومتنافرة فيما بينها. " فالمحلة " في المدينة، أو العشيرة في الريف، كانت تشكل ملاذاً للإنسان الفرد يحتمي بها وتعبيراً جزئياً عن النزعة الفطرية للحصول على الحماية خلال الاندماج الوحدوي في داخلها. وعلى سبيل المثال سنذكر هنا كيف كانت مدينة بغداد مقسمة إلى عدة " محلات " منفصلة، حيث كانت كل محلة لها طابعها السكاني المميز. " ففي الضفة الرئيسة لبغداد، وهي الضفة الشرقية عاش الشيعة في الدهانة وصبابيغ الآل والقشل، وسوق العطارين وأحياء أخرى. وعاش معظم اليهود في التوراة وتحت التكية وأبو سيفين وسوق حنون. وعاش المسيحيون في عقد النصارى ورأس القرية. وكان السنة يشغلون جزءاً كبيراً من بقية أحياء القسم الشرقي من المدينة. ولكن هذا الجزء كان مقسماً على أسس أخرى، فكان الميدان موطناً للعسكريين الأتراك. والحيد رخانة موطناً للعائلات " الارستقراطية " وكبار المسؤولين ودكان شناوة موطناً للموظفين الأدنى مرتبة، والقسم الداخلي من باب الشيخ موطناً للحرفيين، وكانت الأطراف الخارجية من باب الشيخ موطناً لصغار الضباط البغداديين من ذوي الأصول المتواضعة ولعناصر أخرى. وعاشت شريحة كبيرة من الكسبة أيضاً في باب الشيخ ودكان شناوة، كما عاش هؤلاء في مناطق أخرى كذلك. والظاهرة نفسها ميزت ضواحي بغداد، فالكاظمية، التي تضم ضريحي الأماميين الشيعيين السابع والتاسع، لم تكن مسكونة إلا بالشيعة وكان فيها تمركز كبير للفرس، في حين أن الأعظمية التي تستمد وجودها من وجود ضريح " أبو حنيفة" المشرع السنّي وعالم الدين الكبير، وتقع على الضفة المقابلة من دجلة مع ما فيها ذلك من رمزية، كانت تقتصر في سكانها على السنة، وكان يقطن معظمها المنحدرون من عشيرة عبيد العربية " (34).

ولم يقتصر هذا الانقسام إلى محلات مدينة بغداد لوحدها، بل هو انقسام شامل للمدن العراقية، وكثير ما كانت هذه المحلات متباينة في موقفها من عدة مسائل اجتماعية، ووطنية. ففي مدينة النجف كانت محلة البراق قد أقرت لنفسها دستوراً في العام 1915 يعكس مستوى التفكير السياسي والاجتماعي لسكان هذه المحلة، وبالتالي لمعظم سكان محلات المدن العراقية، غير أن بنية هذا المجتمع العراقي التقليدية، ستشهد تخلخلاً وتفككاً حقيقياً نتيجة التأثيرات المختلفة للتطورات الداخلية والخارجية، التي عرفها العراق مع بداية القرن. فلقد نمت المصالح التجارية البريطانية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك عبر ادخال وسائط النقل الحديثة ذات الدفع البخاري إلى نهر العراق، وبخاصة الدجلة والفرات، اللذان كان تبحر فيهما السفن التجارية لنقل السلع والمواد الغذائية، الأمر الذي أسهم في تحقيق تقدم ملموس على صعيد الاعتماد المتبادل بين عالم المدن وعالم العشائر. وفضلاً عن ذلك، فإن ادخال وسائط النقل الحديثة قد ربط الحركة التجارية في العراق مع السوق البريطانية والأسواق الأجنبية الأخرى، كما ربط العراق بالاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي كان مركزه في أوروبا الغربية آنذاك. ولاشك أن هذه العملية قد نقلت العراق من اقتصاد الكفاف إلى بداية التوجه نحو اقتصاد السوق والانتاج السلعي الرأسمالي، كما أصبحت الشركات البريطانية هي المتحكمة في وسائط النقل النهرية، خصوصاً مع افتتاح قناة السويس في العام 1869، وهو ما قاد إلى تدفق السلع الصناعية البريطانية إلى السوق العراقية، وبخاصة السلع القطنية والصوفية، الأمر الذي أدى إلى ضرب الصناعات التقليدية العراقية، وإلى بداية انغراس النفوذ البريطاني في العراق، الذي تحول إلى احتلال مع نزول القوات البريطانية في بداية الحرب العالمية الأولى، وما رافقه " من عملية تحويل البلاد إلى تابع اقتصادي للامبراطورية البريطانية ".

أما التطور الثاني والمهم هو تطور الحركة القومية العربية في العراق خلال العهد العثماني، وبشكل أدق منذ اندلاع ثورة تركيا الفتاة في العام 1908، وبداية تشكل الأحزاب السياسية الحديثة، وتزايد عدد الشباب العراقيين الملتحقين بمدارس التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي، فضلاً عن التحاق عدد من الطلاب بالأكاديمية العسكرية في استانبول، وانتشار الكتب، وإصدار المحلات، والصحف، وكل هذه التغييرات الجديدة أسهمت في تغيير العقليات داخل المجتمع العراقي التقليدي، وفي تعريض قسم من الانتلجنسيا العراقية لنمط التفكير الأوروبي.

وتكمن أهمية الثورة البرجوازية التركية التي قادتها جمعية الاتحاد والترقي، والتي مثلت انتصاراً للطبقة الوسطى التركية ورأس حربتها المؤسسة العسكرية التي تنتمي إليها، كونها أعلنت الدستور، بصرف النظر عن أن الاتحاديين لم يلتزموا بتطبيقه، إلا أنه أسهم في بداية نشر الوعي الدستوري والأهداف الدستورية داخل المجتمع العراقي، هذا أولاً. أما ثانياً، فإن بروز الميول الرجعية والقومية الشوفينية لجماعة " تركيا الفتاة " التي بدأت تمارس سياسة التتريك في العراق، وتضطهد العرب الذين اخلصوا لها، قد أفسح في المجال للحركة القومية العربية لكي تطالب بالحكم الذاتي وتنمي عندها النزعات الاستقلالية. وثالثاً، إثارت الثورة البرجوازية التركية أولى الانقسامات داخل المجتمع التقليدي العراقي، في أبعادها السياسية والايديولوجية والفكرية، حيث تشكلت المعارضة التقليدية المحافظة من طبقة " السادة " المتكونة من كبار الملاكين العقاريين وبعض الزعماء الدينيين، التي تدافع عن مصالحها الطبقية وامتيازاتها الاجتماعية والتاريخية، وتعادي الدستور، وتدافع عن المؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية التقليدية، وكان يقف على رأس هذا المعارضة عبد الرحمن الكيلاني " النقيب " الذي قال حين احتل البريطانيون العراق " أني اعترف بانتصاركم، وعندما سأل عن رأيي في استمرار الحكم البريطاني أجيب: أنا تابع للمنتصر " (35)، وبالمقابل تشكلت فئة الانتلجنسيا العراقية الجديدة المنحدرة من الطبقة الوسطى ذات الميول والولاءات الجديدة للقومية العربية. ومع تزايد الصراع بين المعارضة التقليدية وفئة الانتلجنسيا الجديدة، الذي اتخذ شكل صراع ايديولوجي وسياسي، نما الوعي السياسي القومي الجديد في أوساط الشعب العراقي، وإن كان هذا الوعي القومي الجديد لم يجسد قطيعة راديكالية مع التقليد، ولم يستطع أن يصف مواقع القوى المحافظة التقليدية، بل استمر في التعايش ضمن إطار الصراع مع الوعي التقليدي والتـأخر التاريخي، علماً بأن هذا الصراع كانت مادته الرئيسة هي المسائل الأساسية للقومية الحديثة، ولموقع الدين في المجتمع، والعلمانية، والحرية السياسية، والولاء في الدولة الحديثة، وهي كلها مواضيع تتعلق أساساً ببداية إرساء مقومات المجتمع المدني الحديث...

وبالفعل، شكلت الأحزاب السياسية الحديثة اللبنة الأولى في بناء هذا المجتمع المدني، على الرغم من أن هذه الأحزاب كانت امتداداً وفروعاً للاحزاب التي تشكلت في تركيا. غير أنه مع تنامي المعارضة العربية لسياسة التتريك التي كان يمارسها الاتحاديون، وازدياد حدة التناقض القومي بين العرب والترك، اقتنع القوميون العرب في العراق مع مرور الزمن " بالتخلي عن ارتباطاتهم بالأحزاب السياسية التركية، وتشديد مطالبهم القومية باللامركزية، بدلاً من مجرد المساواة. وهكذا تشكلت جمعية جديدة في أواخر 1912 تحت اسم " جمعية النادي الوطني " كانت ذات طابعّ قومي عربي أكثر راديكالية وجرأة. وكان يسند هذه الجمعية الجديدة أيضاً يوسف السويدي وطالب باشا، وسرعان ما ارتبطت بجمعية الاصلاح في البصرة (التي شكلها طالب باشا في 28 / فبرير 1913 ). وفي الواقع تبنت جمعيتا البصرة وبغداد برنامج حزب اللامركزية العثماني وأصبحتا فرعين بارزين له " (36).

إن بروز ظاهرة تشكل الأحزاب السياسية من قبل المثقفين المنحدرين من عائلات ثرية جداً في قسم منها، ومن العائلات المتواضعة في قسم آخر، ومن الضباط العاملين في القوات المسلحة التركية، قد ارتبط مباشرة بنمو الحركة القومية العربية في العراق مع بداية تفكك الولايات العربية في الامبراطورية العثمانية، لكن هذه الأحزاب الحديثة لم تكن تستند إلى حامل اجتماعي طبقي فاعل حقيقي، ونعني به الطبقة البرجوازية العراقية. فهذه الطبقة كانت ممثلة بفئة كبار التجار والملاكين العقاريين الذين كانت مصالحهم الطبقية بالذات تجعلهم مرتبطين بالغرب الاستعماري، باعتباره نموزجاً للتقدم الاجتماعي، لابالدفاع عن وحدة السوق الوطنية، على الرغم من تبنيهم للاتجاه القومي العربي الذي كان ربما موالياً للبريطانيين بسبب تناقضهم مع الاتراك. وفي ظل هذا الغياب للطبقة البرجوازية الكلاسيكية الصاعدة، كطبقة اجتماعية حاملة لنظام انتاجي بالمعنى الدقيق، يقود إلى انتقال العراق على المستوى الاقتصادي من نمط انتاج " اسيوي " أساساً إلى نمط انتاج صناعي تجاري، لم تقدم الحركة القومية العربية في العراق الاطروحات الفكرية والسياسية حول الحداثة، وفكرة الديمقراطية، والمجتمع المدني الحديث، باعتبارهما تعبيرين عن دفاع البرجوازية عن حريتها ومصالحها القومية، وسلاحين مهمين في صراع هذه الطبقة ضد بقايا الاقطاعية، والحياة العشائرية والبدوية، والاستبداد الشرقي بصورة عامة، وركيزتين أساسيتين لبناء الدولة الحديثة القائمة على فكرتي الوحدة القومية - والعلمانية.

وستشهد الحركة القومية العربية انقساماً جديداً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني للعراق العام 1914، بسبب المواقف المتباينة لمختلف التيارات السياسية المكونة لهذه الحركة القومية، بشقيها العامل في داخل العراق نفسه، وخارجه، من المسألة الوطنية، وقضية الاستقلال، وردات فعلهم غير الموحدة.

فهناك اتجاه من القوميين العرب ممثلاً بحزب العهد في بغداد، وطالب باشا في البصرة، وسليمان فيض، ونوري السعيد. وكان هؤلاء الزعماء المحليون محافظين وتقليدين، وينتمون إلى الطبقات التقليدية في المجتمع، فضلاً عن أنهم كانوا على استعداد للتعامل مع السلطات الاستعمارية البريطانية، بل أنهم كانوا أداة لتطبيق هذه السيطرة، ويتجسد موقعهم من المسألة الوطنية من خلال استعدادهم الدائم للتفاهم مع الاستعمار البريطاني، ذلك أنهم كانوا يطالبون باستقلال العراق، ولكن مع بقاء الحماية البريطانية، وهم بهذا الموقف كانوا يزاوجون بين خدمة مصالحهم الطبقية والمصلحة الوطنية، معتبرين أن طريق الاستقلال لايمكن أن يكون إلا عبر التسوية السياسية لا عن طريق المواجهة المباشرة للمستعمر" ففي نظر " سادة " البصرة - ونظر ملاكي الأراضي فيها ككل - مثل النظام البريطاني " سلامة وأمن الأملاك ". والسيد طالب النقيب، الذي كان قد رفع في أيام الأتراك الشباب راية الحكم العربي الذاتي، صار يطلق صوته الآن تكراراً معبراً عن تأييده " الانتداب " البريطاني " (37).

كما دعا نوري السعيد إلى " خلق حكومة مدنية وطنية على الفور ". إلا أنه كان ذلك بالخضوع لـ (أشراف الاحتلال). وفضلاً عن ذلك، أكد نوري على أيمانه بـ " روح الزمالة مع الانكليز "، وحرصه على " متابعة السير في طريق الولاء والتعاون مع الانكليز ". كما أنه أعرب عن عزمه " على وضع حد لكافة النوايا التي تتجه إلى تجديد الارتباط بالأتراك ".. (38).

وكان هذا الاتجاه مطبوعاً بطابع غربي، وانضم إلى الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، آملاً، بعد الحرب، أن يحقق الاستقلال السياسي للعراق، حيث كان للبريطانيين مصلحة في أن يخوض العرب الحرب ضد تركيا. وقد لعب هذا الاتجاه دوراً مهماً على صعيد إرساء نظام ملكي ذي شكل برلماني ديمقراطي في مرحلة السيطرة الاستعمارية غير المباشرة على العراق لاحقاً.

أما الاتجاه الثاني من القوميين العرب ذي الطابع الإسلامي الإصلاحي، فقد كان معادياً للاستعمار البريطاني، وقرر الانضمام إلى تركيا خلال الحرب العالمية الأولى. وكان هذا الاتجاه يطالب بالاستقلال التام للعراق غير المقيد بأية تنازلات أو خضوع للاستعمار البريطاني. وكان هناك اتجاه الضباط العراقيين من جهة ثالثة، الذين انحدروا من أصول اجتماعية فقيرة ومتواضعة في معظمها، واعتبروا الالتحاق بالكليات العسكرية والجيش العثمانيين، هوالطريق الأسلم نحو تحقيق صبوة اجتماعية جديدة. وقد تأثرت هذه الفئة من الضباط بالأفكار القومية العربية التي كانت تدعو إليها الجمعيات العلنية والمنظمات السرية المتمركزة في الأستانة.

إن ميزة هذه الفئة من العراقيين التي تلقت تعليماً حديثاً وتكويناً عسكرياً أكاديمياً، واسهمت بشكل رئيس في تأسيس التنظيم السياسي القومي الأكثر فعالية في العراق ماقبل الاستقلال أي حزب العهد، وانخرطت في الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين، واشتركت مع فيصل في الحكم أبان استقلال سوريا القصير الأمد، " تختلف عن الشرائح الأخرى من الطبقة الوسطى في ناحيتين مهمتين على الأقل : أولاً، أن أعضاءها كانوا من غير ذوي الملكيات ومعتمدين كلياً على رواتبهم، وثانياً، أنهم كانوا ملتزمين بالثقافة والتقاليد العسكرية ... وفضلاً عن ذلك فإن الضباط العراقيين، لكونهم فئة غير متملكة، قد تمتعوا بدرجة كبيرة من الاستقلال الاجتماعي تجاه الأقسام الأخرى من المجتمع، وعندما يتعامل المرء مع العوائل الثرية في المدن العرقية، ومع شيوخ العشائر وعلماء الدين، يسهل عليه ملاحظة الأثر العميق، المحلي والوطني، لظروفهم الأجتماعية الاقتصادية على سلوكهم السياسي " (39). إن هذا الموقع المتواضع على صعيد الانتماء الطبقي، سيكسب الضباط العراقيين مرونة أكبر واستقلالية نسبية في تحديد موقفهم السياسي إزاء المسألة الوطنية، بالمقارنة مع باقي فئات وطبقات المجتمع الأخرى المتكونة من كبار الملاكين العقاريين، ورجال الدين، والعائلات الثرية، وشيوخ العشائر، الذين جسدوا التحالف القومي - الديني العشائري، إن كان لم يستطع أحراز السيطرة الفعلية على الدولة. وعلى النقيض من ذلك، فإن النخبة العسكرية العراقية المنخرطة في الحركة القومية العربية، كانت قضية السيطرة على الدولة تشكل بالنسبة إليها قضية مركزية، على الرغم من الميول والنزعات التي كانت تتقاذفها بين طابعها القومي العربي، وعواطفها الإسلامية العثمانية، ومعاداتها للإستعمار الغربي - وقد جاءت الثورة الهاشمية، التي كانت قيادتها السياسية محافظة تقليدية ومتحالفة مع الانكليز على أمل أن تنال الاستقلال السياسي، وتأسس الدولة العربية الموحدة، والذي كان برنامجها السياسي فضفاضاً محافظاً، وليس برنامجاً راديكاليا يطرح قضية انتزاع الحقوق القومية العربية خارج سياق السيطرة الاستعمارية البريطانية، لتزيد من تعميق الانقسامات داخل فئة الضباط العراقيين، الذين تحلقت قيادات منهم حول الشريف حسين، خصوصاً أولئك الذين كانوا أسرى لدى الانكليز، فإن ظلّ قسم من، هؤلاء الضباط لايثق بالانكليز ولابقيادة شريف حسين. وقد تولد عن هذا الانقسام تياران داخل فئة الضباط، تيار راديكالي يدعو إلى مقاومة الاستعمار البريطاني عن طريق ممارسة العنف، بسبب من تنصل بريطانيا وخيانتها لالتزاماتها العربية، وتيار معتدل كان يقوده نوري السعيد قائم على أساس المساومة مع البريطانيين، واستخدام الأساليب السياسية الأقناعية لتغيير أو تعديل السياسة البريطانية، إزاء المسألة الوطنية العراقية، حيث كان هذا التيار ينادي بإقامة حكومة دستورية نيابية، ولكن بموافقة البريطانيين. ويلخص موقف نوري السعيد وجعفر العسكري هذا الرأي، حيث كانا يعتبران أن بريطانيا هي " الحليف الرئيس للقضية العربية، فبدون مساعدة بريطانيا، لم يكن من الممكن تحقيق استقلال العرب، ذلك أن العرب لوحدهم كانوا عاجزين عن تحقيق الاستقلال أو تحمل أعبائه. ويستمر جعفر في تلخيصه للاتجاهات القائمة بين الضباط القوميين قائلاً " .... إن قلة من المتطرفين الشباب يعتقدون أنهم يستطيعون إدارة البلاد بدون مساعدة أجنبية ويعارضون كل انتداب على الإطلاق، إلا أن البقية مستعدون لقبول الانتداب شريطة أن تكون النوايا (البريطانية) مخلصة اتجاه الدولة العربية" (40).

على أي حال، هذا هو واقع الاتجاهات الرئيسة العاملة داخل الحركة القومية العربية في العراق عشية اندلاع ثورة الشعب العراقي في 20 حزيران العام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، ومن أجل المطالبة بالاستقلال. ولقد كرّست هذه الثورة لأول مرة في تاريخ العراق الحديث الوحدة الوطنية، حين تفادى القوميون أي صراع طائفي من شأنه أن يقود إلى مزيد من التفتيت الداخلي، ويخدم مصلحة المستعمر البريطاني، فضلاً عن أنها نجحت لأول مرة منذ قرون عديدة في تحقيق الاندماج بين السنة والشيعة معاً على قاعدة الانخراط في العمل الوطني الشعبي لمقاومة البريطانيين. وكان هذا التطور في التقارب بين عشائر الفرات الذين تضرروا من سياسة تنظيم البريطانيين لتدفق المياه، وأثر هذه السياسة على إلحاق الأذى بالاقتصاد المحلي وبين سكان مدينة بغداد، وفي الاحتفالات الدينية التي كانت تقام في كل مساجد السنة والشيعة بالتناوب، والتي في جوهرها تعبر عن مضامين سياسية معادية للبريطانيين، سواء من منطلقات دينية مضاده للمستعمر " الكافر " أم من منطلقات وطنية بحته، هذا التطور قد أسهم إلى حد كبير في انخراط جماهير واسعة من الفلاحين العشائريين في صفوف الثورة، وفي اذكاء وتقوية الوعي الوطني في صفوفها، الأمر الذي أدى إلى خلخلة الموقع التاريخي لطبقة " السادة " أنفسهم الذين يمارسون سياسة الاحتكار المطلق على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي داخل العراق، وإلى ضرب مواقع الاستعمار البريطاني.

هل نستطيع أن نطلق على هذه الثورة أنها أطلقت سيرورة جديدة، ونمواً صعباً ومتجانساً، لمجتمع مدني عراقي حديث ؟.

إن الثورة العراقية بصرف النظر عن الآراء المتباينة في عملية تقييمها من حيث منطلقاتها ودوافعها والقوى المحركة الرئيسة لها. كانت ثورة تعبر عن تنامي المسألة الوطنية والقومية عند الشعب العراقي، لكي تصبح هي الرافعة الحقيقية والواقعية السياسية التاريخية لحل باقي المسائل الأخرى، ولعل أهمها المسألة الديمقراطية في تلازمها مع بناء المجتمع المدني الحديث، الذي يحقق الوحدة المجتمعية المتماسكة لجميع الطوائف والاثنيات المتعايشة في المجتمع العراقي، على قاعدة بناء المواطنية الحرة، واحترام هوية الآخر في إطار الاختلاف والتعدد، وتحقيق الاستقلال التام للعراق.

ولاشك أن هذه الثورة التي أسهمت في تغيير استراتيجية الامبريالية البريطانية الخاصة بالعراق من استعمار مباشر إلى استعمار غير مباشر، وذلك خلال تأسيس الملكية الهاشمية في العراق العام 1921، بقيادة الملك فيصل، وتكوين الدولة العراقية الحديثة، في ظل تراجع الحركة القومية العربية عن تحقيق أهدافها وبخاصة هدف الوحدة العربية، حين رضيت بالكيانات القطرية المشرقية (العراق، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين)، التي تأسست على قاعدة اتفاقات سايكس بيكو الانكلو - فرنسية، لم تحقق كل الأهداف الفعلية للمسألة الوطنية العراقية حتى بطابعها القطري. ذلك أن الملكية في العراق، التي تقف على رأسها ملك عربي هاشمي، كانت في جزء منها صنيعاً بريطانياً، وفي الجزء الآخر نتاج الانتخاب الشعبي، وحتى حكومة فيصل العربية التي أقامت النظام الملكي الدستوري، وأنشأت مجلساً نيابياً منتخباً، ودستوراً للبلاد، عملت على المحافظة على المعادلة الصعبة أي " المحافظة على هيمنة النفوذ البريطاني " من جهة، و" ضرورة إرضاء غالبية السكان والعناصر الوطنية بوجه خاص "، من جهة ثانية .

لقد كانت لثورة العشرين أهمية كبرى في بداية تحقيق تماسك المجتمع السياسي للعراق، ليس فقط من خلال التقارب والترابط السني - الشيعي، واندماج الشيعة في الجسم السياسي العراقي " بل أيضاً بحل ناجح لنزاع تاريخي كان كامناً في أساس الكثير من الانقسامات المثيرة للاضطرابات في المجتمع العراقي، الا وهو النزاع المزدوج بين العشائر والمدن النهرية من جهة، وفي ما بين العشائر نفسها من جهة ثانية، حول الأراضي السهلية المنتجة للغذاء على ضفتي دجلة والفرات " (41).

فخاصية المجتمع المدني في العراق تبدأ مع طرد ونفي هذه الصراعات بين العشائر والمدن، وفيما بين العشائر نفسها، باعتبار ذلك يمثل بذرة أية وحدة مجتمعية مدنية متماسكة، ومع ضرب سلطة العشيرة المتخلفة، وبالتالي مع اقحام العراق ضمن مسار حركة التقدم التاريخي التي تقود إلى نهوض المدن مجدداً وبداية تفكك وانحلال النظام العشائري. وفي هذا المجال لايجوز أن ننكر دور التحديث الكولونيالي الذي أقامه البريطانيون في العراق، سواء في مجال الإدارة والري والزراعة، أم في مجال إقامة الدولة الحديثة، على الرغم من أن هذا التحديث المزدوج كان يخدم المصالح الاستراتيجية لبقاء الاستعمار في سيرورة انتقاله من استعمار مباشر إلى استعمار غير مباشر. غير أن هذا التحديث الكولونيالي المزدوج، عمل من جهة أخرى على تعزيز سلطة شيوخ العشائر خارج المدن الذين كانوا في السابق " مسنودين بالذهب البريطاني وبالحرب البريطانية" (42).، وأصبحوا الآن يمتلكون ميليشيات مسلحة تحميهم هم وممتلكاتهم وتشكل في الوقت عينه سلطة قمعية متسلطة على رقاب الفلاحين، وتلقب هذه المليشيا المسلحة المرتبطة بالشيوخ (الحوشية ). إذن فالتحديث الكولونيالي لم يكن يهدف إلى تفكيك بنية النظام العشائري في الريف العراقي، والوحدة العشائرية، حيث أن المستفيدين بشكل رئيس من هذه النظام هم الشيوخ الذين يمارسون سلطة استبدادية بالوراثة. بل إن السياسة البريطانية في تعاطيها مع الريف العشائري شكلت خطوة تراجعية إلى الوراء، باعتبارها سياسة تهدف إلى المحافظة على زعماء العشائر، ودعمهم، على الرغم من جهلهم، وضيق أفقهم، وتخلفهم الشديد، في سبيل استخدامهم كقوة معرقلة فعلية، لممارسة ضغوطاتها على حكومة الملك فيصل التي كانت متناقضة إلى هذا الحد أو ذاك مع مشروع الانتداب البريطاني على العراق. ويذكر لنا حنا بطاطو في استشهاداته المتعددة كيف أن روساء العشائر كانوا يدفعون عن مشروع الانتداب البريطاني في مواجهة حكومة فيصل، فقد " قام الشيخ عدي الجريان من البوسلطان، ومعه خمسة عشر شيخاً آخر من شط الحلة، بالاحتجاج بشدة في برقية أرسلت إلى المندوب السامي تعلن " الدعم لمشروعه المفيد الذي من دونه لايمكن للعراق وأبنائه أن يحققوا التقدم " (43).

ومن ناحيتهم، أعلن مشايخ بني ربيعة أنهم ينظرون " باشمئزاز حقيقي إلى احتمال سحب الاشراف البريطاني " (44)، وأكثر من ذلك، فإن على سليمان، من الديلم، ومعه أربعون رئيس عشيرة آخرون، ذكروا الملك فيصل في لقاء معه، ومن دون خجل " بأن أقسموا على الولاء شرط أن يقبل بالتوجيه البريطاني" (45).

وهكذا، فإن سياسة التحديث الكولونيالية ذات الطابع المزدوج كانت تعتمد بشكل رئيس على القوى المعادية لولادة المجتمع المدني الحديث في العراق، أي سلطة شيوخ العشائر التي أصبح البريطانيون يستغلونها ليس في نطاق موازنتها بسلطة الملك فقط، باعتبار ذلك جزء من سياسة التوازن التي انتهجوها في العراق، وإنما أيضاً وهذا هو الأخطر ، في استخدام هذه القوة المعادية، في محاربة القوى السياسية والاجتماعية الحديثة التي ظهرت في المراكز المدنية العراقية، التي تحارب الاستعمار البريطاني غير المباشر. والحال هذه، فإن قوة شيوخ العشائر المستقوية بواسطة الوجود البريطاني، والمستفيدة على الصعيد الاقتصادي من عدة امتيازات كحيازة الاراضي، والاعفاء من دفع ضريبة الأملاك، وتلقس الرشاوي والهدايا على خدماتهم، كانت تمثل قوة معادية متناقضة جذرياً مع فكرة بناء المجتمع المدني الحديث، وإرساء دعائم الدولة العصرية.. وكانت تنافس سياسياً سلطة حكومة الملك فيصل، التي كانت تنتهج سياسة ليبرالية، ولديها وعي قومي بضرورة بناء المجتمع الموحد في العراق، وتحجيم سلطة الاقطاعيات المحلية، بهدف تعزيز مواقعها التفاوضية مع سلطة الانتداب البريطانية.

وبالمقابل، هل كانت حكومة فيصل تمثل نهجاً حديثاً، وتقوم بعملية تحديثية ضمن هذا المجتمع العراقي التقليدي يقودان إلى تجاوز فعلي للبنى العشائرية الموروثة، وللتأخر التاريخي في ميداني الفكر السياسي والتنظيم الاقتصادي الاجتماعي؟.

علينا أن نعترف بأن الفئات الحاكمة التي وصلت إلى السلطة في العراق ممثلة بكبار الملاك للأراضي، والبرجوازية التجارية المدينية، والفئات الكمبرادورية المرتبطة بالمصالح الأجنبية، والعائلات الثرية في المدن، والضباط الشريفيين، والأعيان المنضمين إلى حزب العهد، وشيوخ العشائر الاقطاعيين، لم تكن تشكل طبقة برجوازية موحدة، تحتل مكاناً تاريخياً في نظام الانتاج الرأسمالي، وبالتالي تمتلك القدرة على تصفية الحسابات مع قوى المجتمع القديم والنظام العشائري، وتقود النضال الجذري ضد الاقطاعية والاستعمار البريطاني، بل هي تمثل فئات معارضة إصلاحية تبوأت صدارة العمل السياسي في الصراع من أجل انتزاع الحقوق العربية بواسطة الاصلاحات في ظل السيطرة العثمانية، أولاً، وفي ظل الاستعمار البريطاني لاحقاً. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الفئات الحاكمة لم تحكمها ايديولوجية متجانسة، ولا كانت معنية بخلق إيديولوجية بورجوازية قومية جديدة تشكل عاملاً ضرورياً ومهماً في تطورها التاريخي. وفي ظل غياب هذه الايديولوجية الجديدة، وبالتالي غياب البرنامج السياسي الراديكالي، الشرطان الرئيسيان اللذان تستخدمهما الطبقة البرجوازية لحل القضايا التاريخية الخاصة ببناء المجتمع المدني، والدولة العصرية، ظلت هذه الفئات الحاكمة تستخدم مزيجاً توفيقياً من الايديووجية القديمة والايديولوجية " الليبرالية"، لاطبقاً للواقع الغربي، وإنما بعد أن أفرغتها من الأفكار الديمقراطية والعلمانية والقومية الثورية، لأنها كانت تخشى الأعمال الثورية التي تضعها في صراع مكشوف وجهاً لوجه مع البنية الاقطاعية والقبلية والعشائرية ومع الاستعمار البريطاني، من أجل حل القضايا الجديدة المتعلقة بالمسألة الوطنية، والاستقلال السياسي والاقتصادي التام خارج سياق التبعية الكولونيالية، وتحديد نمط المجتمع المرجو بناؤه، وبالتالي تقديم الرؤى والتصورات الراديكالية لحل مسألة طبيعة الدولة ومؤسساتها الدستورية، وكذلك بناء المجتمع المدني في تناسقه مع هذه الأخيرة. ويقول الدكتور خلدون حسن النقيب في معرض تحليله لهيمنة الايديولوجية التوفيقية بأجنحتها الثلاثة العلمانية، والليبرالية، والقومية، على صعيد سلطة الدولة في العراق، وفي مصر، وسوريا، ومن أنها " قد وصلت إلى الهيمنة والنفوذ ليس لكونها ممثلة لمصالح الملاك والتجار، ولذلك قامت هذه الفئات بدعمها، وإنما لأنها لم تتعارض مع مصالح الملاك والتجار، ولأنها تناسبت وتزامنت مع التطلع إلى الغرب، وظهورالكيانات السياسية الحديثة (الدولة - القومية، الأحزاب ...إلخ) تحت تأثير إدارات الانتداب الاستعمارية والدول الكبرى (46). وهناك فرق بين التزامن وعدم التعارض وبين الدعم والتمثيل الطبقي ويجب ألا تغيب أهميته عن القارئ (47).

على الرغم من أن حكومة الملك فيصل ذات الأصول غير العراقية، (بحكم أن الموطن الأصلي لفيصل هوالحجاز )، كانت مدينة للاستعمار البريطاني، الذي أصبح يحكم العراق في مرحلة الانتداب بواسطتها، عملت على بناء المؤسسات الدستورية، والجهاز البيروقراطي الموروث عن الاستعمار، وعلى الرغم من وجود نخبة سياسية محلية متنورة " ومطبوعة بالطابع الغربي " تطمح إلى بناء دولة حديثة ومجتمع مدني، إلا أن طبيعة القوى التقليدية والزعماء التقليديين المحافظين الخاضعين للهيمنة البريطانية من جهة، والفسيفساء الاجتماعي الذي تهمين عليه ايديولوجيا تقليدية من جهة ثانية، جَعَلا من العملية السياسية لبناء شكل حديث للسلطة، وبالتالي بناء نظام سياسي جديد للدولة معاصر، عملية نخبوية تفتقر إلى قنوات مناسبة لنشر الوعي الديمقراطي، وتحقيق المشاركة الشعبية في الحياة السياسية. وقد انعكس ذلك في بنية الأحزاب السياسية المختلفة، التي لم تكن في واقع الأمر سوى مؤسسات تهيمن عليها نخب مستبدة قمعت كل توجه ديمقراطي، وحالت دون مشاركة جماهيرها الحزينة ذاتها في تقرير سياساتها ، ورسم برامجها، وهو مايعكس الطابع الجوهري العام للحياة السياسية العربية. ذلك أنه تحت القشرة الايديولوجية الهشة لتلك الأحزاب كانت تثوي الايديولوجية التقليدية ، والمصالح الفئوية، وروح المجتمع القديم التي عجزت تلك الأحزاب عن تحقيق قطيعة معرفية وسلوكية معه، وبالتالي لم تكن هذه الأحزاب والنخب الحاكمة الحاضنة السياسية لفكر تنويري، قومي، أو اشتراكي، أو ديني، وبالتالي لم تكن حاضنة لبذور العقلانية، والحداثة، والمجتمع المدني.

الاستعمار الغربي بحكم طبيعته ذاتها بوصفه تعبيراً عن مجتمع حديث، وحضارة كونية بازغة، أرسى في أماكن تواجده بعض مقوماته، وبذور المجتمع المدني لاسيما العقلانية، والديمقراطية البرلمانية، والنظام البيروقراطي الحديث، والقومية، بصرف النظر عن تعارض هذه البذور والعناصر مع مشروعه الاستعماري القائم على اخضاع الاقتصاد اخضاعاً تاماً لمصالح الدولة المستعمرة، وتعزيز البنى التقليدية القبلية والأثنية والدينية عبر ترسيخ حقوق الملكية لدى شيوخ العشائر وأعيان المدن، الأمر الذي قاد إلى خلق " طبقة عليا " في العراق، وغيره من البلدان شبه المستعمرة. إن تلك العناصر والبذور الليبرالية مالبثت أن تجسدت في مرحلة الانتداب البريطاني، ولاحقاً الاستقلال الوطني في مؤسسات سياسية وثقافية، حديثة كانت تحمل أمكانية النمو والتقدم. وأبرز هذه البنى السياسية والثقافية، البرلمانات، والصحافة الحرة، والأحزاب السياسية، والنقابات، والدولة الحديثة القائمة على المؤسسات، إلا أن العامل الأهم لكبح نمو المؤسسات كان الطابع التقليدي والمتناقض للقوى الاجتماعية الممسكة بزمام السلطة، والمهيمنة على الحياة السياسية. تلك الفئات التي أدت سياساتها، واتجاهاتها الفكرية والايديولوجية وعلاقاتها الداخلية والخارجية إلى ظهور الدولة التسلطية التي ستجتث، أو ستنزع من المجتمع أهم عناصر الحداثة الكولونيالية، حيث يشكل نظام حكمها كما يقول الدكتور هشام شرابي " مزيجاً من نظام الرعاية والجهاز البيروقراطي الموروث عن الاستعمار الذي تتصف به الدولة البطركية الحديثة. وهو، بالنسبة إلى المواطن، شيء خارجي مفروض عليه وضده.

ومشاركته الحرة في الشؤون العامة أمر مستحيل، حتى لو كان الدستور يضمن له ذلك. وإذ يجد المواطن نفسه معزولاً ومغترباً عن ذاته، ينكفئ على نفسه ويلتجئ إلى البنى الاجتماعية الأولية (العائلة أوالقبيلة أوالطائفة الدينية) ليضمن أمنه وبقاءه ". (48).

ليس من شك أن حكومة الملك فيصل كانت حكومة " دستورية، وتعمل ضمن حدود القانون "، لكن الفئات والقوى الاجتماعية التي كانت متنفذه فيها هي من طبقة " السادة " بشقيها الذي يترأس الطرق الباطنية، أو المرتبط بشيوخ العشائر في الفرات الأوسط والريف عامة. وقد استخدم الاستعمار البريطاني هذه " الطبقة العليا " المتكونة من العائلات الثرية وكبار ملاك الأراضي والممثلة بشكل قوي على مستوى الحكومة، لمواجهة الملك فيصل، وإضعافه كي لا يشكل قوة فعلية تمكنه من تجسيد نوع من الاستقلالية لحكمة، وإرساء شرعية داخلية قوية خصوصاً وأن الملك كان يعتمد على الضابط الشريفيين السابقين المنحدرين من أوساط طبقية متواضعة كما اسلفنا في الحديث عنهم سابقاً، والذين يرون فيهم السادة خطراً على أوضاعهم ومصالحهم تمكنه من تحسين شروطه التفاوضية مع البريطانيين بصدد إبرام المعاهدة الانكلو - عراقية، حيث كان الملك يقف إلى جانب الرافضين " للانتداب "

ففي عهد الملك فيصل (1921-1932 )، تشكلت 13 حكومة، وكان أول رئيس وزراء للعراق هو عبد الرحمن الكيلاني الذي ينتمي إلى " السادة "، وتلاه عبد المحسن السعدون، رئيساً للوزارة في السنوات 1922، 1923، 1925، 1926، 1928، 1929، وهو أيضاً من " السادة : المرتبطين بشيوع العشائر. وفضلاً عن ذلك، فإنه من أصل 13 رئاسة وزارة حظي السادة " بـ 9 منها، وكانت حصة الضباط الشريفيين السابقين 4. أما على صعيد عدد المقاعد الوزارية البالغ عددها 113 مقعداً وزارياً، فقد كانت موزعة على الطبقات والفئات الحاكمة حسب الجدول التالي : (49).












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-06-2006, 05:23 PM   المشاركة رقم: 37
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي






السادة

عائلات المشايخ العشائري
الارستقراطية القديمة
عائلات الجلبيين
العائلات التجارية الثرية
الضباط الشريفيين
كبار ضباط الجيش

حصة كل شريحة اجتماعية


35


2


16


14


11


15


7

النسبة المئوية
31.0%
1.8%
14.2%
12.3%
9.7%
16.7%
6.2%


إن هذه الحصص الوزارية الموزعة على صعيد الطبقات والفئات الاجتماعية الحاكمة تؤكد لنا طغيان السيطرة الطبقية للفئات والعائلات المالكة للثورة على الحكومة، باعتبار أن هذه القوى الاجتماعية التقليدية هي المستولية على مصادر الثروة والسلطة ....

وفي ظل حكومة " النقيب" تم توقيع المعاهدة الانكلوعراقية غير المتكافئة بالاجماع، على الرغم من الاحتجاج الشعبي ومقاومة الوطنيين لها. وقام " السادة " بتشكيل حزبهم المسمى " الحزب الحر العراقي " الذي يضم " السادة " من شيوخ العشائر وكبار الملاك والعائلات الثرية، حيث كان مبدأه الرئيس هو " القبول بالعلاقات مع بريطانيا العظمى على أساس المعاهدة ". وصار الضباط الوطنيون الشريفيون، ومعهم رجال الملك يلقون على كاهل هذا الحزب وعلى كاهل " النقيب " وزر أي شيء في المعاهدة ينتقص من استقلال البلاد " (50).

ولم تكن الأحزاب السياسية التي تشكلت في تلك المرحلة التاريخية من الحكم الملكي - الدستوري، تلعب دوراً أساسياً في تنظيم الشعب وإعداده لممارسة الديمقراطية، التي هي حكم الشعب بالشعب وَللشعب، بل أن هذه الاحزاب مثل " حزب الأخاء الوطني " و" حزب الفرات " كانت أحزاب نخبة منبثقة من تلك الفئات الاجتماعية الآنفة الذكر، وتمثل مصالحها الطبقية، ولم تكن ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية، تحول الطاقة المشتتة للشعب إلى طاقة سياسية فاعلة في عمل المؤسسات الدستورية والحكومية، وبخاصة على صعيد البرلمان. ولهذا، لم تلعب هذه الأحزاب دور الديناميكي الفاعل في تمكين العملية الانتخابية من بلوغ المؤمنين فعلاً بالديمقراطية للقيام بعمل برلماني منظم يسهم في بناء مجتمع مدني حديث.

ولقد أصبح المجلس النيابي العراقي عبارة عن إطار فضفاض يوهم الشعب بأنه يمارس السلطة وفق المبادئ والأسس الديمقراطية ولكنه في حقيقة الأمر يخفي عدائه الحقيقي لمصالح الشعب، الناشئة عن تضارب مصالح فئة النواب- الذين أصبحوا جماعة محترفين، لاهم لها سوى خدمة مصالحهم الطبقية - مع مصالح الشعب. وهكذا انكشف تزييف الديمقراطية البرلمانية لأنها وضعت حاجزاً شرعياً بينها وبين مصالح الشعب. ومارست تزوير الانتخابات، وغلبت المصالح الحزبية الضيقة، والاعتبارات العائلية والعشائرية، وكانت غطاء حقيقياً لتمديد صلاحية المعاهدة الانكلو - عراقية لمدة خمسة وعشرين عاماً، وكرست نزعة الاحتكار الأعمى للسطلة لمصلحة " الطبقة العليا " من السادة، حيث أصبح عدد من رؤساء الوزارة مزمنين في ممارسة الحكم. وكان النظام النيابي والدستوري، وسائر السلطات التشريعية والتنفيذية مسّخرة لخدمة مصالح هذه " الطبقة العليا " باسم ممارسة ديمقراطية مزيفة، صانت حقوق هذه الأقلية، في حين أنها عمقت الفوارق الطبقية والاجتماعية، وانتهكت حريات، وحقوق المواطنين، واستخدمت العمليات الانتخابية لمجلس النواب كمجرد غطاء ديمقراطي لحكم طبقي استبدادي تسيطر فيه هذه " الطبقة العليا " من السادة على الشعب. " ولذلك بعد أقل من عشرين سنة (حوالي نهاية الثلاثينات) بدأ عجز " الحكومات الوطنية " واضحاً، ايديولوجياً وسياسياً واقتصادياً، فقد تجلى العجز الايديولوجي بفشل " الليبرالية التوفيقية " في وقت مبكر، وهذا ما أفسح في المجال للتيارات الراديكالية اليمينية واليسارية بالظهور القوي. وقد تجلى هذا الفشل واضحاً في ارتداد غالبية الليبراليين إلى توفيقية مفرطة، وفي العودة إلى الصيغ التقليدية التي سبق رفضها وخاصة صيغة " المستبد العادل " كما اقترحها محمد عبده، أو البحث عن الاحسنين : أحسن ما في التراث وأحسن ما في الحضارة الغربية " (51).

ومع نهاية الانتداب البريطاني في العام 1932، وموت الملك فيصل في العام 1933، واعتلاء الملك غازي عرش السلطة، على الرغم من عدم خبرته السياسية، وعدم تأهيله لذلك المنصب، تولى ياسين الهاشمي رئاسة الوزارة، علماً بأنه لاينتمي إلى طبقة " السادة " بل هو عسكري محترف، وقاد معارك بطولية في الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي جعله يحظى بتأييد الضباط العراقيين المنضوين في حزب العهد، والذين كانوا يؤمنون بالعروبة الجامعة في الجيش العثماني. وكانت علاقات الهاشمي مع الملك فيصل صعبة في الأعم الأغلب، ربما بسبب اندفاعاته وطموحاته نحو تأسيس الجمهورية. وقد صعد إلى رئاسة الوزارة بفضل تمرد عشائري، والتخلي عن معارضته لمعاهدة 1930، حين أصبح " مقتنعاً بأن العراق لايمكنه العيش من دون تحالف مع بريطانيا العظمى، وأن هذا التحالف كان مقدماً من خلال المعاهدة بشروط حسنة(52).

وعلى أثر وفاة الملك غازي في العام 1939، واعتلاء عبد الإله الموالي للبريطانيين عرش السلطة، تشكلت لجنة عسكرية داخل الجيش العراقي عرفت باسم " العقداء الأربعة " وهم صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب ومحمود سلمان وفهمي سعيد، وكلهم منحدرين من عائلات متوسطة أو متواضعة. وكان هؤلاء الضباط هم الذين لهم اليد العليا منذ انطلاقة حركة رشيد عالي الكيلاني في العام 1941، حيث أن هذا الأخير لم يكن ثورياً، وكان شخصية سياسية من الصف الثاني، وقد تبنى الإنقلاب العسكري الذي قام به العقداء الأربعة، علماً بأنه كانت له اتصالات مع دول المحور. " وعلى النقيض من هذا، فإن معظم الضباط الشريفيين السابقين وقفوا من دون لبس إلى جانب القوة البريطانية والوصي عبد الاله. وهذا ما ضمن لهم الفوز في صراعهم الطويل الأمد مع العائلات القديمة، وجعل من الممكن أخيراً صعود واحد منهم، هو نوري السعيد، إلى موقع نفوذ لايساويه فيه إلا الوصي الذي كان عليه، ومنذ نهاية " الاحتلال البريطاني الثاني " في العام 1946 ومابعد، أن يقتسم معه السيطرة المطلقة على آلة الدولة، وأن لم تكن الشراكة بينهما سهلة. ونتيجة لهذا كله، تقلص دور " السادة " في الحكم بحدة بعد العام 1941، وبعد أن كانت حصتهم في التعيينات لرئاسة الوزراء قد بلغت النسبة العالية التي تصل إلى 96.2 بالمئة في ظل الانتداب انخفضت هذه الحصة إلى 37.5 بالمئة بين عامي 1936 -1941، ثم إلى 15 بالمئة في العقد الأخير من العهد الملكي. أما حصتهم من كل التعيينات الوزارية الأخرى فانخفضت من 31 إلى 20 بالمئة، ثم إلى 6.4 بالمئة في الفترات نفسها " (53).

إذا كانت الحياة النيابية في العراق لم تسهم في تجذير المسألة الديمقراطية والدستورية، فهل كان دور تكوينات المجتمع المدني الأخرى، وبخاصة الأحزاب السياسية، فعالاً في إرساء وتجذير الديمقراطية التعددية، والمشاركة السياسية للشعب؟

لقد شكلت المسألة الوطنية مركز استقطاب لمختلف حركات المعارضة في ظل الهيمنة البريطانية والعهد الملكي. وكانت أبرز شخصية معارضة في ذلك الحين جعفر أبو التمن، الذي لعب دوراً رئيساً في انتفاضة 1920، التي شكلت نواة لحركة استقلالية، ثم أسهم في تأسيس الحزب الوطني، وأصبح على رأسه في العام 1922، حيث حدد له هدفين رئيسين، أولهما توحيد الشيعة والسنة على أرضية وطنية، ونزع فتيل التنافر الطائفي، وثانيهما القضاء على السلطة الانكليزية. وقد شنت سلطة الانتداب حملة اعتقالات في صفوف قيادات الحزب طالت جعفر أبو تمن نفسه، الذي نفته إلى جزيرة موحشة في الخليج. وكانت القاعدة الاجتماعية للحزب الوطني متشكلة من الفئات الوسطى التجار المتوسطين، والمفكرين الوطنيين، وأعضاء المهن الحرة، والضباط الشريفيين المتشددين، ومن العمال الحرفيين وصغار التجار. ولم يكن الحزب الوطني منشغلاً بقضايا المسألة الوطنية والاستقلال فقط، بل إنه ركز على قضية العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، من ذلك مبادرته في تأسيس " جمعية أصحاب الصنائع " في العام 1929، التي استقطبت فئات العمال، وبخاصة من ورشاتهم لسكك الحديد والدفاع، وقادت أضراب الأربعة عشر يوماً في العام 1931، الذي يدخل في نطاق النضال الوطني ضد قبول حكومة نوري السعيد معاهدة 1930 غير المتكافئة، وفي نطاق الصراع النقابي. ولما أصبحت الجمعية تلعب دور الحزب السياسي المعارض، فقد حلت في العام 1931. وتكمن أهمية هذه الجمعية في أنها أرست لأول مرة في العراق نقابة اتحاد العمال التي ستستفيد منها الحركة الشيوعية لاحقاً، لكي تقود النضال النقابي تحت أمرتها. " والأمر الذي يستحق إبرازاً مماثلاً هو أنه من صفوف الحزب الوطني خرج رجال قدموا القيادة لثلاثة تيارات أساسية معارضة في المستقبل وهي : الإصلاحية العروبية الواعية للتقاليد التي تمثلت بنادي المثنى وحزب الاستقلال، والجناح اليساري للشعوبية العراقية المتمثلة بمجموعة " الأهالي " و" جمعية الإصلاح الشعبي " و" الحزب الشيوعي العراقي " أبو التمن نفسه بثقل نفوذه إلى جانب رجال " الأهالي " والإصلاح الشعبي " (54).

أما بالنسبة لنادي المثنى الذي تأسس في العام 1935، وبلغ قمة مجده في الفترة 1938-1941 فقد انبثقت منه النواة المركزية لحزب الاستقلال، الذي كان يضم في صفوفه ضباط الجيش المتقاعدين ومسؤولي الحكومة المتقاعدين، ومن أصحاب المهن الحرة. وقد دعا الحزب إلى " عراق مستقل تماماً وإلى توحيد العملات وإدارة الجمارك والمصارف المركزية الموجودة أو المخطط لإقامتها في البلدان العربية، وإلى إنشاء دولة اتحادية عربية في النهاية ". ومن الواضخ أن حزب الاستقلال لم يكن له مشروع سياسي ومجتمعي متماسك لبناء العراق، بالإضافة إلى أن أسلوب عمله هو أسلوب " سياسة الصالونات ".

وهناك التيار الإصلاحي الشعبي الذي تشكلت حوله مجموعة إصدارات جريدة " الأهالي " منذ العام 1932، والتي كانت المنبر المركزي لأفكار هذه المجموعة، والتي هي أفكار غير متجانسة تجمع بين الفابية والماركسية والداروينية والشعبوية على نمط النارودينيكية الروسية. وقد عرفت هذه المجموعة عن نفسها بأنها تنوع إصلاحي وليبرالي ديمقراطي من الاشتراكية. في العام 1935، انبثق عن مجموعة الأهالي (الجناح غير الماركسي) الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يناضل من أجل " إصلاح كل مظاهر " الحياة العراقية " بوسائل ديمقراطية "، وفي سبيل إقامة " دولة ديمقراطية حديثة " في النهاية، وتشجيع توجيه الدولة وإشرافها على رأس المال الوطني والمشاريع الخاصة " في الميدان الصناعي، وفرض ضرائب تصاعدية على الدخل والميراث، وزيادة حصة الفلاح في الانتاج الزراعي، " وضمان حقوق العمال"، وبلوغ حياة ديمقراطية برلمانية حقيقية، واستكمال استقلال العراق.

ويعتبر البرنامج السياسي للحزب متقدماً، إذ أنه يجمع بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، ويقدم حلولاً وبدائلاً للمسألة الاقتصادية والاجتماعية، ذلك أن فلسفة الحزب الايديولوجية هي أقرب إلى " الاشتراكية الديمقراطية " أو " فلسفة حزب العمال البريطاني "، حتى أن حكومة نوري السعيد كانت تتهم الحزب بأنه تنظيم شيوعي، في العام 1947. وهو الأمر الذي قاد قيادة الحزب المركزية إلى توضيح مواقفها من عدة مسائل. فقد قال كامل الجادرجي " " أظن أن الانكليز يعتقدون أن قيادة حزبنا اثبتت أنها تحول الحزب باتجاه ديمقراطي، ولكنهم غير مقتنعين بأن الأفكار الديمقراطية تسود صفوف الحزب .... ولهذا، فانى، أرى أن إعلان الاشتراكية الديمقراطية كفلسفة مرشدة لنا. وأن الالتزام بها في حياتنا الحزبية أصبح ضرورة أيضاً من وجهة النظر التكتيكية ... ولاشك في أن الانكليز يدركون أن حزباً ديمقراطياً كحزبنا لايمكنه أن يكون معادياً بشكل شوفيني لهم أو لآخرين في أي حال، حتى وأن كانت صداقتنا لهم لا تؤخذ على أنها مضمونة. وحذر الجادرجي على العموم من أن احتمالات تطور الوضع يجب ألا يؤدي إلى " أية مساومة من ناحيتنا مع الانكليز على حساب أي حزب، أو على حساب أية مطالب وطنية للشعب، أو على حساب مبادئ حزبنا " (55).

واتخذ محمد حديد موقفاً معارضاً لتبني الاشتراكية الديمقراطية في الوقت الراهن "، حيث أن الاشتراكية في نظره " تعني تأميم الصناعات ... والمصارف.... وتوزيع الأرض على الفلاحين في المناطق الزراعية ". وطالب محمد حديد بإبعاد الشيوعيين والماركسيين عن الحزب، موضحاً موقفه أن " الحزب يقف إلى جانب الملكية الخاصة والحريات الديمقراطية، وضد الديكتاتوريات، بما فيها ديكتاتورية العمال " ... وفيما يتعلق بالانكليز، أكد محمد حديد " عليهم أن يفهموا.. أنه في مايعارض حزبنا الامبريالية البريطانية.. فإن هدفه هو تقوية الصداقة بين الشعبين العراقي والبريطاني، وإن القضاء على المصالح الامبريالية ... سوف يعود - في رأينا - بالفائدة على الشعب البريطاني، وأكثر من ذلك، أن حزبنا يميل إلى اشتراكية ديمقراطية إنه يؤيد انتشارها في العالم أكثر مما يؤيد سيطرة النظام السوفياتي (56).

وأيّد حسين جميل أساساً محمد حديد، ولكنه اعترض على إصدار الحزب لأي بيان يحمل طابعاً معادياً للسوفيات. وقال أنه لايمكن خدمة أي غرض مفيد بمعاداة الدولة الشيوعية " التي هي، في الواقع، عناصر مضادة للامبريالية في النزاع الدولي الراهن، في حين أن الحكومات الاشتراكية الديمقراطية (كالوزارة الفرنسية الراهنة مثلاً) تحارب حركات التحرير ". وشدد على أن " من الضروري التمييز بين أن يكون حزبنا غير شيوعي وأن يكون حزبنا تنظيماً لمقاومة الشيوعية. ليست وظيفة حزبنا مواجهة الشيوعية أو الشيوعيين في العراق أو خارجه " (57).

وأعرب اليساري زكي عبد الوهاب عن استغرابه لأن تؤيد الحكومة الانكليزية مجيئ رجال يختلفون نوعياً عن الشريحة الحاكمة القائمة " ويمثلون الشعب وطموحاته ومصالحه فعلاً " إلى المواجهة السياسية للعراق. وتابع قائلاً أن " الامبريالية لاتتحرك في أي مكان على أساس عواطف مثالية أو مشاعر أخوية بين الشعوب بل على أساس مصالح اقتصادية وتجارية وعسكرية معقدة ومتشابكة ". ونظراً لأن " العدو الأول .... ليس الطبقة الحاكمة بل الانكليز، وهدفنا الفوري.. هو تحرير البلاد من نفوذهم ... وليس تحقيق الاشتراكية فإن " قاعدة الصراع الوطني الشعبي يجب أن تكون قاعدة عريضة تضم كل العناصر الوطنية مهما كان لونهم ". ولهذا، فقد عارض هو وشبيهه فكرياً، طلعت الشيباني باستبعاد " ماركسيين أو آخرين " من صفوف الحزب " (58).

على نقيض الأحزاب التي كانت مساندة للنظام الملكي والمتكونة من حزب الاتحاد الدستوري، الذي أسسه نوري السعيد و أحمد مختار بابان وعبد الوهاب مرجان ونايف الجريان وآخرون في 21 تشرين ثاني 1949، وحزب الأمة الاشتراكي الذي تأسس في 24 حزيران 1951، وحزب الأحرار الذي تأسس في 2 نيسان 1946، حيث أن هذه الأحزاب في معظمها أحزاب محافظة وتقليدية تؤيد التعاون الوثيق مع بريطانيا، وتدين بالولاء للقصر، فإن أحزاب المعارضة الديمقراطية التي ذكرناها سابقاً، أسهمت اسهاماً كبيراً في تأسيس وانتشار الوعي الوطني والقومي في صفوف الشعب العراقي، ودفعت العناصر الواعية من الجماهير الشعبية نحو الانتماء إلى أحزاب المعارضة، والاهتمام بالسياسة والمسألة الوطنية عامة، وهو ما أعطى زخماً نضالياً كبيراً للحركة الوطنية العراقية في مرحلة الخمسينات بسبب زيادة انخراط المنتمين في صفوفنا. ولم تكن هذه الأحزاب احزاباً راديكالية، فقد اقتصر نشاطها على رفع المذكرات التحريرية للملك مطالبة إياه بتحقيق الديمقراطية، وعلى نقد سياسة الحكومة لتحثها على القيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة.

أماعلى صعيد الحزب الشيوعي العراقي، فقد لعبت أزمة الرأسمالية العالمية العامة في العام 1929، وانعكاسها المدمر‍ّ على أسعار التمور والحبوب العراقية، وعلى تراجع عائدات الدولة، وتسريح الموظفين، وخفض الرواتب، وزيادة الضرائب، دوراً مهماً في انتشار الأفكار الماركسية بين المثقفين، والشباب العراقي، التي كانت تقوم بالدعاية لها عدة جماعات ماركسية، كانت تعمل في عدة مدن عراقية، والتي تشكل منها الحزب الشيوعي العراقي. وهذه الجماعات، هي جماعة الناصرية التي تأسست العام 1928، وضمت في عضويتها يوسف سلمان يوسف (فهد) وغالي زويد وأحمد جمال الدين، وجماعة البصرة التي تأسست في العام 1927، وضمت في عضويتها عبد الحميد الخطيب زكريا إلياس دوكا، وسامي نادر مصطفى وعبد الوهاب محمود. جماعات بغداد، المجموعة الأولى وتأسست في العام 1929، وضمت في عضويتها عاصم فليح، وقاسم حسن، ومهدي هاشم، وحسن عباس الكرباس. والمجموعة الثانية وتأسست في العام 1933، أما المجموعة الثالثة فقد تأسست في العام 1934. وتجدر الإشارة هنا إلى الأصول العرقية والطائفية المختلطة للأعضاء المؤسسين للحزب الشيوعي العراقي. وفي 8 آذار من العام 1935 توحدت الجماعات الشيوعية المختلفة في تنظيم مركزي واحد باسم " الجمعية ضد الاستعمار "، التي انتخبت لجنة مركزية. وفي تموز من العام 1935، اتخذت اللجنة المركزية قراراً بإعلان " اسم الحزب الشيوعي العراقي"

بدلاً من الجمعية ضد الاستعمار، وأصبح عاصم فليح أول سكرتير للحزب الشيوعي العراقي، ويوسف سلمان (فهد) عضواً في اللجنة المركزية، وأصدرت صحيفة مركزية باسم ( كفاح الشعب). وكانت تطبع بالروفيو(59).

في علاقة الحزب الشيوعي بالبنية الاجتماعية السياسية القائمة في العراق كانت تتقاطع معها وتتنافر في آن. تتقاطع معها في حصر المسألة السياسية في إطار إقليمي على الرغم من الطابع العربي الإسلامي للحزب الشيوعي العراقي، وتتقاطع معها في إهمال المسألة الديمقراطية، وقضايا المجتمع المدني لمصلحة ايديولوجية طبقوية. هذه الايديولوجية بالذات هي نقطة التعارض والتنافر مع البنية القائمة، مع ضرورة التنويه لمواقف الحزب الشيوعي العراقي المعادية للاستعمار البريطاني، إلا أن هذه المواقف كانت مثلومه بسبب غياب بعدها القومي. و" ليس الحزب الشيوعي العراقي بالتعريف - حزباً منغلقاً على نفسه، ومتكيفاً ذاتياً، على الأقل بالمعنى الايديولوجي ولقد تشرب وعيه منذ البداية بمنظور أممى، وإن بشكل غير كامل. وبمرور الزمن، وخاصة بعد تولي فهد دفة القيادة، أصبح الحزب - وبصدق متزايد - جزءاً من عالم ايديولوجي مشترك واسع النطاق أوجدته الثورة البلشفية. ومن هذا التوجه فوق القومي تبعث بالضرورة - ولاءات وروابط فوق قومية " (60).

ولقد سيطرت الايديولوجية الماركسية الكلاسيكية في نهج وممارسة الحزب الشيوعي العراقي، والتي تقر بأن الأمة منقسمة إلى طبقات، وللطبقات مصالح متناقضة ومتصارعة فيما بينها، لهذا عارض الشيوعيون الأمة بالطبقة العاملة "، والقضية القومية والصراع القومي الديمقراطي الشامل بالمسألة الوطنية في إطارها القطري الناتجة عن التقسيم الكولونيالي والصراع الطبقي بمفهومه اليساري الطفولي الذي بنى أوهاماً على اعتبار البروليتاريا العراقية المحدودة نسبياً وذات المنشأ الفلاحي على أنها القوة الثورية الوحيدة في كل زمان ومكان، ليس لها من مهمات في مرحلة " التحرير الوطني " سوى حسم المعركة مع البرجوازية.

ووفق هذا المنظور كانت القومية في فكرة الحزب الشيوعي العراقي تعبر عن أوهام رجعية وشوفينية، أو مجرد صراع محدود مع هذا الاستعمار أو ذاك.

ويتجلى ذلك في أرتباط موقف الحزب الشيوعي العراقي من القضية القومية، معتبراً إياها بأنها تمثل قومية الرجعيين بوجه عام، ومن القضية الفلسطينية، والغزوة الصهيونية، ومشروع التقسيم بوجه خاص، وقد أصدرت " اللجنة العربية الديمقراطية في باريس " في 11/ حزيران عام 48 بياناً، تم توزيعه على أعضاء الحزب الشيوعي العراقي خلال شهر آب، جاء فيه ما يلي " إن الأمر الذي يؤسف له هو أن العرب التقدميين لم يفهموا يومها الموقف الذي اتخذه الاتحاد السوفياتي فيما يخص خطة التقسيم ... وضيع بعضهم الوقت، وما زال يضيعه ، في بحث لافائدة منه عن دوافع " انتهازية " " وظرفية - تكتيكية " تكمن وراء هذا الموقف ". ويعتبر البيان أن المسألة الفلسطينية لم تكن مسألة عربية بحتة أو يهودية بحتة، بل مسألة " دولية ". وكانت كذلك " مسألة فرعية لا أساسية، ونسبية لا مطلقة، وتخضع لمتطلبات الصراع العام ضد النظام الرأسمالي - الامبريالي الدولي ". أما فيما يتعلق باليهود في فلسطين فإن البيان شدد على أن " المسألة التي هي أمامنا ليست تصريح بلفور / للعام 1917/ الظالم من غير أدنى شك ...بل تحديد موقفنا تجاه مئات ألوف اليهود الذين هاجروا منذئذ إلى فلسطين .... والذين يشكلون في الواقع وحدة مستقلة لها أنظمتها ولغتها وطموحاتها ... ويمكن أن يرى بينهم إلى جانب .... المستغلين، أعدائنا في كل مكان - عمال وفلاحون وحرفيون، هم اصدقاء لنا في كل مكان. إن لهذا الشعب الاسرائيلي الجديد .... الحق في تقرير مصيره".

وعلى الرغم من أن تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي يحمل عنوان خطتنا السياسية من أجل التحرير الوطني والقومي في ضوء الظروف التي كشف عنها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي الصادر في أيلول العام 1956/ رفض بيان باريس، معتبراً أن " بعض العناصر المشكوك بها نجحت / في العام 1948/ في أن تدس في صفوف حزبنا وحركتنا مفاهيم خاطئة بالنسبة إلى الصهيونية ... من بينها الأفكار التي وجدت تكبيرها في بيان عنوانه " ضوء على القضية الفلسطينية "، إلا أن سياسة الحزب الشيوعي العراقي ظلت متأثرة إلى حد كبير بسياسة موسكو " وظلت هذه السياسة من نفوذ الشيوعيين بين العمال والعرب، وأربكت مؤيديهم وثبطت عزائمهم، وقلصت قاعدتهم بشكل ملموس، وخلقت الشورط ضد كوادرهم وتنظيماتهم. وأصبحت سياسة موسكو في الواقع السلاح الرئيسي للحكومة ضد الحزب والمتعاطفين معه " (61).

على أن هذا الموقف الخاطئ للحزب الشيوعي العراقي، لايجعلنا نغفل مواجهة الحزب زعماء العشائر والاقطاعيين، واستقطابه دائرة واسعة من الانتلجنسيا الثورية، والطبقة العاملة، والفلاحين، ولاسيما في الجنوب. ومن هذا الموقع يتحدد دور الحزب الشيوعي العراقي في المعادلة السياسية المحلية، خصوصاً مع ازدياء سوء الأوضاع الداخلية للجماهير الشعبية من اقتصادية وسياسية واجتماعية، و تحالف حكومة نوري السعيد الرجعية مع العشائر والاقطاع، وذيليتها للاستعمار البريطاني، ودخول العراق في الاحلاف الثنائية والمتعددة وبخاصة حلف بغداد الذي يخدم مخططات الاستعمار والصهيونية، يفقد العراق سيادته الوطنية، والعدوان الثلاثي على مصر، وموقف حكومة نوري السعيد المؤيد للعدوان، وتصاعد المدى القومي والشعبي، والكفاح المسلح في معظم البلاد العربية، وعلى صعيد البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة، وإدراك الأحزاب العراقية الوطنية والقومية، والديمقراطية، ضرورة بناء الجبهة الوطنية المتحدة لمقاومة واسقاط السلطة الملكية الرجعية ركيزة الاستعمار البريطاني في المنطقة. وهذا ما قامت به ثورة 14 تموز 1958 في العراق.

وإذا كان الحزب الشيوعي العراقي لم يطور فكره باتجاه تأصيل وبلورة رؤية نظرية جديدة تضع قضية انجاز الثورة الديمقراطية وبناء المجتمع المدني الجديد بقيادة تحالف طبقي عريض يضم العمال والفلاحين والشرائح الثورية الديمقراطية من الفئات الوسطى، إلا أنه يجب القول أنه ادخل إلى المجتمع العراقي ايديولوجية ثورية جديدة مع كل جهازها المفاهيمي وشعاراتها.

r هوامش الفصل الرابع:

بحث للدكتور مسعود ضاهر - منشور في كتاب المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى ايلول 1992- (ص 401).
الدكتور هشام شرابي - النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - كانون الثاني / يناير 1922 (ص 23).
المصدر السابق (ص 87).
د.هدى جمال عبد الناصر - الرؤية البريطانية للحركة الوطنية المصرية 1936 -1992. دار المستقبل العربي الطبعة الأولى 1987 (ص 67).
الدكتور سمير أمين - التطور اللامتكافئ ترجمة برهان غليون - الطبعة الرابعة 1985 - دار الطليعة - (ص 235-236).
ارثراد وارد جولد شميت (الابن) - الحزب الوطني المصري (مصطفى كامل - محمد فريد) ترجمة فؤاد دواده - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1983 (ص 105) - انظر على سبيل المثال
Alexander , PP , 29f 40f

Lord Llayed : “ Eqypt Since Cromer I L ondon Mac millan 133

pp 40 - 42 Marshall p 192f

Sir George young “ Egypt” New york Scribnes 1927 p 181.

ارثر ادوارد جولد شميث- المصدر السابق (ص111).
عبد العظيم محمد رمضان - تطور الحركة الوطنية في مصر - من سنة 1918 إلى سنة 1936 - الطبعة الثانية 1983 - مكتبة مدبولي (ص 35).
آرثر ادوارد جولد شميث - مصدر سابق (ص 110).
المصدر السابق (ص 97) - انظر على
H.. Hamilton Fyfe “ The New Spirit in Egypt “

Edinburgh william Black Woodand Sons 1911 - 113 PP18 - 23f. 113f

Saden " Egypt and The English " p 36f

جاكوب لاندو - الحياة النيابية والاحزاب في مصر من 1866- إلى 1952 - ترجمة سامي الليثى - مكتبة مدبولي (ص 112).
آرثر ادوارد جولد شميث مصدر سابق (ص 95).
د. رفعت السعيد - تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر 1900 - 1925 - دار الفارابي الطبعة الثانية آذار 1975 (ص 32). انظر أمين عز الدين - تاريخ الطبقة العاملة منذ نشأتها حتى 1919 (ص 128).
عبد العظيم محمد رمضان - مصدر سابق (ص 36).
صلاح عيسى - البرجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة دار ابن خلدون - الطبعة الأولى 1-5-1979 (ص 97).
جاكوب لاندو - مصدر سابق (ص 146).
المصدر السابق (ص 147-148).
المصدر السابق (ص 154-155).
جاكوب لاندو مصدر سابق (ص 183).
الدكتور سمير أمين - التطور اللامتكافئ مصدر سابق (ص 236).
صلاح عيسى مصدر سابق (ص 115).
طارق البشري - الدمقراطية ونظام 23 يوليو 1952 - 1970 مؤسسة الابحاث العربية الطبعة الأولى 1987 (ص 12).
د. علي الجريتلي - تاريخ الصناعة في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر ط1 دار المعارف في مصر 1952 (ص 20).
طارق البشري مصدر سابق (ص 16).
الدكتور خلدون حسن النقيب - الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى - أيار مايو 1991 - (ص 57).
توفيق السويدي مذكراتي : نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية - بيروت - دار الكاتب العربي 1969 (ص 25).
علي حسين الوردي - دراسة في طبيعة المجتمع العراقي : محاولة تمهيدية لدراسة المجتمع العربي الأكبر في ضوء علم الاجتماع الحديث بغداد - مطبعة المعاني 1965 (ص138 - 480).
حنا بطاطو - العراق - الكتاب الأول - الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ترجمة عفيف الرزاز - مؤسسة الابحاث العربية - الطبعة الأولى 1990/. انظر إلى المراجع التي استخدمها الكاتب المدونة في الصفحة (201)...
استناداً إلى المادة 20 من دستور 1908، كان للضريبة منذ ذلك الحين أن تفرض بما يتناسب مع موارد كل فرد (من أجل نص الدستور انظر " المشرق : (بيروت )، السنة الحادية عشرة، العدد 9 لشهر ايلول (سبتمبر) 1908، (ص 644) - 664). وفيما بعد، صدر عن الثوريين قرار وضع كل الاوقات المستثناة من الضرائب على قدم المساواة مع بقية الاوقاف. وهذا كما كان ينطبق على أوقاف القادرية في بغداد، التي يديرها النقيض، ولكن القرار بقي بلا تنفيذ نتيجة على ما يبدو، لاندلاع الحرب.

( Secret) Intelligence Report No 24 of 27 November 1924 para 732refers

المصدر السابق (ص 201) - انظر (111) المادة 14 من " برنامج لجنة الاتحاد والترقي ". ومن أجل نص هذا البرنامج انظر. Revue du Monde MusulmanVI: 11 (November 1980) p514 -516. وعندما توضع هذه المادة جنباً إلى جنب مع المادة 15 من البرنامج التي نصت على اجراء مسح للأراضي، ومع المادة 21 من دستور 1908، التي ضمنت الملكية الفردية، ولكن فقط " إذا " تمت حيازتها حسب القواعد المحددة "، ومع ملاحظة أن (حقوق) أصحاب الأراضي في العراق لم تكن فقط موقع شك في أحيان كثيره (الكثير من سندات " الطابو" ما كان ليصمد أمام محكمة مشكلة كما يجب أو أمام اللجنة لتسوية الأراضي) بل كانت لاتشمل إلا أقل من خمس الأراضي القابلة للزراعة وكانت البقية أراضي دولة من الناحية القانونية ... إذ أخذت كل هذه الأمور في الحسبان لابد أن يتضح أنه لو كان برنامج الشباب الأتراك جدياً وقابلاً للتطبيق، لكان بالنسبة للعراق لا أقل من ثورة زراعية. ومما له مغزى أرافي هذا المجال أن حكومة استنبول كانت قد فكرت في العام 1911 / - إذا كان مصدرنا، وهو السيد طالب النقيب، صادقاً - لتحويل حتى أراضي الأملاك الخاصة إلى أراضي دولة. وحول هذه النقطة الأخيرة انظر :
Letter of 9 september 1911. from acting consul Mathews , Basrah , to Sir G. Low ther , Britain .Further correspondance .... asiatic Turkey October to November 1911. p6.

المصدر السابق - (ص 201) - انظر (112) - رفضت " لجنة الاتحاد والترقي في بغداد تعيين عيسى جميل واعترضت على وجود " النقيب " في المجلس الأداري، واصرت على أن يجري اختيار أعضاء البرلمان حسب قدرتهم أكثر من اختيارهم بسبب نفوذهم " المحلي أو ثرواتهم " :
Letters from Major. Baghdad. to the

Goverment of India , dated 31 August , 2september , and 19 October 1908 , Great Britian , Further correspondance , Asiatic Turkey , October to December 1908, pp 50 51, 53, and102.

وبعد اضطرابات جدية في بغداد تغير تشكيل اللجنة على كما يبدو (انظر المصدر السابق ص 107 )، ولكنها كانت قد نجحت في إثارة ذعر " السادة " والأعيان الآخرين.

المصدر السابق (ص 201) - انظر (113) - مما يجدر بالملاحظة هنا أنه في حين اتخذ الاتراك الشباب موقفاً نظرياً يقول بأنه من الآن فصاعداً سيكون أساس الحكم " احترام ارادة الشعب " (المادة 1" برنامج لجنة الاتحاد والترقي " )، كان " حزب المشور " يطالب بالعودة إلى حكم الشريعة الاسلامية، انظر، الدروبي " البغداديون "، ص 150).
المصدر السابق (ص 89- 90).
المصدر السابق - (36).
المصدر السابق (ص 36-37) - انظر المصادر التي استخدمها الكاتب (15) كان اليهود يسكنون قسماً من هذا الحي. و (16) عاشت بعض العائلات المسلمة في هذه الأحياء. وعلي سبيل المثال فقد كان الباججيون يسكنون في رأس القرية. (17) هنا كان يسكنون عدد من العائلات الدينية المشهورة. مثل آل الكيلاني، الذين يسكنون باب الشيخ لأن مقام القادرية الذي بني تخليداً لذكرى جدهم الشيخ عبد القادر الكيلاني كان موجوداً في هذا الحي. (18) الكسبة تعبير يطلق عموماً على أناس ليس لهم عمل منتظم ويكسبون عيشهم بالقيام بأعمال مختلفة طارئة .(19) من أحاديث أجريت مع كامل الجادرجي وقاسم حسن وجميل كبه وبغداد بين آخرين في مناسبات مختلفة (20) - موسى بن جعفر الكاظم ومحمد بن علي الجواد. وكان الأئمة يعتبرون في نظر الشيعة الحكام الشرعيون الوحيدون وأصحاب المقامات الدينية الأعلى في الإسلام. (21) حول هذه النقطة الأخيرة انظر : محمود شكري الألوسي " تاريخ مساجد بغداد وآثارها " (بغداد 1927) (ص 26 هامش ).
المصدر السابق (ص 203 انظر
Memorandu , February 1919 , by Gertude Bell in Sir A. T. Wilson’s

Mesopotamia , 1917 - 1920 : Aclash of Loyalties (London 1931) AppendixIII (1337)

الدكتور وميض جمال عمر نظمي - الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق - مركز دراسات الوحدة العربية اللطبعة الأولى آذار 1984- (ص 99).
حنا بطاطو - المصدر السابق (ص 203) انظر :
Great Britain ,Administration Report of the Basrah division for 1919

pp 26 and 59. Great Britain , reviewofthe civil Administrationof Mesopotamiap 42

الدكتور وميض جمال عمر نظمي - المصدر السابق (ص 134) انظر - رسالة من نوري السعيد إلى (المايجور) يونغ بتاريخ 5 نيسان 1920 Foreing Office (F20) 371/ 522/E. 2719
المصدر السابق (ص 139 -140) -انظر المناقشة السابقة حول موقف طالب وكذلك المناقشة اللاحقة حول المواقف السياسية للعشائر.
المصدر السابق (ص 161) انظر -
F.o. 371/ 5229/ E10858 , From percycox to Secrettary of State for India , 2 September 1920

حنا بطاطو المصدر السابق (ص 42).
المصدر السابق (ص 110) انظر.
Great Britain , Administration Report of the Muntafiq for 1921 , p 4

المصدر السابق (ص 117) انظر
Great Britain (secret) Intelligence Report No 12 of 15 June 1922 Para 517 .

المصدر السابق (ص 117).
المصدر السابق (ص 117) - انظر
Great Britain (Secret) Intelligenc Repot of May para 263.

الدكتور خلدون حسن النقيب - الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر - المصدر السابق (ص 78) انظر محمد جابر الانصاري، تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي 1930 - 1970، سلسلة عالم المعرفة، 35 (الكويت) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب " (1980) الفصل 2 " إخفاق الليبرالية في الشرق العربي " ولعرض عام للتيارات الفكرية في هذه الفترة انظر
Hisham sharabi, Arabintellectuals and the West: The formatvie years 1875-1914 (Baltimore, Mad : Johns Hopkins University press 1970 and

روجراوين (واخرون) الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890-1939 أعداد مروان بحيري، ترجمة عطا عبد الوهاب (بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1983).

المصدر السابق (ص 78) .
الدكتور هشام شرابي - البنية البطركية - بحث في المجتمع العربي المعاصر - دار الطليعة - بيروت الطبعة الأولى كانون الثاني 1987 (ص 71).
حنا بطاطو - المصدر السابق (ص 209) انظر جدول التعيينات الوزارية في أيام الملكية (باستثناء رئاسة الوزراء) حصص الطبقات والشرائح الرئيسية الحاكمة.
المصدر السابق (ص 120-211) انظر
Great Britain , (Secret) Intelligence Report No 17 of Iseptember 1922 , Para. 826.

- Great Britain , (Secret) Intelligence Report No22 of November 1922. para. 1097

الدكتور خلدون حسن النقيب - المصدر السابق (ص 79) انظر الانصاري، المصدر نفسه ص 55 - 78 -، والفصل 2 : " اخفاق الليبرالية في الشرق العربي " وكذلك ص 161- 168 فيما يتصل بمحمد عبده.
حنا بطاطو المصدر السابق (ص 4 235)
Great Britain , Foreing office , Fo 406/ 73/ E434 /278/ 93. Letter of 10 January 1935 From Sir , Homphry , Baghdad , to sir John Simon , London

المصدر السابق (ص 242).
المصدر السابق (ص 334). وهكذا فقد كان من ليس أعضاء الحزب الوطني، عدا عن محمد مهدي كبه كل من فائق السامرائي، وهو محام أيد عن قرب رشيد عالي الكيلاني في العام 1941 وأصبح سكرتيرا أو نائب رئيس لحزب الاستقلال للفترة 1946-1950، وعبد القادر اسماعيل، وهو محام وصحافي وقد أسس في العام 1931 / مجموعة " الأهالي " وكان عضواً في اللجنة التنفيذية المركزية ". لـ " صلاح الشعبي " في 1937 -1938، وصار شيوعياً بارزاً في الأربعينات والخمسينات، وعاصم فليح وهو خياط وسكرتير أول للحزب الشيوعي العراقي، وغالي زويد وهو عبد ووكيل لعائلة السعدون من ملاك الأراضي، وكان في منتصف الثلاثينات عضواً قيادياً في الحلقات الشيوعية في الناصرية والبصرة .
المصدر السابق (ص 344) مذكره 2 كتبها الحادرجي في 15 آب (اغسطس 1947 / وتلاها في الاجتماعات المغلقة للجنة الإدارية المركزية التى عقدت بين 17 و 20 أيلول (سبتمبر) 1947 كتاب الجادرجي عن الحزب، ص 14 / و17 و19 و 35و36.
المصدر السابق (ص 344 - 345) ملاحظات أدلى بها محمد حديد في الاجتماعات المغلقة للجنة الإدارية المركزية التي عقدت في 8 و 20 تشرين الأول (اكتوبر) و 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، كتاب الجادرجي عن الحزب ص 42 و 43 و 86 و 125.
المصدر السابق (ص 345) ملاحظات أدلى بها حسين جميل في الاجتماع المغلق للجنة الإدارية المركزية التي عقدت في 20 تشرين الأول (اكتوبر) 1947، كتاب الجادرجى عن الحزب (ص 82و 85و 87).
المصدر السابق (ص345) ملاحظات أدلى بها زكي عبد الوهاب في الاجتماعات المغلقة للجنة الإدارية المركزية المعقوده في 11 و 29 تشرين الأول " (اكتوبر) 1947 وكتابا استقالته واستقالة طلعت الشيباني المؤرخين في 16 تشرين الثاني نوفمبر) 1947، كتاب الجادرجي عن الحزب (ص 49 و 92 و 93و 129-132).
ليث عبد الحسن جواد الزبيدي - ثورة 14 تموز 1958 في العراق. وزارة الثقافة والإعلام في الجمهورية العراقية 1979 دار الرشيد للنشر سلسلة دراسات (184) - ص 80).
حنا بطاطو - الكتاب الثاني - الحزب الشيوعي ترجمة عفيف الرزاز مؤسسة الأبحاث العربية الطبعة العربية الأولى 1992 (ص 233).
المصدر السابق (ص 261).












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-06-2006, 05:28 PM   المشاركة رقم: 38
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

الفصل الخامس

أولاً: واقع المجتمع الأهلي‏




سوريا بالعهد العثماني كانت عبارة عن عدة متصرفيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، تاريخياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً، بالمركز العثماني. هذه المتصرفيات لم تكن تنطوي على معنى الدولة. وكانت عملية الانتقال من التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الاقطاعية إلى مرحلة شبه المستعمرة للدول الرأسمالية الأوروبية قد نمت بوتائر بطيئة للغاية، ومهدت في الوقت عينه لسيطرة الرأسمال الأجنبي. وفي نهاية العهد العثماني، كان الوضع الاجتماعي السوري في حالة ركود أو همود اجتماعي تتمحور فيه الفئات والطبقات الاجتماعية على ذاتها، وتغرق جميعها في مناخ ايديولوجي تقليدي جداً، ومنغلق بسبب ركود الحياة الاقتصادية في ظل علاقات انتاج اقطاعية متاخرة، وكنتاج عدم قدرة الاصلاحات التي تمت في مرحلة التنظيمات الأولى (1835-1856) في السلطنة العثمانية على القضاء على نمط الانتاج الاقطاعي، ولا على الدولة الاقطاعية الاستبدادية، وعجزها عن الإفساح في المجال لتطوير الصناعة الرأسمالية الوطنية، ومقاومة غزو الرأسمالي الأجنبي.‏

وكانت حياة المجتمع السوري آنذاك قائمة على نسق تقليدي ومتخلف يكاد يكون واحداً في باقي أرجاء الامبراطورية العثمانية فهيمنت الحياة الثقافية والروحية القائمة على انتشار الطرق الصوفية بشكل رئيس، والوعي الديني الهش القائم على الأوهام والخرافات، والوضع العشائري المتصلب وسيطرة الاقطاع في الريف بمفاهيمه وقيمه. وسادت في المجتمع الحضري أو المديني طوائف الحرف، التي كانت تشكل أداة قوية من أدوات التنظيم الاجتماعي الاقتصادي الانتاجي، ذلك أن كل طائفة حرفية كان يرأسها شيخ، هو الذي ينظم المشتغلين في هذه الحرفة حسب نظام معين، وتقاليد معينة، وهو الذي يمثل المرجعية الاجتماعية في حل المشاكل التي تطرأ لدى أبناء كل حرفة، أو على صعيد السوق، أو الحي، أو الحارة التي يتواجد فيها. فالطوائف الحرفية طبقاً لأنشطتها الاقتصادية المتنوعة، كالتجارة، أو الصباغة، أو التجارة أو الحدادة، كانت تشكل مركز استقطاب لتكتيل وتجميع أعضائها، كما كانت تمثل لهم أداة أمن، وحماية ، ورعاية. والحال هذه، فإن الطوائف الحرفية، كانت أقدر فئات سكان المجتمع المديني على الذود عن أنفس أعضائها، وحماية مصالحهم. أما على الصعيد الثقافي، فإن الثقافة السائدة لدى رئيس الطائفة الحرفية هي ثقافة الطائفة التي ينتمي إليها، أو ثقافة رجال الطرق الصوفية، باعتبار الثقافة الروحية والأخلاقية للطائفة الدينية، هي التي تشكل أساس التربية والتهذيب، والترفيه لأعضاء الطائفة الحرفية. لذلك كان هناك تداخل بين المرجعية الدينية الطائفية والمرجعية الطائفية الحرفية، وإن كانت المرجعية الطائفية الدينية هي التي تحتل المركز الأول، بما في ذلك احتلال زعيم الطائفة الدينية مرتبة أعلى من رئيس الطائفة الحرفية. والحال هذه، كانت الطائفة الدينية بهذا المعنى " هي المقابل الوظيفي " للقبيلة " في السياق القبل - تحديثي، ولـ " الطبقة " في سياق المجتمع الصناعي الحديث. وكما أن " الوعي " و " الولاء" الحاكمين للسلوك هنا" الوعي القبلي " و " الولاء القبلي " في سياق، وهما " الوعي الطبقي " و " الولاء الطبقي " في سياق آخر، فقد كانا في السياق المشرقي - العثماني هما " الوعي الطائفي " و " الولاء الطائفي " (1).‏

ومع كل ذلك، فإن طوائف الحرف في المدن السورية فقدت سطوتها ودورها التنظيمي الاقتصادي والاجتماعي، في ظل سطو العثمانيين على الحرف ونقلها إلى مركز السلطنة، ثم جاء نظام الامتيازات للرأسمال الأجنبي، ليقضي على قيام صناعة وطنية من رحم الصناعة الحرفية، بسبب منافسة السلع الأوروبية التي قضت على العديد من الصناعات الحرفية المحلية كالأقمشة والسجاد والمصنوعات النحاسية. ومع انحلال السلطنة العثمانية، ومجيئ الاستعمار الفرنسي، الذي سيطر فيه الرأسماليون الفرنسيون في الواقع على انتاج وتسويق خامات الحرير السورية، التي كانت يتم استخدامها في مصانع النسيج بليون، وعلى انتاج التبغ بواسطة شركة " REGIE" التي يسيطر عليها الرأسمال الفرنسي ، قامت الحكومة الفيصلية أو ما يسمى بالعهد الفيصلي، الذي لم يكن أيضاً نموذجاً لدولة حديثة بديلة. لذلك كانت أول دولة تنشأ في سوريا متحددة بحدود سايكس بيكو، هي الدولة التي أقامها الفرنسيون، وهي نمط من الدولة المركزية العلمانية على الرغم من طابعها الاستعماري. وعلى الرغم من ميل الفرنسيين إلى إدارة البلاد بصورة مباشرة، إلا أن هذا الميل أخذ يتراجع مع استقرار الاستعمار الفرنسي في سوريا، مفسحاً في المجال لبروز عناصر محلية تشارك في السلطة، ثم تؤلف حكومات وبرلمانا، وكتلاً سياسية، تطورت إلى أحزاب سياسية.‏

إن ظاهرة الدولة في سوريا ظاهرة حديثة، إلا أن هذه الدولة في واقع الأمر لم تكن دولة مفصولة عن الشعب فحسب، بل تتبادل معه العداء أيضاً. ولنا أن نتصور الأوضاع الاجتماعية، ونمط العلاقات التي تحكمها في تلك المرحلة.‏

وكنتيجة لذلك، يمكن القول أن السياسة كانت قاصرة أو تكاد على أبناء المدن، لاسيما النخب المتعلقة من أبناء الذوات، والتجار، والملاكين الغائبين، وعلى الاقطاعيين، وزعماء العشائر والطوائف في الأطراف، مما أخر إمكانات نمو تقاليد سياسية ذات طابع شعبي أو جماهيري، باستثناء الحزب الشيوعي، الذي سنعالجه بالتفصيل لاحقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحياة السياسية وما قامت عليه من مبادئ ومفاهيم كانت بصورة أساسية خاضعة لقانون التحدي ورد الفعل، أي أنها لم تبن على مقاصد وأهداف داخلية اجتماعية، وثقافية، واقتصادية، وسياسية. ولذلك ظلت الحركة السياسية بعيدة عن الاندماج أوالانغراس في التربة المجتمعية، ولن تتحول قط إلى فاعلية مجتمعية إلا في الحدول التي كان يثيرها التحدي الاستعماري، أي أنها ليست إفرازاً نابعاً عن ضرورة داخلية. وهذا سيمهد الطريق إلى اندماجها كلياً أو جزئياً في السلطة لاحقاً. مجتمع في حالة موات، وفي حالة تخثر ثقافي وايديولوجي، وغياب تقاليد دولتية، واقتصار السياسة على ردود فعل متوترة إزاء الخارج، هذه المبادئ الثلاثة كانت ولاتزال تحكم وإلى حد بعيد العملية السياسية، باعتبارها تعبيراً عن المجتمع المدني في حالته السلبية، أي عن غياب المجتمع المدني.‏

هناك جملة من التحولات مهدت لوضع سوريا اللاحق، من هذه التحولات ما جرى في بنية الدولة العثمانية لاسيما محاولات الإصلاح، وقانون الملكية الزراعية الصادر في 21 نيسان (ابريل) العام 1858 " الذي ألغى بصورة شرعية نظام الاقطاعيات العسكرية وتبعية الفلاحين للتيمارجية السابقين، وإن كان النظام قد صفى في الواقع قبل صدور القانون بمدة. ومع ذلك بقي الفلاحون محرومين كالسابق من الأرض. إذ لم يمنح قانون 1858 / الأراضي للفلاحين، بل اكتفى بإعطاء مستأجري أراضي الدولة حق شرائها والزمهم بدفع مبلغ كبير كثمن لها، ووسع قانون الأراضي هذا أصناف الأراضي التي أصبحت ملكاً خاصاً، وساعد على تطوير الملكية الخاصة للأراضي وجعلها بضائع متداولة"(2).‏

كما قادت الإصلاحات الثانية المعروفة تحت اسم " خط همايون " 1856 إلى تحويل الامبراطورية العثمانية إلى سوق لتصريف السلع الأوروبية، والشبه مستعمرة للرأسمالية الأوروبية" إذ تعهدت تركيا بمنح امتيازات السكك الحديدية والبنوك وصناعة التعدين وغيرها من الامتيازات إلى الرأسماليين الأجانب، كما منحتهم حق شراء الأراضي من الامبراطورية العثمانية، واعطت عملاءهم المحليين (من التجار الأرمن واليونانيين والعرب المسيحيين) عدداً من التسهيلات. وهكذا كان صلح باريس لعام 1856فاتحة لتحويل تركيا وممتلكاتها العربية إلى شبه مستعمرة للرأسمال الأجنبي : (3).‏

من انعكاسات هذه التحولات بداية التقويض التدريجي للاقطاع، باعتباره عقبة بنيوية في وجه التفاعلات الجديدة الاقتصادية والثقافية على الصعيدين الداخلي والخارجي في ظل الغزو الأوروبي الهادف إلى قضم الامبراطورية العثمانية، التي أصبحت السلطة الاقطاعية فيها وفي اقاليمها العربية عاجزة عن تلبية الحاجات الاستعمارية الجديدة. وكان الغزو الأوروبي عاملاً من عوامل ظهور طبقة التجار، وفئة من المثقفين المتنورين في سوريا اللذين يمتلكان مؤهلات وكفاءات أقوى في التعاطي مع المعطيات الاستعمارية الأوروبية، حيث كان الاستعمار يعمل على قيام المؤسسات التجارية التي ترعى مصالحه التجارية. وقد غدى نمو مشاعر قومية مع بداية تبلور البرجوازية السورية التي هي مزيج من البرجوازية التجارية والاقطاع المرتبطة مصالحها مع مصالح الاستعمار. ولا يمكن أنكار أن هذه التحولات قد فتحت بحق عصر الانقلاب الفكري في سوريا، وباقي البلاد العربية، خصوصاً لجهة تبلور الفكرة القومية العربية. ففي ظل هذه التحولات نشأ التفاعل بين الواقع المادي والفكر، وبات المثقفون يعيدون النظر في المفاهيم الموروثة عن السلف في شؤون المجتمع والدولة والعادات ومفاهيم الأخلاق، ويضعون المعايير الجديدة لمعنى التخلف وأسبابه، والعادات ومنشئها، والأرض وصلتها بالعمل، والأمة وفكرتها والعوامل الدافعة في تطورها، وادركوا أن كثيراً مما قدموه لا يتفق وأصول التقدم، فأجمعوا على أن الأوطان لا تبنى في ظل ملك شرير، وقاوموا الاستبداد لأنه يعطل قدرة الأمة على الابداع والخلق والانتاج، ودعوا إلى تقوية الثقة بكفاءات الشعب والإفادة من هذه الكفاءات " (4).‏

أما التحول الثاني الذي كان له وقع على الأوضاع السورية، فهو قرار الدستور في العام 1876، واندلاع ثورة تركيا الفتاة / 1908 وظهور الحركة الكمالية، التي تشكل في ظلها نوع من اليقظة القومية، وبنى اجتماعية، قامت على أسس الملكية الزراعية، في عدة أقطار عربية. " وفي الأيام الأولى التي تلت الثورة شاعت بين الأوساط البرجوازية العربية الوطنية الأوهام على نطاق واسع حول إمكانية إجراء تحولات جذرية لدى العرب وتحررهم الوطني في نطاق تركية الجديدة. فاعتمد القوميون العرب على التعاون مع أنصار تركيا الفتاة وأملوا في أن يحلوا بمساعدتهم المشاكل الآنية للأقطار العربية " (5).‏

وكان التحول الثالث هو ذاك الذي حصل بين العهدين العثماني والفرنسي مع تبلور الحركة القومية سياسياً في الثورة الشريفية، ومحلياً في العهد الفيصلي، حيث كان القوميون يطالبون بوحدة سوريا واتحادها مع باقي الولايات العربية على أساس اتحاد فيدرالي، وإعلان إلغاء الانتداب، وتصريح بلفور. " ولما كان قادة الثورة العربية من رجال الاقطاعيين القبليين في الحجاز، وطبقة الأعيان في سوريا، كان من الطبيعي أن لا تتضمن الثورة أي محتوى اجتماعي يتناقض مع مصالح القائمين بها. على أن ضيق أفق الفكر القومي في هذه المرحلة يتجلى في أمرين: الأول اقتصار البلاد العربية على القسم الأسيوي منها، إذ بالرغم من تبني المفهوم القومي العربي، حصر مفهوم الأمة العربية ضمن الوضع السياسي السائد في ذلك الحين، أي ضمن إطار الأمبرطورية العثمانية دون التطرق إلى وضع الأقطار العربية في القارة الأفريقية التي كانت رازحة تحت الاحتلال البريطاني والإيطالي والفرنسي، وربما كان ذلك الاغفال متعمداً لتجنيب الثورة أي إحراج في علاقاتها مع حلفائها.‏

أما السبب الثاني فيتجلى في اعتماد الشريف حسين على بريطانيا والثقة بوعودها بالرغم من وضوح نواياها ومطامعها في الوطن العربي. وهكذا خرج المشرق العربي في نهاية الحرب من السيطرة العثمانية ليجابه الاحتلال البريطاني - الفرنسي وفقاً لاتفاقية سايكس - بيكو والخطر الصهيوني ممثلاً بوعد بلفور" (6).‏

ولما أصبحت سوريا ولبنان منطقة النفوذ الفرنسي بامتياز، فإن التحولات التي شهدها المجتمع والسلطة السياسية في ظل الانتداب الفرنسي تمثلت في عملية التحديث الكولونيالي في مجال الزراعة، حيث قام الرأسماليون الفرنسيون بتحويل سوريا إلى مصدر للخامات الزراعية، وفي مد جملة من خطوط السكك الحديدية التي كانت تربط أنحاء البلاد النائية بالموانئ البحرية كسكة حديد يافا - القدس، وبيروت - دمشق، وإنشاء مؤسسات المياه والكهرباء. وبدأت تزدهر الحياة المدنية، مع انتشار التعليم العلماني إلى جانب الكتاتيب، والارساليات الدينية والتبشيرية، التي كانت تدار من قبل الفاتيكان وتحظى بدعم فعال من جانب فرنسا. وعبدت هذه الارساليات الدينية الطريق للتغلغل الأوروبي في المشرق العربي، بعد أن أنشأت شبكة واسعة من المدارس والمعاهد بهدف دعم الطائفة المسيحية، في حين شكلت الارساليات البروتستانتية الانكليزية طريقاً آخر للاستيطان الصهيوني في فلسطين. ومن ذلك الدور الذي لعبته الجامعات، لاسيما الجامعة الأميركية ، في بيروت، والقدس، والجامعة اليسوعية قبل تأسيس الجامعة السورية، لأن النشاط السياسي المباشر كان قاصراً على النخب الحديثة، التي نشأت وتكونت في هذا المناخ من التعليم الجامعي .‏

ثانياً: النظرة التقليدية للمسألة الوطنية‏

وإرساء الدولة القطرية الحديثة‏

في عداد التحولات النوعية، وقائع الثورات السورية المتلاحقة منذ بداية عهد الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى ثورة 1925/ التي شملت معظم أرجاء سوريا. وكانت الثورات السورية تقوم على أساس متين من الأهداف القومية، وتنزع إلى الاستقلال وترفع شعار الدفاع عن الكرامة الوطنية. لقد ظهرت مطامع فرنسا في المعاهدة المعروفة بمعاهدة (سايكس بيكو)، فقامت بغزو شرق البحر المتوسط، ثم تبعها عهد الانتداب في سوريا، وتقربت من الطوائف المسيحية بهدف استمالتها إلى جانبها، وتأجيج نار الصراع الطائفي، غير أن هذه السياسة وجدت من يقاومها في ميدان النضال الوطني من جانب فئة المسيحيين الوطنيين العرب. و " بزع في وادي النصارى من أهالي قضاء تلكاخ وجوه عريقة في عروبتها، نبيلة في مقاصدها، كان لها شرف السبق في ميدان الجهاد الوطني، ومن أبرز تلك الوجوه شأناً في مواقفهم المشرفة إيماناً في قوميتهم العربية، الشاعر العربي المشهور المرحوم عبد الله السليم اليازجي وأبناءه وأبرزهم شأناً المربي الكبير الأستاذ سليم اليازجي مدير المدارس الثانوية الأهلية بدمشق، وعضو الاتحاد القومي في هذا العهد الميمون الذي اجتمعت الكلمة على منحه الثقة، تقديراً لمقاصده الوطنية النبيلة، ومأثره الحميدة المقرونة بالتضحيات في بناء المجتمع الثقافي، وقد كانت على أوسع نطاق " (7).‏

من هذه التمردات على الاستعمار الفرنسي، التي وجدت منبعها في الثورات المحلية، ثورة صهيون التي قادها المجاهد الكبير المرحوم عمر البيطار، والتي اشترك فيها أيضاً الشيخ عز الدين القسام، الذي كان له نفوذ ديني على المجتمع، فحكم عليه بالاعدام، وثورة العلويين التي قادها الزعيم الشيخ صالح العلي في منطقة الجبل العلوي وساحله، وثورة الشمال التي قادها السيد نجيب عويد، ولعب فيها النادي العربي بحلب، الذي استقبل الملك فيصل عند زيارته لحلب في العام 1919 - دوراً ملهماً في اشراك المجاهدين في جبهة الدفاع الوطني، وثورة الفرات والجزيرة التي شهدت تحالف العرب والاكراد على مقاومة الفرنسيين، الذين فرضوا انتدابهم على سوريا فرضاً، ومعركة ميسلون التي انبثقت عنها المقاومة الوطنية والقومية لاحقاً، والتي ستكون ذات أثر في تطور مراحل النضال الوطني في سوريا. وتعتبر معركة ميسلون التي استشهد فيها القائد الكبير يوسف العظمة في 24 تموز 1920، معركة فاصلة في تاريخ الأمة العربية، إذ أنها حصلت في عهد انتهاء الدولة العربية الفتية بدمشق، التي أسسها القوميون العرب ومفكريهم بزعامة الملك فيصل، والتي دامت سوى خمسة أشهر بدءاً من يوم اعلان استقلالها في 8 آذار إلى يوم انقراضها في 24 تموز 1920، ودخول الجيش الفرنسي إلى دمشق، وانهيار العرش الفيصلي، وانتقال الملك فيصل متوجهاً إلى درعا، ثم غادرها نحو حيفا.‏

لقد عمت الثورات المحلية، وتعددت المعارك بين الثوار الوطنيين والقوات الفرنسية المستعمرة، وكانت تعبر عن أشكال المقاومة الوطنية والقومية العنيفة الرافضة للانتداب الفرنسي، والتي تتمحور حول شعارين رئيسيين : الاستقلال الوطني والوحدة، باعتبارها شعارين يعبران عن جوهر النضال السياسي الوطني والقومي السوري في تلك المرحلة. وقد شكلت المدن السورية الرئيسة دمشق وحلب مركز استقطاب للنضال السياسي الوطني والقومي في سوريا ضد الاحتلال الفرنسي. ومسـألة طبيعية أن تكون هذه المدن مراكز أساسية للنضال الوطني والقومي، الذي لعبت فيه النخب الاجتماعية والسياسية المتعلمة والتجارية دوراً رئيساً، بحكم تخلف الريف السوري، وانعدام وجود رقعه ثقافية فيه، " لكن تطوراً مهماً شهده المد الوطني ذو الأفق القومي العربي في سوريا عام 1925م وكان يتطور ببطء في الأعوام القليلة السابقة، أدى إلى انتقال مؤقت لمركز الثقل النضالي من المدينة إلى الريف" (8).‏

فقد انفجرت الثورة السورية الكبرى في شهر تموز العام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطراش، ولم يتمكن الفرنسيون من أخماد هذه الثورة إلا في العام 1927. ثم أن اشتراك الريف السوري في الثورة، شكل أساساً قوياً للوحدة الوطنية السورية، التي تعتبر العامل الرئيس لاندلاع الثورة، والتي قطعت الطريق على المستعمر الفرنسي مسألة استغلال، العلاقات العشائرية، والعائلية، والقبلية، والطائفية، السائدة، وتوظيفها في انتاج سياسة الايقاع، والتفرقة، والصراع، بين العناصر والطوائف، واضرام نار الفتنة فيما بينها، بغية حرفها عن ميدان النضال الوطني، والاجهاز على الحركة الوطنية لاحقاً. ومما يؤكد القاعدة الوطنية الصلبة ذات الأفق القومي التي قامت على أساسها الثورة السورية " المضبطة " التي قدمها الوفد السوري (الممثل لـ 150 شخصية من دمشق وجميع انحاء سورية) إلى المفوض السامي، الجنرال ساراي في 17 كانون الثاني 1925، وقد تضمنت المطالب التالية، نوجز أهمها:‏

1- وحدة البلاد السورية التي تشمل بلاد العلويين وجبل الدروز ولواء اسكندرونة والأراضي الملحقة بلبنان.‏

2- دعوة جمعية تأسيسية لتضع للبلاد قانونها الأساسي، وحصر حق التشريع بالمجلس النيابي، وحل المجالس التمثيلية وإلغاء القوانين الصادرة بقرارات فردية.‏

3- المطالبة بجعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان وحده، لأن سورية بلاد معترف باستقلالها في العهود الدولية، وإلغاء الإدارة العسكرية ومنع تدخل المستشارين.‏

4- احترام الحرية الشخصية بجميع أنواعها، إذ هي من الحقوق الطبيعية المقدسة.‏

5- وضع حد للأعمال المنافية للقوانين، والعفو عن جميع المحكومين والمبعدين السياسيين.‏

6- توحيد القضاء بإلغاء المحاكم الأجنبية واحترام استقلال المحاكم وجعل اللغة العربية وحدها لغة رسمية.‏

7- تسليم إدارة الأوقاف الإسلامية إلى المسلمين وارجاع الخط الحجازي إلى استقلاله السابق، لأن المفوضية العليا ضمت إليها إدارة الأوقاف الإسلامية واستولت على الخط الحجازي الموقوف ".‏

8- توحيد الأنظمة الإدارية وإلغاء قانون العشائر الاستثنائي.‏

9- الاقتصار على استخدام أهل البلاد في الوظائف الرسمية " (9).‏

كما أن البيان الذي أذاعه قائد جيوش الثورة الوطنية السورية سلطان الأطرش، دعا فيه إلى تحقيق المطالب التالية :‏

1- وحدة البلاد السورية بساحلها وداخلها والاعتراف بدولة سورية عربية واحدة مستقلة استقلالاً تاما ً.‏

2- قيام حكومة شعبية، تجمع مجلساً تأسيسياً لوضع دستور يقرر سيادة الأمة سيادة مطلقة.‏

3- سحب القوى المحتلة من البلاد السورية وتأليف جيش وطني لصيانة الأمن.‏

4- تأييد مبدأ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان في الحرية والمساواة والاخاء " (10).‏

لاشك أن هذه المطالب كلها تعكس روح الوحدة الوطنية السورية التي تعتبر العمود الفقري في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وأشكال الصراعات الأخرى مع الامبريالية والصهيونية، في ظل مجتمع متعدد الطوائف، وتحمل مضموناً وطنياً قومياً ديمقراطياً لالبس فيه، يتعلق ببناء مجتمع حديث تعددي، ودولة حديثة، في نطاق مواجهة السياسة الفرنسية التي تقوم على إثارة النعرات الطائفية، وتمزيق الوحدة الوطنية، حيث جاء في تقرير الكولونيل كاترو رئيس مكتب الاستخبارات في أجهزة الانتداب مايلي " ويحاول الآن أركان الثورة في الداخل تحقيق أهدافها القومية سلماً وعن طريق الاقناع، فيحملون المقربين إليهم في مختلف المناطق على ارسال وفود إلى المفوض السامي تؤكد على المطالب التي نعرفها، وهي وحدة البلاد الواقعة تحت الانتداب، وقيام حكم قومي فيها، وإعلان الدستور، وإنشاء جيش وطني ثم إعلان العفو العام. وهكذا نرى أن مطالب الوطنيين الأساسية لم تتغير وإنما تغيرت المطالبة بها. ولابد من التساؤل عن أهداف الثورة الحقيقية. لاشك أن الهدف الرئيسي الذي ترمي إليه هو القضاء على الانتداب بعينه. فهذا الانتداب الذي يعتبر كوصاية لها فعالية المراقبة والتقويم، كان موضع نفور غريزي في مجتمع يكره بطبعه الأجانب، ويقوم على التجاوز والمظالم الاجتماعية .‏

وكان تطبيقه موضع استنكار أيضاً، ذلك أننا اقمناه على الخصائص الطائفية للسكان، وليس على وحدة البلاد الجغرافية، فكان عملنا هذا مراعاة لمصالح الأقليات، بينما يطالب السنيون بأن تقوم سياسة الانتداب على مراعاة مصالح الأكثرية. هذا هوالخلاف القائم بين وجهتي نظرنا الآن .... " (11).‏

لقد حملت الثورات السورية كلها المسألة الوطنية التي ستصبح محوراً للحركة السياسية فيما بعد، إلا أن طابعها التقليدي انعكس على نحو واضح على الاحزاب السياسية فيما بعد، ولاسيما على رؤيتها للمسألة الوطنية ذاتها.‏

لكن هذه المسألة الوطنية كان ينظر إليها من زاوية تقليدية خالصة، فضلاً عن مطالبتها بنقطة واحدة هي الاستقلال السياسي، وطرد المستعمر الفرنسي، بصرف النظر عن رؤية الحركة السياسية للمجتمع، وأسس بنائه، وتحديثه، وانتاج دولته المنبثقة عن الشعب. هذه النضالات الوطنية ضد الاستعمار على الرغم من عدم خلوها من تطلعات قومية على مستوى الوعي الجنيني، والشعور القومي، باعتبار المسألة الوطنية رافداً من روافد الحركة القومية العربية ـ إلا أنها كانت تتحدد واقعياً في إطار قطري ضيق، مما قوى احتمالات ولادة الدولة القطرية. وكان ذلك واضحاً في بنية الحركة السياسية، وبرامجها، طوال مرحلة الانتداب الفرنسي. لوم تكن تطلعات الكتلة الوطنية إلى العراق حيناً، وإلى مصر حيناً آخر، إلا تعبيراً عن حركة الصراع العالمي على المنطقة، وعلاقة ذلك بتدويل المسألة السورية .....‏

لقد انفجرت الثورة السورية ضمن السياق العام للثورات، التي اندلعت في الأقطار المصنوعة حديثاً، والتي لم تتعد الحدود التي رسمها الاستعمار، مطالبة بالاستقلال لهذه الأقطار، ولكن دون أن تطرح برامج قومية لبناء مجتمع مدني حديث، ودولة حديثة. ولهذا، تراجعت الحركة القومية العربية، بعد عجزها عن تحقيق أهدافها القومية الأساسية، وتغلبت فيها الاتجاهات القطرية والطبقية الضيقة، وتوزعت رموز الحركة القومية العربية على الأقطار العربية المختلفة .‏

ولهذا، تكونت تكتلات سياسية جديدة في سوريا كانت تمثل مصالح البرجوازية التجارية وكبار الملاكين الاقطاعيين والعائلات الكبيرة العشائرية، وسيطرت على فلسفتها السياسية المفاهيم الإصلاحية والمساومة مع سلطة الانتداب الفرنسية، على الرغم من سعيها إلى التخلص من هذا الاستعمار.‏

والحال هذه فهي أحزاب تقليدية يسيطر عليها سياسيون محترفون ونواب لاهم لهم سوى الوصول إلى تشكيل هذه الحكومة أو تلك بهدف خدمة مصالحهم الطبقية العائلية، ولم تكن احزابنا ايديولوجية، تحمل مشاريع سياسية لبناء مجتمع حديث. فهي أحزاب تقوم عل الولاءات الشخصية، للافراد الذين يسعون للسيطرة على مراكز القوة في الحكومة والبرلمان، وهي بلامناهج ويكثر الترداد في أهدافها المعلنة الغامضة كالحفاظ على الاستقلال السوري والوحدة العربية وتحسين مستوى المعيشة والاصلاحات الحكومية ومناهضة الاستعمار. وفي الحقيقة تشابهت البيانات الحزبية، باستثناءات قليلة، حتى بات مستحيلاً في أحيان كثيرة التمييز بين الاحزاب على أساس بياناتها، ولكن هذا كان يتم بالتثبت من قياداتها. كانت هنالك نقطة أخرى تؤكد على أهمية " الحكومة الفردية "، فهذه التجمعات، السياسية، وهي ولاءات شخصية أو " زواج عرقي " بين الأملين سياسياً، افتقدت النظام والتلاحم الحزبيين، فكل عضو فيها فرد ويشكل فرصة على حساب زملائه، وأذا سخط زعيم على فريقه فالحل هو الاعتزال وتشكيل مجموعة منشقة خاصة به، وهذه الفردية المتناهية سبب عدد المستقلين الكبير في المجلس النيابي " (12).‏

ولما كان النشاط السياسي لهذه الأحزاب متمحوراً حول المسألة الوطنية - باعتبارها تتضمن في جوهرها النضال من أجل الاستقلال ،الذي هو في الوقت عينه نضالاً من أجل الدستورية والديمقراطية - وماافرزته من خلافات في الرأي وصراعات بسبب المواقف المتباعدة من الفئات الاجتماعية الواعية سياسياً، فإنه والحال هذه يهمنا أن نتوقف بشكل رئيس عند أكبر تجمع سياسي عرفته سوريا في فترة الانتداب الفرنسي، كان له أهميته الكبيرة إلا وهو الكتلة الوطنية.‏

إن الحياة السياسية المنظمة على أساس من الاحزاب، كمؤشر لتبلور قوى ومكونات المجتمع المدني الحديث ظاهرة حديثة جداً في سوريا، وابتدات مع تشكل الاحزاب السياسية التقليدية التي ظهرت على مسرح العمل السياسي الوطني.‏



ثالثاً: بروز تشكيلات المجتمع المدني الحديث‏

لقد اختلفت المنظورات السياسية إلى المسألة الوطنية، بصفتها المبدأ الجامع لسائر فئات المجتمع وطبقاته، وهي التعبير السياسي عن نمو المجتمع المدني بصورة أساسية، وبزوغ مفهوم الوطن والمواطنة، واكتساب الأفراد صفات حقوقية جديدة إلى جانب تحديداتهم وتعييناتهم الاجتماعية أو الدينية. ومادام الانتداب قد وجه بمعركة ميسلون التي بذرت بذور النضال الوطني ضد الاستعمار. ولم ين الشعب، ولم تلبث الثورات المحلية حتى نشبت تباعاً معززة المشاعر الوطنية، والتطلعات التحررية، فإنه من الجدير القول أن ثمة مجالاً سياسياً محوره المسألة الوطنية، كانت تملأه نخبة سياسية تقليدية هشة وقليلة العدد، ومنفصلة عن الشعب، عدا ظاهرة الولاء الشخصي للقادة والزعماء السياسيين. وهؤلاء لهم أسبابهم السياسية والاجتماعية، ويرتكزون إلى تنمية المصالح الشخصية، والطبقية العائلية. وكانت " الكتلة الوطنية " التي ستلعب دوراً سياسياً حاسماً في حياة سوريا عقب نهاية الثورة السورية الكبرى وحتى عقد المعاهدة 1936، هي التجسيد الفعلي والواقعي لهذه النخب السياسية الآنفة الذكر.‏

تعتبر الكتلة الوطنية من أقدم الأحزاب السياسية التقليدية والمحافظة، وأكثرها تأثيراً من الناحية السياسية، إذا أن تشكلها يعود إلى دمج الجمعيات السرية التي تكونت في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، أي فترة النضال القومي ضد الاحتلال العثماني، في حزب الشعب بزعامة الدكتور / عبد الرحمن الشهبندر، الذي جمع أيضاً معظم الزعماء السياسيين السوريين المعتدلين، حيث أن أهدافه كانت تتمثل في " سيادة سوريا ووحدتها والحرية الشخصية التامة والإصلاح القضائي، وقد تطور الحزب إلى معارض عنيف لحكومة رئيس المجلس الاتحاد السوري السيد صبحي بركات " (13).‏

لكن خلال فترة الانتداب الفرنسي، انضمت عدة تكتلات سياسية متكونة من المثقفين والسياسيين المستقلين إلى حزب الشعب، الذي تحول بدوره إلى مجموعة سياسية رئيسية منظمة عرفت باسم " الكتلة الوطنية "، التي تألفت من الوطنيين الذين كانوا ينتمون إلى العائلات الاقطاعية الكبيرة، " واكثرها أهمية مثل جميل مردم وهاشم الاتاسي وسعد عبد الله الجابري. واختير الاتاسي رئيساً للكتلة ثم انتخب رئيساً للجمعية التأسيسية في عام 1928(14).‏

وهكذا أصبحت الكتلة الوطنية من حيث هويتها السياسية حركة سياسية ذات طموح وطني معين، تعبر عن حاجة ومصالح الطبقة البرجوازية التجارية وحتى الاقطاع، إلى انتهاج سياسية التضامن الوطني مع الشعب، على أرضية الانخراط في نهج الاصلاحات العُلْوِيَة ضد الاحتلال الفرنسي، معطية الأولوية للنضال السياسي، بعد انكسار الثورة السورية الكبرى. ومن الواضح أن الكتلة الوطنية بما هي تمثل مصالح قوى اجتماعية برجوازية معينة ظلت تاريخياً على الصعيد الفكري والاجتماعي ذيلية للسيطرة الايديولوجية للاقطاع والرجعية المحلية، وكذلك أيضاً على الصعيد السياسي، إذ أن برنامجها قد نكل عن انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، على الرغم أن سوريا قد أصبحت مقسمة إلى عدة دويلات في ظل فترة الانتداب الفرنسي، حيث أضر هذا التقسيم بمصالح البرجوازية التجارية والصناعية التي كانت متمركزة تاريخياً في دمشق وحلب، ولم يفتح ملف الصراع الاجتماعي في بنية المجتمع التقليدية ضد استمرار العلاقات الاقطاعية المتجمدة، التي تطبع بمنظورها الايديولوجي والاجتماعي طابع المجتمع، وتشكل في الوقت عينه انسداداً زمنياً في خط التطور والتقدم لانجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية ....‏

ولما كانت الكتلة الوطنية تجمعاً سياسياً فضفاضاً، وليس حزباً ايديولوجياً عقائدياً، فإنها قد صرفت النظر عن خوض المعركة الايديولوجية الرئيسية، والسياسية الفعلية، لفتح امكانية الخيار المجتمعي والايديولوجي الآخر - المتناقض بالضرورة مع الايديولوجية الاقطاعية التقليدية السائدة التي تعمل على فرض عن طريق القسر والاكراه منظورها الشمولي المسبق على جميع أفراد المجتمع - يقيناً بأن الشعب، والفكر الحديث، والايديولوجية الحديثة، والمجتمع المدني هي المقولات التي تسهم في بلورة وصنع المشروع الوطني الديمقراطي لمجابهة سلطات الاحتلال وازالتها، وفق خط استراتيجي يستند إلى وعي صحيح مقارب لخط سير الواقع إلى المستقبل، أي إلى وعي المسار التاريخي ككل، الذي يقود الماضي، انطلاقاً من الحاضر إلى المستقبل، في سبيل تحقيق هذا المشروع التاريخي الاستراتيجي المشترك لجميع فئات الشعب وطبقاته، الذي يكون حاملاً لفلسفة جديدة لها قيمة تحريرية لجماهير الشعب من أثار التسلط الفكري والايديولوجي العقائدي التقليدي السائد، وترتكز إلى قضية حرية الفكر والمعتقد، وحرية تنوع الحياة الاجتماعية، والممارسة الايديولوجية. وهي فلسفة بناء المجتمع المدني الحديث، باعتباها أيضاً ميدان الصراع الاستراتيجي الراهن في الحقل الفكري، والايديولوجي، والسياسي، بين القوى التاريخية الصانعة للمستقبل والصاعدة إليه، والمؤمنة حقاً بالحرية، والتعددية، وبين قوى التقليد التي تجسد عملاً سياسياً جوهره إصلاحي وقائم على تصور شمولي وهمي يخدم مصالح طبقية خصوصية، ويحافظ على المسار الاجتماعي القديم ....‏

والحال هذه، فقد تحولت الكتلة الوطنية باعتبارها معارضة سياسية هيمنت على قيادة النضال الوطني في سوريا إلى فئة حاكمة ذات مصلحة راسخة في المحافظة على البنية الاجتماعية القائمة، واستئثارها بالسلطة، وإن كانت محوراً مركزياً في الصراع السياسي الديمقراطي لارساء بعض أسس المجتمع المدني، كمطالبتها مثلاً في مؤتمرها الذي عقد في بيروت في 19 / تشرين الأول بالدعوة إلى تشكيل " جمعية تأسيسية واستبدال الانتداب بالمعاهدة لتحقيق الوحدة السورية، وتوحيد النظام القضائي، واحترام السيادة القومية، والاشتراك في عصبة الأمم، والتمثل الخارجي، وإعلان العفو والتعويض عن المنكوبين ".‏

أماعلى صعد علاقة الكتلة الوطنية بالشعب، فقد كانت موسمية ومرتبطة بالدرجة الرئيسية في فترة الانتخابات النيابية لخدمة مصالح كبار الملاكين الاقطاعيين وكبار التجار، الذين يبحثون عن مناصب، وزيادة مكاسبهم المادية، و" تلميع " وجاهتهم العائلية والطبقية في البرلمان. فالمجالس النيابية في سوريا التي كان يسيطر عليها هذا التحالف الطبقي، والتي تمارس السلطة باسم الشعب، كانت تمثل أقلية من أفراد الشعب. ثم أن العمليات الانتخابية لم تكن مستندة إلى تنظيم متكامل لآلة انتخابية، وذلك قبل انتخابات بفترة طويلة، حيث تتصارع الاحزاب على برامج سياسية محددة، ويشارك الشعب بصورة مباشرة في هذه الانتخابات لانتخاب أعضاء البرلمان، بل أن آليتها كانت تتم وفق التقاليد العثمانية، حيث أن أعضاء البرلمان عادة ما يكونون مرشحين من قبل الحكومة، الخاضعة بدورها لقيادة حزب الكتلة الوطنية، التي تسعى إلى تحقيق مصالح القوى المستفيدة من النظام القائم (كبار التجار وكبار الملاك الاقطاعيين) عبر ايصال مرشحيها إلى المجلس النيابي، والاستئثار بالسلطة السياسية. هكذا، لم تكن الحياة النيابية في سوريا بنظر مؤيدي الديمقراطية الليبرالية، والدستورية، والتعددية الحزبية، سوى أداة ديمقراطية شكلية، تستخدمها الأحزاب التقليدية المتنافسة بهدف الاستيلاء على السلطة، وتحقيق مصالح قياداتها الطبقية والعائلية، حيث يكون الشعب سلعة في سوق السياسية العُلْوِيةِ بيد النواب والسياسيين المحترفين المنتفعين، وكما يقول الدكتور خلدون النقيب أن هيمنة تحالف كبار ملاك الأراضي وكبار التجار على البرلمان، قد اجهض المحتوى الديمقراطي للانتخابات في وقت مبكر، و " مع أن برلمانات سوريا - بسبب ظروف الانتداب الفرنسي المباشر - لم تكن إلا مجالس استشارية، فإنها تعطينا صورة جيدة عن تبلور القوى الاجتماعية وهيمنة كبار ملاك الأراضي والتجار على الحياة السياسية في البلاد " (15).‏

ففي برلمان 1928، كان عدد النواب الممثلين لكبار التجار وكبار الملاكين، وأعيان - شيوخ القبائل 22 نائباً ومن أصل 72، أي ما يقارب 32 بالمئة، وفي برلمان العام 1932، بلغ عدد النواب هذا التحالف 33 نائباً من أصل 70، أي مايعادل 47 بالمئة، وفي برلمان العام 1936، 54 نائباً من أصل 106، أي ما يقارب 50 بالمئة.‏

البرلمانات في سوريا، كان أعضاءها ينتقون ممثلين للمناطق، والطوائف، والعشائر، وكان ذلك مجالاً للتنافس والتحاسد. وكان تعبيراً سياسياً عن تقسيم سوريا سياسياً، الذي تحول إلى تقسيم واقعي عارضه الشعب السوري بوجه عام. ولم يلق تأييداً إلا من قبل المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي، والمنتفعين من سياسته، فتشكلت دولة العلويين، ودولة جبل الدوز، ودولة حلب، ولعب المثقفون دوراً بارزاً في مقاومة المشروع الفرنسي لتقسيم سوريا.‏

وكانت المرحلة الممتدة من العام 1927 إلى 1936 هي المرحلة الذهبية لقيادة الكتلة الوطنية مسيرة النضال الوطني، المتركز بصورة رئيسية في خوض المعارك الانتخابية، والصراع السياسي المباشر بواسطة الاضرابات والمظاهرات، والمواجهات السياسية النيابية والصحافية، بهدف تحسين شروط مضمون المعاهدة التي رفضتها الكتلة الوطينة في صيغتها الأولى للعام 1934، ثم أبرمتها مع الحكومة الفرنسية في العام 1936 ، بعد أن حققت استقلالاً منقوصاً لسوريا تمثل في وحدة جميع المناطق السورية (استثناء لبنان ثم لواء الاسكندرون ). و" في 14 تشرين الثاني سنة 1936 جرت الانتخابات في جميع المدن السورية، ففازت قوائم الكتلة الوطنية في جميع المدن، وأغلب الأقضية ". (16). وسارعت الكتلة الوطنية إلى قطف ثمار نجاحها في إقرار المعاهدة التي اعتبرت آنذاك كسباً محققاً لسوريا خصوصاً على صعيد وحدة البلاد. في وقت كانت المعاهدة فيه توضع في أيامها ثلاث سنوات تالية [ بفترة يسميها البعض فترة " الحكم الوطني " ] تجاهل الاعتراف الكامل بالمعاهدة خصوصاً لجهة التلكؤ في عرضها واقرارها في البرلمان الفرنسي. هذا الأمر وضع الحكومة الوطنية في وضع صعب جداً تجاه المعارضة، مقابل أن الكتلة الوطنية لم تكن ذات بنية حزبية متماسكة، بل كانت تجمعاً مناطقياً تحت شعارات وطنية عامة، سرعان ما ظهرت تناقضاتها عندما استلمت الحكم وأخذ " تماسكها " يتراجع أمام اغراءات السلطة نفسها، فضلاً عن أنها هي غير المجربة في السلطة تبدأ مرحلة جديدة لم تعد " سلبية " أي في المعارضة "(17).‏

ويمكن اعتبار ابرام المعاهدة 1936، والسنوات القليلة التي تلتها بداية مسلسل الانحدار التاريخي للكتلة الوطنية، ولهيمنتها المطلقة على الحياة السياسية في سوريا. فضيق أفق البرجوازية السورية جعلها لاترى إلا مصالحها، ولم تكن قادرة على بلورة برنامج وطني لقيادة الجبهة الداخلية، وكانت معنية وحريصة على دمج التحالف الطبقي من كبار الملاكين والاقطاعيين والتجار في بنيتها السياسية، ومقولاتها الايديولوجية، فضلاً عن أن تشكلها التاريخي الضعيف، ونموها البطيئ على هامش السيطرة الكولونيالية، قد جعلها تستخدم الشعب كفزاعة في إطار تحسين موقعها التفاوضي مع المستعمرين، ليس إلا.‏

ولا تنفصل معاهدة 36 عن نمو الحركة السياسية الوطنية المطالبة بالاستقلال، والتي اتخذت في أحيان كثيرة شكل انتفاضات مسلحة، وشعور المستعمرين بضرورة تحويل هذه الحركة عن مجراها بعد أن فشلوا في لجمها .‏

فكانت سياسة التفاوض والوعود بالاستقلال سياسة متبعة عند الانكليز والفرنسيين على حد سواء، نابعة من رؤية هؤلاء المستعمرين الاستراتيجية إلى ماكانوا يسمونه الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وموقعه في سياستهما، وفي مسار التوسع الرأسمالي العالمي. وكان ذلك يلقى استجابة لدى البرجوازية في سائر الأقطار العربية، التي كانت تطمح في نيل الاستقلال لتحرير مصالحها الاقتصادية، وتحسين مواقعها في السوق العالمية، أو لم يكن يتاح لها ذلك إلا بالهيمنة على السوق المحلية.‏

أن توقيع معاهدة 1936، حقق ما كانت تريده البرجوازية السورية، أي إلغاء الانتداب وتبديله بمعاهدة، وتكريس وحدة " الدويلات السورية " السابقة في دولة واحدة، بعد أن ألحقت الأقضية الأربعة بلبنان، ولواء الاسكندورن الذي تخلت عنه فرنسا لمصلحة تركيا في العام 1939. وتوقيع المعاهدة، هو أقصى ما كانت تقدر عليه البرجوازية السورية، مستغلة التناقضات والتواترات داخل المعسكر الامبريالي الغربي بعد انتهاء أزمة الرأسمالية العالمية 1929-1932، وميل فرنسا إلى عقد تسوية تحمي بها ظهرها في مستعمراتها، في حال دخولها في حرب جديدة. وقد مكنت هذه المعاهدة من انتقال البرجوازية السورية في علاقتها مع الاستعمار إلى مرحلة جديدة نسبياً، إذ تولت الكتلة الوطنية تشكيل حكومة وطنية برئاسة جميل مردم بيك، كما انتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، وفارس الخوري رئيساً للمجلس النيابي.‏

ولكن سرعان ما دبت الانشقاقات العُلْوِيَة داخل الكتلة الوطنية بداية من العام 1937، وهي انشقاقات ناجمة عن تفجير الصراع بين شرائح البرجوازية السورية ذاتها، حين اتجهت أقسام منها إلى استغلال الأيدي العاملة الرخيصة والمواد الخام، في سبيل تحقيق السيطرة الوطنية على التراكم من خلال بناء قاعدة صناعية، في حين أن الشرائح الكمبرادورية منها اتجهت إلى مشاركة الرأسمال الأوروبي. فضلاً عن ذلك، فإن التطورات التي شهدها الوضع الدولي آنذاك، خصوصاً مع صعود النازية في المانيا واستعادتها شبابها الاحتكاري، وكذلك الفاشية في ايطاليا، والغزو البريطاني - الفرنسي لسوريا عام 1941، واحتداد التناقضات بين الاستعمار الفرنسي والجماهير الشعبية، كل هذه العوامل مجتمعة، عمقت من ملامح الانفضاض الطبقي للجبهة الوطنية الداخلية التي كانت إحدى مكاسب ثورة 1925، والتي استفادت منها الكتلة الوطنية، فكان انسلاخ الفئات الوسطى وجماهير البرجوازية الصغيرة في المدن، وهي القوى الاجتماعية الجديدة التي تبلورت في ظل السيطرة الاستعمارية. وبما أنها كانت أكثر ثورية، فإنها ستشكل المعارضة الراديكالية التي قاعدتها الأساسية دخول الجماهير الشعبية إلى حلبة الصراع ضد الاستعمار، والاقطاع، والرجعية الداخلية، لتتجاوز بذلك قدرة البرجوازية السورية ومطامحها المنحصرة في إطار الاستقلال، والديمقراطية الليبرالية الخجولة، واعتمادها أسلوب المفاوضات، كأسلوب وحيد لحل المسألة الوطنية السورية، وعجزها عن صياغة برنامج سياسي حقيقي يجند الطبقات الشعبية حولها لخوض الصراع ضد الاستعمار الفرنسي، وهوالأمر الذي جعلها دائماً تقبل التحكيم الامبريالي. ولاشك أن هذه المعارضة ستكون متكونة من أحزاب سياسية جديدة، ذات انتماءات ايديولوجية واضحة المعالم، حيث أن الخيارات الايديولوجية التي طرحتها هذه الأحزاب كانت نابعة من تصدي هذه الأخيرة للمسألة الاجتماعية في رسم برامجها "، ولكن هذه الخيارات الايديولوجية لم تصل إلى مرحلة الاستقطاب إلابعد الحرب العالمية الثانية " (18).‏

إن معاهدة 1936 التي عممت في بلدان المشرق العربي الثلاثة سوريا - العراق - مصر، التي كانت خاضعة للانتداب الفرنسي والبريطاني، قد أرست بداية التحالف بين الفئات البرجوازية الحاكمة، والاقطاع القبلي السائد في العراق وسوريا، والاقطاع السياسي في لبنان، ونظام العزبة في مصر، والمراكز الرأسمالية الغربية، وهو الأمر الذي جعل حل المسألة الوطنية في منظور هذه الفئات، لا يمكن رؤيته إلا في إطار الارتباط بالغرب. فضلاً عن ذلك، فإن معاهدة 1936، بمقولاتها السياسية والايديولوجية والاجتماعية المحددة من قبل الدول الاستعمارية، وبارغامها طبع المسألة الوطنية في سوريا والعراق ومصر بطابع " الوطنية السورية " و " الوطنية العراقية " و " الوطنية المصرية"، قد أرست أسس الدولة القطرية الحديثة، حيث تسيطر فيها طبقات وفئات آنفة الذكر، تشكلت ونمت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، وذات مصالح قطرية محدودة، ومتناقضة مع القضية القومية العربية، ولم يكن كل مطمحها من طرح قضية الاستقلال سوى تحسين شروط العلاقة مع الدول الاستعمارية الأوروبية، لا التصفية المادية لقاعدة السيطرة الامبريالية تماماً، ولهذا كان الاستقلال السياسي الذي حققته مقيداً بهذه المعاهدة.‏

وكما يقول الدكتور مسعود ضاهر / إن مرحلة الانتداب طوال فترة مابين الحربين العالميتين قد كانت " نقطة تحول أساسية في تاريخ المجتمع العربي المشرقي. ففيها ولدت الدول أو الدويلات القطرية، ورسمت الحدود الجغرافية في ما بينها، وسلخ لواء الاسكندرون عن سوريا وأتبع بتركيا، ومهدت الطريق لولادة الدولة الصهيونية على جزء من فلسطين، تم لاحقاً على كل فلسطين، بالإضافة إلى أراضي من لبنان وسوريا والأردن ومصر .... ومع رسم الحدود، وتأمين مصالح الانتداب، وترحيل القيادات الوحدوية أو سجنها وإقامة دساتير وبرلمانات ومجالس محلية وعلم ونشيد وقوى قمعية لكل دولة أو دويلة قطرية بدأت ملامح المجتمع العربي المشرقي الموحد تختفي تدريجياً لتحل مكانها صورة مجتمعات مشرقية تبحث عن " خصوصية " تاريخها، واقتصادها، وإدارتها، وثقافتها، وغير ذلك من شؤون الدولة " المستقلة " ذات السيادة المنقوصة أو نصف السيادة في ظل الانتداب " (19).‏

قبل أن ندرس الأحزاب الايديولوجية الحديثة الراديكالية، واتجاهاتها السياسية، وأهدافها الاستراتيجية، وعلاقاتها بصعود الفئات الوسطى، والانتلجنسيا الثورية، علينا أن نستكمل لوحة الأحزاب التقليدية المحافظة والبرجوازية في سوريا، التي تشكلت على انقاض الكتلة الوطنية.‏



1- الحزب الوطني‏

منذ أن رفضت الحكومة الفرنسية المصادقة على المعاهدة 1936، في ظل تحمل الكتلة الوطنية الحكم الوطني في سوريا، بدأت الانشقاقات تدب في هذا التجمع السياسي الكبير، باعتبارها تعبيراً سياسياً عن الصراع بين أجنحة البرجوازية السورية. وكان الجناح الحاكم من الكتلة الوطنية، مثله في ذلك مثل الجناح المنشق، ينتميان كليهما إلى طبقة الأغنياء المحافظين المرفهين، الذين لم يكونوا يؤمنون بالشعب، بل إن همهّم الرئيسي هو تحقيق المكاسب المادية الطبقية والعائلية.‏

وقبيل الانتخابات النيابية العامة التي جرت في العام 1947، تشكل الحزب الوطني من شتات الجناح الحاكم من الكتلة الوطنية، بعد انشقاق سياسي مدينة حلب، وبخاصة بعد انفصال الشابين الصاعدين رشدي الكيخيا وناظم القدسي، عن سعد الله الجابري، الذي كان رئيساً للحكومة في عهد رئاسة شكري القوتلي 1943-1947. ويعتبر الحزب الوطني حزب البرجوازية التجارية الدمشقية بأضيق صورها، حيث كان يعتقد لا على بنية تنظيمية متماسكة بالمعنى العصري للكلمة، وإنما على الخصائص الفردية لرجاله أمثال القوتلي وفارس الخوري ولطفي الحفار وصبري العسلي.‏

لقد اتسمت سياسة الحزب الوطني بطابع قومي، تجلت في المبادئ التي وضعت في العام 1948، نستعرضها على النحو التالي.‏

أ - إن العرب في اتحاد وطنهم كافة يكونون أمة واحدة، والسوريون جزء منها، وسياسة الحزب تقوم على هذا الأساس.‏

ب _ إن الحزب يسعى إلى تحرير سائر أجزاء الوطن العربي، واستكمال سيادتها، ويتضامن في هذا السبيل مع مختلف المنظمات والمراجع القومية.‏

جـ - والحزب يعتبر الجامعة العربية مؤسسة قومية يعلق عليها آمالاً كبيرة في الأهداف القومية ويسعى لتقويتها وتعزيزها.‏

د - يقاوم الحزب كل نزعة أو سياسة أو حركة مخالفة لأماني الأمة العربية(20).‏

2- حزب الشعب‏

تشكل الحزب من الجناح المنشق عن الكتلة الوطنية، أي الجناح المعارض للقوتلي، المتكون من الكتلة البرلمانية الدستورية والكتلة البرلمانية الشعبية. واستقطب الحزب أبناء العائلات الكبيرة من الاقطاع والرأسمالية، والفئات الوسطى، والعناصر المثقفة اليمينية، من حلب، والمنطقة الشمالية من سوريا، التي شكلت حزب الشعب في آب 1948. ويمثل الحزب مصالح البرجوازية التجارية وكبار الصناعيين والاقطاعيين في حلب، وكان من أبرز قادته رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومصطفى برمدا، وحظي بتأييد عائلة الأتاسي الاقطاعية المتمركزة في حمص، التي قاومت على حد سواء حكم القوتلي وسياسة دمشق. وهكذا، فإن حزب الشعب كان ممثلاً للرأسمالية الحلبية الصاعدة المتنافسة مع الرأسمالية الدمشقية، والتي كانت تبحث عن توسيع سوقها في بلاد الرافدين وايران والهند، ومن هذا المنطلق كان حزب الشعب يعتمد على البريطانيين الذين يمارسون نفوذاً كبيراً على العراق والأردن. ومع ذلك، فإن " حزب الشعب لم يكن حزباً هامشياً ولا ملكياً، فقد كان يرتبط كمنافسه الدمشقي بالمؤسسات الجمهورية، ولكنه حزب حلبي أولاً، ولذلك فقد ألقى بثقله السياسي كي يزيل الحدود السورية العراقية ويحطم الحواجز التجارية، والحدود السورية، التي خنقت سوريا. وفي 23 تشرين ثاني 1948 أي بعد أربعة أشهر من تشكيله، خرج على الناس بمذكرة رفعها إلى الرئيس القوتلي داعياً إلى اتحاد عربي - هو في الحقيقة وحدة مع العراق ـ كوسيلة وحيدة قاردة على مجابهة التهديد الاسرائيلي. وقد حظي الحزب في فترة انتخابات 1947 وقبل أن تنفضح ميوله العراقية، حظي بتأييد حزب البعث الحركة العربية النامية أو التي كانت تستند في مطالبها إلى السيطرة على الهيئة الطلابية باستمرار.‏

حلل ميشيل عفلق، زعيم البعث، الوضع القائم آنذاك بما يلي : " كان حزب الشعب انئذ أكثر من كتلة برلمانية معارضة للقوتلي فقد بدا مخلصاً ومرتبطاً بالاجراءات الدستورية والديمقرطية، ولم يكن وجهه الرجعي بينا بعد، فضم البعث قواه إليه لمعارضة الحكومة " (21).‏

وكان حزب الشعب يعتبر أن العرب يشكلون أمة واحدة وتتوافر فيهم عناصر الوحدة الشاملة، ولهذا سعى إلى تحقيق هذه الوحدة المنشودة بالطريقتين التاليتين :‏

أولاً : إقامة اتحاد دولي بين سوريا والأقطار العربية.‏

ثانياً : اتخاذ الجامعة العربية وسيلة إلى‏

أ- توحيد السياسة الخارجية في البلاد العربية وتوحيد التمثيل الخارجي.‏

ب - توحيد قوى الدفاع العربي في قيادته وأنظمته.‏

ج- توحيد التشريع.‏

د - اعتبار بلاد دول الجامعة العربية وحدة جمركية.‏

هـ اعتبار البلاد العربية وحدة اقتصادية وتوحيد المنهاج الاقتصادي.‏

و - توحيد مناهج التعليم.‏

ز - إلغاء جوازات السفر بين البلاد العربية.‏

ي - توحيد النقد العربي وتأسيس مصرف إصدار مشترك .(22).‏

ولكن ماهي التأثيرات المختلفة للأحزاب المحافظة السورية على المجتمع المدني الوليد، عشية نيل سورية استقلالها التام في ربيع 1946/، وتشكل الدولة الفتية التي واجهت عدة مشكلات أبرزها خلق المؤسسات الجمهورية والعلاقات الخارجية، وأزمة النظام النقدي الذي بني على أساس الفرنك الفرنسي وارتبط به.‏

إن إنهاء السيطرة الكولونيالية المباشرة التي كانت تمارسها الأمبريالية الفرنسية، قد فتحت الأبواب أمام تطورات لاحقه في سوريا، لعل أهمها ولادة الدولة القطرية، واعتلاء الكتلة الوطنية مقاليد السلطة، وهي فئة سياسية ممثلة مصالح البرجوازية التقليدية والعائلات الاقطاعية الرجعية التي حافظت على بنى المجتمع التقليدية، والعلاقات التقليدية مع الغرب، وإنّ زينت نمط سلطتها بزينات دستورية وبرلمانية. غير أن هذه الدولة القطرية التي قامت على أساس التقسيم الكولونيالي الموروث من عهد الانتداب جاءت متناقضة مع طموحات القوميين العرب، الذين ناضلوا منذ بداية هذا القرن ليس من أجل دولة قطريه مقتصرة على سوريا فقط، وإنما من أجل دولة تضم اتحاد " الهلال الخصيب " " بل أن بعضهم ذهب إلى مدى أبعد وتصور دولة عربية واحدة كبرى تمتد من المحيط الهندي إلى جبال طوروس ومن البحر الأبيض المتوسط إلى حدود ايران " (23). ولما كانت هذه الفئات الحاكمة غير ديمقراطية، وبالتالي غير مهيأة لانجاز ثورة ديمقراطية، فإنها ستكون عاجزة عن بناء مجتمع مدني حديث، حتى وإن بنت جيوشاً ومؤسسات مدنية وأجهزة حديثة من حيث الشكل، لأنها بنت نمطاً من السلطة تقليدياً، وحافظت على بنية المجتمع المدني المفككة والهشة، واستندت إلى قوة العائلات الحاكمة وحواشيها من الوسطاء والمؤسسات القبلية، والمؤسسات الدينية والاجتماعية من بقايا القرون الغابرة، حيث تقف هذه القوى التقليدية المتخلفة عموماً ضد الثورة الديمقراطية، وبناء المجتمع المدني الحديث، على الرغم من ارتباطها العضوي مع القوى الامبريالية ....‏

وتعكس العملية الانتخابية، والنظام الانتخابي، ومبدأ الاقتراع العام المشروط، الذي نص عليها جميعها دستور العام 1930، طابع المرحلة السياسية التي كانت تمر بها سورية مابين 1930 و1947، من حيث وظيفة تطبيق فلسفة سياسية ونظام انتخابي مستمدين من الايديولوجية الديمقراطية الليبرالية على المجتمع السوري، الذي تهيمن فيه بنية كولونيالية نصف اقطاعية، ومن حيث أيضاً دور الأحزاب السياسية التقليدية في تنظيم الشعب سياسياً وإعداده لممارسة حقه في الاقتراع، وفي تمكنها من استخدام العملية الانتخابية لبلوغ أهدافها. وعلى الرغم من أن الأحزاب السياسية هي التي تنظم الشعب بهدف خلق رأي عام يشكل عماد ديمقراطية حديثة، إلا أن النيتجة الفعلية لممارسة الأحزاب السياسية السورية في تلك المرحلة كانت موافقة على بقاء البنى الاجتماعية التقليدية القائمة، حتى وإن انصبت جهودها على الدعوة للقيام ببعض الاصلاحات المعنية والمحدودة للأوضاع القائمة، غير أنها لم تحاول مطلقاً النفاذ إلى الصميم على صعيد تعميم القيم الديمقراطية الحديثة بين أوساط الشعب لكي يسهم بكامله أسهاماً حقيقياً وفعلياً في المؤسسات السياسية، والدعوة إلى بناء المجتمع المدني على أسس جديدة. وقد كان الناخبون السوريون " يتميزون بقيم دينية واجتماعية لاتتفق وعملية سياسية وديمقراطية عصرية، فالسلوك السياسي متأثر بالأشكال القديمة التي تؤكد على " الحكومة الفردية "، والدينية والإقليمية، والخصائص الثقافية، مع ربط ذلك كله بالطبقة المعتادة والنزعات الريفية أوالحضرية، لذلك سعى المرشح في توجيهه للتأكيد على ارتباطه بالمحلية وعضويته في طائفته ولاسيما إذا كانت أقلية ونسبه العائلي، ابتداء بأسرته وانتهاء بعشيرته، وقرابته الاقتصادية (كموظف أو مالك أرض)، وصلته - إذا أمكن ذلك - بالنضال القومي من أجل الاستقلال (24).‏

وكان النظام الانتخابي في سوريا يقوم على أساس أن النائب يمثل " محلته " وطائفته بدل منطقته الانتخابية. وهكذا، فالتمثيل النيابي في البرلمان هو جغرافي وطائفي، و التصويت يتم على أساس " اللائحة الانتخابية ". ولما كانت الطبقة المسيطرة على السلطة متكونة من كبار الملاكين الاقطاعيين والبرجوازية التقليدية المحافظة، فإن العملية الانتخابية تكشف عن طبيعتها اللاديمقراطية، عندما تستعمل هذه الطبقة المسيطرة على مؤسسات الحكم كل الوسائل القمعية واللانسانية، مثل القدرة المالية والثروة وأثرهما في ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك، خصوصاً عندما ينفق على الدعاية الانتخابية مبالغ باهظة لخوض المعارك الانتخابية، وكذلك الرشاوي لشراء أصوات الناخبين، أواستخدام القمع لارغام الناخبين في الريف والمناطق النائية بواسطة رجال الدرك، ورئيس العائلة العشائرية الذي يستطيع الأدلاء بأصوات عائلته من خلال حث أفرادها على التصويت لمصلحة النائب المتفق عليه .‏

والحال هذه، فإن العملية الانتخابية في سورية هي مجرد غطاء ديمقراطي لانتخاب أعضاء المجلس النيابي من أبناء العائلات الاقطاعية الكبيرة والبرجوازية التقليدية، والطوائف، وشيوخ عشائر البدو الذين كان لهم تسعة نواب، ولحكم أو ليغارشي تسيطر فيه الطبقة الحاكمة المستبدة على الشعب المخدوع بالانتخابات النيابية كوسيلة لتطبيق الديمقراطية. وعملت هذه الطبقة دائماً على شق أية معارضة تقف أمامها، وإفشال مرشحيها‏

بتقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية بطرق تضمن فوز مرشحي السلطة الحاكمة، وبذلك يكون عدد النواب في الدائرة غير متناسب مع عدد الناخبين، فضلاً عن أن الحكومة كانت تقر نظاماً انتخابياً يعطي نسبة أكبر من المقاعد في البرلمان للدوائر التي تتمتع فيها وانصارها من المستقلين بأعداد كبيرة من المؤيدين، في حين أنها لاتعطي نسبة المقاعد عينها بشكل متساو للدوائر التي تكون فيها الغالبية لمرشحي المعارضة.‏

لكن ظاهرة اللاديمقراطية لاتقف عند هذا الحد، فحين عادت الكتلة الوطنية إلى الحكم في سورية على أثر فوزها في انتخابات 1943 وبعد انتخاب شكري القوتلي أحد أقدر رجال الكتلة رئيساً للجمهورية، وتناوب على رئاسة الحكومة ثلاثة من زعماء الكتلة الوطنية البارزين وهم سعد الله الجابري، وجميل مردم، وفارس الخوري، وذلك مابين أيلول العام 1943 والعام 1947، استغل رئيس الجمهورية القوتلي صلاحياته الدستورية كرئيس جمهورية غير مسؤول أمام البرلمان، فضلاً عن تمتعه بتعيين الوزارة، واستدعائه المجلس النيابي، وأفراز التشريعات، وإيقافها وإصدار القوانين التي وافق عليها البرلمان لكي يمنح أعوانه أعطيات من أموال الدولة، ويتلقى هدايا من أعضاء المجلس النيابي كما قال عنه السيد محمد كرد علي العلامة السوري. و " كان يزعم رئيس الوزراء على اختيار الوزراء الذين يختارهم، ولم يكن مفاجئاً أن بين أقوى مؤيديه رجالاً انقلبوا ليصبحوا أكبر الخونة واحط اللصوص ... كان يمنح الاوغاد امتيازات واستثناءات ووظائف وهدايا، كما وظف كثيراً من أقاربه وأعضاء حزبه كان بعضهم أمياً وحاز على وظائف لاعمل لها، وعين له المجلس النيابي مخصصات دون أن يطلب منه أي حساب، ولقد تدخل في تعيينات صغيرة كثيرة"، لذلك لم يكن عجباً أن الأعمال والممارسات، باتجاه كهذا في القمة، كانت سيئة حقاً في المراتب الدنيا من الجهاز الوظيفي " (25).‏

لقد عبر المجتمع المدني عن نفسه إزاء سياسة الحكومة التي تستخدم السلطة لأغراض " الفخفخة" الفردية ومحاباة الأقارب والفساد والرشاوي " من خلال الاضرابات التي نظمتها المعارضة، ونقد الصحافة للحكومة الأمر الذي جعل صبري العسلي وزير الداخلية آنذاك يقدم طلباً للبرلمان بإصدار قرار يصادر فيه حرية الصحافة، بناء على مرسوم أصدره المفوض السامي الفرنسي في عام 1924، الذي كان لايزال نافذ المفعول. ولذلك " اقترحت الحكومة على البرلمان في تشرين الثاني سن قانون تنظيمي يتعلق بالمنظمات والصحافة يخول وزير الداخلية إصدار إذن عقد الاجتماعات العامة والسماح بتشكيل الاحزاب والتنظيمات الأخرى ومراقبة نشاطاتها، كما سيخوله أيضاً سلطة حل أي تنظيم معاد للحكم أو حظر نشاطه، وفضلاً عن ذلك يمنح وزير الداخلية سلطة فرض الإقامة الجبرية على الأفراد الذين ينتهكون هذه الأنظمة، ويمكن توقيف الصحف عن الصدور " للقدح " في شخص رئيس الدولة، أو " التشهير " بالقوات المسلحة السورية وانتهاك كرامة وحرمة الدولة والموظفين والدول الأجنبية عن طريق شتم رؤسائها وممثليها في دمشق أو نشر مقالات تسيئ إلى العلاقات الطيبة بين سورية وهذه الدول، ويمكن لأسباب مشابهة سحب أذونات الطبع وإغلاق الصحف والمكتبات ودور السينما والمسارح، كما يمكن منع المطبوعات الأجنبية وطرد مراسليها، يضاف إلى ذلك أن الحكومة قد خولت منح الصحف معونات مالية وتحديد اثمان المطبوعات، ولتتويج اقتراح القانون كله ومنح وزير الداخلية سلطة وضع قائمة المطبوعات التي سيسمح بنشرها(26).‏

ولاشك أن هذه الخطوة من جانب وزير الداخلية تشكل انتهاكاً صريحاً ومباشراً لمواد الدستور، فضلاً عن أنها محاولة لتهميش المعارضة، التي أصبحت توجه نقدها اللاذع للفساد المفضوح، وتطالب في الوقت عينه القيام باصلاحات للنظام الانتخابي، وتعديل قانون الانتخابات في نيسان 1946. غير أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تكن راغبة في إجراء أي تغيير في النظام الانتخابي، بهدف المحافظة على نظام الانتخابات غير المباشرة القديم الذي يضمن لها الاستمرار في السلطة، فضلاً عن أن الأغلبية في البرلمان، كانت متخوفة من هذه الاصلاحات الانتخابية، لأنها تتوقع سقوطها في أي انتخابات مباشرة، ولهذا مارست الحكومة سياسة المماطلة وتكتيك التأجيل حتى تتجاوز عقبة الانتخابات المزمع اجراؤها في عام 1947.‏

ومع قرب موعد الانتخابات، بدأت تشكيلات المجتمع المدني الوليد تشكل معارضة منظمة، متكونة من الكتلة البرلمانية المعارضة داخل البرلمان عينه، والاحزاب السياسية المنظمة، وتجار دمشق وحلب وحمص وحماه، وممثلي الحركة العمالية الوليدة، وتنظيم الاتحاد النسائي الذي وجه عريضة إلى البرلمان يطالب فيها التحرر السياسي الكامل للمرأة السورية ومنحها حق الانتخاب. وكانت هذه المعارضة بجميع فصائلها تخوض معركة إجراء انتخابات نيابية مباشرة وعامة، إلى أن استجابت الحكومة لمطلبها، وأقرت قانون الانتخابات المباشرة والتصويت الأجباري، وذلك من خلال صدور مرسوم جمهوري يحدد بموجبه حجم المجلس النيابي بمئة وأربعين نائباً، أي بزيادة خمسة عشر مقعداً جديداً، منها سبعة مقاعد للسنيين، ومقعد واحد لكل من العلويين والدروز والسريان الأرثوذكس والموارنة " (27). وكان موضوع تمثيل الاقليات في البرلمان من أخطر المواضيع السياسية حساسية في سورية، إذ أنها تمس بشكل جوهري وضع الاقليات الدينية، في بلد متكون من موزاييك طائفي وأثني. ولذا فإن أي " تغيير في تمثيل الاقليات سيمس وضع النواب أنفسهم، فاذا انقضت نسبة تمثيل بعض الطوائف أو لم يعد من ممثل لها فسوف يفقد بعض النواب مقاعدهم، لذا حمي النقاش البرلماني حول هذه القضية، وقد عارض رشدي الكيخيا وناظم القدسي تضمين مشروع القانون الجديد أية حقوق طائفية على أساس أن المادة السادسة من الدستور تنص " السوريون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة "(28). وفي المجلس النيابي الجديد كان تمثيل الجماعات الدينية كما يلي : السنة ولهم 93 مقعداً، العلويون : 11، الدروز 5، الروم الارثوذكس 6، الأرمن الارثوذكس 2، السريان الارثوذكس 2، الروم الكاثوليك 2، السريان الكاثوليك 1، الأرمن الكاثوليك 1، الموارنة 1، الاسماعيليون 1، اليهود 1، الاقليات غير الممثلة، 3، العشائر 10.‏

وقبل انتخابات العام 1947، تشكل الحزب الوطني الذي اسلفنا في الحديث عنه، وكان منهجه السياسي ينادي بالانتخابات المباشرة والابقاء على التمثيل الطائفي والعنصري. أما المعارضة، فإنها كانت مشكلة من ائتلاف غير متماسك، ولكنه سيكون نواة لحزب الشعب لاحقاً، الذي ذكرنا كيفية تشكله، حيث كان ينتقد الحكومة باعتبارها فريقاً من الرجال استغلوا البلاد لمصالحهم الخاصة طيلة سنوات أربع كاملة، وإن " إعادة انتخابات هذا الفريق سيعني العودة إلى النظام الاقطاعي وسيادة العائلات ذات النفوذ والعودة إلى قطاعي الطرق " (29).‏

وقد طغى على هذه الانتخابات الطابع المحلي والعائلي، والصراع بين أعرق العائلات، والمنافسات الحزبية، والفوضى السياسية العامة، وزيادة عدد المستقلين، بسبب الخلافات الأساسية المستوطنة في السياسة السورية. ومع ذلك نظمت المعارضة نفسها في نطاق جبهة مشتركة معادية للحكومة تضم حزب الشعب والحزب الوطني العربي، ونقابات العمال، وجمعية المجاهدين، ورابطة العلماء، وحزب البعث.‏

وفي هذه الانتخابات التي جرت في تموز العام 1947، سادت فيها حرية التصويت، ولكنها لم تخل من حوادث العنف التي وقعت في أنحاء من البلاد أثناء سير عمليات الاقتراع الفعلية، بالإضافة إلى الخلافات والمشاجرات والعداوات العشائرية والعائلية التي سادت في عدة مدن سورية، خصوصاً وإن التنافس كان على أشده بين الحزب الوطني والمعارضة. ثم أظهرت نتائج الانتخابات هزيمة الحزب الوطني، على الرغم من تقدير الشعب لموقفه من الفرنسيين ونال 24/ مقعداً، أما المعارضة الذي يشكل حزب الشعب نواتها الاساسية، فقد فازت بثلاثة وثلاثين مقعداً جديداً وارتفع تمثيلها النيابي في المجلس إلى 53 / نائباً، يضاف إليهم كتلة مائعة كبيرة من المستقلين لاينتسبون إلى حزب، أو ينتمون إلى عقيدة، ويزيد عددهم عن الخمسين، وقد ظلوا من ظواهر الحياة البرلمانية السورية، ويمسكون بزمام التوازن ما بين الكتلتين المتنافستين ويشكلون أرضاً صالحة للانتهازيين السياسيين حتى اختفاء البرلمان السوري عام 1958. لقد كان هؤلاء من ملاك الأراضي ورجال الأعمال وزعماء القبائل والاقليات ورؤساء العائلات الكبرى البالغة القوة، وهم بعددهم الكبير في جميع الانتخابات السورية يشهدون على قوة اشكال الولاء المحلية والتقليدية وضعف التنظمات الحزبية (30).‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-06-2006, 05:32 PM   المشاركة رقم: 39
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

رابعاً





لبناء مجتمع مدني حديث؟‏

إن ايقاع الحياة السياسية السورية ما كان يجري وفق رغبات الطبقة الحاكمة، فهناك التحولات الدولية والداخلية التي اعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة، والتي كان لها التأثير المباشر على الأوضاع السياسية والاجتماعية في سورية.‏

لقد افرزت الحرب العالمية الثانية تطورات مهمة متنوعة شديدة التعقيد ومتعددة الأجزاء تمثلت في تغيير أساس في ميزان القوى الطبقية على الصعيد العالمي. فقد حقق الاتحاد السوفياتي انتصارا ً كبيراً في الحرب ضد النازية والفاشية، وبرز لأول مرة كقوة اشتراكية، و " انتصرت الاشتراكية المشيدة " في عدد من البلدان، وبخاصة في الصين منذ العام 1949، وظهر المعسكر الاشتراكي إلى عالم الوجود، وأصبح قوة في العالم المعاصر، خصوصاً بعد أن ارتبطت الاشتراكية لدى الشعوب وحكومات العالم الثالث بخيار التحرر والتنمية الاقتصادية، باعتباره الخيار التاريخي للخروج من بوتقة التأخر التاريخي. وبالمقابل برزت الولايات المتحدة كأكبر قوة عظمى في عالمنا المعاصرة على الإطلاق، بسبب حضورها المباشر على الساحة الدولية، والذي يعود إلى إمتلاك الولايات المتحدة معايير القوة والتفوق من ضخامة وقوة الاقتصاد الأميركي في العالم، إلى القوة العسكرية، وهي أضخم قوة عسكرية في عالم ما بعد الحرب، إلى التكنولوجيا الأميركية المتقدمة جداً، وأخيراً إلى الاختراعات العلمية والتكولوجية الأكثر تنوعاً في العالم. لكن الولايات المتحدة هي في الوقت عينه أكبر قوة أمبريالية عدوانية قائدة للمعسكر الامبريالي الغربي، الذي ضعف كثيراً، وبخاصة بالنسبة لقضية فرنسا وبريطانيا، حيث اخذت التناقضات بين البلدان الامبريالية تزداد حدة. وكان من الطبيعي أن يفرز هذا الوضع انقسام العالم إلى معسكرين شرق وغرب، متناقضين جوهرياً في مصالحهما الاستراتيجية والأمنية العسكرية، وفي معتقداتهما الايديولوجية، وبالتالي اتجاهين رئيسيين في العلاقات الدولية عقب الحرب العالمية الثانية .‏

الاتجاه الذي تمثله الامبريالية الاميركية، الذي يدعو إلى تفجير الحرب الباردة ضد المعسكر الاشتراكي، واخضاع المستعمرات والبلدان المستقلة حديثاً لإدارة الولايات المتحدة عن طريق التهديد العسكري، والابتزاز، وممارسة سياسة العصا الغليظة، وخلق الاحلاف العسكرية، كحلف شمال الاطلسي الذي تأسس في العام 1949 / والحلف المركزي وحلف جنوب شرق اسيا. وكان هذا الاتجاه الذي يلعب " اتجاه القوة "، ينطلق من تصورات، وتحديد الغرب لطبيعة الصراع على الصعيد الدولي مع الشرق. فالغرب يعتقد أن الايديولوجية الشيوعية ترغب في تحويل العالم باسره إلى عالم اشتراكي، وإلى عالم لا طبقي، وذلك من خلال الثورات العمالية المتلاحقة الموجهه ضد الطبقات الرأسمالية، وذلك برعاية الأحزاب الشيوعية واليسارية في العالم ". وهو يتصور (أي الغرب) إن الاتحاد السوفياتي هو الخطر وجودياً واستراتجياً على الغرب الذي ينبغي التصدي له ، وبالتالتي التصدي لهذا الخطر والحد من التوسع الايديولوجي للاتحاد السوفياتي وفرض حصار سياسي ودبلوماسي وايديولوجي وعسكري عليه " (31).‏

أما الاتجاه الثاني فيمثله الاتحاد السوفياتي والأقطار الاشتراكية الأخرى، وحركة السلام المناهضة للحرب، الذي ينادي بتطبيق سياسة التعايش السلمي بين الدول ذات الانظمة الاقتصادية المختلفة، وتخفيف حدة التوتر الدولي، والوقوف بحزم في وجه الحرب الامبريالية. وينطلق هذا الاتجاه من فلسفة الاشتراكية العلمية، التي ترى أن " الايديولوجية الرأسمالية هي باستمرار ايديولوجية استغلالية تدفع إلى نهب المناطق الغنية بالمواد الأولية وتخضعها لهيمنة النظام الرأسمالي العالمي، وتحرم الشعب بالتالي من التمتع باستقلالها الوطني " (32).‏

وهذا الاتجاه يعتقد أن الولايات المتحدة هي في الوقت الراهن أخطر الدول الرأسمالية، تعمل على محاربة حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، وتطمح إلى إجهاض التجربة الاشتراكية، التي تم تشييدها في الاتحاد السوفياتي، والصين وتحقيق سيطرتها على جميع دول العالم، بما يعني ذلك سيطرة حضارة الرأسمالية الاحتكارية والعدوانية التوسعية، والامبريالية، في سياسات الدول الغربية الرأسمالية، وبخاصة لدى الولايات المتحدة الأميركية، التي تريد فرض وممارسة سياسة الهيمنة الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والايديولوجية، والثقافية على العالم بشكل مطلق.‏

لقد أصبح انقسام العالم المعاصر إلى شرق وغرب حقيقة تاريخية وسياسية ثابتة في اجتماع يالطا، الذي عقد سنة1945. والذي حضره كل من شرشل، وروزفلت، وستالين، أي زعماء الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وبذلك تم تأسيس النظام العالمي ثنائي القطبية أو نظام يالطا الثنائي " في إطار انقسامه إلى معسكر اشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي، ومعسكر رأسمالي غربي بزعامة الولايات المتحدة الاميركية، حيث أن توازن القوى الجديد اقتضى قبول الولايات المتحدة بتزايد نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق، وقبول الاتحاد السوفياتي بتزايد نفوذ الولايات المتحدة في الغرب الرأسمالي.‏

من المنطقي والتاريخي أن يظل هذا التوازن الدولي الجديد معرضاً للاختلال والاضطراب جراء تضارب وصراع المصالح السياسية والاستراتجية الحيوية، بين النظامين، فضلاً عن استقطاب القوة الشديد، في العالم المعاصر، ووجود مناطق متوترة على طول جبهة الصراع الدولي الفاصلة بين النظامين المتناقضين. وإذ كان التوازن القديم عقب ثورة أكتوبر كان قائماً على أرضية وجود روسيا ضعيفة، وأميركا انعزالية، الأمر الذي حقق هدنة في الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، طوال عقدي العشرينات والثلاثينات، فإنه مع دخول العالم المعاصر، العصر النووي، وسباق التسلح النووي أصبح هذا العالم نفسه يضيق شيئاً فشيئاً بوجود نظامين متناقضين. ومع دخول العالم الحرب الباردة في سياق تطور صيرورتها كصراع بين الشرق والغرب، والتي تزامنت مع قيام الثورة العلمية والتكنولوجية الجديدة في الغرب، أو ما أصبحت تلقب به الثورة الصناعية الثالثة، فإن العالم المعاصر أصبح أكثر من أي وقت مضى غير قادر على تحمل وجود نظامين متناقضين، فإما الانتصار للاشتراكية النهائي وزوال النظام الامبريالي من الودجود، وإما الانتصار للبربرية الرأسمالية الهمجية. ذلك هو ديالكتيك التاريخ المعاصر والمعقد جداً ما بعد الحرب العالمية الثانية، ودخول العالم مرحلة الحرب الباردة.‏

أما على الصعيد التحولات الاقتصادية التي جرت في المجتمع السوري وبروز الدور السياسي للفئات الوسطى، وتطلع ابنائها إلى السلطة، فقد كانا في أساس نمو حركة سياسية اتسعت نطاقها لتشمل احزاباً أيديولوجية قومية، واشتراكية، ودينية.‏

" فقد كانت فئات الوسطى من السكان تؤيد تقليدياً أحزاب المعارضة الرئيسية المعتدلة كما ذكرنا، ولكن دخول فئة مثقفة، تنتسب في أصلها الاجتماعي إلى الطبقة الوسطى، ميدان العمل السياسي، في وقت ظهر فيه واضحاً العجز الايديولوجي والسياسي لأحزاب المعارضة المعتدلة، قد أدى إلى إنشاء أحزاب ذات ايديولوجيات مختلفة، موجهة بشكل رئيسي إلى الفئات الوسطى من السكان، وراديكالية، كالأخوان المسلمين (1928)، ومصر الفتاة (1932)، والحزب القومي السوري (1932) وحزب البعث (1940). وقد أذكى هذه الايديولوجيا المتعددة انتشار الصحافة والسياسة انتشاراً واسعاً (في مصر وسوريا بشكل خاص) الأمر الذي ساعد على التبعية السياسية لفئات واسعة من السكان " (33).‏

فالممارسة السياسية للكتلة الوطنية بما تمثله من بعد اجتماعي حفز متنورين من أبناء الفئات الوسطى إلى الامساك بزمام السلطة، أو المشاركة فيها في أسوأ الأحوال. وقد كان هذا الوضع مواتياً لبعض المعارضين من الفئات الاجتماعية العليا الذين دأبوا على التقرب من الفعاليات السياسية في الفئات الوسطى، ولاسيما ضباط الجيش، مما مهد السبيل لبروز كتلة سياسية جديدة قوامها : الضباط، والمعلمون، والمحامون، وقادة الحركة الطلابية، والنقابات، والمثقفون. هذه الكتلة التي ستكون لها شأن كبير في إطار الاحزاب الايديولوجية، التي طرحت برامجها السياسية، وشكلت نوعاً من المعارضة تستند إلى الشعب، أو تتقرب منه.‏

من الأحزاب الايديولوجية الراديكارلية المهمة التي تأسست في عقد الاربعينات، حزب البعث، التي كانت " عصبة العمل القومي " كحركة سياسية معارضة نواته الأساسية. وكان ميثال عفلق وصلاح البيطار من الأباء المؤسسين لحركة البعث العربي، التي كان قوامها المعلمون والطلاب وبعض المثقفين. أما القواعد الايديولوجية الأساسية لحركة البعث في المرحلة الأولى من تأسيسها فقد كانت تتكون من الايديولوجية القومية المستمدة من أفكار قومية حديثة، وافدة من الغرب، ومطعمة بالتراث العربي الإسلامي، خصوصاً وإن عفلق يعتبر حياة النبي " ممثلة للنفس العربية في حقيقتها المطلقة ". يؤكد عفلق أن كل عربي، في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ولو بصورة جزئية مادام ينتسب إلى الأمة التي انجبت محمداً " ." وهكذا لم ينظر البعثييون إلى الإسلام من زاوية طابعه الالهي والديني، وإنما اعتبروه مفصحاً عن عبقرية الأمة العربية " (34).‏

وإن تعريب " الإسلام على هذا النحو، وما أشاره من ردود فعل يعتبر حدثاً مهماً في تاريخ الحركة العربية، إن الأمة العربية، باعتبارها " فكرة خالدة " تنحو دائماً إلى أن تعبر عن نفسها، وتتجسد واقعياً، وما القومية العربية في وقتنا الحاضر إلا تعبيراً حديثاً عن ذات الأمة، ووعياً لحقيقتها. وهكذا تسمو هذه القومية إلى درجة الإسلام، على اعتبار أن الاثنين ليسا شيئاً أخر سوى تجسيد واع للأمة العربية في عصور مختلفة. ويتحدد ايديولوجيا مضمون الحركة القومية العربية في الوقت الحاضر " بالثالوث " المعروف : " الوحدة العربية والحرية والأشتراكية " (35).‏

وكان قيام الحزب الاشتراكي العربي كحزب اقليمي انحصر نفوذه في وسط سورية بمحافظة حماه، وفي أوساط الفلاحين بصورة خاصة، ووقوفه بحزم في وجه أعتى اقطاع في سورية كلها بقيادة زعيمه التاريخي أكرم الحوراني، الذي يعتبر شخصية سياسية عملية وميكافيليه، قد تشكل ساعداً قوياً في قيام الاتحاد بين الحزب الاشتراكي وحركة البعث الذي نجم عنه تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان ايذاناً لتحالف الفئات الاجتماعية الوسطى والدنيا. هذا التحالف الذي كانت تخترقه أيضاً الأحزاب الايديولوجية الأخرى كالحزب الشيوعي والحزب القومي الاجتماعي، وحزب الأخوان المسلمين، مما يشير إلى انخراط هذا الاحزاب جميعها في مجال سياسي واحد يمكن أن نسميه المجال السياسي للفئات الوسطى على الرغم من الدعوة الشعبوية والجماهيرية والعمالية. وبذلك تشكل مجال سياسي جديد قطع سياسياً وايديولوجياً مع المجال السياسي الذي كان سائداً في الأربعينات، وسيكون هذا المجال السياسي الجديد المجال السائد الوحيد مع مطلع الخمسينات حتى يومنا هذا.‏

في ظل الانقلابات العسكرية الثلاثة التي شهدتها سوريا ابتداء من آذار 1949 خصوصاً في عهد العقيد الشيشكلي مر حزب البعث العربي الاشتراكي بمرحلة التسييس والتجذير في نهجه السياسي والايديولوجي ". ففي هذا العهد أثبت الحزب وباصرار عن تعلق " كلي ونهائي " بالديمقراطية والبرلمانية. وكان حول هذه النقطة يؤكد أن النظام الجمهوري النيابي هو القاعدة السليمة لكل انطلاق شعبي "، وبالمقابل كان يرى أنه لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام متخلياً عن الحياة الدستورية، ولكنه وهو الحزب الانقلابي الاشتراكي، لم ينخدع بالمجالس النيابية التي لا تنفع إلى للمستغلين الاقطاعيين والسياسيين المحترفين"(36).‏

لقد تميز حزب البعث بالنضال على واجهتين : واجهة مدنية وواجهة عسكرية، فقام الحزب بتكوينن جبهة وطنية ضمت ممثلين عن حزب البعث العربي الاشتراكي، وحزب الشعب، والحزب الوطني، وبعض السياسيين المستقلين، وذلك بهدف تشكيل جهة سياسية معارضة لنظام الشيشكلي الديكتاتوري، في سبيل إقامة نظام ديمقراطي برلماني، وصيانة الحريات العامة، وصيانة الاستقلال، والجمهورية السورية، وأخيراً إبقاء الجيش في ثكناته.‏

إن هذا التقارب بين حزب البعث والأحزاب اليمينية المحافظة والتقليدية، وعدم أشراكه الحزب الشيوعي في هذه الجبهة، قد جعل حزب البعث يتعرض إلى التهديدات اليمينية واليسارية القوية في آن معاً. " وهنا يجب تسجيل هذه الوقفة الرائعة للحزب ونضاله على مختلف الجبهات الداخلية في سورية، هذا مع عدم نسيان دور الشعب والجيش السوري اللذين وقفا دائماً إلى جانب البعث. على أن هذا النجاح والصمود لم يخفيا ضعف البعث أمام التيارات السياسية التي كانت تتنازع سورية في ذلك التاريخ. وهذا السبب هو الذي جعل البعث يضغط بقوة ويقدم طلباً رسمياً، ناشداً رابطة رسمية مع مصر في خريف عام 1957 /. ولقد ظهر أن الاتحاد مع مصر يعني بنصره على خصومه المحليين، وفي نفس الوقت يتمكن من نشر مبادئه إلى كل انحاء العالم العربي " (37). وانجلت غوامض الأمور مع نهاية عام 1957، واتضح أنه ليس بإمكان حزب أو مجموعة سياسية منفردة، أو فرد في البلاد أن يؤمن الاستقرار السياسي لها، وعندما قدم طلباً رسمياً للوحدة مع مصر. هذا ما جرى في الوقت الذي " قام ضمن المعسكر اليساري نزاع بين الشيوعيين، الذين فضلوا روابط أمتن مع الاتحاد السوفياتي، وبين البعث الذي ألح على اندماج كامل مع مصر " ،وأخيراً انتصرت وجهة نظر البعث، وانتصرت مبادؤه بعد أن خاف في بداية عام 1958 /من قيام " انقلاب لمصلحة الشيوعية في سورية، وهذا ما ينهي قوته، أما الاتحاد مع مصر فيقويه. لقد اختلف البعث مع الشيوعيين لكنه آمن بأن عبد الناصر قد قبل أفكاره "(38).‏

لقد سيطرت الايديولوجية القومية العربية على المنطلقات النظرية، والنهج السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي، باعتبار أن القضية القومية هي القضية المركزية في صراع الأمة العربية من أجل التحرر والتقدم. لذا كانت باقي المسائل الأخرى من بناء الديمقراطية والمجتمع المدني، والصراع الاجتماعي، يتم التعامل معها على اساس أنها فروع من القضية الأم، لا على أساس أن هذه المسائل جميعها تتقدم معاً وتتراجع معاً، ضمن الفهم الجدلي للحركة التاريخية.‏

لذا، لم يركز حزب البعث على قضية الصراع الطبقي، بل أن ميشال عفلق عبر عن ذلك بقوله " وأنه بالرغم من أن المسألة الاجتماعية والاقتصادية لها خطورة كبيرة في حياة العرب وهي المشكلة الأولى، غير أنها تابعة لمشكلة أهم وأعمق هي المشكلة القومية وأنه لا يمكن ضمان حل للمشكلة الاقتصادية إلا إذا اعتبرت فرعاً ونتيجة لازمة للمشكلة القومية " (39).‏

ولم يعتمد الحزب معيار الانقسام الطبقي والانتماء الطبقي كأساس للموقف من القضية القومية، وإنما المعيار الجوهري الذي اتخذه هو جعل الشعب العربي بجميع فئاته وطبقاته في محور يناضل في سبيل حل القضية القومية العربية، ووضع باقي الفئات الاقطاعية والبرجوازية والسياسية المعادية لها في محور ثان " فليس فقط الرأسمالين والاقطاعين هم اعداء الشعب العربي بل أيضاً هم السياسيون الذين يتمسكون بالتجزئة لأنها تفيدهم شخصياً، وليس هؤلاء فحسب بل أولئك الذين يسايرون الاستعمار بشكل من الأشكال، وأولئك الذين يعادون الفكر والعلم والتطور والتفتح والتسامح والذين يقاومون أو يحولون دون تحرر أمتنا، وضعناهم في صف ومجموع الشعب في صف أخر " (40).‏

ومن هذا المنظار، يعتبر عفلق أن تحقيق الوحدة العربية ينبغي أن يعطي الأهمية والأولوية على الصعيدين السياسي والايديولوجي على ما عداها من الاشتراكية، لأن الدعوة إلى الاشتراكية في ظل تفتت وشتات الأمة العربية، واغتصاب فلسطين من قبل الكيان الصهيوني، تعتبر عامل تفرقة جديدة في صفوف الامة العربية.‏

وقد كتب عفلق في هذا الصدد قائلاً ربما لانعطي الشعب كل مايريده. بل ربما أخذنا من حاجاته لتقوية الجيش وتحقيق الانقلاب في البلاد العربية كلها. ولا يمكن تحقيق الاشتراكية في سورية وحدها لأنها صغيرة وأمكانياتها محدودة، ولأن الاستعمار والضغط في البلاد العربية كلها لاتجعل تحقيقها تاماً ومعقولاً، ولهذا لاتتحقق اشتراكيتنا تحقيقاً تاما إلا في الدولة العربية الواحدة، أي عندما يتحرر كل الشعب العربي، وتزول جميع الحدود التي تقف في وجهه، وهي الاستعمار الاجنبي والحكم الاقطاعي والتجزئة السياسية القائمة " (41).‏

إذن الاشتراكية التي تبناها حزب البعث هي اشتراكية ذات طابع عربي، منسجمة ومتوافقة مع خصائص الأمة العربية، وبخاصة مع تراثها الإسلامي، وعلاقته بالعروبة، حيث أكد ميشال عفلق بقوله في هذا الصدد " فعلاقه الاسلام بالعروبة ليست إذا كعلاقة أي دين بأي قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، إن الإسلام لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبهوا بها حتى يتفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم " (42).‏

من الأحزاب الايديولوجية التي تنتمي إلى المعارضة الجديدة، الحزب الشيوعي السوري، الذي كان يعتبر من أقوى الأحزاب الشيوعية العربية، والذي ارتبط تكونه بارتباطه بالأقليات كالأرمن، والأكراد. وقد تميز نضال الحزب الشيوعي في مرحلة الانتداب الفرنسي بالتعاون مع الوطنيين السوريين، واستطاع الحزب أن يحظى بشعبية حقيقية، نتاج عمله في المنظمات الجماهيرية. غير أن " تسلل الشيوعيين إلى نقابات العمال كان قليلاً نسبياً لأن النقابات نفسها كانت غير هامة تماماً. فالطبقة العمالية الصناعية - البرولوليتاريا - صغيرة (لاتزيد عن مئة ألف في عام 1950) ، وكانت الدولة هي المشرفة عليها برداء نقابي " (43).‏

لكن الشوعيين السوريين خاضوا صراعاً حقيقياً ضد الاستعمار الفرنسي، وأقاموا علاقة عضوية بين النضال السياسي والنضال المطلبي، وربطوا بين التحرر من الاستعمار بالدعوات للتحرر من الاقطاع والبرجوازية الكبيرة المحلية.‏

إن القضية الوطنية كانت محوراً أساسياً في نشاط الحزب الشيوعي السوري، وبرزت إلى جانب المسألة الاجتماعية، بصرف النظر عن الخلل في تناول هذا الحزب للمسألة الاجتماعية ذاتها، خصوصاً وأن الحزب الشيوعي، لم يستطع أن يتحرر من الجمود العقائدي، لجهة تصوره الطفولي، بل باعتقاده بأن البروليتاريا طبقة قادرة مهيئة مستعدة لاسقاط البرجوازية. وقادت نظرته الخاطئة للمسألة القومية، إلى اعتبارها قضية البرجوازية لاقضية الفئات الوسطى والعمال والفلاحين الفقراء. وأقام مقارنات تماثلية خاطئة بين نشوء وتطور القوميات في أوروبا الرأسمالية، حيث كانت البرجوازية الطبقة الرأسمالية الصاعدة حاملة نظام انتاج جديد قامت بثورتها الديمقراطية وحلت المسألة القومية عبر تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وبين نشوء وتطور القومية العربية. إن الحزب الشيوعي السوري وقع في التناقض التالي : بين اعتبار النزعة القومية في أوروبا الامبريالية قد قادت إلى ولادة الفاشية والنازية، وكمافرضته من أولويات النضال ضد الفاشية والنازية باعتباره الشعار الستاليني المركزي المعمم تطبيقه في ذلك الوقت، وبين اعتبار القضية القومية العربية التي تتميز بطابع ثوري وتقدمي لعلاقتها بالثورة الديمقراطية، وأهمية الثورة الديمقراطية في تأسيس المجتمع المدني الحديث - قضية برجوازية بحتة، والحال هذه لايجوز للبروليتاريا والشيوعيين الاهتمام بها بوصفها قضية صراع بين برجوازيت شوفينية وأن المشاحنات القومية تصرف انظار البروليناريا عن قضاياها الطبقية، في حين انفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بتبني المسألة القومية، التي طبعت الفكر السياسي العربي المعاصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأكسبته هويته.‏

على الرغم من وجود هذه الأحزاب الايديولوجية الراديكالية التي تطرح في برامجها السياسية المواجهة مع الغرب والأنظمة الرجعية التقليدية، واحتدام الصراعات الوطينة والقومية في مرحلة تصاعد حرارة الأحداث السياسية في المشرق العربي، خصوصاً لجهة الاستقطاب السياسي والاجتماعي بين المعارضة القومية والديمقراطية والاقطاع والبرجوازية الكبيرة في الداخل، وبين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشرقي على الصعيد الدولي، إلا أن هذه الأحزاب لم تتوصل إلى الأتفاق فيما بينها بصدد تشكيل جبهة قومية تطرح برنامجا سياسياً يعبر عن برنامج الجماهير الشعبية وقواها الطليعية لانجاز ثورة ديمقراطية في أي جزء من الوطن العربي، والقضاء على القاعدة المادية للسيطرة الغربية، ومصالح الطبقات الوسيطة الاقطاع والبرجوازية الكمبرادورية، والنضال لإقامة نظام ديمقراطي تعددي، وبناء مجتمع مدني حديث، وتحقيق العدالة السياسية والاجتماعية. ولهذا السبب، فإن هذه الاحزاب لم تكن تملك مفهوم ثورة ديمقراطية وبناء مجتمع مدني حديث في ايديولوجيتها السياسية، وفي برامجها، ولم تكن تتبنى قيماً وتقاليد ديمقراطية تعددية. ثم أن فكرة الجبهة لم تتأصل في الممارسة السياسية لهذه الأحزاب، وهذا ما جعلها لا تثمر في النهاية عن أية نتائج إيجابية، " بعد أن بدأ الحزب الشيوعي السوري يظهر مقاصده في السيطرة على سورية. ومما يجدره قوله هنا أن الحزب وأن أحرز مركزاً مرموقاً في بعض دوائر السلطة في سوريا، إلا أن قواه وقواعده الشعبية ظلت دون المستوى بكثير. " ولذا فإن سياسية الوثوب إلى الحكم التي نهجها في صيف - 1957 - لم تكن إلا مغامرة مآلها الطبيعي سقوط سورية في أحضان الرجعية ومبدأ ايزنهارو وتخريب وحدة النضال الثوري في الوطن العربي " (44). وكانت دلائل سقوط الحزب الشيوعي في سورية قد ظهرت منذ الربيع. وفي تلك الفترة لم تتمسك القيادة الشيوعية السورية بمبدأ التعاون بين الحزبين الوطنيين الشعبيين الكبيرين ".‏

أي حزب البعث والحزب الشيوعي. ولقد تحولت من تأييدها الكامل للكتلة الاشتراكية في الجيش أبان ماسمي " بعصيان قطنا " وإلى انشاء ودعم كتلة تقدمية وفضفاضة تناوئ الكتلة المذكورة. وهدر الحزب الشيوعي طاقة كبيرة في هذه الحرب الخفية، وفي النضال ضد المعارضة اللينينية التي اشتدت في صفوفه" (45). إذا كانت السياسة السورية قد اقتصرت على ردود فعل عفوية ومستقرة على التحدي الخارجي ولاسيما الانتداب الغربي، فإنها قد تمحورت في مرحلة الاستقطاب السياسي والاجتماعي، وحالة تعادل القوى بين الفئات المسيطرة اجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، من كبار الملاك، والتجار، وبين القوى الراديكالية ممثلة للفئات الوسطى، والعاملة، على السلطة مما جعل من العملية السياسية في سورية وغيرها من الأقطار العربية، مجالاً لارتقاء النخبة، واحتكارها المكاسب والامتيازات، وحال دون تسييس الشعب، وإن كان النشاط السياسي الشعبي قد أخذ في التفتح جراء عملية نزع الاستعمار. والحال هذه لم تصبح السياسة واقعة حقيقية لتجديد بنيان المجتمع، وإنماء عناصر ومكونات المجتمع المدني الحديث. ولم تكن السياسة بالتالي فاعلية اجتماعية راديكالية، بقدر ما كانت نشاطاً نخبوياً لجني المكاسب والامتيازات، ولم تضع في أولوياتها قضية انجاز الثورة الديمقراطية، وبناء المجتمع المدني. وكان موقف الأحزاب التقليدية (الشعب والوطني) من الشعب مجرد موقف تكتيكي. وصارت هذه الأحزاب تتغنى بالشعب، ولكن كل هذه المواقف كانت تكتيكية، وتستقوى بالشعب، وتفكر له عندما تلوح المنافع في أفق عملها.‏

في هذا المناخ الشعبوي لم تُأصِلْ الأحزاب الأيديولوجية الفكر الديمقراطي بما فيه الكفاية في وعي الجماهير الشعبية، ولم تجرؤ على نقد العلاقات الاجتماعية التقليدية التي تضرب بجذورها في التاريخ السحيق. ولذا ظلت المسألة الديمقراطية بوصفها إطاراً للمسألة القومية، والمسألة الاجتماعية معاً، غائبة في وعي هذه الاحزاب وممارستها معاً، على الرغم من بعض المظاهر الليبرالية التي عرفتها الحياة السياسية السورية من انتخابات برلمانية، وحرية صحافة إلخ. وكانت القضية القومية تفرض نفسها على هذه الأحزاب، بصور أهمها وأكثرها قوة القضية الفلسطينية التي استغلها العسكريون للصعود إلى السلطة بسبب هشاشة السلطة البرجوازية السورية، وقضية الصراع العربي - الصهيوني.‏

وقد اتخذت هذه السلطة من الضباط العسكريين حراساً لمصالحها، إلا أن هؤلاء الحراس كانوا دائماً يجدون أنفسهم على مقربة من السلطة السياسية، من دون الاستفادة من امتيازاتها ومكاسبها، مما أغراهم بالانقضاض عليها واحتكارها، وبالتالي امتلاك مصادر القوة، وتحول السلطة منذ ذلك الحين إلى مصدر للثروة. وهكذا، أصبح تدخل الجيش في السياسة وجعله الإدارة الوحيدة للوصول إلى السلطة أمراً مقبولاً به في نظر الاحزاب السياسية، وزعماء الكتل البرلمانية، والوجهاء المحليين. ومع نمو الجيش عددياً، واتساع دائرة استقطاب الفئات الاجتماعية الوسطى في صفوفه، بدأ الضباط يشعرون بأنهم حماة السلطة، وحراس مصالح الفئات النافذة، وقد قادهم هذا الشعور إلى بسط نفوذهم على مفاصل الدولة تدريجياً، وجعلهم يعملون على احتكار السلطة فيما بعد، وذلك بسبب ضعف البنية السياسية أو الطبقة السياسية الحاكمة، إذا جاز التعبير، واقتصارها على دائرة طبقية من الأعيان، الملاكين العقاريين، والتجار، والوجهاء.‏

لكن الصراع العربي الصهوني أضاف عاملاً جديداً في تعزيز سلطة الجيش، الذي تحول منذ فجر الاستقلال إلى مؤسسة وطنية، وكانت أهدافه السياسية على وجه العموم أهدافاً قومية، مما جعله في نظر شعبه، قوة صدام أساسية مع العدو الصهيوني.‏

خامساً: دخول الجيش في السياسة‏

مع صعود الهيمنة الأمريكية على النظام الراسمالي العالمي وحلولها محل دول الاستعمار القديم، برزت في أطراف النظام العالمي، ظاهرتان متلازمتان: أولهما: صعود الفئات الوسطى في المناخ "الليبرالي" الذي أعقب الاستقلال، ودخول الجيش في السياسة وصولاً إلى عسكرة المجتمع. وترتبط هاتان الظاهرتان بنمو دور الدولة في المراكز الرأسمالية.‏

ولذلك يمكن الاتفاق مع القائلين بتحول نمط الدولة البيروقراطية التي ظهرت في أواسط القرن الماضي إلى دولة تسلطية في البلدان المستقلة حديثاً، أي أن الجذر السياسي للدولة التسلطية السياسي، ترجع إلى جذور تلك البيروقراطية الموروثة عن المرحلة الكولونيالية.‏

والأسباب التي سهلت صعود الفئات الوسطى وهيمنة العسكر هي الأتية:‏

أولاً: هشاشة القاعدة الإجتماعية للتحالف الحاكم وهو تحالف التجار والملاكين الكبار، والوجهاء التقليديين، والأعيان وبعض من النخب المثقفة .‏

ثانياً: تفرد القوى الحاكمة في خياراتها الاجتماعية والسياسية، فقد كانت المحافظة على البنى التقليدية واللعب على توازناتها من جهة، وتطمح إلى السير في مشروع تحديثي مع الغرب من جهة أخرى، بحكم مصالحها الموضوعية.‏

ثالثاً: عجز هذه القوى عن الحراك الاجتماعي وتحقيق التوازن بين قوى المجتمع التي حركتها عملية نزع الاستعمار، وكانت ذكريات المقاومة الوطنية ما زالت طازجة في ذاكرتها.‏

رابعاً: اخفاق تحالف الحاكم في تحديث بنى المجتمع واطلاق سيروة نمو اجتماعي- اقتصادي مناسب تجمع حوله قوى الشعب.‏

خامساً: دفع مقتضيات الحفاظ على النظام إلى تقوية الجيش تحت عناوين الدفاع عن الوطن، وتحرير الأراضي المحتلة، وتكريس الأحزاب السياسية، لتسويغ توجهات السلطة وتبريرها. إلا أن هاتين القوتين المؤسسة العسكرية من جهة، وابناء الطبقة الوسطى الطامحين للإرتقاء، الاجتماعي والمشاركة السياسية من جهة أخرى، كانا البديل الضروري لسلطة ضعيفة ودولة مركزية عاجزة عن تحرير قوى المجتمع أو لجمها، والتغلغل في بنيانها، وربما كان هذا الدرس، أهم ما تعلمه ورثتها.‏

كان انقلاب حسنى الزعيم في سوريا العام 1949، وتسلم العسكر مقاليد السلطة الفعلية في البلاد، أول تدخل للجيش في السياسة في المنطقة العربية، وشكل بذلك سابقة أو مثالا يحتذى به على الصعيد العربي. وكان الزعيم ضابطاً في الجيش السوري من أصل كردي، تخرج من الأكاديمية الحربية العثمانية في استانبول، واشترك في الثورة العربية على الاتراك، ثم التحق بالقوات الفرنسية الخاصة، وحارب مع قوات فيشى في سورية إبان الحرب العالمية الثانية، وقبض عليه عقب انتصار الحلفاء، وقدم للمحاكمة وحكم عليه بالاشغال الشاقة لمدة عشر سنوات العام 1942، ثم أطلق سراحه عقب نهاية الحرب العالمية الثانية من قبل القوتلي، ليعيده إلى الجندية كضابط في الجيش الوطني السوري المتشكل حديثاً.‏

هناك مجموعة من الظروف السياسية- التاريخية العربية والدولية احاطت بهذا الانقلاب العسكري، يمكن تصنيفهاعلى النحو التالي: أن من أهم الأسباب التي دفعت بالجيش للقيام بانقلابات عسكرية هي الهزيمة العسكرية للجيوش العربية في حرب فلسطين العام 1948، وخيانة السلطات الاقطاعية والبرجوازية الكمبرادورية في ذلك الوقت، وعدم تهيئتها ودعمها للجيش.‏

فالجيوش العربية"كانت آنذاك بقايا جيوش كولونيالية، تفتقر إلى خبرة قتالية مناسبة، فضلاً عن أن معنوياتها لم تكن عالية، وفساد ضباطها كان ظاهرة ملفتة، ناهيك عن ارتهانها للغرب، بخاصة انكلترا، في ما يتعلق بالسلاح والذخيرة"(46).‏

وقد ولدت الهزيمة العربية في ظل سيادة حالة مزرية من التفسخ والفساد والإنحلال تعيشها الطبقة السياسية الحاكمة في العديد من البلدان العربية مثل سوريا ومصر والأردن والعراق، وكانت اللعبة السياسية والدستورية التي تمارسها هذه الطبقة السياسية لا تزال في أبعادها التقليدية، فضلاً عن أن سيادة أعضاء الحكومة. ولهذا السبب لقي انقلاب حسني الزعيم كل ترحيب من عامة الشعب، باعتباره فاتحاً لعهد جديد في الحياة السياسية السورية. وقد أعلن فارس الخوري، السياسي السوري المحنك،"أن الانقلاب قد كفل للرجال الخيرين عصراً من الاستقرار الدائم طالما تاقوا إليه، يقوم علىمبادئ العدالة والعمل الطيب مع الدعم الشعبي للحكومة والأمل يملأ فؤادي أن الزعيم سيتقدم بحزم وسلام حتى يقيم حياة دستورية وحكماً جمهورياً يتفق وإرادة الأمة"(47).‏

وبانتهاء، اليوم الثاني للانقلاب اصدر الزعيم بلاغاً سياسياً أعلن فيه تمسكه "بحقوق الإنسان وسعيه لبث الروح الديمقراطية بين ابناء الشعب، لأن الشعب كان يشكو من انهيار الفئة الحاكمة آنذاك بهذه المفاهيم المثلى. وقال حسنى الزعيم /لأعضاء وفد صحافي لبناني زاره في ذلك الوقت، أيضاً "سيكون الحكم في سوريا مثالياً تقتدي به مختلف الأقطار العربية؟ ووعد بإفساح المجال لانتخاب جمعية تاسيسية تتولى وضع دستور جديد للبلاد " يتضمن كل مبادئ التقدم والرقي والازدهار".‏

ومع تولي الجيش السلطة بدأ الزعيم بتصفية المؤسسات الدستورية في البلاد، فقرر حل البرلمان، ونصب نفسه رئيساً للدولة، يتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة لرئيس الدولة، وذلك في اليوم الثاني من الانقلاب ومع توليه السلطتين التشريعية والتنفيذية، بدأ الزعيم يمارس سياسة القمع ضد الصحافة خلال اصداره قراراً يحول له حق الغاء امتياز كل جريدة يومية أو مجلة أو دورية يرى في وجودها ما يضر المصلحة القائمة، مثلما لم يحدد شيئاً عن كيفية إعادة الحياة الدستورية إلى البلاد أو عن إقامة ديمقراطية صحيحة. وعلى الصعيد السياسي قام الزعيم بحل الأحزاب السياسية جميعها، وقمع الحزب الشيوعي نور. "وهكذا فقد الزعيم في غضون أشهر ثلاثة معظم شعبيته، وآثار عداءمختلف فئات المواطنين، فسياسته الموالية للغرب ألبت عليه الفئة المحايدة، وإصلاحاته العلمانية جلبت عليه سخط الزعماء الدينيين واتباعهم من المدنيين، واساليبه الأوتوقراطية قوضت آمال الليبيراليين، وسياسته الموالية لمصر أفقدته تأييد ومساندة الفئات الوحدوية العربية من ناحية والموالية للهاشميين من ناحية أخرى. أن محاولات الزعيم في ميداني الإصلاح المالي الحكومي والزراعي أوقعت الرعب في قلوب الطبقات الاقطاعية والتجارية النافذة التي تعرضت مصالحها الاستثمارية للخطر، أما عامة الناس الذين توقعوا كبرى الفوائد فأصابهم اليأس حين لم تتحقق الوعود الكبيرة التي قطعت "(48).‏

ما علاقة الانقلاب العسكري بالولايات المتحدة؟‏

عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على ملء فراغات القوة التي خلفها الاستعمارالأوروبي وراءه في العالم الثالث، لكي تمنع الاتحاد السوفياتي "من اغتنام الفرصه لتوسيع مجال نفوذه العالمي" وهكذا اصبح ملء فراغات القوة الموضوع الرئيسي لدى الولايات المتحدة في صراعها مع الاتحاد السوفياتي، لتحقيق هيمنتها العالمية، وتوحيد العالم الثالث تحت راية الأمبراطورية الأمريكية، في ظل مراعاة الأمن الأمريكي ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية اصبح العالم الثالث يشكل جبهة الصراع الرئيسية في الأستراتيجية الاقتصادية والسياسية، والعسكرية، والجغرافيا السياسية بين النظام الرأسمالي العالمي بزعامة الأمبريالية الأمريكية والاتحاد السوفياتي.‏

ثم ان الهيمنة الأمريكية كانت تنصب حكومات عسكرية مواليه لها في بلدان العالم الثالث، في حين أن الأمبرياليتين الفرنسية والبريطانية تحميان مصالحهما بحضورهما العسكري المباشر، أما الأمريكان الذين يعملون تحت ظل مبادئ الرئيس ويلسون"النقاط الأربع عشرة" التي ربما تكون قد لخصت على أفضل نحو ما يمكن لاخلاق الديمقراطية القومية النزعة المنبثقة من التراث الليبيرالي الأوروبي- الأمريكي أن تقدمه للعالم، حيث أن جوهر هذه النقاط الأربع عشرة، هو مزيج من ارث الحريات الدستورية الدينية الانكليزية، وللثورة الأمريكية المحررة من الوضعية الكولونيالية- لم يكونوا يرغبون في ارسال جيوشهم خارج الولايات المتحدة، والقيام بمغامرات عسكرية. لأن فخ التبعية للغرب قد احكم بحكم العلاقة البنيوية الكولونيالية، واصبحت أمراً ناجزاً، ولم يكن عنده إمكانية التملص من التبعية للاقتصاد الغربي لا سيما أن نزعة الاستعمارايقظت مخاوف كل واحدة من هذه البلدان المستقلة من الأخرى، فسارعت إلى عملية بناء جيوش عمقت حاجتها إلى الغرب.‏

وكانت الولايات المتحدة آنذاك تلعب دور زعيمة النظام الرأسمالي العالمي، إذ لم تكن مصالحها القومية تبتعد كثيراً عن مصالح الدول الراسمالية، لكن اهم من هذا كله أن الولايات المتحدة قامت سياستها في الأصل على التنكر للمبادئ الليبرالية التي تم التشديد عليها في الخطاب السياسي الأمريكي. فالمجتمع الامريكي وعلاقاته الداخلية لم تكن محصلة عصر أنوار وسيرورة " لبرلة" المجتمع، وتثبيت القيم الإنسانية والديمقراطية في بنيانه. وتحت هذه الأسباب جميعها يقبع العامل الاقتصادي المتمثل في تطور الرأسمالية ذاتها، وتحولها إلى نظام عالمي، ونهم الأمبريالية الأمريكية المنفلت من عقاله نحو إعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم عامة، والشرق الأوسط بخاصة، كانت مؤامرة الاتفاق مع "شركة التابلين الأمريكية" حول مرور أنابيب النفط الأتية من السعودية إلى البحر المتوسط عبر سورية، وشركة نفط العراق (شركة خطوط الشرق الأوسط) التي تأخر التصديق عليهما بسبب الاستنكار العام في سورية، ورفض المعارضة الوطنية "اتفاقية التابلاين"قد شكلت سبباً رئيسياً ثانياً ومهماً في استغلال المخابرات المركزية الأمريكية حدة التوتر بين الحكومة المدنية والجيش و"التهجمات الشنيعة والمتكررة على الجيش "داخل البرلمان وخارجه، وذلك في أعقاب توقيف بعض الضباط بتهمة الاختلاس والفساد، لكي تدفع بقائد الجيش حسني الزعيم للقيام بانقلاب عسكري تحت نفس الشعارات في ذلك الوقت "الخراب والغوغائية والمنازعات والعجز والفساد والخيانه"، التي اتسمت بها الطبقة الاقطاعية- البرجوازيه الحاكمه، والأحزاب التقليدية في هزيمة حرب فلسطين. وإن الجيش "اضطر إلى تولي السلطة بصورة مؤقتة " ودون أن تكون لديه الرغبة في البقاء فيها"، وإن الهدف من هذا العمل كان فقط " التحضير لإقامة نظام ديمقراطي حقاً." وأكد الجيش رغبته في "تحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة النظر في توزيع الأراضي، ووضع قانون يحدد الثروات الكبيرة، واخيراً العمل على رفع مستوى الطبقات الشعبية".‏

وهناك عامل رئيسي ثالث يتمثل في تحالف الأحزاب الايديولوجية الراديكالية والجيش. فهذه الأحزاب الايديولوجية التي هي تمثيليات سياسية للفئات الوسطى الصاعدة، والتي انتهجت خطاً سياسياً يدين الاقطاعية والقبلية والاستغلال الاجتماعي، والاستعمار الذي يعتبر حليفا طبيعياً لهذه الأوضاع، لم تكن تمتلك القدرة السياسية الكافية للنفاذ إلى قلب جماهير الفلاحين لمقاومة سلطة الاقطاعيين في المناطق التي يفرضون عليها قانونهم الخاص. وكانت هذه الأحزاب بحاجة إلى سند داخل السلطة، وهذا ما يفسر تطور علاقاتها مع الأوساط العسكرية، التي بلغت مرحلة من التحول السياسي المهم عقب الهزيمة في حرب فلسطين، حين بدأ الجيش يعزو أسباب الهزيمة إلى فساد النظام السياسي القائم. وفي مثل هذه الحالة كان لا بد من تطوير العلاقات مع الضباط الشباب الذين تخرجوا حديثاً من المدرسة الحربية والذين ينتمون إلى الريف أولاً، ومع الأقليات ثانياً، مماسمح بتسييس الجيش والأقليات معاً.‏

وهذه الفئات الوسطى بسبب عدم خبرتها السياسية، وعدم امتلاكها برنامجاً لتحديث المجتمع والدولة على الرغم من طرحها افكاراً اشتراكية وقومية عامة، إلا أن كونها ضعيفة الخبرة أولاً، وعلى هامش القاعدة الانتاجية الحديثة ثانيا، وكون الجسم السياسي بوجه عام ضئيل ثالثاً، لم تكن تريد واقعياً سوى الهيمنة على الدولة والتمتع بالامتيازات والمكاسب، إضافة إلىعنصر هام هو الاتحاد او الميل إلىانهاء عهد الاقطاع وتحرير الفلاحين. وكانت الأحزاب الايديولوجية الراديكالية ترى أنه في ظل استبداد القمع الذي تمارسه القوى المحافظة ضد الحركة الوطنية الشعبية، وتنامي التهديدات على سورية بفعل التدخلات الخارجية"يصبح من الضرورةأو حتى من الأمور المسلمة الاستعانة بالجيش، واستخدامه، كقوة مادية" اساسية لمواجهة جميع هذه المحاولات المعادية للحركة الشعبية التقدمية. ومع ذلك فإن الجيش كجيش ينبغي دائماً أن يشكل قوة دعم احتياطية للحركة الوطنية الشعبية وبالتالي ينبغي أن يكون بعيداً عن واجهة المسرح السياسي. يعني ذلك بعبارة اخرى أن تدخل الجيش في بعض الظروف له حدود لا ينبغي تجاوزها"(49). غير ان الجيش كان قد أخذ ينمو ويصبح مؤسسة ذات مصالح مستقلة، وأخذ يرنوإلى احتلال واجهة المسرح السياسي، واغتنام الفرصة للخروج من الثكنات للهيمنة على السلطة، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا باستناد إلى تنظيمات سياسية شعبية، وقاعدة شعبيه استعار منها شعاراتها وأفكارها.‏

وكانت الحياة السياسية السورية آنذاك موزعة إلى ثلاث قوى رئيسية: الطبقة البرجوازية التقليدية المتكونة من كبار التجار والملاك ووجهاء المدن وساسة الرعيل الأول، ويمثل الحزب الوطني مصالح هذه الطبقة إلى حد كبير، الذي يعتبر أن الحكومة الشرعية الوحيدة لسوريا هي التي تنبثق عن مجلس النواب، وكان في ذلك اشارة واضحه إلى رفض حكم العسكر وتدخلهم في السياسة. أما القوة السياسية الثانية الفاعلة فهي حزب الشعب الذي يشكل" المعارضة الغامضة، وغير المنظمة"، والذي فاز بأكثرية نسبية في الجمعية التاسيسية الجديدة عقب انتخابات 1949/، وكان من مؤيدي الاتحاد مع العراق، ومع توحيد القوى العسكرية في الدول العربية، والغاء جوازات السفر بين الأقطار العربية، وبنك إصدار عربي مشترك. ولكن حزب الشعب لم تكن لديه قيادة سياسية فاعلة، فضلاً عن أن التأييد الذي يحظى به يأتي من المستقلين، وهم سريعي التقلب في مواقفهم السياسية. وكانت القوة السياسية الثالثة هي قوة الجيش الصاعدة، حيث أصبح هذا الجيش يمتلك مفتاح الهيمنة السياسية على سورية، وأن كان يعاني بدوره من انقسامات مثله في ذلك مثل السياسيين. وكانت الانقسامات داخل صفوف الجيش وبين السياسيين قد "قادت إلى اقترانات غير متكافئة بين الأفراد الطموحين في كلا الفريقين... الساسه والجيش، وهذه حال الحوار مع زعيمي الانقلابين السابقين حسن الزعيم وسامي الحناوي. ثم أن الانقلابات أرت الضباط الشباب الطامحين كم هو سهل نسبياً الاطاحه بحكومه مدنية، لقد بات الوضع، بهذه القوى العاملة في الوقت، على وشك التفجر"(50).‏

وفي ظل الصراع على السلطة بين الجيش والسياسيين التقليديين المنقسمين، ذهبت الاحزاب الايديولوجية الراديكالية إلى البحث عن صداقات في الجيش ليستخدموها ضد الأحزاب التقليدية. وهذا ما يفسر علاقة أكرم الحوراني بالعسكريين الشباب وبالتالي علاقته بالانقلابات العسكرية منذ ان تحول الحزب الذي كان يراسه"حزب الشباب" إلى حركة ساسية جديدة" الحزب العربي الاشتراكي في العام 1950، والذي كان يمثل سياسياً مصالح حركة الفللاحين، وكانت اهدافه تتمثل في الغاء الاقطاع وتحديد الملكية الزراعية، وتوزيع الأرض على الفلاحين واصلاح النظامين الاقتصادي والاجتماعي اصلاحاً جذرياً شاملاً. ومن المعروف عن أكرم الحوراني انه كان يشجع الطلاب ابناء الفلاحين على الدخول إلى الكلية الحربية في حمص، ومن دعاة تطهير الجيش من العناصر العسكرية التي كانت تنتمي إلى "الارستقراطية الاقطاعية" أو البرجوازية الكبيرة في المدن،وهذا "مما ساعد حكما على ترقى ضباطاً كانت صلات معظمهم بالطبقات الوسطى مازالت قوية إلى مختلف الرتب ضمن الجيش".‏

وفي ظل عصر الانقلابات العسكرية المتتالية، وجه محمد سامي الحناوي ضربته العسكرية ضد سلفه الزعيم،وكان الجيش انذاك لم يكتسب المهارة السياسية الكافية لادارة دفة الحكم في سورية، ولهذا سلم الحناوي السطلة رسمياً إلى الساسة المدنيين، وكلف رسمياً المناضل هاشم الأتاسي فورا بتشكيل الوزاره، ثم أعلن الحناوي أن"مهمته الوطنية المقدسه" قد انتهت وأنه يعود إلى الجيش. وقد نال حزب الشعب حصة الأسد في هذه الحكومة الجديدة، أذ تولى أربعة من الشعبيين خيرة المناصب:رشدي الكيخيا في وزارة الداخلية، ناظم القدسي في وزارة الخارجية، وفيق الأتاسي في وزارة الاقتصاد الوطني، أما خالد العظم الوحيد من حزب الوطني فقد استلم وزارة المالية، واعطى زعيم البعث ميشيل عفلق وزارة التربية، اما أكرم الحوراني فقد اصبح وزيرا للزراعة. ومع تولي حزب الشعب الرئاسة وسيطرته على الحكومة، اعلنت الحكومة الجديدة الاعداد لقانون انتخابات جديدة، ثم انتخابات الجمعية التأسيسية لاعادة تنظيم البنية الدستورية للدولة السورية.‏

وأجريت الانتخابات في حينها 15تشرين الثاني 1949، وفاز فيها حزب الشعب بأكثرية نسبية في الجمعية التأسيسية على 51 مقعداً من أصل 114مقعدا، وفاز المستقلون بنحو 40 مقعدا، وفازت الجبهة الاشتراكية الإسلامية بنحو 4 مقاعد ،وحزب البعث بثلاث"، ونالت العشائر المقاعد التسعة المخصصة لها، وفاز الوطنيون الاشتراكيون، الذين (قاطعوا) الانتخابات بنحو 9/مقاعد.‏

إن انقلاب الحناوي طرح مجددا قضية الوحدة بين سورية والعراق، خصوصاً بعد أن رفض حكم الزعيم مشروع "الهلال الخصيب" الذي كان ينادي به نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي، وانضمامه إلى المحور المصري- السعودي. وكان حزب الشعب يؤيد الوحدة مع العراق ذلك أن البرجوازية التجارية والصناعية الحلبية كانت تتطلع تاريخياً نحو الموصل وبغداد أكثر من تطلعها نحو دمشق.‏

وكانت هناك عقبتان رئيسيتان أمام الوحدة السورية العراقية، الأولى هي "عدم الرغبة في التضحية بالنظام السوري الجمهوري على مذبح عرش يقوم عليه عبد الإله"، والثانية "الخشية من أن تتسع المعاهدة العراقية البريطانية فتشمل سوريا في سياق عملية الوحدة، ولم تكن هذه أيضاً إلا اعتراضات المعارضين لقيام الوحدة الذين شجبوا مقايضة استقلال سورية بعرش مقيد ببريطانيا بمعاهدة(51).‏

فهناك اجماع سوري باتجاه الوحدة، لكنه لم يكن ابداً يقف في صف حكم الهاشميين الخاضعين تحت حماية دولة استعمارية هي بريطانيا، وهويعلم أن أي اتفاق بشأن الوحدة مع العراق سيعوضه الجيش باسم المحافظة على الاستقلال الوطني. "وقد زاد في اضطراب الصورة وجود معارضين ومؤيدين لمسألة الوحدة في كل من القوى التي كانت الأغلبية منهم تنزع إلى تعاون عسكري واقتصادي أوثق مع الابقاء مؤقتاً على النظام الجمهوري، ورأى مستقلون كثر في الاتحاد مع العراق والأردن قوة لموازنة قوة "اسرائيل"، وأيد الحناوي أغلبية الجمعية للاتحاد، فبدأ الاتحاد وكأنه نتيجة حتمية بعد الموافقة على قسم رئيس الدولة. وكان أمام الساسة المعادين للاتحاد بديل واحد فقط هوتشكيل تحالف مع عنصر الجيش الذي يعارض الاتحاد مع العراق، وكان أكرم الحوراني حلقة الوصل بين الفريقين، أما قائد هذا العنصر العسكري فهو العقيد أديب الشيشكلي، قائد اللواء المتمركز في درعا"(52).‏

شكل الانقلاب العسكري الثالث في سورية الذي قام به العقيد أديب الشيشكلي في التاسع عشرمن كانون الأول عام 1949، انعطافاً جديداً للأحداث السياسية في ظل عدم الاستقرار الحكومي وتنامي البلبلة السياية، والانشقاقات الوزارية بسبب الخلاف بين مؤيدين للوحدة مع العراق الهاشمي، ومعارضيها للوحدة مع العراق، والمنشقون من حزب الشعب الذين شكلوا معا جبهة جمهورية دفاعا عن النظام الجمهوري في سورية. ويعتبر الحوراني شريكاً اساسياً في هذا الانقلاب، بما أنه كان يمثل مع الشيشكلي السياسة السورية المعادية للوحدة مع العراق، لأسباب تعود من وجهة نظر الحوراني إلى فشل انتفاضة رشيد عالي الكيلاني، واستقواء الحكم الملكي الهاشمي بالامبريالية البريطانية، فيما يعتبر الشيشكلي نفسه أنه بطل استقلال لسورية، كي لا تكون خاضعة لبغداد. ولكن انقلاب الشيشكلي لم يكن خارج سياق نمط الانقلابات العسكرية الصحيحة التي تحركها ارادات الدول العظمى ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ومهما كانت الحوافز والدوافع المختلفة التي تقف وراء هذا الانقلاب، وبخاصة الصراع بين العسكريين والمدنيين حول مسؤولية قيادة المجتمع والدولة والمحافظة على واقعها في الوقت عينه، فإن ميشيل عفلق يشكك في موقف الشيشكلي من أنه بطل استقلال سورية، قائلاً بأنه لا يستحق هذا اللقب "فمع أنه عارض قيام الوحدة مع العراق، إلا أنه كان وثيق الصلة بالسعوديين والمصريين والفرنسيين، وكان استقلاله محدوداً جداً، وقد تحدث المتحدثون الفرنسيون عن الشيشكلي على أنه بطل وحدة أراضي سورية. أن هذا العطف وجد لقيامه بتنفيذ لعبتهم في معارضته لبغداد، وبالتالي للبريطانيين".‏

وبقدر ما كانت للعوامل الداخلية دور مهم في تفريغ الانقلابات العسكرية الثلاث المتعاقبة، في ظل مجلس نيابي معاد ورأي عام صامت وغير مكترث، فإن للعوامل الاقليمية والصراعات الدولية للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط دور أساسي في دفع بعض القيادات العسكرية المتنفذة في الجيش للقيام بانقلاب عسكري له صلات مع قوى اجنبية. فضلاً عن أن الصراعات بين العسكريين أنفسهم قد أخذت صورة محاولات انقلابية عنيفة في سبيل التنعم بامتيازات ومكاسب السلطة وحدها، من دون أن تغير في بنية المجتمع الكولونيالية والتقليدية، لأن الانقلاب العسكري مهما كان نوعه يأتي بضابط كبير إلى مركز السطلة والقيادة السياسية للدولة من دون أن تكون له ايديولوجية واضحه، أو أن يكون مهيأ لقيادة دولة، ولا أن يملك مشروعاً مجتمعيا، أو برنامجاً سياسياً إلخ.‏

لكن من المؤكد، أن الأزمات الوزارية المتعاقبة التي شهدتها سورية في ظل انهيار الحكم المدني قد كانت سببا مهماً في دفع الجيش للانقضاض على السلطة. فهناك استقالة خالد العظم بسبب التهديدات التي كان يوجهها إليه أكرم الحوراني الناطق باسم الجيش، وهناك تشكيل الدكتور القدسي الوزارة "الانتقالية" في الرابع من حزيران العام 1950، التي يحظى فيها الشعبيون باكثرية نسبية، حيث تعرضت بدورها إلى صراعات عنيفة بسبب المواقف المتناقضة بين المؤيدين لدستور عام 1950، والذين يريدون قلب الجمعية التاسيسية إلى مجلس نواب، وبين المعارضين لها خصوصاً فيما يتعلق بالمادة التي تنص على أن الإسلام سيعلن دينا للدولة، ولم يكن لحزب الشعب موقف واضح من قضية الدين والدولة، سوى الدفاع عن الإصلاح بواسطة القوانين العصرية والتقدمية، والأخذ بالتراث العربي الإسلامي في الحسبان.‏

وقد أثار مشروع نص أن الإسلام دين للدولة انقساماً واضحاً بين القوى السياسية المختلفة والمتباينة في منطلقاتها الايديولوجية، وفي برامجها السياسية، وبنيانها الاجتماعي. فبالنسبة للإخوان المسلمين كان موقفهم مبيناً تبياناً بارعاً في شعارهم "الإسلام دينا ودولة، وقرآن وسيف، جامع ومدرسة /قانون وأخلاق، عدالة وأخوة، حياة وخلود "، وحدد النائب مصطفى السباعي أحد قادة الإخوان موقفه، حين ربط بين مسألة دين الدولة والقومية العربية، قائلاً "إن أية محاولة للسير بسورية نحو العلمانية والالحاد والمادية لتشكل خطراً على حاضر العرب ومستقبلهم". على نقيض هذا الموقف نجد الطوائف الدينية المسيحية المختلفة قد أدلت بدلوها في هذه المسألة، فرئيس الروم الكاثوليك المطران حريكه حددموقف المسيحيين بوضوح"أن دين الدولة هو الإسلام سواء أنص الدستور على ذلك أم لا، لا سيما أن سورية قد ورثت التشريع الإسلامي للأمبراطورية العثمانية " مضيفاً مع ذلك أن إضافة مادة تتعلق بالدين الى الدستور سيحط من سمعة البلاد. كما عارض فارس الخوري وهو بروتستانتي ورفض أي ذكر للدين، وقال أن الدين لله أما الوطن فللجميع". أما الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية، الحزب السوري القومي الاجتماعي، الشيوعيون، حزب البعث، فقد دافعت عن دولة علمانية،وجاء في بيان الحزب السوري القومي الاجتماعي من قول انطوان سعادة نفسه"أن فكرة تعلق المؤسسات الدينية بالسلطة الزمنية لا تتفق ومفهوم القومية عموماً والقومية السورية بصورة خاصة".‏

"وبعد نقاش اسمتر اسبوعاً تم التوصل إلى تسوية تبقى على الصيغة الوارده في دستورعام 1930، وتنص على" دين رئيس الجمهورية الإسلام" ثم اضيفت لتلطيف الرأي العام المحافظ، في المادة الثالثة عبارة تذكر أن "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع". وفي المادة نفسها أعلن أن الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونه مرعيه، وتضمنت مقدمة الدستور كمنحة أخرى للأحاسيس الإسلامية، والمحافظة، ما نصه؟ "ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا"(53).‏

وفي ظل عدم الاستقرار الوزاري، واستمرار التنافر بين حزب الشعب المسيطر على الوزارة وقيادة الجيش بسبب من إصرار الأول على تطبيق الدستور نصاً وروحاً من خلال تسليم وزارة الدفاع إلى شخص مدني، وتطبيق الرقابة البرلمانية عليها والدرك الوطني، في حين أن الشيشكلي يريد أن يسيطر على النهج السياسي للدولة خشية منه أن يفقد الجيش دوره القيادي في شؤون الحكم، وبخاصة في مجال الإشراف على السياسة الخارجية، حيث أن حزب الشعب ما أنفك يغازل بغداد، قاد الشيشكلي انقلابه العسكري، الثاني في 29تشرين الثاني 1951، وأتهم حزب الشعب بأنه دفع حسني الزعيم إلى تبني "سياسية ديكتاتورية للتآمر على استقلال البلاد وتعريض جيشها، وخلق شوكه جديدة فيه. وأدعى أن الأزمات الوزارية جميعها قد اصطنعتها هذه القوة السحرية كي يتقدم الشعبيون كمنقذين، وأن هدف حزب الشعب -الوحيد كان أضعاف الجيش و وسمه أن منظمته تحتكر السلطات جميعها... كل ذلك في محاولة لتحقيق طموح هذا الحزب ومخططاته". وهكذا تولى الجيش كامل إدارة الدولة، وأصدر الشيشكلي البيان العسكري رقم 1 ونصه:‏

"يتولى رئيس الأركان العامة، رئيس المجلس العسكري الأعلى، مهام رئاسة الدولة، ويتمتع بكافة الصلاحيات الممنوحة للسلطة التنفيذية"، كما أعلن حل مجلس النواب والإطاحة بالنظام البرلماني وتسلم السلطة كاملة.‏

لقد وضع الشيشكلي حداً للصراع بين المؤسسة العسكرية والقوى السياسية التقليدية- وبخاصة حزب الشعب-، بعد أن تدرب الجيش نفسه في طرق المشاركة كلياً في النزاعات السياسية المدنية، وسخر من الحكم البرلماني، وأصبح أداة سياسية وعماد الدولة وعمودها الفقري، في ظل التدخل المباشر للعسكريين في الحياة السياسية والمدنية، ونمو موازنته وتزايد نفقاته العسكرية، وتحسن الأوضاع المعيشية للضباط والجنود. ولم يعد الجيش يحكم من وراء الستار، بل أصبح يستخدم في الشؤون الداخلية، انطلاقاً من مقولة بعض المتحمسين لتدخل الجيش في القضايا الداخلية، باعتباره ينتمي إلى الشعب، والحال هذه فإن "تعاون الجيش والسلطة التنفيذية يسهم في إدراك الشعب أن الجيش ينتمي إليه".‏

وعلى الرغم من أن الشيشكلي منح بمرسوم مناصب رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع إلى الزعيم فوزي سلو، في انتظار عودة الحياة البرلمانية إلى البلاد، إلا أن السلطة الفعلية للدولة كان هو الذي يديرها بقبضة حديدية صارمة. وفي نطاق تدعيم حكمه العسكري الديكتاتوري، غيّر قادة الشرطة، وقام بتطهير جهاز الموظفين والمحاكم وتعيين ضباط في الجيش في مراكز إدارية داخل الحكومة، ومنع نشاط الأحزاب السياسية من حزب الشعب، والأخوان المسلمين، وحزبي البعث والاشتراكي اللذين يقودهما ميشيل عفلق وأكرم الحوراني. "ولما كان حظر الأحزاب انتهاكاً مباشراً للدستور السوري فالمرسوم القاضي بحظرهما أرفق -ببيان، "للأسباب الموجبة" غريب، فبعد مهاجمة الأحزاب القديمة وأنها تكتلات تتبع أفرادها واتهامها بالاستقواء والاستلهام من الخارج أدعى البيان خلو التشريع السوري من قانون بيّن الحدود صريح الأغراض ينظم أحكام الأحزاب السياسية. ورغم اعتراف البيان بأن المادة 18 من الدستور تمنح السوريين حق تأليف الأحزاب السياسية، وأن القانون المدني نص على بعض المبادئ العامة بشأن الجمعيات، أعلن أن قانون الجمعيات العثماني لم يزل نافذاً في الجمهورية السورية، وكذلك لم تزل نافذة حتى الآن بعض قرارات المفوض السامي الفرنسي في هذا الصدد، وعلى أساس هذا التشريع المضطرب، واستناداً إلى هذه الأحكام المتناقضة الناقصة أفسح المجال في الماضي للأحزاب السياسية القائمة. لذلك فالحل الوحيد هو حل الأحزاب والمنظمات السياسية وفروعها في سورية"(54).‏

ولما كانت الديمقراطية والانقلابات العسكرية تقفان على طرفي نقيض، فقد كانت ديكتاتورية الشيشكلي صريحة في معاداتها للديمقراطية، ومؤسسات المجتمع المدني الحديث ليس فقط من خلال إلغاء الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية والنقابات المهنية، وقمع التجمعات والمظاهرات الطلابية في جميع أنحاء سورية، واعتقال زعماء المعارضة في الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية مثل الاشتراكي العربي والبعث والشيوعي، وإنما أيضاً من خلال حل المحكمة العليا التي كانت تنظر وتبت في دستورية القوانين ومشروعات المراسيم، لكي يجسد الشيشكلي الاحتكار المطلق للسلطة، جاعلاً من رئيس الدولة القاضي والمحلف. وأمام اعتماد الشيشكلي في حكمه على قبضة عسكرية عنيفة قطعت كل الروابط مع الأحزاب والتنظيمات السياسية الوطنية والديمقراطية، وخشيت الديمقراطية البرلمانية، تحول حكمه في النهاية إلى رجعية سياسية صريحة في الداخل، في ظل اشتداد الصراع الدولي بين الإمبريالية الأميركية من جهة وكل من الإمبريالية البريطانية والفرنسية على التغلغل في سورية من جهة أخرى، بسبب الإزدياد الكبير في حجم إنتاج النفط العراقي وتأمين سلامة أنابيب شركة بترول العراق التي تمر عبر سورية وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط. خصوصاً وأن العراق قد وضع أمام جامعة الدول العربية خطة اتحاد فيدرالي عربي يتكون من مراحل، ويبدأ باتحاد سورية والعراق والأردن، كتجسيد جديد "لمشروع الهلال الخصيب الذي عارضه الشيشكلي طوال حياته السياسية".‏

ومن جهة ثانية قامت الديكتاتورية العسكرية إلى توحيد المعارضة القومية والديمقراطية من خلال المؤتمر السري الذي عقد في 30/تموز 1953، وضم حزب البعث العربي الاشتراكي بعد أن اندمجا حزبا البعث العربي والاشتراكي العربي في حزب واحد، وحزب الشعب، والحزب الوطني، وبعض السياسيين المستقلين، وأعلن في هذا المؤتمر عن انبثاق ميثاق وطني ". طالب بتأجيل الانتخابات وتشكيل وزارة ائتلافية تمثل الأحزاب جميعها ما عدا حركة التحرير العربي (الموالية للشيشكلي) على أساس حلف "وطني" وهذه الوزارة تجري استفتاء على الدستور الجديد الذي اقترحه الشيشكلي (والذي غير جذرياً العلاقات بين السلطات في الدولة، إذ أنه أعطى صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية على غرار النظام الأميركي.‏

وأحدث تغييراً جوهرياً في انتخاب رئيس الجمهورية، إذ ينتخب من الشعب انتخاباً عاماً وسرياً ومباشراً لا من مجلس النواب) كما تضمن الميثاق الوطني برنامجاً سياسياً من خمسة نقاط:‏

1-التخلص من الشيشكلي ونظامه الديكتاتوري.‏

2-إقامة نظام ديمقراطي برلماني‏

3-صيانة الحريات العامة‏

4-صيانة الاستقلال والجمهورية السورية.‏

5-إبقاء الجيش في الثكنات(55)‏

وقادت السياسة القمعية والمتهورة للشيشكلي إلى توحيد المعارضة السياسية المدنية، والعسكرية داخل الجيش، حيث أن هناك اتجاهين من الضباط البعثيين والشعبيين والموالين لهما، كانا يعملان داخل المؤسسة العسكرية، واتفقا على قلب النظام القائم، على الرغم من اختلاف الدوافع لكل منهما. وهكذا أسهمت "ثورة الجيش" في إسقاط الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي في 25 شباط 1954..‏

لقد برز الجيش كقوة منتظمة وحيدة في المجتمع، وذلك قبل أن تتبلور الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية كقوى ضاغطة منظمة قائدة للحركة الشعبية والديمقراطية. ولكن الجيش السوري كانت تشقه التناقضات والاختلافات الدينية، والمذهبية، والسلالية، والاجتماعية، والاقتصادية، ولهذا كان مسرحاً للصراعات بين القوى والتكتلات المتنابذة داخله، وعاكساً في الوقت عينه الاتجاهات السياسية الداخلية بكل تناقضاتها الفاعلة في واقع المجتمع السوري.‏

وعلى الرغم من أن الانقلابات العسكرية المتتالية التي عرفتها سورية كانت تحظى بالتأييد الشعبي في حدود معينة، من جراء الموقف الشعبي المعادي للطبقة البرجوازية -الإقطاعية التقليدية والمحافظة، والأحزاب السياسية التقليدية، فإن دخول الجيش في السياسة من دون أن يكون متسلحاً بمشروع سياسي ناضج يقدم حلولاً واقعية للمشاكل والمشكلات التي تواجه الشعب، وجهل الانقلابات العسكرية، وجهل العسكريين -بما يريدونه- باستثناء تدخل الجيش في الصراع الشعبي ضد القوى البرجوازية والإقطاعية الحاكمة، قد جعل كل انقلاب عسكري ينتهي إلى ديكتاتورية سياسية صريحة "تخدم مصالح الاستعمار والطبقات المحافظة والبرجوازية صاحبة المصلحة. ونتج عن التجربة السورية هذه شيئان: الأول أن الحركة الشعبية أخذت تخاف العسكريين. الثاني أن الحركة الشعبية تنظر إلى كل الحركات العسكرية بمنظار تجربة سورية الخاصة وبشكل أخص كانت هذه هي نظرتها إلى الثورة المصرية"...(56).‏

إذا كان صحيحاً أن القوى السياسية التي كان لها حلفاء في الجيش زعماء البعث أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار وبعض الحزبيين المستقلين على رأسهم صبري العسلي، وخالد العظم وحلفائه الشيوعيين قد استقوت بالجيش لإسقاط السلطات البرجوازية -الإقطاعية المحافظة والتقليدية، فإن ما هو صحيح أيضاً أن الانقلابات العسكرية نظراً لفقدانها أي مضمون سياسي ديمقراطي واضح، واتجاه تقدمي راديكالي ملتزم بالقضايا القومية، قد أسهمت في تأخير تعميق الوعي القومي الديمقراطي في صفوف الحركة الشعبية، الذي كان يمكن أن يشكل ضمانة حقيقية في بناء جبهة سياسية تضم الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية القومية والديمقراطية، تتماهى مع قواعد بناء مجتمع مدني حديث ودولة ديمقراطية.‏

وعلى نقيض ما كانت تخطط له الاتجاهات السياسية التي كانت تتصارع على السلطة السياسية في سورية بواسطة الجيش، لاستخدامه كأداة تنفيذ، خصوصاً وإن لكل هذه القوى العاملة أنصاراً ومؤيدين داخل الجيش، فإن هذا الأخير لم يعد مقتنعاً بهذا الدور، بل أصبح مقتنعاً بإدارة كامل شؤون الدولة، وهو ما جعل تخليه عن الحكم لمصلحة المدنيين، مسألة في غاية التعقيد لا تحل إلا بانقلاب عسكري جديد. فالجيش أصبح مدرسة سياسية مؤثرة في السلطة السياسية بشكل واضح، كما أنه القوة الوحيدة الأكثر تأثيراً في السياسة الداخلية السورية، في ظل عجز السلطة المدنية التي كانت تتزعمها الأحزاب التقليدية المحافظة، والتي تبحث عن الاستقرار والمحافظة على الأوضاع القائمة، ووجود حركة شعبية ديمقراطية ضعيفة تطالب بالتغيير الجذري للمجتمع، ولكن من دون أن تكون لها قوة ضاربة على التغيير، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى النخبة العسكرية من الضباط الوطنيين الذين هم من أصل ريفي وفلاحي لتحقيق بعض من مطالبها في التغيير السياسي.‏

وما أن تم القضاء على الديكتاتورية العسكرية للشيشكلي حتى عاد الجيش إلى تكاتفه ليأخذ دوره التقليدي كجيش محترف. ولتعود سورية إلى مرحلة الحكم الذاتي المدني والديمقراطية التقليدية التي يوجهها الجيش من وراء الستار بطريقة غير مباشرة، ولتشهد مرحلة جديدة من الصراع بين الأحزاب المحافظة والتقليدية والإقليمية والأحزاب الأيديولوجية الراديكالية، ومن ورائها النخب العسكرية من الضباط الحزبيين الوطنيين.‏












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
قديم 07-06-2006, 05:36 PM   المشاركة رقم: 40
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
من قبيل نيتشـــــه ...

البيانات
التسجيل: Jun 2006
العضوية: 10
المشاركات: 10,743 [+]
بمعدل : 3.50 يوميا
اخر زياره : [+]
 

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
غيارى الراوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : غيارى الراوي المنتدى : اقرأ
افتراضي

سادساً: فترة الحكم المدني في سوريا 1954-1958





أثناء الصراع ضد ديكتاتورية الشيشكلي، تبلورت الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية تنظيمياً وشعبياً، وأسهمت إسهاماً حقيقياً في عملية التسييس والتجذير للحركة الشعبية، ولعل أهمها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حقق انتشاراً كبيراً في الأوساط الريفية، وكذلك في الأقطار العربية المجاورة كالأردن ولبنان والعراق، والحزب الشيوعي، والحزب القومي الاجتماعي السوري. وجرت أول انتخابات حرة في سورية على دورتين في 24-25 أيلول، و4و5 تشرين أول 1954 في ظروف كاملة الحرية والنظام، وقدمت مقياساً ثميناً للرأي العام في وقت عصيب كانت فيه سورية أكثر البلدان العربية جدالاً سياسياً. أنها تمثل عودة سورية إلى الحكم النيابي، ولكن هذه العودة أقل أهمية وخطورة من الفرصة التي أتاحتها للحكم على القوة النسبية للقوى المتناقضة في المسرح السياسي السوري، إذ أن قليلاً مما له أهمية قد تم في العالم العربي، وفي السنوات الثلاثين الماضية بدون المجالس الشرعية أو التأسيسية التي كانت تعطل أولاً(57) .

وقد أسفرت الانتخابات عن نجاح 99 نائباً في الدورة الأولى من أصل 142 ثم 43 نائباً في الدورة الثانية. ويمكن مقارنة انتخابات 1954 بانتخابات 1949 لكشف التبدل الحقيقي في ميزان القوى السياسية داخل سورية لمصلحة الأحزاب الأيديولوجية القومية، وبخاصة حزب البعث العربي الاشتراكي.


1949
الأحزاب
النسبة المئوية
1954
الأحزاب
النسبة المئوية

31
المستقلون بما فيهم 9يملكون العشائر
27.195%
64
المستقلون
45.07%

20
مستقلون يؤيدون حزب البعث
17.554%
30
حزب البعث
21.23%

43
حزب البعث
37.719%
22
حزب البعث العربي الاشتراكي
15.59%

1

13
حزب البعث

الحزب الوطني
0879

11.5%
19

2
الحزب الوطني

الحزب القومي الاجتماعي السوري
12.81%

1.5%

1
الحزب القومي الاجتماعي السوري
0.879%
2
الحزب التعاوني
1.5%

1
الحزب التعاوني
0.879%
2
حركة التحرير العربي الاجتماعي أنشأها الشيشكلي)
1.5%

4
الكتلة الإسلامية
3.4%
1
الحزب الشيوعي
0.8%

114
المجموع
100%
142
المجموع
100%



من خلال قراءة عملية المقارنة لنتائج 1954 بنتائج 1949، يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:

أولاً: تراجع قوة حزب الشعب الذي خسر العديد من مقاعده لمصلحة حزب البعث والحزب الوطني. ويقول باتريك سيل في هذا الصدد أن تراجع حزب الشعب رسم نهاية صفحة طويلة في العلاقات السورية العراقية، فقد قطع الأمل في وحدة الهلال الخصيب بأكثرية أصوات المجلس النيابي السوري، كما دفع العراق وأصدقاءه في سورية إلى إعادة النظر في استراتيجيتهم معتقدين بأنه لا شيء سوى القوة تستطيع حسم القضية. وقد كانت نتائج الانتخابات وحلف بغداد هي التي سببت فتح صفحة جديدة من التآمر العنيف في العام التالي، إذ وجد أعداء العراق في هزيمة حزب الشعب ضمانة للوحدة السورية في وجه التوسع الهاشمي(58) .

وهكذا شكلت انتخابات 1954 بداية الانحدار التاريخي للقوى السياسية التقليدية التي كانت تلعب الدور الرئيسي في قيادة السياسة السورية، ومنطلقاً جديداً نحو الانجراف باتجاه اليسار، أي باتجاه التسييس والتجذير للحركة القومية العربية مثل البعث، وفتح المعركة ضد الإقطاع في سورية، التي ستكون لها أخطر الآثار على الحياة السياسية الداخلية.

ثانياً: ظهور حزب البعث كقوة صاعدة جديدة إذ ارتفع عدد أعضائه في البرلمان من 1في العام 1949 إلى 22 في العام 1954. وهذا الانتصار الانتخابي، والتقدم الواضح الذي سجله حزب البعث يؤكدان على صعود قوى اليسار المتزايد من اشتراكية بعثية، وشيوعية أمام معارضة القوى المحافظة التقليدية التي تمثل مصالح البرجوازية والإقطاع. فقد استطاع أكرم الحوراني أن يفوز بخمسة مقاعد في محافظة حماة المعقل الحصين للإقطاع السوري. وذلك بفضل أصوات الفلاحين الفقراء، وأصدقائه من جيش الطبقة الكادحة، ويعزى فوز حزب البعث إلى عوامل عديدة منها توق الشعب السوري إلى التحرر من سيطرة الأحزاب التقليدية، وتطلعه إلى عملية التغيير الراديكالي، والعداء المتزايد للغرب في سورية لا سيما بين الشباب والبعث، حيث كان حزب البعث حاملاً لواء القومية العربية ومعاداة الغرب.

ثالثاً: نجاح خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي في سورية ولبنان في دمشق، لأول مرة في تاريخ سورية إلى البرلمان. "وكان خالد بكداش أول نائب شيوعي في دنيا العرب، /يدخل البرلمان/ إذا استثنينا نيابة عبد القادر اسماعيل في العراق قبل الحرب، والنواب الشيوعيين اليهود في فلسطين المحتلة، والنواب الشيوعيين الفرنسيين في الجزائر" (59) .

مع تطور الظروف السياسية العربية، وبخاصة التوجه المصري إلى التسلح من الاتحاد السوفياتي، والدول الاشتراكية صفقة تشيكوسلوفاكيا 1955) وفتح باب التعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي معها، وتأميم قناة السويس، وانفجار الصراع مع الكيان الصهيوني العام 1956 من خلال الاعتداء على مصر -بريطانيا- فرنسا والكيان الصهيوني، الذي أثار موجة من الاضطرابات الشاملة والتحركات الثورية في أجزاء عديدة من المشرق العربي، ومقاومة سياسة الأحلاف العسكرية الاستعمارية الغربية التي أحدثتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون، باشتراك عدد قليل من البلدان الرجعية المحلية، مثل حلف بغداد 1955، حيث عملت القوى الإمبريالية الغربية على تدريب الجيوش العميلة لاستخدامها في مقاومة خط التحرير والوحدة على صعيد الوطن العربي، ضمن هذه الظروف السياسية الملتهبة حقق حزب البعث انتشاراً ونفوذاً سياسيا بين الأوساط القومية العربية في سورية والأقطار المجاورة، وتبني سياسة الانفتاح على الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية الأخرى، ودعا بإلحاح إلى إعادة تكوين الجبهة الوطنية في سبيل النضال ضد الأحلاف العسكرية الغربية، وضد حلف بغداد بالذات.

وبالمقابل حدثت تغيرات أيديولوجية في مواقف الأحزاب الشيوعية العربية إزاء قضية الأمة العربية، والوحدة العربية، فقد أكد خالد بكداش في خطابه أمام مجلس النواب السوري بتاريخ 6/10/1955 أن جميع مقومات الأمة بما فيها الوحدة الاقتصادية متوفرة في العرب، وكما هو واضح وساطع كالشمس في رائعة النهار. وهكذا اعترف الحزب الشيوعي في سورية ولبنان بالقومية، والوحدة العربية أثر اجتماع اللجنة المركزية في 22 نيسان 1956، الذي صدرت عنه مقررات في كراس بعنوان "نحو أفاق جديدة" وبعنوان "قرار عن قضية الوحدة العربية".

-لقد شكلت الانتخابات النيابية 1954) حداً فاصلاً بين بداية تقهقر الأحزاب التقليدية نهائياً من المسرح السياسي بحكم طبيعتها المحافظة وموالاتها للغرب، خصوصاً وأن الحزبين: الوطني والشعبي كانا يمثلان الطبقة البرجوازية والطبقة الرأسمالية المحافظة ومرتبطان بالرأسمال الاحتكاري، وبين الصعود لقوى اليسار التي بدأت تبحث عن صيغ ائتلافية جديدة، مثل تكوين الجبهة الوطنية التي تشكلت من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وبعض التكتلات القومية الأخرى، في أواخر 1956 وبداية عام 1957. وكان برنامج هذا الائتلاف هو "الميثاق الوطني"، الذي أكد على إنجاز برنامج الإصلاحات الديمقراطية، ورفض المشاريع العسكرية الغربية بالدرجة الأولى حلف بغداد، وعلى انتهاج الحكومة سياسة الحياد، وأخيراً تأييد ودعم الثورة المصرية.

وأمام التوترات التي كان يعاني منها الحزبان الكبيران الشعب والوطني). واستمرار الانقسام والصراع الدائر فيما بينهما، الأمر الذي جعل قوتهما البرلمانية بسبب انعدام الانضباط الحزبي، وبسبب وجود أجنحة يمينية ويسارية متصارعة داخلهما، قليلة الأهمية، ومع تنامي المشاعر المعادية للغرب، وازدياد علاقات سورية بالكتلة السوفيتية قوة، أصبحت الأحزاب الأيديولوجية الراديكالية اليسارية أي البعثيون والشيوعيون) الآن خير الأحزاب السياسية في سورية تنظيماً وانضباطاً. وكان الحزبان كلاهما يتبعان السياسة عينها فيما يتعلق بالصراع ضد الطبقة السياسية المحافظة والتقليدية ونزع ثقة الشعب بها، والتشهير بالسياسة الإمبريالية للغرب ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية، والعمل من أجل التبشير بالوحدة العربية.

وكان المعسكر اليساري المعادي للغرب المتألف من البعثيين بمقاعدهم النيابية، والشيوعيين الذين ازدادوا قوة وانغراساً بين المواطنين بسرعة، وكتلة خالد العظم الجديدة، قد تم رفده أيضاً من قبل اليساريين من الوطنيين والشعبيين والمستقلين ذوي الميول والأموال المصرية والسعودية والسوفيتية. "أن قدرة البعثيين والشيوعيين على إخراج الجماهير وإشاعة العواطف المشايعة للسوفييت منحت المعكسر اليساري قوة في مجلس النواب تفوق كثيراً ماله من نواب. كما أن وجود المتعاطفين مع اليسار داخل صفوف الجيش جعل ممكناً إرهاب الخصوم جميعهم ما عدا أشجع شجعانهم، وكان يقف أمام هذه القوة الدينامية المليئة قوة وفعالية العناصر المحافظة والتقليدية المنقسمة على نفسها انقساماً قاسياً والتي يروعها إلى حد ما، تهديد العامة والجيش وتنقصها القيادة القوية، وتقاتل قتال التراجع"(60) .

إذ الانجراف نحو اليسار في السياسة السورية لا يعود بالدرجة الرئيسية إلى دور الحزب الشيوعي فقط. فقد بيّن أكرم الحوراني أن الشيوعيين لم يكونوا "القوة الضاربة" في الحركة الوطنية، وأن الدعاية الغربية هي التي انسجت هذا الوهم لتشويه موقف سورية التقدمي أمام الرأي العام العالمي، ولإشاعة الاضطراب في سورية والمنطقة، وضرب العلاقة القائمة بين البعث والحزب الشيوعي السوري. لكن الانجراف نحو اليسار مرده اتساع نطاق "الحرب الباردة" بين المعسكر الإمبريالي الغربي والمعسكر الشرقي واشتداد الاستقطاب الأيديولوجي والعسكري بينهما، واندفاع الإمبريالية الاميركية في سياسة تهدف إلى ارتماء كل البلاد العربية في مشاريع الأحلاف العسكرية، وبخاصة حلف بغداد، قابلها تصاعد النضال الوطني والقومي من جانب المعارضة اليسارية من الساسة اليساريين وقادة الجيش الوحدويين المعادين للاستعمار الجديد بزعامة الولايات المتحدة. "ومما لا شك فيه أن حزب البعث في سورية، بما له من نفوذ ضمن الضباط الشباب في الجيش، كان عاملاً من العوامل الأساسية التي حالت دون دخول سورية في المشاريع الغربية الاستعمارية، وقد برز خطر هذه المشاريع بوضوح عندما اغتيل العقيد البعثي عدنان المالكي في نيسان 1955 /على أيدي القوميين السوريين، بتحريض من نوري السعيد والحكم الهاشمي في العراق، وقد أدى ذلك إلى تصفية حزب سعادة في سورية وازدياد نفوذ البعث في الجيش، وسائر مؤسسات الدولة"(61) .

إن اغتيال المالكي، أكد للشعب السوري شراسة الصراع الدولي على سورية من جهة، وتزاحم الأحزاب السياسية اليسارية واليمينية على حد سواء للبحث عن حلفاء عسكريين داخل الجيش من جهة أخرى، الأمر الذي جعل هذا الجيش ينغمس في العمل السياسي إلى درجة ضاقت فيها الحدود بين المدنيين والعسكريين في حمأة الصراع الوطني والقومي في المنطقة العربية مع ازدياد الهجوم الغربي والنظام الهاشمي في العراق المعادي، وتصاعد النفوذ السوفيتيي لا سيما في مصر وسوريا في نطاق مقاومة مشاريع الهيمنة الغربية، خصوصاً حين أصبح موضوع الوحدة العربية قضية أساسية ومهمة على الصعيد العربي.

غير أن قضية الوحدة العربية لم تكن مطروحة من جانب الحركة القومية العربية بشقيها الناصري والبعثي في ذلك الحين، كقضية المجتمع المدني ودولته الديمقراطية، يوصف الديمقراطية قضية قومية بامتياز. مثلما أن مفهوم المجتمع المدني، ودولة الحق والقانون التي تشكل أساس الدولة الديمقراطية بما هي دولة قومية لم يكونا متبلورين في الخيارات الأيديولوجية والسياسية للأحزاب اليسارية -البعث والشيوعيين. فبدلا أن يسود مفهوم المجتمع المدني الذي يشمل جميع التيارات والأحزاب من القومية والماركسية والليبرالية التي تعمل في المجال الفكري والسياسي للأمة، والذي يقوم على أساس الوحدة والتعدد والاختلاف والتعارض، في برامج الأحزاب اليسارية- طالما أن هذه الأخيرة تجسد سياسة متطابقة في قضايا الصراع ضد الرجعية المحلية، والإمبريالية الأميركية، والتعاون الوثيق مع السوفيات ، ازداد التنافر حدة بين البعثيين والشيوعيين..

إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لتوطيد العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، سواء عن طريق صفقة الأسلحة بين الجيش السوري وحكومة الاتحاد السوفياتي، أو بواسطة الاتفاقية الاقتصادية الشهيرة بين الحكومتين السورية والسوفياتية، قد لقيت ترحيباً كبيراً في الأوساط الديمقراطية والشعبية السورية، ووصفت بأنها "انتصار جديد للقومية العربية"، "وضربة للإمبريالية الاميركية"، وأسهمت في توطيد الحلف بين خالد العظم الذي كان يتولى نائب رئيس الوزراء ووزارتي الدفاع والمالية، ورئيس التنمية الاقتصادية التي أوكل إليها الاشراف على الاتفاقية المعقودة مع الاتحاد السوفياتي) والحزب الشيوعي، باعتبار أن العظم كان يمثل الأوساط المعادية للإمبريالية في صفوف البرجوازية الوطنية. وفي ظل سيادة النهج المعادي للإمبريالية التي تميزت به سياسة الحكومة السورية، وتوطد العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، واتجاه العديد من الضباط السوريين إلى بلدان الكتلة السوفيتية للدراسة والتدريب، ارتفع صيت السوفيات وازدادت شعبيتهم في سورية، وازداد أيضاً أعضاء الحزب الشيوعي ومتعاطفيه، وازدادت معه شعبية خالد العظم إلى درجة اعتبرتها الأوساط السياسية آنذاك أنه قد يؤدي التحالف الوثيق بين العظم والشيوعيين إلى تحركات للاطاحة بنفوذ البعثيين في الوزارة واشتداد نفوذ العظم والشيوعيين فيها. الأمر الذي يمكن هؤلاء الأخيرين من التسلل والتغلغل في مختلف أجهزة الدولة، خصوصاً وأن أحد أعضاء الحزب الشيوعي عفيف البزري، أصبح رئيساً للأركان العامة. كما أن أخاه صلاحاً قاد منظمة المقاومة الشعبية بآلاف من المدنيين المسلحين. لهذه العوامل كلها، بدأ الزعماء البعثيون يدركون خطورة التهديد الأكبر الذي يمثله الشيوعيون بالنسبة لهيمنتهم على الحكومة السورية، وهو ما جعل ميشيل عفلق يهاجم الشيوعيين في بيانات صحفية منذ شباط عام 1957 معلناً أن الشيوعية غريبة عن العرب غرابة النظام الرأسمالي عنهم".

وازدادت مخاوف حزب البعث من امكانية تحقيق الشيوعيين فوزاً في الانتخابات البلدية، تكون مؤثراً مهماً بالنسبة للانتخابات النيابية القادمة، لذا اتجه البعث للبحث عن حلفاء بين المستقلين والحزب الوطني بل و "بين الشعبيين أخصامهم اللدوديين". وكان حزب البعث يعاني تاريخياً من الصراع السياسي الداخلي الحاد، باعتباره حزباً يضم في صفوفه فئات غير متجانسة بل ومتناقضة أحياناً كثيرة في مصالحها الاجتماعية والسياسية، بين القيادات اليسارية المنحدرة من الفئات الوسطى في المدن والأرياف من جهة، وبين كتلة من القوميين اليمينيين الذين يريدون حصر نشاط الحزب في برنامج ضيق يعزل الحركة القومية عن حليفها الشيوعي، وإقامة حلف عامل مع اليمين المحافظ المناهض للشيوعية. "ففي أواخر 1957 حدث انعطاف حاد في خط الحزب السياسي نحو النهج القومي. وشرع زعماء البعث اليمينيون بتحريض وتأييد من الأوساط البرجوازية الإقطاعية الرجعية في سورية، يدعون بنشاط إلى ضرورة الاتحاد السياسي الكامل مع مصر عوضاً عن القرار المتخذ سابقاً بالاتحاد الفدرالي في تموز 1956، اتخذت حكومتا مصر وسورية قراراً بالاتحاد على الأسس الفيدرالية، وقد حظي القرار بتأييد القوى التقدمية والديمقراطية في سورية وفي مقدمتها حزب البعث الذي كان يعتبر الوحدة العربية أحدى مهامه السياسية الأساسية، كما أيد الحزب الشيوعي السوري قرار الحكومة نظراً لاهتمامه الخاص بالاتحاد المقترح، وباتجاهه المعادي للإمبريالية... مع إشارته في الوقت عينه إلى ضرورته التقيد بأسس الاتحاد الديمقراطية، ومراعاة الحقائق المتكونة في سورية ومصر وصيانة الحريات الديمقراطية والمكاسب الاجتماعية التي حققها الشعب السوري، كما عارض الاتجاه معظم ممثلي حزب الشعب وحزب الأخوان المسلمين. وقسم من أعضاء الحزب الوطني) أما الأوساط البرجوازية الإقطاعية في سورية فقد وافقت في تلك الفترة على الاتحاد الكامل مع المصريين خوفاً على مواقفها السياسية والاقتصادية. فإن الثورة المصرية التي كانت في المرحلة الأولى كانت تؤمن للبرجوازية الوطنية المصرية مكسباً أكبر ناهيك عن أن البرجوازية السورية(1) كانت تظن أنها ستظل تحكم البلد نفسها، وأنها فضلاً عن ذلك ستتمكن من دخول السوق المصرية. وفي جميع الأحوال كان الاتحاد يؤمن لها إمكانية التوصل إلى هدفها الرئيسي، وهو القضاء على الحركة الديمقراطية في سورية" (62) .

إذا كان العدوان الثلاثي على مصر قد أكد بالقدر الكافي عن ظهور مشروع قومي عربي تقوده مصر يستطيع أن يعبئ جماهير الأمة العربية باتجاه النضال من أجل الوحدة العربية، فإن الولايات المتحدة الأميركية اعتبرت ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد هزيمة الإمبراطوريتين الغربيتين القديمتين بريطانيا وفرنسا في حرب السويس، أنها أصبحت المسؤول الأول والأخير والقوة الوحيدة المعتمدة من الغرب كله لخوض "معركة القرن" على حد قول "كبر ميت روزفلت" أي خوض الصراع المتصل والمستمر للسيطرة على الشرق الأوسط والوطن العربي في قلبه. أن "معركة القرن" التي دشنت عصر هيئة الإمبراطورية البازغة في الغرب، أي الإمبريالية الأميريكية على منطقة الشرق الأوسط، وتثبيت سيطرة الغرب أي الولايات المتحدة بالذات) عليها، قد قامت على أساس مذهب "أيزنهاور"، الذي يريد تصفية الوضع الثوري في مصر -باعتبار أن هذا الوضع سيقود إلى بناء تكتل قومي عربي قادر أن يهدد الحلم الإمبراطوري الأميركي، وأن يفتح الباب لوجود سوفياتي مناصر لقضايا العرب القومية ويوازن في الوقت عينه المخطط الأميركي الصهيوني المعادي- والقضاء على حلفاء مصر في الوطن العربي وفي طليعتهم سورية، وذلك من خلال تحقيق الانقلاب الداخلي في سورية لمصلحة القوى الرجعية، وتصفية مجموعات الضباط الوطنيين في الجيش السوري، تمهيداً لاستيلاء العناصر العسكرية اليمينية الموالية للولايات المتحدة على مراكز القوة في الجيش، وبالتالي على سورية. ومن المعروف أن الجيش السوري كان مسرحاً رئيسياً للصراعات السياسية الحزبية، بحكم وجود كتل في داخله لها ارتباطات تنظيمية في الداخل مثل كتلة الضباط البعثيين الذين يعلنون صراحة انتسابهم إلى حزب البعث، وعضويتهم في لجنته العسكرية ويحسب ضمنها عبد الحميد السراج رئيس الشعبة الثانية أي الاستخبارات العسكرية) المسؤول الأول عن الأمن في الجيش السوري، وبالتالي المسؤول عن أمن سورية، فكان رأيه حسب قول ميكل أن أمن سورية الوطني يتصل اتصالاً مباشراً بالقاهرة التي أصبحت مركزاً رئيسياً لقيادة المشروع القومي العربي، والتي برز فيها جمال عبد الناصر كقائد قومي للأمة العربية في ظروف ما بعد السويس. وهناك مجموعة الشيشكلي ومجموعة أخرى من الضباط اليساريين يتجهون بأفكارهم إلى الحزب الشيوعي السوري. وكانت لهذه الكتل ارتباطات حزبية، وطبقية تؤدي بدورها إلى ارتباطات على الساحة العربية متوزعة بين الرياض وبغداد والقاهرة.

وهكذا اشتد هجوم الولايات المتحدة الأميركية على سورية لا سيما طوال عام 1957 للإطاحة بالحكومة الوطنية واستبدالها بحكم موال للغرب تماماً. واستخدمت الإمبريالية الأميركية بعبع الخطر الشيوعي لتخويف جيران سورية تركيا، والأردن، والمملكة السعودية، ولبنان من "السيطرة الشيوعية السوفيتية المتزايدة على سورية والحشد الكبير للأسلحة السوفيتية فيها".

وفي النصف الثاني من عام 1957، واجهت سورية من جديد خطر الاعتداء المسلح عليها، فقد أجرى "لويد هندرسون" الممثل الخاص للولايات المتحدة الأميركية، سلسلة من المداولات مع رؤساء حكومات العراق والأردن وتركيا، وغيرها من البلدان حول تنظيم التدخل المسلح في سورية. وأخذت السفن الأميركية المدججة بالأسلحة والذخائر الحربية تتوارد على المرافئ التركية، وأرسلت القيادة التركية للقوات المسلحة إلى الحدود مع سورية، واستثارت الأوساط المتطرفة في إسرائيل النزاعات على الحدود السورية"(63) .

لقد تذرعت الولايات المتحدة بسيطرة الحزب الشيوعي، واحتمال تولي الشيوعيين السلطة في سورية، ومن ثم الشيوعية الدولية على سورية، وأثارت الخطر الشيوعي لكي تنتهج السياسة الأميركية تجاه سورية الحصار والغزو، وتحويل أنظار الرأي العام العالمي والعربي عن الخطر الصهيوني، واختراع أخطار أخرى غيره، خصوصاً أن هناك إجماعاً عربياً في حينه حول خطر الكيان الصهيوني الذي يهدد الأمة العربية.

سابعاً: لماذا فشلت تجربة الوحدة المصرية السورية؟

في ذلك الوضع المتوتر أدى خطر الحصار والغزو المسلح السافر لسورية إلى تقوية التضامن بين العرب في النضال ضد الإمبريالية الأميركية. وأصبحت الوحدة كمصلحة ضرورية ومنطقية لتطور الصراع القومي ضد الاستعمار، والإمبريالية والرجعية الداخلية. ومع اشتداد الضغط الامبريالي ونشاط القوى الرجعية المحلية اعتبر توحيد البلدين العربيين سورية ومصر بمنزلة إمكانية فعلية لتعزيز قدرتهما الدفاعية، ولمقاومة الضغط الاقتصادي والسياسي من جانب الاستفزازات والتهديدات بالعدوان المسلح اللتين تمارسهما الإمبريالية الأميركية.

وبنتيجة المفاوضات التي جرت في كانون الثاني 1958 بين قيادة الجيش وقيادة حزب البعث من جهة، والرئيس عبد الناصر من جهة أخرى، اتخذ في أول شباط فبراير) 1958 قراراً بتوحيد الدولتين بصورة شاملة، وبتأسيس الجمهورية العربية المتحدة.

ومن الجدير بالذكر هنا أن موافقة الرئيس عبد الناصر على تحقيق الوحدة الاندماجية الكاملة كان مشروطاً إذ أنه أكد على الأمور التالية:

1-أن يجري استفتاء شعبي على الوحدة في مصر وسورية حتى يقول الشعبان فيها رأيهما الحر، ويعبران عن إرادتهما واختيارهما.

2-أن يتوقف النشاط الحزبي السوري، وأن تقوم كل الأحزاب السورية دون استثناء بحل نفسها.

3-أن يتوقف تدخل الجيش في السياسة توقفاً تاماً، وأن ينصرف ضباطه إلى مهامهم العسكرية ليصبح الجيش أداة دفاع وقتال وليس أداة سلطة في الداخل وسيطرة -ومعنى هذا على "المكشوف" أن كل قادة الكتل وأولهم أعضاء المجلس العسكري جميعاً عليهم أن يخرجوا من صفوف الجيش ليشغلوا بالسياسة لأنهم بالفعل مشتغلين بها. هذه هي شروطي.

لقد تعامل عبد الناصر مع مسألة الوحدة العربية بواقعية ثورية خصوصاً عندما أدرك عقب العدوان الثلاثي في 1956 العلاقة العضوية بين الكيان الصهيوني والإمبريالية الغربية، وأن مسألة الوحدة العربية تعتبر المسألة المركزية في الصراع العربي الصهيوني. وجرى الاستفتاء على الوحدة في 22شباط، وبنتيجته انتخب جمال عبد الناصر بالإجماع رئيساً للجمهورية. وفي 6آذار أنشئت الوزارة الأولى في الجمهورية العربية المتحدة، وضمت أربعة عشر وزيراً سورياً كان بينهم الزعماء السياسيون التالية أسماؤهم، والذين لعبوا دور هاماً في ربط البلدين معاً: أكرم الحوراني نائباً لرئيس الجمهورية) وصبري العسلي نائباً لرئيس الجمهورية) وعبد الوهاب حومد وزيرا للعدل) وصلاح الدين البيطار وزير دولة) وخليل كلاس وزير للتجارة والاقتصاد) وفاخر الكيالي وزير للخزانة) كما ضمت من العسكريين الذين لعبوا أدواراً مهمة عبد الحميد السراج وزير للداخلية) ومصطفى حمدون وزير للشؤون الاجتماعية) وأحمد عبد الكريم وزير للشؤون البلدية والقروية) وأمين النفوري وزير للمواصلات)

بينت الحوادث التاريخية التي وقعت بعد الوحدة السورية المصرية أن هذه الأخيرة قد وضعت أسس هيمنة العسكر، وإلغاء السياسة من المجتمع. فالوزارات الأساسية تقلدها الضباط. والجيش له حضور وازن في السياسة، ودولة الوحدة حلت الأحزاب السياسية، وألحقت النقابات بالدولة. وبدأت تنزع مؤسسات المجتمع المدني.

إذا كانت الوحدة العربية هي مشروع قومي معاد للاستعمار، ومتصادم مع الإمبريالية الأميركية والصهيونية، والرجعية العربية، وتعبيراً عن عملية تاريخية لها تأثير على الوجود السياسي للأمة التي تنزع إلى التحرر والاستقلال، فإن تجسيدها الواقعي لا تتحقق إلا في سيرورة بناء مجتمع مدني حديث يتسع ويشمل جميع القوى والأحزاب السياسية والتيارات الفكرية المتمحورة حول حل مسألة الوحدة العربية حلاً ديمقراطياً، بصرف النظر عن أيديولوجيتها، وبرامجها السياسية، وأهدافها وتركيبها الاجتماعي وأساليب عملها، وكذلك بناء دولة ديمقراطية حديثة يفسح مجالها الحقوقي والسياسي لهذه الأحزاب حرية العمل والتعبير السياسيين، باعتبارها تمثيلات سياسية هي جزء من الحركة السياسية الجامعة للأمة العربية، وتعبر عن قوة اجتماعية هي جزء من الشعب، تتطلب والحال هذه أن يكون لها جميعها حقوق متساوية، وأن يكون لها دورها في نشر الوعي القومي الديمقراطي، وفي طرح برنامج لتحقيق الوحدة.

وعلى الرغم من أن عبد الناصر حقق أوسع شعبية من خلال بناء دولة وحدوية ذات نزوع وحدوي، ومتطابقة هويتها مع هوية المجتمع، حيث أن السلطة يقودها حكام عرب، وذات صفة وطنية وتمثل الأكثرية الشعبية- رغم أنها لم تكن منتخبة إلاأنه كان هناك التفاف شعبي حولها- إلا أنه عجز عن تحقيق وحدة القوى والأحزاب السياسية المنظمة، وخلق الجبهة القومية المتحدة. فضلاً عن أن قصوره في وعي مسألة الوحدة العربية حال دون رؤيته لمفهوم الوحدة كمفهوم أوسع وأشمل يشمل جميع التيارات والأحزاب السياسية التي تعمل في المجال الفكري السياسي للأمة، ما لم تكن أيديولوجيتها مضادة للوحدة. وأن الوحدة مفهومة فهماً جدلياً سياسياً وتاريخياً لا تتحقق إلا على قاعدة احترام واقع التعدد والاختلاف والتعارض بين الأفراد والجماعات، والطبقات الاجتماعية داخل الأمة العربية، وعدم إنكار التعارضات الاجتماعية الملازمة لها ولا سيما الصراع الطبقي مثلما لا يجوز إقصاء التعبير الثقافي والسياسي والأيديولوجي لهذه الطبقات والفئات الاجتماعية، والصراعات الطبقية، ولذلك فشل أيضاً في إنجاز أي مشروع وحدوي، وفي الدفاع عن الوحدة السورية المصرية.

لا شك أن الوحدة الاندماجية بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة اصطدمت بحقائق عديدة في الوطن العربي، ومنها:

أولاً: أن الإمبريالية الأميركية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية تريد استغلال ما أصاب بريطانيا وفرنسا من أنهاك، لكي تملأ "فراغ القوة" الذي نشأ في المشرق العربي، الذي نشأت فيه حركة قومية عربية حاشدة ولكنها عاطفية بقيادة جمال عبد الناصر تطمح إلى تحقيق الاستقلال الحقيقي للأمة بواسطة الوحدة العربية الشاملة.

وكانت الإمبراطورية الأميركية التي تقدر أهمية الوطن العربي في الصراع الدولي، وفي استراتيجيتها الكونية، ترى أن السيطرة عليه هي فعلاً "معركة القرن". ولذا فقد كان ضرورياً للإمبريالية الأميركية أن تحارب الوحدة، لكي يبقي الوطن العربي هامشاً وتابعاً ومجزءاً.

ثانياً: أن الطبقات والفئات البرجوازية -الإقطاعية الرجعية السورية، التي نمت ضمن إطار الوضع الكولونيالي، وحتى البرجوازية الوطنية المتعارضة مصالحها مع الإمبريالية، وقيادة حزب البعث اليمينية، التي كانت حساباتهم وآمالهم من خلال التسلل إلى صفوف العاملين من أجل الوحدة في الآونة الأولى من الوحدة هي وقف سير سورية نحو الانجراف باتجاه اليسار، قد تضررت مصالحهم بسبب المرسوم الصادر في 27 أيلول 1958 الخاص بتنظيم العلاقات الزراعية، والحد من الملكية الكبيرة للأراضي في القطر السوري، وحول توزيع الأراضي المصادرة على الفلاحين المعدمين. أن تطبيق الإصلاح الزراعي بشكل تماثلي وميكانيكي للإصلاح الزراعي الذي أعلن في مصر من دون أخذ بالحسبان الخصائص المتعلقة بالأوضاع المحلية السورية، قد جعل الإقطاعيين السوريين يقاطعون قرارات لجان مصادرة الأراضي، كما أن السياسة الاقتصادية في ميدان الصناعة والتجارة التي انتهجتها حكومة الجمهورية العربية المتحدة في سورية قد كانت خاضعة لمصلحة البرجوازية المصرية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الإنتاج الصناعي في سورية، وتوقف عشرات المؤسسات الصناعية والمعامل الحرفية عن العمل في العديد من المدن السورية. وفي غضون ذلك احتدمت التناقضات بين البرجوازية السورية والمصرية، وامتنعت الأولى عن توظيف رساميلها في المؤسسات الوطنية، وازداد العجز في ميزانية الدولة، وفي التجارة، وفي ميزان المدفوعات... "وقد انعكس استياء البرجوازية السورية ومقاومتها لمحاولات تطبيق المراسيم التي كان هدفها الصناعات الكبيرة في الجمهورية العربية المتحدة لتعزيز القطاع العام، ووضع نشاط البرجوازية الكبيرة والإقطاعيين تحت رقابة الدولة في تموز 1961) من جهة، في تجميد النشاط الاقتصادي، وفي أعمال التخريب في المؤسسات المؤممة، ومن جهة ثانية في إعداد انقلاب لأجل الاستيلاء على السلطة"(64) .

ثالثاً: إن الحركة القومية بجميع تلاوينها القائدة الداعية إلى تحقيق الوحدة العربية لم تكن حركة ديمقراطية حديثة وعقلانية طرحت موضوع إنجاز الثورة الديمقراطية. فالوعي الأيديولوجي والسياسي للحركة القومية كان قاصراً نظرياً وعملياً، ويعود ذلك إلى أن الفئات الوسطى التي طرحت قصة الوحدة لم تستطع أن تكون قيادة ديمقراطية وشعبية، ولا قيادة فكرية. ولذلك حين قامت دولة الوحدة أصدرت المراسيم بحل الأحزاب السياسية والمنظمات الديمقراطية، ومنع الاجتماعات والمظاهرات، وقاد هذا الوضع إلى عرقلة تطور سورية الديمقراطي الاقتصادي من خلال عرقلة ومنع إشاعة الديمقراطية السياسية بين أوساط الشعب، فلا إمكانية لإنجاز الوحدة بدون طرح برنامج ثورة ديمقراطية شاملة. وبدون أن تتبنى القوى المناضلة من أجل الوحدة قيماً وتقاليد ديمقراطية، في سبيل تحقيق الإتساق المنطقي والضروري بين حركة الوحدة وحركة الواقع العربي وحاجات تغييره راديكالياً. لذلك كله انهارت حركة الوحدة مع استخدام سلاح العداء للديمقراطية وتهميش الشعب، والقضاء على المكونات الأساسية للمجتمع المدني. وكان انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة في 28/ أيلول 1961، عقب الانقلاب العسكري الذي قامت به الأوساط البرجوازية الإقطاعية في سورية، هو بمنزلة اغتيال لجنين دولة الوحدة العربية. وضرب لأعز أماني الأمة العربية. ووقف العسكر لأول مرة في وجه طموحات الأمة.

ثمة عوامل وأسباب أدت إلى وقوع الانفصال يمكن أن نوجزها على النحو التالي:

أن الانفصال شكل ضربة قوية معادية لقضية الوحدة العربية وطليعة لهجوم الدوائر المحافظة التقليدية والبرجوازية السورية والإمبريالية لتغيير موازين القوى في المنطقة من خلال ضرب الوحدة بين مصر وسورية، وبالتالي التحكم في المنطقة العربية. وكانت العقبة الأولى التي عرقلت عملية بناء الوحدة العربية بين الاقليمين سورية ومصر، وعلى الرغم من وجود وحدة دستورية قائمة ومتمثلة هي غياب الوحدة السياسية. وعلى الرغم أن القومية العربية أصبحت أيديولوجيا مقبولة في الوطن العربي، لا سيما عند النخبة المثقفة والمسيسة، وعرفت تجربة وحدوية في الزمان والمكان، إلا أن قضية الوحدة العربية لم تصبح مشروعاً ثورياً وشمولياً، ومهمة نضالية على هذا القدر من الراديكالية ينعتق فيها الشعب العربي والأمة العربية جمعاء لإنجازها من أجل إقامة دولة قومية حديثة، تحقق الاندماج القومي، وتبني علاقة سياسية قويمة بين الشعب والسلطة على أسس ديمقراطية. فالوحدة العربية لا يمكن تحقيقها في الوطن المتأخر بدون تسيس الشعب. ولأن الظروف الملموسة في الوطن العربي سواء منها رمي الإمبريالية الأميركية بكل ثقلها ضد القضية القومية بعد التجربة الناصرية ووحدة 1958، وخلق الهيمنة الإمبريالية والتبعية الاقتصادية أشكال سلطة متعددة لها مصالحها القطرية الخاصة، وليس لأي منها مصلحة في الوحدة، لأنها لا تعكس إرادة أوسع قطاعات الأمة من جهة، ولأن مصالحها الاقتصادية لا تحتاج إلى السوق القومية، بل إلى تنمية علاقاتها الخارجية مع السوق الرأسمالية العالمية من جهة أخرى، تجعل الوحدة هي قضية العمال والفلاحين والفئات الوسطى الديمقراطية. لأن هذه الفئات لها مصلحة حقيقية في تحقيق الوحدة، ولذلك فإن هؤلاء هم قوتها الأساسية، والحال هذه يتطلب بناء قوتها السياسية.

غير أن دولة الوحدة في عهد عبد الناصر حلت جميع الأحزاب، خصوصاً أن هذا الأخير كان حذراً من الأيديولوجيات والأحزاب السياسية، وتبقى صيغة الاتحاد القومي الذي كان منظمة سياسية تجمعية بشكل كمي لا بشكل كيفي، وكان يمثل الفراغ السياسي في دولة الوحدة. فكل الأعمال التي تصدر عن الاتحاد القومي لم تكن نتيجة اندفاع ذاتي لقيادته أو لقاعدته، وإنما كانت انعكاسات لارادة السلطة السياسية، وكان في معظم تلك الأعمال يحاول اللحاق بالحكم. والاتحاد القومي لم يكن يصدر في نشاطاته، على قلتها عن مبادرة ذاتية واعية خلاقة بقدر ما كانت تحركاته انعكاسات لمبادرة الحكم، وجرياً للحاق بها، ومحاولة للانسجام مع مقتضياتها، لم يكن للاتحاد القومي مؤسسة ذات مبادرة مستقلة واعية "ميكانيكية للعمل الذاتي التلقائي بقدر ما كان يعتبر، على ما كان يبدو أداة في يد الحكم" (65) .

وهكذا أوجدت دولة الوحدة فراغاً سياسياً لجهة حل الأحزاب السياسية القادرة على المشاركة في التعبئة الشعبية، والعمل الثوري الراديكالي من أجل الوحدة، التي تحتاج إلى الحركة الجامعة للأمة، والتي لا يمكن أن تحتجب أو تزول أو تنسحب منها الأحزاب السياسية. من هنا عزلت دولة الوحدة نفسها عن الفعل الإيجابي الذي تقوم به الأحزاب السياسية في وطن متأخر مثل الوطن العربي يعاني نقصاً في الاندماج القومي من أجل صيانة الوحدة. فالأحزاب الأيديولوجية الراديكالية مطالبة بالقيام بعملية تسييس الشعب عبر نقل الوعي الثوري الراديكالي إلى صفوفه، كي يستطيع هذا الأخير أن يكون المحرك الرئيسي في سيرورة بناء الوحدة على أسس ديمقراطية والدولة القوية الحديثة. "هناك لابد من إيضاح حول الديمقراطية التي كثيراً ما أعطيت، في وطننا العربي، تارة باسم القومية وتارة أخرى باسم الاشتراكية، تفسيرات احتيالية تقليدية، جعلت منها غطاء لاستبداد مملوكي محدث: الديمقراطية هي البنيان أو التنظيم الذي يجعل التظاهرات الاستبدادية مستحيلة. هذا البنيان الديمقراطي يرتكز على أربعة أعمدة مبدأ الانتخاب، تقسيم السلطات، الصحافة الحرة، الأحزاب الحرة)، ترمي أساساً موضوعياً للممارسة السياسية الديمقراطية، التي تتلخص في واقع أن الحرية هي حرية الآخرين، إذ أن "المستبد لا يلغي حريته، بل حرية الآخرين فحسب" فقط في الديمقراطية يتعلم الشعب السياسة ويقوى، وعندما يصبح الشعب أقوى من الحكم ويطيعه ويتواصل معه في نفس الوقت، وعندما لا تغدو الديمقراطية منفذاً لترسيم وإحياء المجتمع التقليدي، وانقساماته الفئوية والطائفية، وعندما تغدو التعددية في صلب الأيديولوجية السائدة في المجتمع -عندئذ يمكن القول أن شعبنا أخذ يمارس السياسة" (66) .

لهذا كله لم يكن الرد الشعبي على الانفصال مؤثراً. وكان هناك رد عسكري تمثل في تمرد حامية حلب التي كان يقودها العقيد جاسم العلوان في 31 آذار 1962، ومع ذلك فإن "نظام الانفصال" بقيادة البرجوازية والإقطاعية لم يستطيع أن يعود بتطور سورية إلى الوراء، ويوجهه للاندماج في الرأسمالية. مثلما كان عليه صعباً المحافظة على النظم الإقطاعية البالية في ظل تصاعد النضال المطلبي، بالعودة إلى الوحدة مع مصر، وتدعيم التحولات الديمقراطية والتقدمية التي تحققت في فترة الوحدة. وكان لا بد لنشاط البرجوازية والإقطاعية الحاكمة المعادي للمطالب الديمقراطية والتقدمية أن يفاقم الاستياء في أوساط الشعب، وهو الأمر الذي جذب الفئات الوسطى في المدينة والريف للمشاركة في الأحداث الجارية على المسرح السياسي السوري. وتوطدت بذالك مواقع حزب البعث، ودوره في الحياة السياسية السورية، على الرغم من ظهور التكتلات داخل الحزب على صعيد القطر السوري في ظل تفجر أزمة البعث في المؤتمر القومي الخامس بين التكتلات المختلفة.

-الأول، ويعرف تحت اسم "حركة الوحدويين الاشتراكيين" وهو اتجاه ناصري الميول والمواقف، ولكن من منطلقات بعثية ومن قادته البارزين سامي الجندي ومصطفى الحلاق، ورفض أن يعترف بفك الوحدة بين سورية ومصر.

-الثاني، ويتزعمه أكرم حوراني، وقد عرف عنه عداؤه الشديد للنظام الناصري، ويجمع المحللون السياسيون بأن هذه المعركة الطاحنة التي خاضها بشراسة ضد عبد الناصر هي بمنزلة الخطأ السياسي القاتل والورقة الخاسرة التي وضعت حداً نهائياً لحياة أكرم الحوراني السياسية في سورية.

-الثالث، "القطريون" أي الذين يؤيدون ويتبعون "القيادة القطرية" المؤقتة في سورية "ويعتبر هذا التكتل أن كل وحدة لا يمكن أن تتحقق بين بلدين عربيين إلا إذا سار كل منها بحزم وتصميم في الطريق الاشتراكي، وفي إقامة حكم ديمقراطي تقدمي وشعبي.

-الرابع: القيادة القومية، ويتزعمها ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار، التي تزعزعت أيديولوجيتها "التقليدية" والرومانسية، عن الوحدة بسبب التجربة المرة عن أول وحدة عربية. ولكنها كانت ترد على كل التيارات التي هي من جذور بعثية، والتي كانت ترفض أي حوار مع الرئيس عبد الناصر، ويؤكد في الوقت عينه، أن حزب البعث "لا يستطيع أن يتهرب من المشكلة أو من القضية، لا بحجة مكافحة الناصرية، ولابحجة الوحدة مع قطر أو أقطار عربية أخرى غير مصر، لا يستطيع الحزب أن يقول لا نريد الوحدة مع مصر ما دام عبد الناصر فيها".

ويشهد الجيش بدوره اتساعاً في نشاط المعارضة في صفوفه بعد احتدام الأزمة في أوساط الحلف البرجوازي الإقطاعي الحاكم، وتبلورت في داخله ثلاث تيارات رئيسية:

الأول/ ويتكون من الضباط القوميين والتقدميين المستقلين المتناقضين مع النظام الانفصالي، والداعين إلى الوحدة، ولكن دون أن يكونوا من أنصار وحدة غير مشروطة مع مصر الناصرية.

الثاني/ ويتكون من الضباط الناصريين والذين لا يجمعهم رابط تنظيمي يوحد صفوفهم.

الثالث/ ويتألف من الضباط البعثيين المتمحورين في بنية نتظيمية متماسكة وسرية، الذين سيكون لهم الدور الكبير في تفجير ثورة آذار المجيدة عام 1963، بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي.



r



r هوامش الفصل الخامس :




الدكتور سعد الدين ابراهيم - المجتمع والدولة في الوطن العربي - مصدر سابق - ص 137). انظر أيضاً سعد الدين ابراهيم، الأقليات والطوائف في الوطن العربي بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ).


لوتسكي تاريخ الأقطار العربية الحديث دار الفارابي -الطبعة الثامنة 1985 ص160).


لوتسكي المصدر السابق ص 374 - 375) .


د. حكيم اليازجي - د. حليم اليازجي - د. فهمية شرف الدين - سعيد مراد - حسن نور الدين - غادة كنفاني -، رغدة نحاس. بحوث في الفكر القومي العربي - سلسلة درامات اعدت باشراف الدكتور معن زيادة - المجلد الأول - معهد الانماء العربي - الطبعة الأولى 1983 0 ص 109).


لوتسكي - المصدرالسابق ص 399).


د. حكيم اليازجي - بحوث في الفكر القومي العربي - مصدر سابق - ص 168).


ادهم آل جندي : تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي - مطبعة الاتحاد - دمشق 1960 - ص7).


د. حكيم اليازجي - بحوث في الفكر القومي العربي - مصدر سابق - ص 237).


الارمنازي نجيب : سوريا من الاحتلال حتى الجلاء - محاضرات القيت على طلبة قسم الدراسات التاريخية 1953، جامعة الدول العربية - معهد الدراسات العربية 1954، ص 33-34).


المصدر السابق ص 40)


اسماعيل عادل - السياسة الدولية في الشرق العربي، من سنة 1789 إلى سنة 1958 - الجزء الخامس : من 11 ت 1 1918) إلى بداية الحرب العالمية الثانية ايلول 1939) دار النشر للسياسة والتاريخ، بيروت 1970 ص 118 - 119- 120)...


جوردن هـ.نوري - السياسة السورية والعسكريون 1945- 1958 - ترجمة محمود فلاحة - دار الجماهير الطبعة الثانية 1969 ص 16-62).


المصدر السابق ص 62-63) انظر صبحي بركات - وجيه مرموق من انطاكية وهوتركي أكثر من عربي في لغته وسيرته واصله. انظر ستيفن همزلي لونجريج، سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي لندن مطبعة جامعة اكسفورد، 1958). ص129).


المصدر السابق ص 63) - انظر لونجريج - المصدر المذكور سابقاً ص 32).


الدكتور خلدون حسن النقيب - الدولة التسلطية في المشرق العربي - مركز دراسات الوحدة العربية ص 87).


د. حليم اليازجي ص 252) انظر عبد الرحمن الكيالي - المراحل ج ع من عام 1936 - 1939 - حلب سوريا الجمهورية العربية المتحدة 960- مطبعة العناد - حلب ص 331- 312 ).


المصدر السابق ص 252 - 253) انظر الكيالي فشل الدور الوطني وأسبابه ص527- 551).


د. خلدون حسن النقيب - مصدر سابق ص 92).


المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية - بحث مسعود ظاهر - مركز دراسات الوحدة العربية - الطبعة الأولى أيلول / سبتمبر 1992 ص 405 - 406).


محمد عبد المولى - الانهيار الكبير - أسباب قيام وسقوط مصر وسورية - دار المسيرة بيروت - الطبعة الثانية كانون الثاني 1979 ص 108) - انظر كتاب الاستاذ ساطع الحصري العروبة بين دعاتها ومعارضيها).


باتريك سيل - الصراع على سورية - دراسة السياسة العربية 1945 - 1958 - ترجمة سمير عبده - محمود فلاحة - دار الكلمة للنشر - الطبعة الأولى 1980 - ص 50-51) انظر أيضاً ميشيل عفلق للمؤلف في بيروت 7 كانون الثاني 1961.


محمد عبد المولي - مصدر سابق 109) انظر ياسين الحافظ - حول قضايا الثورة العربية دار الطليعة، بيروت سنة 1965 ص 226).


جوردون توري - مصدر سابق ص 83).


المصدر السابق ص 73).


المصدر السابق ص 84-85).


المصدر السابق ص 88).


المصدر السابق ص 98).


المصدر السابق ص 97) .المادة 6 من الدستور 1830.


مكتب الوثائق السورية والعربية في دمشق، النشرة 557، 1953.


رالف كرو : دراسة عن القوى السياسية في سورية بالاعتماد على انتخابات عام 1954 أيار 1955 "، استشهد بها باتريك سيل في كتابه المذكور سابقاً ص 52).


عبد الخالق عبد الله، التبعية والتبعية السياسية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ببيروت 1986 ص 64-65).


المصدر السابق ص 65).


د. خلدون حسن النقيب - مصدر سابق ص 96) انظر بشكل مبدئي الانصاري - تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي 1930 - 1970 ص 152 - 187).


مصطفى دندشلي - حزب البعث العربي الاشتراكي - 1940 -1963 - الجزء الأول - الطبعة الأولى تشرين الثاني - 1979 - ص 38 - 39) انظر في سبيل البعث، طبعة 1959، ببيروت، دار الطليعة ص 44).


المصدر السابق ص 39).


نضال الشعب، الجزء الثاني ص 163 - 166)، ص 166 - 177) وبخاصة المقال الصادر بجريدة البعث في 29 كانون الأول ديسمبر) 1951 بعنوان " لماذا نحرص على الحياة الدستورية والحكم الديمقراطي الشعبي؟


محمد عبد المولى - مصدر سابق ص 138-139 ).


المصدر السابق ص 139) انظر

Paretz , D “ The Middle East Today “ Hdt , Rinchart and Wi nston USA 1963 P. 362).


ميشيل عفلق : في سبيل البعث - دار الطليعة - بيروت طبعة جديدة موسعة ص309).


ميشيل عفلق - المصدر السابق ص 233).


مصطفى دندشلي - مصدر سابق ص 112) انظر ميشيل عفلق حول الاشتراكية العربية ص 6-7).


المصدر السابق - ص 64).


جوردون - هـ- توري مصدر سابق ص 70).


الياس مرقص - تاريخ الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي دار الطليعة بيوت 1966 - ص 92).


المصدر السابق ص 91)....

(46) ياسين الحافظ -الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة- دار الطليعة- الطبعة الأولى 1979 ص71/72)

(47) رشدي الكيخا-كما ورد في الصحف السورية- العرض اليومي للصحافة 30 تموز 1949.

(48) جوردن هـ. نوري -السياسة السورية والعسكريون 1945-1958 ترجمة محمود كلاحة -دار الجماهير الطبعة الثانية 1969 ص148)

(49) مصطفى دندشلي -حزب البعث العربي الاشتراكي 1940-1963 الجزء الأول -الطبعة الأولى تشرين الثاني ص158-159) هنا يستشهد الكاتب بوجهة نظر أكرم الحوراني في دور الجيش.

(50) جوردن هـ. نوري مصدر سابقص172)

(51) باتريك سيل -الصراع على سورية- دار الكلمة للنشر- الطبعة الأولى 1980 ص112-113)

(52) جوردن هـ. نوري مصدر سابق ص172-173)

(53) المصدر السابق 184) انظر دستور عام 1950

(54) المصدر السابق ص224) -انظر الجريدة الرسمية- المرسوم التشريعي رقم /47/ 6 كانون الثاني 1952

(55) أنظر "نضال البعث بشأن تكوين الجبهة الوطنية" الجزء الثاني ص199 وما بعدها)

(56) محمد عبد المولى -الانهيار الكبير أسباب قيام وسقوط وحدة مصر وسورية- دار المسيرة- بيروت- الطبعة الثانية كانون الثاني 1979 ص144-145)

(57) باتريك سيل -مصدر سابق ص218) أنظر جاك بيرك عالم العرب السياسي دائرة المعارف الفرنسية المجلد الحادي عشر 1957)

(58) المصدر السابقص243)

(59) الياس مرقص -تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي -دار الطليعة- بيروت 1966 ص3)

(60) جوردن هـ نوري مصدر سابق ص332)

(61) مصطفى دندشلي -مصدر سابق ص319)

(62) د.ر فوبليكوف... وأخرون- تاريخ الأقطار العربية المعاصر -1917-1970) الجزء الأول -دار التقدم- موسكو ص118)

(63) المصدر السابق ص115)

(64) المصدر السابق ص127)

(65) محمد عبد المولى -مصدر سابق ص396)

(66) ياسين الحافظ مصدر سابق ص 254).


*) -البرجوازية السورية لم تكن طبقة وحدوية.












توقيع :

.
.




للمراسلة بخصوص شبكة قامات الثقافية
ghayara.qamat@gmail.com


.
.
.

عرض البوم صور غيارى الراوي  
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

تصميم و وتركيب انكسار ديزاين

جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 09:08 PM.




Powered by vBulletin Version 3.7.3
جميع الحقوق محفوظة لشبكة قامات الثقافية 2008
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009